المبحث السادي: المقال العمودي أو العمود الصحفي ١
- مدخل:
وتتعدد فنون المقال الصحفي، ويعرف له أكثر من شكل، وأكثر من نمط، وهي مع تعددها وكثرة أنواعها وتكرار أنماطها تبدو وكأنها:
- تتلاءم مع طبيعة العصر وخصائصه، وتواكب متطلباته وإيقاعه السريع أيضا.
- ومع ظروف القراء وتأثيراتها على مقدرتهم الاستيعابية والتركيزية، ودرجة صبرهم على القراءة.
- وكثرة أنشطته، وزخم مشكلاته وامتلاء صفحته بالأحداث والوقائع.
- وتعدد الأفكار والاتجاهات والأساليب التحريرية.
ومن هنا، ولأن العصر نفسه هو عصر السرعة والاختزال والقصد إلى الهدف من أقصر طريق، عصر "المايكرو" و"المختصرات" و"البرشام" والقارئ المتسرع المتعجل اللاهث وراء أي شيء، أو وراء لا شيء.
ولأنه أيضا عصر "الأثير" و"الأسلاك الساخنة"، ومراكب الفضاء، والصواريخ تماما كما أنه عصر القصة القصيرة، والأقصوصة، والأغنية السريعة، وحيث لا وقت للروايات أو الملاحم أو الحوليات أو أغنيات الطرب وأحاديث السمار في ضوء القمر، ولياليه الطويلة.
_________________
(١) ١ "Column".
[ ١٢٣ ]
ولأنه -في النهاية- العصر الذي تقوم فيه الصحف -أو ينبغي أن تقوم فيه- بالأدوار السابقة في مجموعها، بدءا بالدور الإعلامي الإخباري، ومرورا بالدور التفسيري، وحتى دور الإمتاع والمؤانسة.
لأن العصر هو عصر ذلك كله، فقد كان على الصحف أن تتحول إلى الأخبار الصغيرة والمتوسطة وإلى أسلوبها التلغرافي الذي يعد الكلمات عدا، أو يزنها بميزان حساس، تماما كما كان عليها وحتى يمكنها أن تحافظ على وجودها نفسه، على كيانها ذاته، وإلا أصبحت غريبة او شبه غريبة، أو تعيش بمعزل عن هذا الطابع اللاهث السريع، كان عليها أن تقدم "صياغة عصرية مناسبة" أو أكثر مناسبة، للمادة المقالية، وعلى طريقة "ما قل ودل" أو كما يقول البلغاء "دلالة قليل على كثير".
وحيث جاءت هذه الصياغة الجديدة في شكل "المقال المختصر" بفتح التاء والصاد ذلك الذي أطلقت عليه عدة أسماء من بينها أو أهمها: "المقال القصير، المقال العمودي، مقال العمود، العمود الصحفي" إلخ.
[ ١٢٤ ]