وإذا كنا قد تحدثنا في فصل سابق عن الفائدة التي تؤديها المقالات بشكل عام، والوظيفة التي تقوم بها خدمة للقراء، والصحيفة، والمحرر نفسه، وكذا للمجتمع الذي تتوجه إليه، فإننا نركز هنا على عدد من هذه الوظائف "النوعية" التي ترتبط بهذه المقالات نفسها عن قرب، ومن هنا فإننا نقول باختصار شديد:
- إن باستطاعة هذه المقالات -في مجموعها وليس مقالة واحدة منها- أن تؤدي جميع وظائف الصحافة مجتمعة.
- فإذا شئنا "التخصيص" نقول إنها تؤدي أكثر من غيرها وظائف التفسير والتوضيح والتوجيه والإرشاد، والتثقيف، والتعليم، وتنمية المجتمع والإمتاع والمؤانسة.
- ولكن بالإضافة إلى ذلك كله، ومن زاوية المجتمع أيضا، فإننا من خلال معايشة الأساتذة الزملاء من كتابه، والقراء أيضا، وكذا من خلال المادة الموجودة فوق الصفحات نستطيع القول بأن هناك مجموعة من الوظائف الأخرى التي يؤديها على سبيل التخصيص نفسه ومنها على سبيل المثال لا الحصر هذه كلها:
١- اعطاء "جرعة" ثقافية أكبر من تلك التي تقدمها أنواع المقالات الأخرى وذلك من حيث المضمون ومن حيث التنوع أيضا.
[ ١٨٠ ]
٢- إعطاء قدر كبير من المتعة الذهنية أكبر من ذلك الذي تقدمه أنواع المقالات الأخرى.
٣- المساهمة في تخفيف وطأة عصر القلق والحضارة السريعة وإيقاع العصر اللاهث، وما جلبته الحضارة من تأثيرات على أعصاب الإنسان وراحته تجعله في حاجة ملحة وشديدة إلى أن يلتقط أنفساه، ويستريح من عناء يومه، ويسند رأسه عند مقالة إبداعية ممتعة يجد فيها طمأنينته أو هدوءه المنشود أو فردوسه الأرضي المفقود.
٤- تقديم لون مغاير تماما للون الإخباري الذي أصبح يذكر الإنسان دائما بأزماته اليومية، ومعاناته في الحصول على حاجياته ومتطلباته، وصراعه مع غيره من الناس من أجل الحصول على الكسب المادي أو المعنوي، أو الوظيفة، أو المسكن الملائم -خاصة في دول العالم الفقيرة أو غير الثرية- وكذا تقديم لون مغاير للجانب الإخباري الآخر -والهام جدا من وجهة نظر صحافة الخبر- المتمثل في أخبار الحروب والحوادث الهامة والكوارث الطبيعية وغيرها من مادة تفوح منها رائحة الدم، وحيث تزيد أهمية الخبر، بزيادة أعداد الذين أدركتهم الوفاة، أو المصابين.. مما دفع ببعض القراء إلى مقاطعة الصحف في بعض الأيام؛ لأن أكثر ما فيها يثير "النكد" من وجهة نظره.. المقال هنا ومن هذا النوع بالذات يقدم المادة الهادئة التي تشرح صدر القارئ، وتقر بها عينه، بل والتي تعيده إلى مشاعره الحقيقية، الإنسانية، بعيدا عن تلك التي تثيرها "الأخبار الدموية" من دوافع شريرة، وأحقاد دفينة.
٥- ما يمكن أن يقدمه الكاتب للقارئ من إيجابيات عديدة تصل بجمال الفكرة وجمال العرض، وجمال الأسلوب وما يثيره هذا في نفسه من صور ومعان عديدة تدفعه إلى سلوك إنساني متطور، وتحقق سروره وسعادته لفترة من الوقت، ولعل ذلك يتصل بجانب الفكر والعاطفة و"الأنا" في هذه المقالات التي قلنا إنها تمثل -بالإضافة إلى بعض الأعمدة- لونا من الأدب الصحفي الخالص، ولعل ذلك أيضا ما يجعل من تحريرها "فنا" متميزا.
٦- تنمية حاسة "التذوق" عند القراء، والسمو بنظرتهم الجمالية إلى الأشياء.
٧- تشجيع القارئ ودفعه إلى التفكير وأعمال ملكاته الكامنة، انطلاقا مما
[ ١٨١ ]
تثيره أفكار الكاتب، والمجالات المتعددة التي يطرقها.
٨- تدريب القارئ وتعويده تنظيم أفكاره، وحسن التعبير عنها انطلاقا من الفكر المنظم لكاتبه.
٩- المساهمة الإيجابية في تكوين شخصية الصحيفة وارتباطها بمقالات معينة لكتاب يرتبطون في ذهن القارئ بها وحتى المساهمة في تعرف القارئ على شكلها عند الموزع أو في وسيلة المواصلات.
١٠- مساعدة القارئ على قضاء وقت فراغ مفيد وبطريقة إيجابية.
١١- تنمية المشاعر والحواس الإنسانية والارتقاء بها عند القراء، وما يمتد إليه ذلك من تأثير.
- إعطاء فرصة أكبر لتكوين الرأي العام والمساهمة في دعم المجتمع الديموقراطي بواسطة الكلمة الصادقة والحرة والشريفة أيضا.
- مساعدة الصحيفة على مواجهة المنافسة الحادة بينها وبين الصحف الأخرى، وحيث يكون لكتابها -الذين يحق لها أن تفتخر بهم وبوجودهم ضمن أعضاء أسرتها- دورهم الكبير في ذلك انطلاقا من شهرتهم الكبيرة، وجذبهم لأعداد غير قليلة من القراء وقيامهم بالمواءمة بين صحافتي الرأي والخبر ودورهم القيادي نفسه.
[ ١٨٢ ]