وقال في قطعة أولها:
(ربَّ نجيعٍ بسيفِ الدَّولةِ انسفكا . . . . . . . . . . . . . . .)
(من يعرفِ الشَّمسَ لا ينكرْ مطالعها أو يبصر الخيلَ لا يستكرمِ الرَّمَكَا)
قال أبو الفتح: أي إنما فضَّلتُك لأنني قايستُك بغيرك، فكنت فوقه بمنزلة الخيل من الرَّمك، ولأن الشمس لا تُنكر مطالعها لشهرتها كذلك أنت، وقد طواه مع هذا على فخره وعنده على غيره.
قال الشيخ: تفسير المصراع الأول عسير غير مفهوم، والثاني جميل، وهما مبنيان على قوله:
(. . . . . . . . . . . . . . . وربَّ قافيةٍ غاظتْ بهِ مَلِكًا)
ثم نسق على معناه البيت الثاني، فقال: لم يغيظ مدحه الملوك؟ وكيف يُنكرون فضله عليهم وسبقه لهم كونه فوقهم فيغتاظوا من مدحه؟ فإن من عرف
[ ٢ / ٢٢٠ ]
الشمس لا يجوز أن ينكر مطالعها، ومن عرف سيف الدولة الذي هو كالشمس في الدنيا، لا يجوز أن ينكر مدائحه التي هي مطالع مناقبه ومآثره حتى يغتاظ منها.
وقال في قصيدة أولها:
(بكيتُ يا ربُع حتَّى كدتُ أبكيكا . . . . . . . . . . . . . . .)
(كفَى بأنَّك مِنْ قحطانَ في شَرفٍ وإنْ فخرتَ فكلُّ مِنْ مواليكا)
قال أبو الفتح: أي لأنك تحسن إلى الناس، إلى كل أحد، ولا تمنُّ عليه، فكل مولى لك، وأراد كل الناس من مواليك، فزاد من في الواجب كقوله تعالى: (وينزِّلُ منَ السَّماءِ من جبالٍ فيها مِن برَدٍ)، قالوا: معناه فيها بردٌ، ويجوز أن تكون من غير زائدة، فتكون للتبعيض كأن مواليه قحطان وغيرهم من سائر الناس، فيكون كأنه قال: فكل قحطان من مواليك، ويجوز أن يكون قد أراد بكل جميع الناس، وتكون أيضًا من غير زائدة، بل تكون للتبعيض لأن مواليه عنده الناس وغيرهم ألا ترى إلى قوله في سيف الدولة؟
. . . . . . . . . . . . . . . ويستعظمونَ الموتَ والموتُ خادمُهُ
[ ٢ / ٢٢١ ]
قال الشيخ: ما أرى في هذا البيت شيئًا من العطاء والمنِّ، ولا ما يقرب من هذا الظن، وما بعده تطويل ما فيه طائل، وإنما هو قال: كفى فخرًا بأنك من قحطان، ومعناه أنه من ذؤابة
قحطان، فيقول: كفى فخرًا بأنك أشرفهم وأعلاهم دون افتخار، وإن فخرت ساغ لك الفخر، فإن جميعهم مواليك وعبيدك، وأنت سيدهم ومولاهم، ولما كان أول البيت مقصورًا على قحطان، فالأولى أن يكون آخره مقصورًا عليهم دون غيرهم.
وقال في أول قطعة:
(لئِنْ كان أحسنَ في وصفِها لقد تركَ الحُسنَ في الوصفِ لكْ)
قال أبو الفتح: يقول لئن كان أحسن في وصفها وتشبيهك فلم يُحسن في وصفك حيث شبَّهك بالبرِكة.
قال الشيخ: قوله في وصفها وتشبيهك كبيرة لا تُغفر وسبيبة لا تُكفَّر، وكان يجب أن يقول:
لئن كان أحسن في وصفها وتشبيهها بك حتى كان صوابًا، فإن ذلك الشاعر وصف بركة، وشبهها بأبي العشائر في تدفقها وفيضها، وليس شبه أبا العشائر بها، وما بقي من تفسيره صواب، لأن البحار لا تُشبه بالبرك.
وقال في قصيدة أولها:
(فِدىً لكَ من يُقصِّرُ عنْ مداكا . . . . . . . . . . . . . . .)
[ ٢ / ٢٢٢ ]
(إذا التَّوديعُ أعرضَ قالَ قلبي: عليكَ الصَّمتُ لا صاحبتَ فاكا)
قال أبو الفتح: أي قال لي قلبي: لا تمدح أحدًا بعده. وقوله أيضًا: لا صاحبت فاكا من الألفاظ التي قدَّمت ذكرها.
قال الشيخ: هذا محال، لأنه كان يعدُّ لحضرته وفي خدمته، فمتى كان يطمح إلى مدح سواه؟ ومن كان يطمع في مدحه إياه؟ وقول قلبه: لا صاحبت فاكا أبدًا أفسد من الأول، وإنما هو يقول: لما حان وقت الوداع قال قلبي: عليك بالصمت، ولا صاحبت فاك في اللَّفظ بالتَّوديع تأسُّفًا على فراق خدمته وتلهُّفًا على مباينة حضرته كلفًا بها وشغفًا وتوقِّيًا لتركهما وكراهة لبينهما.
(وكم دونَ الثَّويَّة مِن حزينٍ يقولُ له قدومي: ذا بذاكا)
قال أبو الفتح: لم يقل إن شاء الله،
[ ٢ / ٢٢٣ ]
والثَّويَّة من الكوفة، ولو قال: من مشوق لكان لفظًا حسنًا ومعنى جيدًا، ولكن غلَّظ القصة ليؤذن له في العودِ، وهذا أيضًا مما نبَّهت عليه، وقوله: قدومي ذا بذاكا أي: هذا القدوم بتلك الغيبة، وهذا السرور بذلك الحزن، وهو من ألفاظ
العرب، والقدوم لا يقول شيئًا، ولكن معناه أن لو كان ممن يقول، لقال، وقد مضى ذكره.
قال الشيخ: هذا المعنى أيضًا فاسد، فإن كان غائب آيب إلى وطنه، وأهله معه في ذلك التَّرح، والفرح شرحٌ، وحينئذ ما يكون فيه معنى. والرجل يقول: كم حزين من أهلي بفراقي، يقول له قدومي عليه بعطائك الغَمر ونوالك الدَّثر وحبِائك الفاخر وإبلائك الباهر المتظاهر: ذا بذا الحزن الذي قاسيته على فراقه.
[ ٢ / ٢٢٤ ]