حرف ١٥
١ أبو هلال العسكري: الصناعتين ص ١٢٨.
٢ انظر كتاب الوساطة بين المعنى وخصومه.
٣ الموازنة ص ٣٣، ٣٤.
٤ الموازنة ص ٢٠٤.
١ وصية أبي تمام للبحتري.
٢ المرزوقي في شرح ديوان الحماسة.
٣ يحيى بن حمزة العلوي ص ٢٤١
١ العمدة جـ ١ ص ١٥٩ - ابن رشيق.
٢ البيان والتبيان للجاحظ جـ ١ ص ٢٢١.
١ ابن قتبية الشعر والشعراء ص ٢.
٢ البيان والتبيان للجاحظ جـ ١ ص ٢٢١.
٢ طبقات الشعراء: ابن سلام الجمحي.
١ الشعراء والشعراء: لابن قتبية جـ ١ ص ٧٥.
١ نقد الشعراء: القدامة بن جعـ ر ص ١٣٠.
١ الصناعتين لأبي هلال العسكري ص ٥٧، ٦٨ الطبعة الثانية بمطبعة صبيح.
٢ عيار الشعر لابن طباطبا ٥، ٨، ٣١، ٤١.
١ شرح ديوان الحماس للمرزوقي ص ٨، ٩، ١١.
١ أسس النقد الأدبي عند العرب للدكتور أحمد بدوي ص ٥٣٤ وما بعدها.
١ العقد الفريد لابن عبد ربه جـ٣ ص ٣١١.
٢ يتيمة الدهر جـ ١ ص ٢١.
١ العقد الفريد جـ ص ١٧٣: ابن عبد ربه.
١ الموازنة للآمدي ص ٣٩١ وما بع دها.
١ فصول في الأدب والنقد للدكتور خفاجي ص ٨٦، وما بعدها.
١ إعجاز القرآن: الباقلاني.
٢ العمدة: ابن رشيق جـ ١ ص ٩٢.
١ الشعر والشعراء: لابن قتيبة جـ ١ ص ٥٩ وما بعدها.
١ فصول في الأدب والنقد للدكتور خفاجي ص ٨٤ وما بعدها.
١ المرجع السابق د سه ص ٨٤.
١ الموازنة من ص ٤٧ - ٨٨.
١ الموازنة ص ٢٧٧ وما بعدها.
١ الموازنة ص ٢٩١ - ٣٠٠.
[ ٩١ ]
الهوامش حرف ١٥
١ معجم الأدباء ياقوت الحموي. ص ٧٥.
٢ ١٨٣ الموازنة: الأمدي: تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد - الطبعة الأولى ١٣٦٣ هـ - ١٩٤٤ م.
٢ البيان والتبيين ص ١٧٦.
١ نقد الشعر: قداحة بن جعفر.
١ ٨٧ جـ معجم الأدباء.
٢ تاريخ النقد الأدبي لطه إبراهيم.
١ ٢٥ الموازنة: الآمدي.
٢ ٢٨٢ المثل الشاعر: ابن الأثير.
١ الموازنة ص ١٧٦: الآمدي.
٢ الموازنة ص ٢: الآمدي.
١ الموازنة ص ٢١: الآمدي.
١ الموازنة ص ٣. الآمدي.
١ الموازنة ص ١٧٦ - ١٨٠.
١ الموازنة ص ٣: الآمدي.
١ الموازنة للآمدي من ص ١ - ص ٤٥٥ بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. الطبعة الأولى ١٣٦٣ هـ - ١٤٤ م.
١ اتجاهات النقد الأدبي. د. محمد السعدي فرهود ص ١٦١ وما بعدها.
١ الموازنة: الآمدي ص ٢٨١.
١ الموازنة: المقدمة.
٢ طبع ونشر دار الحارثي بالطائف: السعودية.
١ فصول في الأدب والنقد للدكتور خفاجي ص ٨١ وما بعدها.
١ الأدب المقارن للدكتور خفاجي ص ١٠١.
١ الشعر والشعراء لابن قتيبة ص ٧٤، ٧٥.
١ الأدب العرية في العصر العباسي الأول للدكتور خفاجي ص ١٧٤، ١٧٥.
١ اتجاهات النقد الأدبي للدكتور فرهود ص ٢٥٦ وما بعدها.
٢ ديوان المتنبي ص ١٨٣.
١ المرزدقي: شرح ديوان الحماسة ص ١.
٢ أبو هلال العسكري: الصناعتين ص ٤٩.
٣ القلقشندي: صبح الأعشى جـ ٢ ص ٢٠٢.
١ ابن سنان الخفاجي: سر الفصاحة ص ٧٣.
[ ٩٢ ]
الهوامش حرف ١٥
١ أصول النقد: للدكتور خفاجي ص ١٨٨.
١ أصول النقد: ص ١٨٨.
١ الموازنة ص ٣٩٦ وما بعدها.
١ أصول النقد للدكتور خفاجي ص ١٧٢.
١ أصول النقد ص ١٨٠.
١ الموازنة ص ١٢، ١٧.
١ الموازنة ص ٩.
١ الموازنة ص ٦ مقدمة.
١ الموازنة ص ٩.
٢ الموازنة ص ١٧.
١ الموازنة ص ١٦.
٢ دلائل الإعجاز ص ١٩٥ الطبعة الرابعة دار المنار سنة ١٣٦٧ هـ.
١ مقدمة الموازنة ص ٣.
٢ أصول النقد د. خفاجي ص ١٨٥، ١٨٩.
١ الموازنة ص ٥٢٤.
١ العمدة لابن رشيق جـ ٢ ص ١١٤.
١ الموازنة ص ٤.
٢ زهرة الآداب جـ ٣ ص ٢٦٣.
٣ الأمالي لأبي علي القالي جـ ٣ ص ٩٣.
١ أنظر أخبار أبو تمام ص ٢٤٦.
١ الموازنة ص ١١.
١ أخبار أبي تمام للصولي ص ٢٣١.
٢ طبقات الأدباء لابن الأنباري ص ٢١٣.
١ إعجاز القرآن ص ٥٣.
١ الموازنة ص ٦.
[ ٩٣ ]
القسم الثاني: قضايا المعنى واللفظ والأسلوب والنظم والصورة والموسيقى:
الفصل الأول: القضايا النقدية في صحيفة بشر بن المعتمد
صحيفة بشر بن المعتمر وأثرها في النقد الأدبي:
بشر بن المعتمر:
هو أبو سهل بشر بن المعتمر المتوفى عام ٢١٠ هـ، من طبقة الكتاب والنقاد والمتكلمين، عاش في القرن الثاني الهجري، وعاصر الشاعر أبا تمام "١٧٢ - ٢٣١ هـ] وكذلك الأديب الناقد ابن سلام الجمحي [م ٢٣١ هـ] .
ولد أبو سهل في الكوفة، ثم تحول عنها إلى البصرة، واستقر في بغداد، وطار ذكره فيها، وتوثقت صلته بالرشيد وبالفضل بن يحيى البرمكي، ويعدّ بشر شيخ فرقة البشرية التي سميت باسمه، تسمو بالعقل، وتعتدّ بمقاييسه في جوانب الفكر والكلام، ومن شعره الذي يذم فيه التقليد:١
_________________
(١) ١ الحيوان: الجاحظ: تحقيق عبد السلام هارون ٦، ٢٨٦.
[ ٩٥ ]
قد غمر التقليد أحلامهم فناصبوا القياس ذا السبر
ويذم إباضية الخوارج ورافضة الشيعة، الذين يعتقدون أن كتابهم "الجفر" جمع العلوم كلها إلى يوم القيامة: فيقول:
لست إباضيًّا غبيًّا ولا كرافضي غره الجفر
كما يغر الآل في سبب سفرًا فأودى عنده السَّفر
لسنا الحشو الجفاة الأولى عابوا الذي عابوا ولم يدروا
لا تنجح الحكمة فيهم كما يبنو عن الجرولة القطر
ولئك الداء العضال الذي أأعيا لديه الصاب والمقر١
_________________
(١) ١ الآل: السراب السبب الصحراء. السفر: المسافرون. الجرولة: الصخرة الملاء. الصاب والمقر: نباتان حاران.
[ ٩٦ ]
ومن شعره هذا وغيره يظهر لنا أنه شاعر، لكنه في شعره تعليمي، ومن ذلك قصيدته التي يعتز فيها بالعقل، ويشيد بمنزلته السامية في الإنسان يقول:
لله درُّ العقل من رائد وصاحب في العسر واليسر
وحالكم يقضي على غائب قضية الشاهد للأمر
وإن شيئًا بعض أفعاله أن يفصل الخير من الشر
لذو قوى قد خصه ربه بخالص التقديس والطهر
وله قصائد كثيرة تصوّر الطبيعة والحياة، يستدل من خلالهما بعقله على قدرة الخالق المبدع لها سبحانه وتعالى٢:
_________________
(١) ١ الحيوان: ٢٩٢. ٦. ٢ الحيوان: ٢٢٩. ٤، ٦٢. ٦، ٢٨٤، ٢٩٩ وغيرها.
[ ٩٧ ]
وهو بهذا الاتجاه العقلي كان يتصدَّى لأهل الملل والنحل، ويحاورهم بالعقل والبرهان، ليردّ الحجة بالدليل العقلي القاطع١.
ذكر المرتضى أن له أرجوزة تحمل مذهبه العقلي بلغت أربعين ألف بيت٢، والجاحظ يفضل بشرًا في الشعر التعليمي على إبان بن عبد الحميد، فهو أقوى منه، وخاصة في نظم المخمس والمزدوج٣. ومنها أرجوزته في تفضيل علي بن أبي طالب على الخوارج يقول فيها:
ما كان في أسلافهم أبو الحسن ولا ابن عباس ولا أهل السنن
غير مصابيح الدجى مناجب أولئك الأعلام لا الأعارب
كمثل حرقوص ومَنْ حرقوص؟ فقعة قاع حولها قصيص
_________________
(١) ١ رأي د. شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي ٣، ٤٢٧. ٢ آمال المرتضى: ١٨٦.١. ٣ الحيوان: ٢٣٩.٤.
[ ٩٨ ]
ليس من الحنظل يشتار العسل ولا من البحور يصطاد الورل١
وذكر له الجاحظ قصيدتين طويلتين في موطن آخر بقوله: أول ما نبدأ قبل ذكر الحشرات وأصناف الحيوان والوحش بشعر بشر بن المعتمر، فإن له في هذا الباب قصيدتين قد جمع فيها كثيرًا من هذه الغرائب والفرائد. ونبَّه بهذا على وجوه كثيرة من الحكمة العجيبة والموعظة البليغة وإذا قسمنا ما عندنا في هذه الأصناف على بيوت هذين الشعرين وقع ذكرهما مصنفًا، فيصير حينئذٍ آنق في الأسماع، وأشدّ في الحفظ٢.
ويذكر فيها طبائع الإنسان وما تأصَّل فيه من الطمع، وكذلك طبائع الحيوان والطير، وما فيهما من غرائب، وعدَّه العلماء والنقاد قديمًا وحديثًا من أشهر بلغاء ونقاد القرن الثاني الهجري، إذ تركت صحيفته المشهورة أثرًا واضحًا وكبيرًا في
_________________
(١) ١ حرقوص من زعماء الخوارج. القصيص. شجر ينبت فيه الفقع تدوسه الإبل الورل: دابة كالضب. ٢ الحيوان: ٢٨٤.٦ وما بعدها.
[ ٩٩ ]
علماء البلاغة والنقد، ومن ذلك ما ذكره الجاحظ من إشادة إبراهيم السكوني، "مر بشر بإبراهيم بنجيلة بن مخرمة السكوني الخطيب، وهو يعلم فتيانهم الخطابة فوقف بشر، فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد، أو ليكون رجلًا من النظارة، فقال بشر: اضربوا عما قال صفحًا، واطووا عنه كشحًا، ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره وتنميقه ثم قال بشر: فلما قرأت على إبراهيم قال لي: أنا أحوج إلى هذا من هؤلاء الفتيان"١.
ثم بعد الجاحظ بشرًا من الطبقة المتميزة عنده، ذات النبع الثرار الصافي، وهي طبقة الكتاب في القرن الثاني الهجري، ومنها أيضًا عبد الحميد الكاتب، وابن المقفع وسهل بن هارون، والحسن بن سهل، والفضل بن سهل، وابن الزيات وغيرهم، قال الجاحظ: "أما أنا فلم أَرَ قومًا قط أمثل طريقة في البلاغة من الكتاب، فإنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرًا وحشيًّا، ولا ساقطًا سوقيًّا"٢.
_________________
(١) البيان والتبيين "الجاحظ: ١٣٤.١ تحقيق عبد السلام هارون. ٢ المرجع السابق: ١٣٥. ١.
[ ١٠٠ ]
منزلة الصحيفة من الفنون الأدبية:
الأدب شعر ونثر، ويتنوع النثر الأدبي إلى فنون من أهمها الخطبة والرسالة والقصة والأقصوصة، والمسرحية النثرية وفن السيرة والمقالة بأقسامها المختلفة، وهي المقالة الأدبية، والمقالة النقدية، والمقالة الفلسفية، والمقالة التاريخية، والمقالة العلمية، والمقالة الاجتماعية، والمقالة السياسية ولكل من هذه الأقسام والفنون بناؤه وتركيبه، وخصائصه الفنية وأغراضه، وطريقته في المعالجة والكتابة١.
وتعدُّ هذه الصحيفة لبشر بن المعتمر مقالًا أدبيًّا في النقد والبلاغة، إذا أردنا أن نقيسها بمقياس النقد الحديث، لتطابق الخصائص الفنية فيها، على ما اصطلح عليه النقد الحديث، من خصائص المقالة في هذا الجانب المتعدد، فيشمل المقال في الأدب والنقد والبلاغة، وبذلك تكون صحيفة بشر مقالة أدبية نقدية، جمعت بين خصائصهما
_________________
(١) ١ انظر: دراسات في الأدب العربي الحديث ومذاهبه د/ خفاجي، فن المقالة د/ محمد يوسف نجم - أدب المقالة الصحفية في مصر د / عبد اللطيف حمزة - فنون الأدب ترجمة د/ زكي نجيب محمود
[ ١٠١ ]
معًا، أي بين خصائص المقال الأدبي وبين خصائص المقال في النقد.
فالمقال الأدبي في النقد لا يحتاج كثيرًا إلى الخيال، لتحلق صورة في كل عبارة فصاحب الصحيفة هنا يحدّد معالم الأسلوب الجيد، وخصائص الأدب الرفيع، ويضع المنهج في الصياغة الجيدة، ويحدّد الأصول والقواعد في التراكيب، ويشخّص معالم البلاغة في باب "مقتضى الحال"، وما يتناسب من مقال مع كل مقام، ومثل هذه الموضوعات لا تحتاج كثيرًا إلى الخيال بصوره المختلفة من التشبيهات والاستعارات والكنايات، ومع استغنائه عن الخيال غالبًا، فقد كانت الصحيفة تتفجر قوة، وتنساب جمالًا، وذلك في التعبير عن هذه الحقائق في أسلوب قوي، وتركيب محكم، ونظم بديع، لا قلق فيه ولا اضطراب، فصارت قطعة أدبية رائعة، تشدّ انتباه السامع، وتأخذ بعقله وقلبه.
وليس من الضروري أن يعتمد التصوير الأدبي في كل الحالات على وسائل البيان السابقة، فقد تخلو الصورة عن الألوان البيانية، وتعتمد على دعائم أخرى، تقوم عليها
[ ١٠٢ ]
الصورة، مثل انتقاء الألفاظ، وسلكها في نظم دقيق، يتوخى فيه الأديب معاني النحو، من تقديم وتأخير، وتنكير وتعريف، وغير ذلك مما ورد في علم المعاني وموافقة الصورة لمقتضى الحال، وهذه الدعائم هي التي اعتمد عليها بشر في التصوير الأدبي لهذا المقال النقدي البلاغي.
ومع ذلك لم يخل كلام بشر من ألوان الخيال البياني: مثل: خذ من نفسك ساعة نشاطك - واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول - فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد - والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك -ويشين ألفاظك- والمعنى ليس يشرف وكذلك ليس يتصنع - أن تفهم العامة معاني الخاصة وتكسوها الألفاظ الواسطة - التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الأكفاء وغيرها من الصورة البيانية التقليدية في الأسلوب الذي اشتمل على المجاز والتشبيه والاستعارة والكناية والتجريد.
وإن كنت أرى أن هذه الصور البيانية صور لم يقصد بها الكاتب التصوير الخيالي كعادة الشعراء والأدباء، وإنما كان يقصد الحقيقة، والكشف عنها بأسلوب دقيق يشدُّ انتباه النفس، ويثير كوامن الشعور، ليكون من باب الإيقاظ.
[ ١٠٣ ]
والاندماج مع القارئ، ومن ناحية أخرى أن هذه الصور من لوازم التعبير، بحيث لا يستطيع بشر أن يتخلى عنها، فقد جاءت مساقة مع الفكرة، ومتجاوبة مع التعبير، وضرورية في تصوير الحقيقة، فهي لا بديل لها في إقامة هذا البناء الفني في منهج المقال النقدي والبلاغي، ولهذا المنهج الفني عرض بشر الحقائق عرضًا دقيقًا يقوم على تنظيم الفكرة، وتوزيعها توزيعًا منسقًا مثل قوله: وكن في ثلاث منازل ثم يقول: فالمنزلة الأولى فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك. فإذا انتهى من المنزلة الثانية قال: فإن تمنع عليك بعد ذلك فالمنزلة الثالثة إلى غير ذلك.
ولكي يقع القارئ يدعم رأيه بالدليل، فرأى أن للمتلكملين ألفاظًا واصطلاحات لا بد من رعايتها في الكلام فقال: "إذا كانوا لتلك العبارات أفهم، وإلى تلك الألفاظ أميل، وإليها أحن" وغير ذلك كثير في صحيفته.
هذه المقومات في صحيفة بشر يجعلها متميزة في اتجاهها الفني، وذلك بالخصائص والسمات التي اصطلح عليها النقد الحديث للمقال الأدبي في النقد والبلاغة، وقد
[ ١٠٤ ]
اتضحت خصائصه وهي: بناؤه على فكرة واضحة، وترابط بين أجزائها، والتدليل عليها، والإقناع بأدلة من ذات الأسلوب مرة، وعقلية ثانية، وتمثيلية تطبيقية ثالثة، وكذلك البناء التركيبي في الصحيفة يعتمد على اختيار اللفظ، الذي يفصح عن معناه بدقة، حتى في الألفاظ البيانية السابقة، التي انسابت مع التعبير، ثم انتقاء الأساليب التي تعبر عن الحقيقة بوضوح سافر، وجلاء كاشف، وكذلك لم تسيطر العاطفة على بشر، ولم تظهر مشاعره فيها، لأن العاطفة والمشاعر الذاتية تطغى على الحقيقة، وتستهلك منهج الإقناع العقلي والواقعي في مجالي علمي النقد والبلاغة، ولذلك ظهرت الصورة البيانية فاترة من الشعور، وخلوا من العاطفة الجياشة، التي تلبد سماء الحقيقة بالغيوم، فيذهب العقل فيها كل مذهب، لكن بشرًا يقصد من وراء الصحيفة مذهبًا واحدًا فقط لا كل مذهب.
ومع هذه القيم الفنية للصحيفة، فهو مقال أدبي أيضًا في النقد والبلاغة لأنه خلا من المنهج الفني للمقال العلمي، الذي يقوم على الإحصائيات والأرقام وسوق الفروض والمقدمات صريحة لاستنتاج البرهان، وغيرها مما تجردت عنه الصحيفة، وبذلك دخلت في باب المقال الأدبي، الذي يتضمن النقد والبلاغة.
[ ١٠٥ ]
وإذا تأملنا موضوع الصحيفة وانسجام الأفكار والمعاني فيها، وجدنا أن الفكرة في موضوعها تشدُّ الفكرة، والمعنى يتفجر من المعنى، وجميع الأفكار والمعاني تسير في اتساق وانسجام، وتتقدم في تآلف ومؤاخاة، متآزرة في الكشف عن موضوع الصحيفة، وهو بلاغة الأدب وروعته، ولذلك تحدَّث بشر عن الصدق العاطفي ثم عن المشاعر الحارة والإحساس الدقيق، ثم عرض خصائص الأدب الرفيع، مما اقتضى أن يوضح مراتب الأدب، وهي الأدب الجيد، والرديء، والوسط، وكذلك مراتب الأديب تبعًا لمراتب الأدب، ثم كان ختام حديثه عن مقتضى الحال، ليكون كالحكم على ما سبق بالجودة أو غيرها، فإن تحقق ما يقتضيه الحال فهو الأدب الجيد وإن خلا من ذلك فهو الأدب الوسط أو الرديء.
[ ١٠٦ ]
مجال التأثير والتأثر:
في التراث النقدي:
يُعدّ بشر في نظرنا أول ناقد كتب في بعض قضايا النقد العربي القديم في صحيفته المشهورة؛ لأنه توفي عام [٢١٠ هـ] وكان يعاصر صاحب أول كتاب في تاريخ الأدب والنقد لابن سلام الجمحي المتوفى [٢٣١ هـ] وكانت نقداته في كتابه "طبقات الشعراء" نظرات عامة، وكل النقاد الذين دوَّنوا نقداتهم أتوا بعد بشر في عصر التدوين، وظهر إنتاجهم النقدي بعد صحيفته التي أشار فيها أبو سهل إلى قيم نقدية، ونظرات واضحة في بعض قضايا النقد الأساسية، ثم تأثر النقاد الذين جاءوا بعده به تأثرًا كبيرًا وخطيرًا، وترسَّموا خطاه، وإن تميَّز بعضهم في بعض الجوانب دون البعض بالإطناب والتخصص والتفصيل.
وأما وصية أبي تمام لتلميذه البحتري الذي عاش ما بين [١٧٢ - ٢٣١ هـ] فإنني أخرجها عن مجال التأثر والتأثير، لأن بشرًا كان يعاصر أبا تمام، يتجاوبان معًا في
[ ١٠٧ ]
تيارات الحركة الأدبية والنقدية في هذا العصر، وهما إن كانا متفقين معًا في بعض الآراء، فلا نستطيع بحال، أن نجزم بمن سبق الآخر في رأيه، ولم أقف على دليل بعين السابق منهما في هذا الرأي، والأقرب إلى الإنصاف أن نقول: بأن العصر الذي جمعهما يحمل طابعًا في النقد الأدبي، هو من سمات ذلك العصر، وبشر وأبو تمام من الذين كان لهم دور كبير في هذا البناء النقدي لعصرهم.
ومن هذا المنطلق نقول: إن وصية أبي تمام لتلميذه لم تخضع لمجال التأثر والتأثيرن الذي يهز كيان بشر في صحيفته، حتى لا نقول بأن بشرًا متأثر بالوصية، ويؤيد رأيي هذا أن شخصية كل منهما متميزة في التعبير عما يقول الآخر، ويظهر ذلك جيدًا حينما أعرض الوصية، ثم ما يتفق معها في الاتجاه من صحيفة بشر.
جاء في وصية أبي تمام لتلميذه: "يا أبا عبادة تخيَّر الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو ضبطه في وقت السحر، وذلك أن النفس قد أخذت حظها من الراحة، وقسطها من النوم وإذا عارضك الضجر، فأرح
[ ١٠٨ ]
نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب"١.
أما قول بشر: "خذ من نفسك ساعة نشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة، أكرم جوهرًا، وأشرف نسبًا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش القول، وأجلب لكل عين وغرة من لفظ شريف، ومعنى بديع، واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة"٢.
والفرق بينهما كبير، وهما في عصر واحد، فأبو تمام في وصيته أديب شاعر وبشر في صحيفته أديب ناقد، وكل منهما يعبر عن رأيه وشخصه في هذا الجانب وليس ببعيد أن يتلقى كل منهما رأي الآخر، ولا يتهمه بالتأثر، لأنهما يعيشان معًا في جو أدبي وفكري وثقافي واحد.
وأما ابن سلام الجمحي فله اتجاه في تاريخ الأدب العربي ونظرات في النقد تختلف عن اتجاه بشر في
_________________
(١) ١ العمدة: ابن رشيق ٢/ ١١٤ تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد. ٢ البيان والتبيين: الجاحظ ١٣٤.١.
[ ١٠٩ ]
صحيفته، وإن اتفقا في بعض الوجوه، فذلك أيضًا خارج عن مجال التأثر والتأثير، لأنهما يعيشان معًا في جو أدبي وفكري وثقافي واحد أيضًا.
لأن مجال التأثر والتأثير الدقيق يكون في عصرين أحدهما سابق والآخر لاحق، ولا مجال للحاضر والمعاصر، وبشر وابن سلام وأبو تمام كانوا جميعًا يعيشون في عصر واحد. فمجال الصحيفة في التأثير والتأثر كان له دور كبير في العصور اللاحقة في البلاغة والنقد، وعند الأدباء والنقاد وعلماء البلاغة، وسنوضح هذا المجال في التأثير عندما نتحدث عن القضايا النقدية التي أثارها بشر في صحيفته.
القريحة والاكتساب:
يعدّ بشر أول ناقد كتب في النقد عن الموهبة والاكتساب والطبع والصنعة في صحيفته، فقد ميز بين الأدب الذي خرج عن طبع وسليقة وبين الأدب الذي صدر عن تعب وجهد، وتأمل وصنعة، فالأدب المطبوع يكون صاحبه
[ ١١٠ ]
ملهمًا، فإذا ما أراد موضوعًا تزاحمت عليه المعاني، وتفتحت موهبته عن مخزونها من أفكار وخواطر، وانقادت له الألفاظ، وتلاحقت على لسانه الكلمات، وانصاعت له الأساليب، وكان عليه أن يتجاوب مع طبعه، فيكتب عن طبع بلا جهد ولا معاناة وينساب مع موضوعه بلا تأمل ولا ضجر، وهذا ما أطلق عليه النقاد فيما بعد "أدب الطبع" فمصدره القريحة الصافية، والطبع الأصيل، والاكتساب يأتي بعد ذلك تبعًا لا أصلًا.
أما الأدب المصنوع فلا يخلو من الموهبة أولًا، لكن صاحبه يعاني أثناء الكتابة والصياغة جهدًا شاقًّا، ووقتًا مضنيًا، يفتش فيه بين جوانب نفسه ليصطاد الخواطر التي تنسجم مع موضوعه، ويبحث خارج ذاته عن أفكار وأساليب وصور، وربما يترك الكتابة وقتًا، ليستعين عليها بوقت آخر، يعاني فيه من المعاودة والتكرار، والتهذيب والصقل والمتابعة، حتى يكتب في النهاية، ويصدر عن صنعة في أدب مصقول مهذب، كان الاكتساب فيه أظهر وأقوى من الطبع والقريحة. أما من لا طبع له، ولا موهبة قادرة على الاكتساب والتهذيب، فالأولى له أن ينصرف عن الأدب إلى صناعة أخرى، تتجاوب معه، وهذا ما أشار إليه بشر في صحيفته:
[ ١١١ ]
"كن في إحدى ثلاث منازل، فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقًا وفخمًا سهلًا ويكون معناك ظاهرًا مكشوفًا وقريبًا معروفًا فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك، ولا تسمح لك عند أول نظرك في أول تكلفك فإن أنت ابتليت بأن تتكلف القول وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطباع، فلا تعجل ولا تضجر، ودعه بياض يومك أو سواد ليلك، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك، فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة: إن كانت هناك طبيعة أو جريت من الصناعة على عرق فإن تمنع عليك فالمنزلة الثالثة أن تتحوَّل عن هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك وأخفها عليك" ١.
ثم يتناول أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ "م ٢٥٥ هـ] الطبع والصنعة بصورة أوسع وأعمق متأثرًا بما سبق من كلام بشر، فيرى أن المعاني مشتركة لكن تميز الأديب يرجع إلى صحة الطبع في الصياغة والتصوير يقول: "والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ،
_________________
(١) ١ البيان والتبيين: الجاحظ ١/ ١٣٥.
[ ١١٢ ]
وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنما الشعر صياغة، وضرب من التصوير"١.
ويقول الجاحظ في الطبع والإلهام عندما تحدث عن الخطابة عند العرب: فكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إحالة فكرة ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام فتأتيه المعاني أرسالًا وتنثال عليه الألفاظ انثيالًا"٢.
ثم يتحدث الجاحظ عن الصنعة في الأدب لأنه يعرف أن: "من شعراء العرب من كان يدع العقيدة تمكث عنده حولًا كريتًا "كاملًا"، وزمنًا طويلًا، يردَّد فيها نظره، ويقلب فيها رأيه اتهامًا لعقله، وتتبعًا على نفسه، فيجعل عقله ذمامًا على رأيه، ورأيه عيارًا على شعره، إشفاقًا على أدبه، وإحرازًا لما خوله الله من نعمته، وكانوا يسمون تلك القصائد الحوليات والمقلدات، والمنقحات والمحكمات"٣.
_________________
(١) ١ الحيوان ٣/ ٤٠. ٢ البيان والتبيين: ٢/ ١٥. ٣ المرجع السابق: ٢/ ٢١.
[ ١١٣ ]
وأما ابن قتيبة [م ٢٧٦ هـ] فيصف الشاعر المطبوع بأنه إذا امتحن لم يتلعثم ومن الشعراء المتكلف والمطبوع، فالمتكلف هو الذي قوم شعره بالثقاف، ونقحه بطول التفتيش وأعاد فيه النظر، كزهير والحطيئة، وكان الأصمعي يقول: زهير والحطيئة وأمثالهما من الشعراء عبيد الشعر، لأنهم نقحوه، ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين"١ والمقصود بالمتكلف عنده هو المصنوع لأن المتكلف ساقط من باب الأدب الجيد جملة.
ويوضح ابن قتيبة الطبع أكثر حين يقول: والشعراء بالطبع مختلفون فمنهم من يسهل عليه المديح ويتعذَّر عليه الهجاء فهذا ذو الرمة أحسن الناس تشبيبًا، وأجودهم تشبيهًا، وأوصفهم لرمل وهاجرة وفلاة وماء وقراد وحية، فإذا صار إلى المديح والهجاء خانه الطبع وذلك الذي أخره عن الفحول" ٢.
والذي يدل على أن المتكلف عنده هو أدب الصنعة قوله: "والمتكلف وإن كان جيد الشعر محكمه فليس فيه
_________________
(١) ١ الشعر والشعراء: ٨: ١٢. ٢ المرجع السابق: ١٤.
[ ١١٤ ]
الشعراء يتفاوتون في شعرهم بالطبع، ثم يعين الطبع أمورًا أخرى كالرواية والذكاء والدربة يقول: "إن الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدربة مادة له، وقوة لكل واحد من أسبابه"١.
ويوضح التصنع ليفرق بينه وبين المطبوع فيقول: "إن رام أحدهم الأغراب لم يتمكن من بعض ما يرومه إلا بأشدّ تكلف، وأتمّ تصنع، ومع التكلف المقت، وللنفس عن التصنع نفرة، وفي مفارقة الطبع قلة حلاوة، وذهاب الرونق، وإخلاق الديباجة، وربما كان ذلك سببًا لطمس المحاسن فصار هذا الجنس إذا قرع السمع لم يصل إلى القلب، إلا بعد إتعاب الفكر، وكدّ الخاطر، والحمل على القريحة وهذه جريرة التكلف"٢.
ويفصل ابن رشيق بين المطبوع والمصنوع فيقول: [م ٤٦٣ هـ] "ومن الشعر مطبوع ومصنوع، فالمطبوع هو الأصل الذي وضع أولًا، وعليه المدار، والمصنوع وإن وقع
_________________
(١) ١ الوساطة بين المتنبي وخصومه: ٢١. ٢ المرجع السابق: ٢٤.
[ ١١٦ ]
عليه هذا الاسم، فليس متكلفًا تكلف أشعار المولدين"١
ثم يقرّر ذلك ابن الأثير [م ٦٢٧هـ] فيقول: "اعلم أن صناعة تأليف الكلام من المنظوم والمنثور تفتقر إلى الآت كثيرة وملاك هذه كله الطبع فإنه لا تغنى تلك الآلات شيئًا، ومثال ذلك كمثل النار الكامنة في الزناد والحديدة التي يقدح بها ألا ترى أنه إذا لم يكن في الزناد نار، لا تفيد تلك الحديدة شيئًا" ٢.
وغيرهم من النقاد وعلماء البلاغة كثيرون، الذين تأثروا بصحيفة بشر في حديثه عن الطبع والصنعة مثل أبو هلال العسكري [م ٣٩٥ هـ] وابن طباطبا [م ٣٢٢ هـ] والآمدي "م ٣٧٠ هـ] .
_________________
(١) ١ العمدة: ١/ ٨٢. ٢ المثل السائر: ص ٣
[ ١١٧ ]
منزلة العاطفة من الأدب:
العاطفة القوية الصادقة هي التي تجعل الأدب قويا والشعر نابضًا بالحياة، فهي من النص الأدبي بمنزلة الروح من الجسد، فيها يسمو الأدب ويخلد الشعر، ولذلك تنبه لها النقاد القدامى، وأشادوا بمنزلتها من الأدب، وتحدثوا عن مصادرها القوية، ومنابعها المندفقة، وأوارها المتأجج، فاختاروا لها أنسب الأوقات وأصفاها، وأجمل الأماكن وأهدأها، ووضح أبو سهل في صحيفته وقت احتدام العاطفة، ومنطلق صدقها، وحرارتها، ومنزلتها من الأدب، حين تبعث فيه القوة والحياة قال بشر: "خذ من نفسك ساعة نشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرًا، وأشرف نسبًا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش القول، وأجلب لكل عين وغرة١، من لفظ شريف، ومعنى بديع، واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة" ٢.
_________________
(١) ١ أجلب: أكثر طلبًا، عين: نفيس، وغرة: حرارة وتوقد، أشرف نسبًا: أحسن اختيارًا للألفاظ. أكرم جوهرًا أكثر معرفة بفصاحة الكرم. ٢ البيان والتبيين: الجاحظ ١/ ١٣٤.
[ ١١٨ ]
ينبغي على الاديب أن ينتقي أنسب الأوقات لكتابة الأدب أو إنشاد الشعر أو إلقاء الخطب، ويمتنع عن الكتابة في وقت فتور العقل، وخمود البدن، وتبلد الإحساس وامتلاء المعدة، فكما قالوا: إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة. وإنما يكتب الأديب أثناء النشاط في البدن، واليقظة في العقل، والحركة في الذهن، وانفعال المشاعر، ورقة الأحاسيس، لتكون العاطفة صادقة، والخيال خصبان فتتمكن منه الألفاظ الكريمة، والكلمات الفصيحة، والنظم البليغ، والتراكيب القوية، والمعاني البديعة، والأفكار المبتكرة، فإن مثل هذه الفترة، مهما كانت وجيزة فهي أفضل من أيام خفتت فيها العاطفة الصادقة، حين يعاني منها الأديب أثناء الصياغة من آلام الكد والمطاولة ومتاعب الجهد والمحاولة.
فالعاطفة الصادقة هي التي تؤجج في الأدب شعورا متدفقًا، وإحساسًا عميقًا، ونشاطًا فكريًّا وذهنيًّا، فينبض الأدب بالحياة، والحياة فيه هي الصدق العاطفي والفني، فيرتفع إلى سمو الغرض، وشرف الهدف، ووضوح المعنى، وينقاد اللفظ خفيفًا سهلًا على اللسان، ويجري رقيقًا عذبًا، كالماء العذب الرقيق، والينبوع الثر الصافي.
[ ١١٩ ]
وحرارة العاطفة لا تزج بالأديب في دروب الخطأ، ومنحنيات التيه، لأن العقل يوجهها ويسدّد خطاها، وينظم شراراتها، فلا تهبط في الشعاب المتوعرة، أو تنزل في مخالق التعقيد، الذي يلف المعنى في ضباب كثيف، أو يدرج الغرض في أثواب قائمة، فيكون الأديب في أسلوبه الذي اختفى فيه المعنى، أسوأ حالًا قبل أن يكشف عنه.
وأبو تمام الذي عاصر بشرًا تحدَّث عن وقت نشاط العاطفة، وعن مصدر القوة والصدق في الأدب بما وصَّى به تلميذه البحتري: يا أبا عبادة تخيَّر الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، وأعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر فإذا عارضك الضجر، فأرح نفسك ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب.
وسار ابن قتيبة على نهج بشر، متأثرًا به في حديثه عن العاطفة، ووقتها وصدقها قال: "وللشعر أوقات يسرع أتيه١، ويسمح فيها أبيه، منها أول الليل قبل تغشي
_________________
(١) ١ أتيه: سبك.
[ ١٢٠ ]
الكرى، ومنها صدر النهار قبل الغداء، ومنها يوم شرب الدواء، ومنها الخلوة في المجلس وفي المسير، ولهذه العلل تختلف أشعار ورسائل المترسل"١. ويسير أبو هلال العسكري [م ٣٩٥ هـ] في هذا الطريق الذي بدأه بشر، فيذكر الأديب بالكف عن الأدب إذا شعر بفتور أو ملل، ويحثه على العمل يقول فاعمل: "ما دمت في شباب نشاطك، فإذا غشيك الفتور، وتخونك الملال، فأمسك، فإن الكثير مع الملال قليل، والنفيس مع الضجر خسيس، والخواطر كالينابيع، يسقى منها شيء بعد شيء، فتجد حاجتك من الري، وتنال إربك من المنفعة فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها، وقلَّ عنك غناؤها"٢.
وغيرهم من النقاد الذين تأثروا بالصحيفة مثل الآمدي٣، والقاضي الجرجاني ٤، وعبد القاهر الجرجاني٥.
_________________
(١) ١ الشعر والشعراء: ٩ ٢ الصناعتين: ١٢٨. ٣ الموازنة: ص ١٧٣ وما بعدها. ٤ الوساطة: ٣٦٠. ٥ دلائل الإعجاز: ٨٨.
[ ١٢١ ]
الوزن والقافية:
وتحدث بشر عن قوة الوزن والقافية، وتناسبهما، وحسن موقعهما بين الألفاظ، وتلاحم المعاني في الأبيات، يقول بعد أن تحدث جودة الألفاظ: "والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها، ولم تصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها نافرة عن موضعها، فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن، والنزول في غير أوطانها، فإنك إذا لم تتعاطى قرض الشعر الموزون، ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بترك ذلك أحد، وإن أنت تكلفتك، ولم تكن حاذقًا مطبوعًا عابك من أنت أقل عيبًا منك"١.
ويتأثر أبو هلال بما ذكره بشر عن الوزن والقافية، فيقول أبو هلال: "وإن أردت أن تعمل شعرًا، فأحضر المعاني التي تريد نظمها فكرك وأخطرها على قلبك وأطلب لها وزنًا، يتأتى فيه إيرادها، وقافية يحتملها، فمن المعاني ما تتمكن من نظمه في قافية، ولا تتمكن منه في أخرى، أو تكون في هذه أقرب طريقًا، وأيسر كلفة منه في
_________________
(١) ١ البيان والتبيين: الجاحظ ١٣٥.١.
[ ١٢٢ ]
تلك، وإذا عملت قصيدة فهذّبها ونقّحها بإلقاء ما غثَّ من أبياتها، ورثَّ ورذل والاقتصار على ما حسن وفخم، بإبدال حرف منها بآخر أجود منه، حتى تسوّى أجزاءها، وتتضارع هواديها وأعجازها"١.
ويذكر ذلك أيضًا ابن رشيق فيقول: "ومنهم يحكم القافية في انتاجه، فينصب قافية بعينها لبيت بعينه من الشعر، مثل أن تكون ثالثة أو رابعة أو نحو ذلك لا يعدو بها ذلك الموضع، إلا أن انحلَّ عنه نظم أبياته، وذلك عيب في الصنعة شديد ونقص بين، لأنه أعنى الشاعر بصير على شيء واحد بعينه، مضيقًا عليه، وداخلًا تحت حكم القافية، وكانوا يقولون: ليكن الشعر تحت حكمك، ولا تكن تحت حكمه ومنهم من إذا أخذ في صنعة الشعر كتب عن القوافي ما يصلح لذلك الوزن الذي هو فيه، ثم أخذ مستعملها وشريفها وما سعد معانيه وما وافقها، واطرح ما سوى ذلك، إلا أنه لا بد أن يجمعها، ليكرر فيها نظره، ويعيد عليها تخيره في حين العمل، هذا الذي عليه حذاق القوم ومن الشعراء من إذا جاءه البيت عفوًا أثبته ثم
_________________
(١) ١ الصناعتين: ١٣٣.
[ ١٢٣ ]
رجع إليه فنقحه، وصفاه من كدره، وذلك أسرع له، وأخف عليه، وأصح لنظره، وأرخى لباله، وآخر لا يثبت البيت إلا بعد إحكامه في نفسه، وتثقيفه من جميع جهاته، وذلك أشرف للهمة، وأدل على القدرة والصواب ألا يصنع الشاعر بيتًا لا يعرف قافيته، غير أني لا أجد في ذلك طبعي جملة، ولا أقدر عليه بل أصنع القسيم الأول على ما أريده، ثم ألتمس في نفس ما يليق به من القوافي بعد ذلك، فأبني عليه القسيم، أفعل ذلك، كما يفعل من يبني البيت كله على القافية، ولم أر ذلك بمخلٍ عليّ، ولا يزيحني عن مرادي، ولا يغير علي شيئًا من لفظ القسيم الأول إلا في الندرة، التي لا يعتدّ بها أو على جهة التنقيح المفرط"١.
وصاحب الصحيفة أول ناقد تحدث عن القافية والوزن في ميزان النقد الأدبي، ثم جاء النقاد بعده لينظروا فيها نظرة نقدية تقوم على التحليل والتعليل حينًا، وعلى تجربة الناقد نفسه في الشعر حينًا آخر كابن رشيق في عمدته.
_________________
(١) ١ العمدة: ابن رشيق ١٤٠، ١٤١.
[ ١٢٤ ]
منازل الأديب ومراتب الأدب:
الأدب موهبة وفن وصنعة ماهرة، لا يستطيع كل من مالت إليه نفسه أن يكون أديبًا فقد أجمع النقاد على أن الأديب يوجد ومعه الموهبة، التي تعينه على إجادة هذا الفن، ومن لم توجد معه هذه الموهبة فعليه أن ينصرف إلى صنعة أخرى، تتناسب مع ميله وطبعه، وهذا ما قرره بشر أول النقاد، حين حدَّد منازل الأديب من الأدب، فجعل في المنزلة الأولى الأديب الموهوب ذا القريحة الملهمة، ليصدر عن أدب رفيع جيد، وفي المنزلة الثانية الأديب، الذي يعاني في أدبه من الكد والمطاولة، فيكون أدبه وسطًا، وفي المنزلة الدانية وهي الثالثة، ينتج صاحبها كلامًا مهلهلًا متكلفًا، وهو الأدب الرديء، يقول بشر: ١.
"كن في إحدى ثلاث منازل، فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقًا عذبًا، وفخمًا سهلًا، ويكون معناك ظاهرًا مكشوفًا، وقريبًا معروفًا، فإن كانت المنزلة
_________________
(١) ١ البيان والتبيين: الجاحظ ١، ١٣٤ العمدة: ابن رشيق ١٤٢.١.
[ ١٢٥ ]
الأولى لا تواتيك ولا تعتريك، ولا تسمح لك عند أول نظرك في أول تكلفك، وتجد اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصل إلى قرارها، وإلى حقها من أماكنها المقسومة لها فإن أنت تكلفتها، ولم تكن حاذقًا مطبوعًا، ولا محكمًا لشأنك، بصيرًا بما عليك ولك، عابك من أنت أقل منه عيبًا، ورأى من هو دونك أنه فوقك، فإذا أنت ابتليت بأن تتكلف القول، وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح الطباع فلا تعجل، ولا تضجر، ودعه بياض يومك، أو سواد ليلك، وعاوده عند نشاطك، وفراغ بالك، فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة، إن كانت هناك طبيعة، أو جريت من الصناعة على عرق، فإن تمنع عليك بعد ذلك من غير حادث شغل، ومن غير طول إهمال، فالمنزلة الثالثة أن تتحول عن هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، وأخفها عليك، فإنك لم تشته ولم تنازع إليه إلا وبينكما نسب والشيء لا يحن إلا إلى ما يشاكله"١.
ذكر بشر ثلاث منازل للأديب حسب منزلة أدبه، ومكانه من الجودة أو الرداءة أو التوسط بين الجودة والرداءة، ووضح خصائص الأدب الجيد في المنزلة الأولى للأديب،
_________________
(١) ١ حاذقا: ماهرًا - مطبوعًا: مفطورًا وهي ضد الصنعة - طبيعة: موهبة.
[ ١٢٦ ]
حيث يرتقي إلى الدرجات الرفيعة من البلاغة، وذلك إذا تراشق الأسلوب عنده باللفظ الخفيف على اللسان، وبالكلمة اللطيفة في الصياغة، فتسيل عذوبة، وتختال رشاقة، ويحسبها القارئ فخمة عند النظر إليها، فإذا بها تنساب إلى النفس سهلة عند التعرف عليها.
وذلك لأن المعاني ظاهرة للأبصار، والأفكار واضحة للأفهام، قريبة إلى أنفس العلماء والأدباء، فيبلغ بها الأديب أعلى المنازل، فتنحني أمامه طرائق التعبير، وتذوب على لسانه توعر الكلمات، وتسهل لديه بيداء الأساليب، فينسج من الأدب لونًا واحدًا، يقع من نفوس الجميع موقعًا بليغًا، لا يخفى على الدهماء، ولا ينكره البلغاء.
فإن حرم الأديب المنزلة الأولى، التي اجتمعت لها خصائص الأدب الرفيع من أول وهلة، وأحس بأن اللفظة قلقة في التعبير، والكلمة ناشزة في الأسلوب، والتراكيب تموج بالقلق والاضطراب، وندت الفقرات عن مواقعها ونفرت العبارات من قرارها، ووقعت القافية من البيت موقعًا قلقًا، وسارت إلى غير مركزها في القصيدة، يكرهها الشاعر على اغتصاب المواقع في التصوير، وتنزل من الأسلوب في غير موطنها الدقيق واللائق بها، وغير ذلك من الصفات
[ ١٢٧ ]
الرديئة التي تنزل بالأدب عن منازل الحذق والمهارة، والطبع والقريحة، فيهوى بها إلى الصنعة والكلفة، وتمجّه الأذواق السليمة.
ومثل هذا الرجل الذي لم تأتِ إليه الصياغة طوعًا لأول وهلة، قد لا يحرم من موهبة الأديب، ولا من طبيعة القول البليغ الذي شابه شيء من صنعة المتأدّبين، مثل هذا المتأدّب، قد تتحرك فيه العاطفة الصادقة بعد فترة قصيرة، فيستجيب له اللفظ الذي يتناسب مع المعنى، وتخضع له التراكيب التي تتلاءم مع الغرض، وإن واتته على مهل، وطاوعته بعد عصيان فنزل أدبه إلى درجة التوسط بين الجيد والرديء.
فإن استعصى على الرجل هذا اللون الثاني من الأدب أثناء المحاولة بعد فترة قليلة من الزمن، والذي لم يخل من الصنعة المهذبة، فكان اللفظ قلقًا، والكلمة ناشزة، والقافية مضطربة، والتراكيب تستعصى على المعاني، وتتنافر مع الأغراض فيصير أدبه رديئًا، يجرد صاحبه من الأدب، وعليه حينئذٍ أن يترك الأدب، ويتجه إلى صنعة أخرى تتناسب مع ميوله وغريزته، وينزل عند حرفة أخرى.
[ ١٢٨ ]
تتواءم مع طبعه، وتلتقي مع مزاجه، لأن لكل طبيعة بشرية صنعة تجيد العمل فيها، ولكل فطرة إنسانية حرفة تنقاد لها، فنرى الأديب والشاعر، والخطيب والناثر، والتاجر والصانع، والزارع والصائغ إلى غير ذلك من ألوان الصناعات.
ثم يتزاحم النقاد بعده متأثرين به في توضيح منازل الأديب ومراتب الأدب ودرجاته، يقول أبو هلال العسكري: "إذا أردت أن تصنع كلامًا فأخطر معانيه ببالك وتنوق له كرائم اللفظ١، واجعلها على ذكر منك، ليقرب عليك تناولها، ولا يتعبك طلبها، فإذا مررت بلفظ حسن أخذت برقبته، أو معنى بديع تعلقت بذيله وإذا أردت أن تعمل شعرًا فحضر المعاني التي تريد نظمها" إلخ ما سبق ذكره.
ويرى الناقد ابن رشيق أن معاناة الشاعر في شعره أحيانًا تؤدي إلى كدّ فكره، وانصرافه إلى المعنى حتى يبلغ مراده، ويضرب لذلك مثلًا من شعر الفرزدق قال:
فإني أنا الموت الذي هو ذاهب بنفسك فانظر كيف أنت محاوله
_________________
(١) ١ تنوق: تخير وانتق اللفظ.
[ ١٢٩ ]
وحلف الفرزدق أن جريرًا لا يغلبه فيه، فكان جرير يتمرغ في الرمضاء حتى نقضه بقوله:
أنا الدهر يفني الموت والدهر خالد فجئني بمثل الدهر شيئًا يطاوله
ثم يأتي محمد بن طباطبا [م ٣٢٢ هـ] ليفصل القول في هذا تفصيلًا قائمًا على تجربته الشعرية الذاتية، ومعاناة الأدب بنفسه، ليقرر أن الأديب يمرّ بمرحلة التفكير وترتيب المعاني، التي يريد نظمها، ثم مرحلة الإنتاج ليواخي بين المعاني بعضها مع بعض، وبينها وبين ما يتلاءم معها من القوافي والأوزان في اتساق وترتيب، بلا فجوة أو خلل، ثم مرحلة الترتيب والتنسيق بين الأبيات متوخيًا معانيها، ثم المرحلة الرابعة وهي التهذيب والتثقيف كالذكر أو الحذف، والتقديم والتاخير، والصقل والتثقيف، حتى يظهر النص في أجمل صورة، يقول ابن طباطبا:
"إذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى١ الذي
_________________
(١) ١ مخض: قلب وتدبر.
[ ١٣٠ ]
يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرًا، وأعدَّ له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه والوزن الذي يسلس له القول عليه، فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته، وأعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه، بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه على تفاوت ما بينه وبين ما قبله، فإذا أكملت له المعاني وكثرت الأبيات وفق بينها بأبيات تكون نظامًا لها، وسلكًا جامعًا لما تشتت منها، ثم يتأمَّل ما قد أدَّاه إليه طبعه، ونتحته فكرته، فيستقصي انتقاده، ويرم ما وهي منه، ويبدل بكل لفظة مستكرهة لفظة سهلة نقية، وإن اتفقت له قافية قد شغلها في معنى من المعاني، واتفق له معنى آخر مضادّ للمعنى الأول، وكانت تلك القافية أوقع في المعنى الثاني منها في المعنى الأول، نقلها إلى المعنى المختار الذي هو أحسن، وأبطل ذلك البيت، أو نقض بعضه وطلب لمعناه قافية تشاكله، ويكون كالنساج الحاذق الذي يقوف وشيه بأحسن التقويف، ويسديه وينيره، ولا يهلهل شيئًا منه فيشينه١، وكالنقاش الرقيق
_________________
(١) ١ يقوف: قوف الثوب صنع فيه خطوطًا بيضاء على الطول - والسدي من الثوب خلاف اللحمة وهو ما مدَّ من خيوطه - وينيره: جعل له نيرًا خلاف سداه - هلهل الثوب: نسجه سخيفًا.
[ ١٣١ ]
الذي يضع الأصباغ في أحسن تقاسيم نقشه، ويشبع كل صبغ منها حتى يتضاعف حسنه في العيان، وكناظم الجواهر الذي يؤلف بين النفيس منها والثمين الرائق، ولا يشين عقوده بأن يفاوت بين جواهرها في نظمها وتنسيقها" ١.
ويذكر ب شر خصائص الأسلوب الجيد فيقول: "ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولًا قصدًا، وخفيفًا على اللسان سهلًا، وكما خرج من ينبوعه، ونجم عن معدنه وإياك والتوعر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك، ومن أراد معنى كريمًا فليلتمس له لفظًا كريمًا، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما، وعما تعود من أجله إلى أن تكون أسوأ حالًا منك قبل أن تلتمس إظهارهما وترتهن نفسك بملابستهما، وقضاء حقهما" ٢.
_________________
(١) ١ عيار الشعر: ص ٥. ٢ البيان والتبيين ك الجاحظ ١٣٥.١.
[ ١٣٢ ]
مقتضى الحال:
وهذه القضية من أبواب البلاغة التي اشتغل بها من بعده علماء البلاغة، وأدخلوها في علم المعاني، وهي من أهم قضايا نقد الأدب العربي، ووضح بشر أن مقتضى الحال هو أساس علم البلاغة، وبه يسمو الشعر والأدب قال: "ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين، وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلامًا، ولكل حالة من ذلك مقامًا، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، واقدار المستمعين على اقدار تلك الحالات، فإن كان الخطيب متكلمًا، تجنب١ ألفاظ المتكلمين، كما إنه إن عبر عن شيء من صناعة الكلام واصفًا، أو مجيبًا، أو سائلًا، كان أولى الألفاظ به ألفاظ المتكلمين، إذ كانوا لتلك العبارات أفهم، وإلى تلك الألفاظ أميل، وإليها أحن، وبها أشغف، ولأن كبار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا فوق أكثر الخطباء، وأبلغ من كثير من البلغاء، وهم تخيروا تلك الألفاظ لتلك
_________________
(١) ١ تجنب: التزم
[ ١٣٣ ]
المعاني، وهم اشتقوا لها من كلام تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسميته ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا في ذلك سلفًا لكل خلف وقدوة لكل تابع"١.
يتناول بشر في هذه الفقرة أساسًا من أسس الجودة، وبابًا من أبواب البلاغة الذي يهتم به الأديب في أدبه اهتمامًا كبيرًا وهو باب مقتضى الحال، ويعدّ هذا الباب الأساس الأول في علم البلاغة؛ إذ به يصحّ النص الأدبي، وعلى الأديب أن يحدّد المعنى الذي يخاطب به الآخرين، سواء أكان هذا المعنى في اللغة أو الأدب أو البلاغة أو التوحيد أو غير ذلك، ويتعرَّف على أجزائه، ثم يحدّد الطبقة من المستمعين، لأن لكل طبقة طريقة في التعبير يحسنون فهمها، فطريقة علماء الكلام تختلف عن أسلوب النحاة، ثم يتعرف على أحوال المستمعين، فتارة يكونون في حالة ينكرون فيها المعنى، وتارة يجهلونه، وتارة يشكون فيه، ولكل حالة من هذه الحالات الثلاث أسلوب معين يعتمد على التوكيد أحيانًا، أو لا يعتمد، ويضرب أمثلة كثيرة لطرائق التعبير في باب مقتضى الحال، مثل مخاطبة المتكلمين من
_________________
(١) ١ البيان والتبيين: الجاحظ ١/ ١٣٥.
[ ١٣٤ ]
أهل علم الكلام، ومخاطبة العروضيين، ومخاطبة النحويين، ومخاطبة علماء الرياضة والحساب.
وعلماء البلاغة ينسبون هذا القول إلى مطابقة الكلام لمقتضى الحال، لارتباطه القوي بالبلاغة، فكلام بشر هذا إن كان أساسًا من أسس علم البلاغة، لكنه مع ذلك قيمة من قيم النقد الأدبي، لأنه وثيق الصلة بالتصوير الأدبي فالغرض من التصوير هو التأثير في النفس، بحيث يسيطر على العقل والعاطفة والمشاعر وهذا التأثير للصورة لا يقوى إلا إذا اتفق مع الحالة التي يعبر عنها، في المقام الذي يبرزه الأديب ويشخصه الشاعر المصور.
ولا يخلو عالم من علماء البلاغة بعد بشر إلا وقد تناول مقتضى الحال كما لا يخلو كتاب من كتب البلاغة إلا اشتمل على هذا الجانب.
[ ١٣٥ ]
النظم والتصوير الأدبي:
تنبّه بشر بن المعتمر قبل غيره من النقاد إلى قضية النظم، فهو لا يرتفع باللفظ وحده، ولا بالمعنى وحده، ولكن يقصدهما معًا، ممهدًا لنظرية النظم يقول: "إياك والتوعر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك، فالتعقيد من سمات اللفظ والمعنى معًا، وهو يفسد الصورة الأدبية، ويخلّ بالتعبير، ويفقد روح التاثير فيها ويقول بعد ذلك: "ومن أراد معنى كريمًا فليلتمس له لفظًا كريمًا، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما".
فموطن الجمال عند بشر في العمل الأدبي يرجع إلى ارتباط اللفظ بالمعنى فلا بدّ للمعنى الشريف من لفظ شريف ويريد بذلك أن يفصح عن العلاقة بينهما، فليست في اللفظ وحده ولا في المعنى وحده، ولكن في العلاقة بينهما، وهي محل الصورة الأدبية، التي توضح المعنى، وتسمو بالصياغة والتعبير، وليسمها بشر علاقة، أو اهتمام باللفظ والمعنى كما يشاء، لمناسبة التسمية مع ذوق أدباء.
[ ١٣٦ ]
عصره. فقد نشأ النقد الأدبي قبل أن يعرف مصطلحاته الحديثة.
وهذا الاتجاه قريب من مفهوم الصورة الأدبية، التي تحددت معالمها فيما بعد، بل أضاف لما سبق معالم جديدة في مفهومها، منها التلاؤم بين اللفظ والمعنى، وقوة العاطفة، والوحدة الفنية، وتلاؤم الصورة مع العاطفة والمقام والغرض التي ذكرت من أجله.
يقول بشر في مناسبة اللفظ للمعنى والتلاؤم بينهما:
ومن أراد معنًى كريمًا فليلتمس له لفظًا كريمًا، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف إلى قوله: إن يكون لفظك رشيقًا عذبًا، وفخمًا سهلًا، ويكون معناك ظاهرًا مكشوفًا وقريبًا معروفًا١.
ويأتي الجاحظ بعد بشر ليرد الجمال والبلاغة إلى الألفاظ، لأنها محصورة محدودة، بينما المعاني عنده ممتدة مبسوطة، لكنه بعد ذلك يربط بين اللفظ والمعنى فهو يجعل
_________________
(١) ١ البيان والتبيين: الجاحظ ١٣٥.١.
[ ١٣٧ ]
الشأن للصياغة، والشعر ضرب من التصوير، والصياغة والتصوير يرتبط فيها اللفظ بالمعنى يقول: "والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير ١.
ويتفق أبو هلال العسكري مع الجاحظ في تأثرهما بصحيفة بشر بن المعتمر. ويرى ابن قتيبة أن القصيد يعلو ويهبط حسب قيمة اللفظ والمعنى فيه، فقسمه إلى أربعة أضرب: ضرب حسن لفظه وجاد معناه، وضرب حسن لفظه وعلا فإذا فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى، وضرب جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه، وضرب تأخر معناه وتأخر لفظه ٢.
ويسير ابن طباطبا بما جاء به بشر بن المعتمر فيقول: "إذا أراد الشاعر بناء قصيدة، فأحضر المعاني الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرًا، أو أعدَّ له مما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي تواققه فإذا اتفق له
_________________
(١) ١ الحيوان ٤٠.٣. ٢ الشعر والشعراء: ٧.
[ ١٣٨ ]
بيت يشاكل المعنى الذي يرومه ابتدأ وعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر، وترتيب لفنون القول فيه، بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه على ما بينه وبين ما قبله " ١.
هذا هو العمل الفني في القصيدة الشعرية، يحضر الشاعر المعاني، وينتقي لها من الألفاظ والقالب الموسيقي ما يتناسب معها، حتى يستقيم البيت من الشعر، وهكذا بقية الأبيات، فهو يربط بين اللفظ وإيقاعه وبين المعنى، ويشير بذلك إلى قضية النظم التي تتبني عليها الصورة الأدبية.
ويهتم الآمدي "م ٣٧٠ هـ " باللفظ والمعنى في النظم والتصوير فيقول: "وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأنِّي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يُورد المعنى اللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله والبلاغة إنما هي إصابة المعنى، وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلف، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة وينبغي
_________________
(١) ١ عيار الشعر: ٢٣.
[ ١٣٩ ]
أن تعلم أن سوء التأليف ورديء اللفظ يذهب بطلاوة المعنى الدقيق ويفسده ويعميه حتى يحتاج مستمعه إلى تأمّل وحسن التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاء وحسنًا ورونقًا، حتى كأنه أحدث فيه غربة لم تكن وزيادة لم تعهد"١.
ويكاد يتفق علي بن عبد العزيز الجرجاني مع الآمدي في فهمه للنظم والصورة الأدبية، وتأثرهما بالناقد الأدبي بشر بن المعتمر.
ويعقد ابن رشيق باب اللفظ والمعنى، ليربط بينهما كما ربط بشر بن المعتمر، يقول ابن رشيق: أن الجمال لا يكون إلا في النظم، لا في اللفظ وحدِّه ولا في المعنى وحده، ويترتب على ذلك أن تكون الصورة الشعرية في العلاقة التي تتم بين الألفاظ وتكشف عن المعنى٢.
وهذا ما قرَّره عبد القاهر الجرجاني "م ٤٧١ هـ" واكتمل على يديه، حيث انتهى إليه الحديث عن النظم والصورة الأدبية، بعد أن بدأه بشر بن المعتمر، ليبلغ عبد
_________________
(١) ١ الموازنة بين أبي تمام والبحتري ١٧٣. ٢ العمدة: ١٢٤.١.
[ ١٤٠ ]
القاهر فيه الغاية، ويرسي قواعد النظم ومفهومه ويحدّد معالم التصوير الأدبي، يقول عبد القاهر: "أن الألفاظ التي هي أوضاع اللغة، لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض، فيعرف فيما بينها فوائد، وهذا علم شريف، وأصل عظيم"١.
ويوضح هذا أكثر فيقول: "وأعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علمًا لا يعترضه الشَّك، ألا نظم في الكلم ولا ترتيب، حتى يتعلق بعضها ببعض، ويبني بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب تلك وإذا كان كذلك فعلينا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء، وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها ما معناه وما محصوله"٢ ويقول: واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله إنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ، وفي مواقعها ومقاديرها، وكيفية مزجها لها وترتيبه إياها إلى ما لم يهتد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب،
_________________
(١) ١ دلائل الإعجاز: ٤٧٣ تحقيق د/ محمد عبد المنعم خفاجي. ٢ دلائل الإعجاز: ٩٧.
[ ١٤١ ]
وصورته أغرب، وكذلك حال الشاعر والشاعر في توخييهما معاني النحو ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم
وسبيل الكلام هو سبيل الصيغة والتصوير، وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه، سبيل الشيء الذي يقع عليه التصوير والصوغ كالفضة والذهب، يصاغ منهما خاتم أو سوار، فكما أن محالًا إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم وفي جودة العمل ورداءته، أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة، أو الذهب الذي وقع عليه العمل والصنع، كذلك محال إذا أنت تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه، وكما أننا لو فضلنا خاتمًا على خاتم، بأن يكون فضة هذا أجود أو فضته أنفس، لم يكن ذلك تفضيلًا له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتًا على بيت من أجل معناه لا يكون تفضيلًا له من حيث هو شعر وكلام، وهذا قاطع فاعرفه"١.
وبهذا يكون عبد القاهر وضح نظرية النظم، والعلاقات التي ينبني عليها التصوير الأدبي، فأعطى للفظ حقَّه، وللمعنى حقه، والصورة تأتي من العلاقة بينهما معًا،
_________________
(١) ١ المرجع السابق ١١٨، ١٢٣، ٢٥٥.
[ ١٤٢ ]
ويرجع أساس الجمال إلى النظم والصباغة والتصوير، ولا بد لكل كلمة في النظم أو الصورة أن تأخذ مكانها بين أخواتها على أساس توخي معاني النحو حتى تحقق الوحدة الفنية في النص الأدبي.
وتحدث بشر أيضًا عن الوحدة الفنية: أو مناسبة الكلمة لموقعها يقول: فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك، ولا تسنح لك عند أول نظرك، وفي أول تكلفك، وتجد اللفظة لم تقع موقعها، ولم تعدّ إلى قرارها، إلى قوله، أوجريت من الصناعة على عرق.
فصياغة الشعر ليست سهلة أو ميسورة، لأن تصوير المعنى يحتاج إلى دقة وبراعة، وعلى الشاعر بعد اختيار الألفاظ والمعاني الكريمتين والشريفتين، أن يختار لكل كلمة موقعها من الصورة، لتستقر في مكانها المخصوص لها، وكذلك القافية لا بد أن تقع في نصابها وتتوازن مع نظائرها، وتتشاكل مع أخواتها.
وإذا لم يتيسر للشاعر التناسب في الصورة الأدبية والوحدة الفنية بين الألفاظ فيها، بحيث لا توافق الكلمة
[ ١٤٣ ]
أختها، فتعبر أحداها عن الصبابة والثانية عن الفخر، فيصير النسج بذلك مهلهلًا، والتماسك ضعيفان وعلى الشاعر حينئذ خوفًا من الخلط والاضطراب أن يترك العمل يومًا وليلة، حتى يستطيع أن يحكم النسج، ويضع كلًّا في مكانه المناسب، فتتواءم كل كلمة مع أختها، ويتم التلاحم بين أجزاء الصورة الأدبية، وتتحقق الوحدة الفنية فيها.
وليسمها بشر تناسبًا بين الكلمات، أو توافقًا بين المعاني فلا يضر ذلك في عناصر التصوير حين يسميها النقد الحديث الوحدة الفنية وغيرها مما يدل على التناسب بين الكلمات في التركيب، والتلاؤم بين الأجزاء في التصوير.
وبهذا يكون أبو سهل بشر بن المعتمر أول ناقد أدبي سجل هذه القضايا النقدية، والقيم الجمالية في النقد العربي القديم، وإن لم يفصل القول، كما هو مألوف في التطور التاريخي لنشأة العلوم، حيث يبدأ رويدًا رويدًا، ثم تأخذ في التكامل والنضوج على أيدي النقاد الذين جاءوا من بعده كما وضحت ذلك.
وهذه المنزلة الرائدة في النقد لبشر، لا تغض من
[ ١٤٤ ]
مكانة ابن سلام الجمحي لأنهما كانا يعيشان في عصر واحد وفي جو علمي واحد، مع أن النقاد جعلوا الجمحي في كتابه "طبقات الشعراء" مؤرخًا للأدب وإن كانت له نظرات نقدية عميقة، ولا يغض أيضًا من نظرات أبي تمامة وخاصة في وصيته لتلميذه البحتري، لأنهما أيضًا كانا معًا في عصر واحد.
[ ١٤٥ ]