أ- وكما رأينا على صفحات سابقة من أن فن المقال الحديث له مقوماته وجذوره القديمة، والقديمة جدا في بعض الأحيان، فإننا نرى هنا أن هذه الجذور نفسها مصرية أو عربية هي أقرب إلى شكل "المقال العمودي" وإلى جوهره، لا سيما من حيث قصرها وتعدد موضوعاتها، بل من حيث أسلوبها القوي والبليغ أيضا، وإذا كنا قد أشرنا في هذا المقام إلى الحكم والمواعظ المصرية القديمة التي قدمها "كاجمني" أو
[ ١٢٥ ]
"بتاح حتب" أو غيرهما، وإذا كنا قد أشرنا كذلك إلى النقوش الموجودة على شواهد القبور في مصر أيضا وفي جنوب شبه الجزيرة العربية، وعند الرومان واليونان ثم إلى بعض الفنون والكتاب العرب، فإننا نركز هنا -عند الأخيرين- على بعض الفنون التي تعتبر من مقدمات العمود الصحفي وأصوله القديمة الأدبية الطابع، ومن أهمها هنا:
- الرسائل القصيرة جدا والموجزة للغاية ولكنها على قصرها وإيجازها كانت متعددة الأغراض والمجالات، بل حاول بعض كتابها الخوض في نفس مجالات أو موضوعات القصيدة الشعرية كالمديح والوصف والرثاء والهجاء والحماسة والاعتذار والتشوق والغزل والاستعطاف وغيرها.
- بعض قطع الأدب المترجم عن الهندية والفارسية إلى العربية وصور تقليده العربية والتي أطلق المؤرخون عليها اسم "الأدب التعليمي"، وحيث كانت النصائح والحكم والأمثال والقصص القصيرة جدا -الأقصوصة- المضروبة للتمثيل.
- كتابة "التوقيعات" التي تتجه إلى تحديد الهدف والقصد من أقصر طريق وبأسلوب بليغ استنادا إلى القاعدة التي تقول: "خير الكلام ما قل ودل"، وهي نفس القاعدة التي تتضمن الفلسفة القائمة من وراء مقال العمود.
ب- وقد عاد الاهتمام بالعمود في الصحافة المصرية منذ نهاية القرن الماضي، وكان هذا الاهتمام يخمد في فترات، ثم يرتفع ويزداد في فترات أخرى، وحيث ازدهر على يد عدد من الكتاب الموهوبين في نهاية القرن الماضي، والعشرينات والثلاثينات والأربعينات من القرن الحالي نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر:
"إبراهيم المويلحي، محمد المويلحي، أحمد حافظ عوض، أمين الرافعي، أنطون الجميل، المازني، طه حسين، سلامة موسى، عبد القادر حمزة، محمد أبو شادي، حسن صبحي" وغيرهم.
ويلاحظ أن الطابع الأدبي الذاتي كان يغلب عليه دائما كما كان بعضه يتخذ له عنوانا ثابتا يحمل تعبيرا أدبيا، مثل: "ألوان، كلمة، أهازيج، خواطر، زهور، كلمة حب، ورد وشوك، أبيض وأسود، في الصميم، دنيا، لله والحرية،
[ ١٢٦ ]
بسم الله، من الجعبة، تلك الأيام، آمال وآلام ".
جـ- ولكن من المؤكد أن الطفرة الكبيرة في مقالات الأعمدة هي تلك التي حدثت بعد الأربعينات، وحيث تعددت أشكالها وموضوعاتها ومضامينها وكتابها، وتنوعت صورها وأساليب كتابتها، وحيث شهدت هذه الفترة ظهور واستمرار أبرز الأعمدة، وأشهر كتابها أيضا، وكان من بينهم أو في مقدمتهم هؤلاء جميعا:
[ ١٢٧ ]