وقال في قطعة أولها:
(أغلبُ الحيِّزينِ ما كنتَ فيهِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(ذا الذي أنتَ جَدُّه وأبوهُ دِنْيةً دونَ جَدِّهِ وأبيهِ)
قال أبو الفتح: أي أنت أقرب إليه وأعطف عليه من أبيه وجدِّه.
قال الشيخ: الرجل يقول: ذا الذي أنت يا سيف الدولة جدُّه وأبوه لاصق النسب دون جدِّه وأبيه، أي: ولدك وحافدتُك دونك في الشرف، فإنهم شُرفوا بك.
وقال في قطعة أولها:
(النَّاسُ ما لم يرْوكَ أشباهُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(لو كان ضوءُ الشَّمسِ في يدهِ لضاعه جُودُهُ وأفناهُ)
[ ٢ / ٣٥٩ ]
قال أبو الفتح: صاعه، وأما ضاعه يضوعه بالضَّاد معجمة، فأقلقه وحرَّكه.
قال الشيخ: روايتي ضاعه بالضَّاد المعجمة من الإضاعة.
(أفرسُ مَنْ تسبحُ الجيادُ بهِ وليسَ إلاَّ الحديدَ أمواهُ)
قال أبو الفتح: يجوز أن تنصب الحديد، لأنه خبر ليس، وفيه ضرورة، لأنه يجعل اسم ليس نكرة، وهو أمواه، وخبرها معرفة، وهو الحديد. وقد جاء مثله في الضرورة، ويجوز أن تجعل خبر ليس محذوفًا، وتنصب الحديد على أنه استثناء مقدَّم حتى كأنه قال: وليس في الأرض أمواهٌ إلا الحديد، ثم قدَّم المستثنى، والمعنى أن الجياد تمرُّ به على السلاح كما يسبح الفرس في الماء.
قال الشيخ: معناه أفرس الفرسان في أمواج السيوف، والسيوف تُشبَّه بالماء، والماء بالسيوف لكنه لما جاء بالسباحة والأمواه أخذ الكلام رونقه، وتمام أقسامه من الازدواج والحسن، وتوصف السيوف بأنها من ماء الحديد كما قيل:
. . . . . . . . . . . . . . . وأَبيضُ من ماءِ الحديد صقيلُ
[ ٢ / ٣٦٠ ]
وكما قيل:
. . . . . . . . . . . . . . . إذا ما انتضته الكفُّ كادَ يسيلُ
وكما قيل:
فلم يُوردوا ماَء المفاصلِ خيَلهم لماءِ حديدٍ يستطيرُ المفاصلا
وقد يشبه الجاري بها كما قيل:
نقشنَ فرندًا في سيوفِ جداولٍ وصارت لها أطواقُهنَّ حمائلا
وكما قيل:
رأيت سيوفاُ قد سللنَ على الثَّرى وصارت لها أيدي الرِّماحِ صَياقِلا
وقال في مطلع قصيدة:
(أوهِ بديلٌ من قولتيِ واها لِمَنْ نأتْ والبديلُ ذكراها)
[ ٢ / ٣٦١ ]
قال أبو الفتح: ومعناه يقول: التَّألُّم لما ألاقيه من بُعدها أولى بي من التعجُّب لما أتذكَّره من أمرها، وقوله: لمن نأت والبديل ذكراها، أي: التي نأت، ومكان تذكُّري إياها توجُّعي لفقدها.
قال الشيخ: هذه العبارة مختلطة بزيادة ونقصان في بسط المعنى، والرجل يريد: قولي: أوه لفراقها بدلٌ من قولتي: واها لوصلها، وقوله: واهًا لمن نأت قبل أن نأت، وهذا البديل ذكراها، وهو أوه، وهذه كلمة توجُّعٍ، وواها كلمة تلذُّذ.
(فليتَها لا تزالُ آويةً وليتَه لا يزالُ مأواها)
قال أبو الفتح: أي ليتها لا تفارق إدمان النظر إلى ناظري، أي: لا زالت قريبة مني ومقابلة لي، وقال: آويه، ولم يقل أويته، وإن كانت مؤنثة، لأنه أراد، فليتها لا تزال شخصًا آويه أو إنسانًا آويه، كما قال:
قامت تبكِّيه على قبرهِ مَن ليَ مِن بعدكَ يا عامرُ؟
تركتني في الدَّار ذا غربةٍ قد ذلَّ مَن ليس له ناصرُ
[ ٢ / ٣٦٢ ]
قال الشيخ: روايتي: لا تزال آويةً بالتنوين، وقد خلَّص البيت من كلِّ هذا الإضمار.
(تَبُلُّ خدَّيَّ كلَّما ابتسمتْ مِنْ مطرٍ برقُه ثناياها)
قال أبو الفتح: أي بريق ثناياها، وقد دلَّ بهذه الأبيات على أنها منكَّبة عليه وعلى غاية القرب منه، وهو قريب من قوله:
وأشنبَ معسولٍ الثنيَّاتِ واضحٍ سترتُ فمي عنه فقبَّل مَفرقي
قال الشيخ: هذا معنى بديع، وحاشاه أن يكون ما أنشأه في شرحه وأفشاه، فإنها لو كانت منكَّبة عليه لما كانت تبلُّ خدَّيه إلا بمدامعها أو بريقها، فإن كان قَّبل خدَّيه بدمعها، فدمع المعشوق دمعُ الفراق أو دمعُ هجرٍ أو دمع دلالٍ، وفي انكبابها عليه ما ينفي هذه الدموع الثلاثة، ولم يبقَ بعدها بلٌّ إلا بالرِّيق، فإن كان هذا المطر ريقًا فما أثرَّه وأكثره وما أكرهه
وأقذره! وإن كان المطر من جفون الرجل فما معنى الانكباب عليه، وهو يبلُّ بدموعه خدَّيه؟ فهذه من جميع الوجوه ممتنعة كما ترى، وأعجب من تفسيره استشهاده عليه بقوله: وأشنب معسول الثَّنيَّات،
[ ٢ / ٣٦٣ ]
ولا قرابة بينهما في الدنيا والآخرة، ومعناه أنها تبلُّ خدَّيه من مطرٍ، برقُه ابتسامها، ومن جُفون عينيه انسجامُها، والمطر إذا لمع برقُه صدق وقعُه، وفي معناه يقول:
ولمّا التقينا والنَّوى ورقيبُنا غفولانِ عنَّا ظلتُ أبكي وتبسمُ
وقد قيل قبله:
كأنَّ وميضَ البرقِ بيني وبينها إذا حانَ من بعد الهُدوءِ ابتسامُها
ولكنه لَّما زاد عليه بيِّنة من حيث شفع المطر بالبرق، ثم وصف ابتسامها به ودموعه بالودق، ثم جعل وقعه ودقه في ضمان برقه ليكون أشد لوقعه، وهو النهاية في الإحسان، وقريب من معناه:
وأضرمَ أحشائي بروقُ ابتسامِها وإن طلعت من جفنِ عيني سَحابُها
(يُعجبُها قتلُها الكماةَ ولا يُنظِرُها الدَّهرُ بعدَ قتلاها)
قال أبو الفتح: يقول يُعجب الخيل أن يقتل الكماةَ كما يعجب فرسانها، ألا تراه يقول في موضع آخر؟
[ ٢ / ٣٦٤ ]
تحمَى السُّيوفُ على أعدائهِ معهُ كأنَّهنَّ بنوهُ أو عشائرُهُ
فإذا جاز أن يُوصف المواتُ بأن يحمى مع صاحبه، فالحيوان الذي يعرف كثيرًا من أغراض صاحبه، لأنه مؤدَّب معلَّم أحرى بأن يوصف بذلك، ولا يُنظرِها الدَّهر بعد قتلاها، يعني: إذا قتل الفارس عُقرت الخيل بعده، كما قال زياد الأعجم:
وإذا مررتَ بقبرهِ فاعقر بهِ كُومَ الهجانِ وكلَّ طِرفٍ سابحِ
ويجوز أن يكون أراد بالخيل: أصحاب الخيل، فيقول: إذا قتل الفارس آخر لم يلبث أن يقتل بعده لكثرة المغاورة وفشوِّ الحرب وطلب الثَّأر.
قال الشيخ: أراد بالخيل: أصحاب الخيل، نعم كما قال: فأما بعد هذا فغير ما قال، لكنه يقول: يعجبُها قتلُها الكُماة، ولا يمهلُها الدَّهر بعدها، ولا يستبقيها، بل يهلكُها ويفنيها، فليس ما يعجبُها بمُمتِعها كما يقول:
وعاد في طلبِ المتروكِ تاركُهُ إنَّا لنغَفلُ والأيَّامُ في الطَّلبِ
وكما قال:
وتولَّوا بغصَّةٍ كلُّهم من هُ وإن سرَّ بعضَهم أحيانا
وكما يقول:
فما يديمُ سرورٌ ما سررتَ به ولا يردُّ عليكَ الفائتَ الحزَنُ
[ ٢ / ٣٦٥ ]
(تجمَّعت في فؤادهِ هِممٌ ملءُ فؤادِ الزَّمانِ إِحداها)
قال أبو الفتح: استعار للزمان لفظ الفؤاد لَّما ذكر فؤاده صنعةٍ أو إحكامًا.
قال الشيخ: تمام الكلام ومعناه فيما بعده:
فلو أتى حظُّها بأزمنةٍ أوسعَ مِن ذا الزَّمانِ أبداها
أي: حظُّ تلك الهمم أوسع من ذا الزَّمان الذي هو فيه، أبدى تلك الهمم وأظهرها باستيلائه على الدُّنيا بحذافيرها، وضبطه لها وتحرُّفه فيها، فإن فؤاد الزَّمان ممتلئ بواحدة منها، فكيف يسع غيرها؟ ثم قال:
(وصارتِ الفيلقانِ واحدةً تعثرُ أحياؤها بموتاها)
عطفًا على قوله: أبداها، ومعناه: صارت الفيلقان واحدة، هذه بعض ذلك الإبداء، وهو جيش فارس والعراق، وجيش عمِّه معزِّ الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه، فقد كان بينهما من العداوة والخفيِّة ما لا يُوصف إذ كانت حشمة أبيه ركن الدولة، تغمرها وتسترها، وما يقدر أحدهما إظهارها هيبةً له، فلما مضى، وكان أخوه معزُّ الدولة قد مضى قبله فعل عضد الدولة ببنيه وولده ومملكته من الأخذ والنهب والقتل والسبي ما لا خفاء به، فأبهم المتنبي إذ كان لا يعجب الممدوح إفصاحه هيبةً لأبيه وحشمةً لعمِّه، فقال المتنبي: أبداها، وصارت عسكرا فارس والعراق واحدة له وتحت أمره بافتتاحه
[ ٢ / ٣٦٦ ]
لها واستيلائه عليها عاثرةً أحياؤها بموتاها التي قُتلت في ملتقاها، ودارت النَّيِّرات في فلكٍ لدولته، يريد أكابر العصر وعظماءه ساجدةً أقمار تلك النَّيِّرات، أي: ملوك بني بويه مثل معزِّ الدولة وأبنه عزّ الدولة وأخوي الممدوح مؤيد الدولة وفخر الدولة وأمثالهما لأبهاها، أي: للممدوح الفارس المتَّقي بكسر القاف، أي: لأبهاها الفارس المتّقي على وجه البدل عنه.
(وصارتِ الفيلقانِ واحدةً تعثرُ أحياؤها بموتاها)
قال أبو الفتح: أي شنَّ الغارة في جميع الأرض، فخلط الجيش بالجيش حتى لا يصير لاختلاطهما الجيشان كالجيش الواحد.
قال الشيخ: هذا كلام كما تراه واهي الأساس شديد الالتباس، لا مأخذ له ولا منفذ، وقد مرَّ تفسيره.
(وكيف تخفَى التي زيادتُها وناقعُ الموتِ بعضُ سيماها؟)
[ ٢ / ٣٦٧ ]
قال أبو الفتح: الزيادة هنا السَّوط، يقول: كيف تخفى اليد التي سوطُها تقتل به، فكيف سيفُها؟
قال الشيخ: ما سمعنا بزيادة لليد، ولا بأن السَّوط معناه، فإن جاز ذلك، فالسَّيف والرُّمح أولى بأن تكونا زيادتين لها، فإنهما أقوى وأمضى وأقضى وأنكى، وروايتي زيارتها بالراء. معناه: لو أنكرت يده من حيائها عرفنا آثارها في الحرب، فكيف تخفى زيادتُها، وناقع الموت بعض علامتِها؟
(النَّاسُ كالعابدينَ آلهةً وعبدهُ كالموحِّدِ اللهَ)
قال أبو الفتح: أي عبده مقبل بالطَّاعة عليه ومفوِّضٌ بالرَّجاء إليه، لا يلتفت إلى من سواه لإغنائه إياه عنه وغير عبده يطلب من هذا مرَّة، ويرجو هذا أخرى.
قال الشيخ: معناه عندي أنه يفتخر بخدمته، ويقول: الناس في خدمة غيره ضلالًا كالمشركين والعابدين آلهةً، ومن يخدمه ويعبده كالمؤمن الموحِّد.
[ ٢ / ٣٦٨ ]