٥- حماد الرواية: هو ابن أحد الموالي، من سبي الديلم، سباه عروة بن زيد الخيل، ووهبه لابنته ليلى يخدمها خمسين سنة، ثم ماتت فبيع بمائتي درهم، فاشتراه عامر بن مطر الشيباني وأعتقه٣٤. ولد سنة ٧٥ هـ ٧٩٤م ولم ينعم في طفولته وحداثته بالاستقرار، حتى عد من الصبيان الأشرار، يروى أنه كان في أول أمره يتشطر، ويصحب الصعاليك واللصوص، فنقب ليلة على رجل فأخذ ماله، وكان فيه جزء من شعر الأنصار، فقرأه حماد، فاستحلاه وتحفظه، ثم طلب الأدب والشعر وأيام الناس ولغات العرب بعد ذلك وترك ما كان عليه فبلغ في العلم ما بلغ٣٥ وطارت شهرته فيما بعد بالكوفة كراوية، وكان رئيس مدرسة
_________________
(١) ٣٤ الفهرست، ص ١٤٠. ٣٥ الأغاني جـ٦ ص٨٧. وراجع عن حماد كذلك ابن سلام ص ١٤-١٥، كتاب المعارف لابن قتيبة ص ٢٦٨، وياقوت جـ١ ص ٢٦٥، والمزهر جـ٢ ص ١٥٣، جـ٣ ص ٤٠٦.
[ ١٢٠ ]
الكوفة، وقد نال حظوة عند الخليفة الوليد بن يزيد، وكان أحد الثلاثة الذين يقال لهم "الحمادون" بالكوفة: حماد عجرد، وحماد الزبرقان، وحماد الراوية. وكانوا يتنادمون على الشراب ويتناشدون الأشعار، وكانوا يرمون بالزندقة، وكان هؤلاء مع يحيى بن زياد ومطيع بن إياس يعيشون عيشة عبث ومجون يثير نقمة الطبقة المحافظة.
وقد مرت الإشارة إلى ما روي عن قوة حافظته حتى سمي بالراوية، ولكنه كان متهمًا في روايته، غير موثوق به ويرمى بأنه كان يزيد في أشعار الشعراء ويدس عليهم ما ليس لهم، قال ابن سلام: "وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الرواية، وكان غير موثوق به؛ كان ينحل شعر الرجل غيره، ويزيد في الأشعار"٣٦. وروى صاحب الأغاني عن جماعة: أنهم كانوا في دار أمير المؤمنين بعيسا باذ٣٧، وقد اجتمع فيه عدة من الرواة والعلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب فدعا بالمفضل الضبي الراوية فدخل، فمكث مليًّا، ثم خرج إلينا ومعه حماد والمفضل جميعًا، وقد بان في وجه حماد الانكسار والغم، وفي وجه المفضل السرور والنشاط، ثم خرج حسين الخادم معهما، فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم، إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادًا بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضل بخمسين ألفا لصدقه وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعرًا جيدًا محدثًا، فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل. فسألنا عن السبب فأخبرنا أن المهدي قال للمفضل لما دعا به وحده: إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال:
دع ذا وعد القول في هرم
ولم يتقدم له قبل قول، فما الذي أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضل ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئًا إلا أني توهمته أنه كان يفكر في قول يقوله، أو يروي في أن يقول شعرًا، فعدل عنه إلى مدح هرم، وقال: دع ذا، أو كان مفكرًا في شيء من شأنه، فتركه، وقال: دع ذا، أي دع ما أنت فيه من الفكر، وعد القول في هرم. فأمسك عنه، ثم دعا بحماد، فسأله
_________________
(١) ٣٦ طبقات الشعراء، ص١٤. ٣٧ عيسا باذ: أي عمارة بالفارسية، وكانت محلة شرقي بغداد، منسوبة إلى عيسى بن المهدي، وكانت إقطاعًا له.
[ ١٢١ ]
عن مثل ما سأل عنه المفضل، فقال: ليس هكذا قال زهير يا أمير المؤمنين؛ قال: فكيف قال؟ فأنشده:
لمن الديار بقُنّة الحجر٣٨ أقوين مُذ حِجج ومذ دهر
قفر بمندفع النحائب٣٩ من ضَفْوى٤٠ أولات الضّال والسِّدْر
دع ذا وعد القول في هرم خير الكهول وسيد الحضر
قال: فأطرق المهدي ساعة، ثم أقبل على حماد، فقال له: قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لا بد من استحلافك عليه. ثم استحلفه بأيمان البيعة، وكل يمين محرجة ليصدقنه عن كل ما يسأل عنه، فحلف له بكل ما توثق منه. قال له: اصدقنى عن حال هذه الأبيات من أضافها إلى زهير، فأقر له أنه قائلها، فأمر فيه، وفي المفضل بما أمر به من شهرة أمرهما وكشفه٤١. ويروى عن صالح بن سليمان٤٢، قال: قدم حماد الراوية على بلال بن أبي بردة البصرة، وعند بلال ذو الرمة، فأنشده حماد شعرًا مدحه به. فقال بلال لذي الرمة: كيف ترى هذا الشعر؟ قال: جيدًا: وليس له. قال: فمن يقوله؟ قال: لا أدري إلا أنه لم يقله. فلما قضى بلال حوائج حماد وأجازه، قال له إن لي إليك حاجة، قال: هي مقضية.
قال: أنت قلت ذلك الشعر؟ قال: لا. قال: فمن يقوله؟ قال: بعض شعراء الجاهلية، وهو شعر قديم وما يرويه غيري. قال: فمن أين علم ذو الرمة أنه ليس من قولك؟ قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام.
وروي عن ابن الأعرابي، أنه قال٤٣: "سمعت المفضل الضبي يقول: قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدًا، فقيل له: وكيف ذلك؟ أيخطئ في روايته أم يلحن؟ قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، لا، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر، يشبه به
_________________
(١) ٣٨ القنة: أعلى الجبل، وأراد هنا ما أشرف على الأرض. والحجر. موضع بعينه، وهو حجر اليمامة. ٣٩ النحائب، آبار من موضع معروف. ٤٠ ضفوى: مكان دون المدينة. ٤١ أغاني جـ٦ ص٩٠. ٤٢ أغاني جـ٦ ص٨٨. ٤٣ المرجع السابق ص٨٩.
[ ١٢٢ ]
مذهب رجل ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك! ".
وروي عن الطرماح أنه قال٤٤ أنشدت حمادًا الراوية في مسجد الكوفة -وكان أذكى الناس وأحفظهم- قولي:
بان الخليط بسحْرة فتبددوا
وهي ستون بيتًا، فسكت ساعة ولا أدري ما يريد، ثم أقبل علي، فقال: أهذه لك؟
قلت: نعم. قال: ليس الأمر كما تقول، ثم ردها عليّ وزيادة عشرين بيتًا زادها فيها في وقته، فقلت: ويحك! إن هذا الشعر قلته منذ أيام ما اطلع عليه أحد. قال: قد قلت أنا هذا الشعر منذ عشرين سنة، وإلا فعلىَّ وعلىَّ. فقلت: لله علىَّ حِجَّة حافيًا راجلًا إن جالستك بعد هذا أبدًا. فأخذ قبضة من حصى المسجد وقال: لله علىَّ بكل حصاة من هذا الحصى مائة حجة إن كنت أبالي. فقلت: أنت رجل ماجن والكلام معك ضائع. ثم انصرفت.
وقال فيه الأصمعي: "كان حماد أعلم الناس إذا نصح"، وقال خلف: "كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب، وأعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني ويدخله في أشعارها، وكان فيه حمق"٤٥. ومع أنه كان واسع العلم غزير المادة، حاد الذاكرة، فياضًا في الرواية، فقد كان لا يتورع عن الزور والادعاء كما يتبين من الحوادث التي ذكرناها آنفًا عنه، ويظهر أنه كان من الذين يعدون من المهانة ألا يجيبوا على كل سؤال يطرح عليهم، وقد أخذت عليه أبيات مخترعة، وتفسيرات للألفاظ مستغربة. ومن كان مثل حماد عديم التشدد أمام نفسه وأمام غيره فهو يقبل كل شيء من كل الناس دون رادع، فتعجبه الأسطورة، ويهوى النادرة التي يبدع خلقها، ويظهر حماد على مر العصور كآفة للرواية الشعرية، ونادى زعماء المدرسة البصرية بعدم الثقة به، وكان أكثرها ما أخذ عليه إجمالًا وضع الشعر الجاهلي ونسبته إلى غير أهله"٤٦ومات حماد سنة ١٥٦هـ-٨٧٢م.
_________________
(١) ٤٤ الأغاني جـ٦ ص٩٤. ٤٥ المصدر السابق ص٧٠. ٤٦ تاريخ الأدب العربي لبلاشير ص١١٢.
[ ١٢٣ ]