قال في قصيدة أولها:
(لا يحزنُ اللَّهُ الأميرَ فإنَّني . . . . . . . . . . . . . . .)
(كأنَّ الرَّدى عادِ على كُلِّ ماجدٍ إذا لمُ يَعوِّذْ مجدَهُ بُعيوبِ)
قال أبو الفتح: أي يجعل ما يعيب به مجده كالعوذة الصارفة العين عنه، وعاد من التعدي والظلم، أي: يحوج العافي والطالب إلى أن يسأله ليكون ذلك عوذة لنعمته من إصابتها بالعين.
قال الشيخ: لست أعرف بين هذا التفسير وبين المعنى قرابة، فإن الرجل يقول: كأن الردى يأخذ كل ماجد مُبرأ عن العيوب مهذب لا غميزة فيه مثل هذا المرثي الذي لم تكن فيه عيوب، فجعلها عوذة لنفسه لتقيه عين الكمال، كما قيل: الآخرة تختار الخيار وتترك الأشرار، وكما قيل: أعمار الكرام مشاهرة وأعمار اللئام مداهرة،
[ ١ / ٢٦ ]
وكما قيل:
. . . . . . . . . . . . . . . إنَّ الكرامَ قليلةُ الأعمارِ
وكما قيل:
وآخر إلاَّ عيبَ فيه لناظرٍ يردُّ بهِ عينَ الكمالِ وناظرَه
في أشباه لهذا كثير، ولست أدري، ما هذا من ذاك الذي ذكره وفسره؟ وأي مجال هنا لطلاب نواله وإحواجهم إلى سؤاله؟ وهبهم سألوه، فأي عوذة فيه لنعمته من إصابتها بالعين؟
(فُعوِّضَ سيفُ الدَّولةِ الأجرَ إنَّهُ أجَلُّ مُثابِ مِن أجلُ مُثيبِ)
قال أبو الفتح: الهاء في إنه تعود على الأجر، والمثاب المصدر هاهنا، ومثله المصاب، أي: المصيبة، والمثيب الله تعالى، كأنه قال: إن الأجر أجل ثواب من الله الذي هو أجل مثيب، ويحوز أن يكون الهاء في إنه لسيف الدولة، أي: إن سيف الدولة أجل من أُثيب من عند الله، والأجر إنما يستحق عن الصبر لا عن المصيبة، وإنما يُستحق عن المصيبة العوض، والأجر والثواب أشرف من العوض، لأن الثواب إنما يستحقه الإنسان بما يفعله
[ ١ / ٢٧ ]
مختارًا من الطاعة، والعوض إنما يكون مستحقًا عن المصائب التي لم يخترها الإنسان، والتفضل دون ذينك، ولهذا قيل: منازل الاستحقاق أشرف من منازل التفضل.
قال الشيخ: أورد فصلين وذكر معنيين، وقد قلنا: إن الشاعر لا يريد ببيت يقوله غير معنى واحد فما عداه تعسف وخدش، وعندي إن المتنبي يقول: فعوض سيف الدولة الأجر عن
صبره على مصابه ليكون عوضًا عن مصيبته، فإن سيف الدولة أجل مثاب في الخلق من أجل مُثيب، وهو الخالق عز وعلا. وقد ذكر هو هذا المعنى في الفصل الأخير دون هذا التفسير، فإنه منع سيف الدولة استحقاق الأجر والثواب عوضًا عن المصاب، وهو يستحقهما، فإنه آثر الصبر وترك الجزع مختارًا، ولم يأته اضطرارًا، ولو آثر الجزع على الاصطبار لم يُمنع من هذا الإيثار.
وقال في قصيدة أولها:
(فَديناكَ من ربعِ وإنْ زدتنا كَربا . . . . . . . . . . . . . . .)
(لها بَشَرُ الدُّرِّ الذي قُلِّدتْ بهِ ولم أرَ بدرًا قَبلَها قُلِّدَ الشُّهْبا)
قال أبو الفتح: الشُّهب جمع شهباء، يعني الدُّرة، ويجوز أن يكون عنى بالشُّهب جمع أشهب، يعني الكواكب لذكره البدر، وهذا هو القول،
[ ١ / ٢٨ ]
ويجوز أيضًا أن يكون جمع شهاب، وهو النجم.
قال الشيخ: هو كما قال أولًا: الشهب جمع شهباء، وهي الدرة، يدلك على ذلك قوله: لها بشر الدُّر الذي قُلدت به.
ثم قال: ولم أرَ بدرًا قبلها قُلد الشُّهبا.
وليت شعري، أية شبهة تعترضه حتى يكون جائزًا أو تمكن حمل الشهب على وجه أخر؟ والرجل يقول: لها بشر الدُّر الذي قلدت به، جعل بشرها بشر الدُّر الذي جُعل قلادتها، فكيف يجوز أن يقول: ولم أر بدرًا قبلها قُلد الكواكب أو النجوم بعد أن جعل الدُّر قلادتها؟ ولقد أبدع في صنعة رد عجز البيت إلى صدره بذكر الدُّر فيهما أحسن الإبداع، وتعجب في مكان التعجب، إذ لا يُرى بدر مُقلدًا دُّرًا، ويُرى بين بعض الشهب الكواكب، وكأنه قلادة، فهذا يُرى وذاك لا يُرى، فالمتنبي تعجب مما لم يُعهد، ولم يرد.
وقوله: يجوز أن يكون عنى بالشهب جمع أشهب، يعني الكواكب لذكره البدر، وهذا هو القول: نعم لكنه القول المردود الرديء، لأن البدر قد يُرى مُقلدًا بعض الشهب، ولا يُرى مُقلدًا الدُّر، وليس يوجب ذكره البدر، إذ عنى بالشُّهب الكواكب لكونها في السماء بعدما يفسد المعنى به من هذه الوجوه المذكورة، وكيف يجوز أن
[ ١ / ٢٩ ]
يقول: لها بشر الدُّر الذي هو قلادتها، ولم أر بدرًا قبلها قُلد الكواكب؟ وهذا لو قال: لها بشر الدُّر الذي هو قلادتها إلى
الكواكب الذي قُلدت بها لجاز أن يقول: ولم أر بدرًا قبلها قُلد الكواكب، وهذا أوضح من أن يُحتاج معه إلى كل القال والقيل.
وليسَ يصِحُّ في الإفهامِ شَيءٌ إذا احتاجَ النَّهارُ إلى الدَّليلِ
(فُحبُّ الجبانِ النَّفسَ أوردَهُ التُّقى وحبُّ الشُّجاعِ النَّفسَ أوردَهُ الحَربا)
قال أبو الفتح: يرد الشجاع الحرب إما ليُبلي بلاء حسنًا يُشرف ذكره في حياته، وإما ليُقتل فيُذكر بالصبر والأنفة بعد موته، كقولها:
نهينُ النُّفوسَ وهَونُ النُّفو سِ يَومَ الكريهةِ أبقى لها
[ ١ / ٣٠ ]
فهذا يحتمل وجوهًا: إما أن يكون أراد إنك إذا رآك قرنك، وقد ألقيت نفسك للتهلكة يئس من فرارك، فهرب هو فسلمت أنت، وإما أن يكون مثل قوله تعالى: (ولا تَحسَبَنَّ الذين قُتلوا في سبيلِ اللهِ أمواتًا بل أحياءُ)، وإما أن يكون أراد أنك إذا مت على هذه الحال فقد أبقيت لك من حسن ذكرك ما يقوم لك مقام الحياة.
قال الشيخ: ولو كان أراد به ما فسره لقال: وحب الشجاع الصيت أو الذكر أو المدح أو الأجر، وليس في الغنى شيء عندي مما فسر أنه يرد الحرب ليبلي ما يشرف به ذكره في الحياة أو ليُقتل فيذكر بالصبر والأنفة وما بعده إلى أخر تفسيره، فكله حب الصيت والذكر لا حب النفس على الحقيقة وما يدفعه دافع فحاطب ليل. والمعنى عندي إن حب الجبان نفسه يورده التُّقى لاستبقائها، وحب الشجاع النفس يورده الحرب لعطائها المُنى وإعلائها ولقهر مناوئه وأخذه من الملك ومن نعيم الدنيا والغنى والثروة وما يشتهيه فيتقلب ناعمًا فيه كما قال في موضع آخر:
فإن تَكُن الدَّولاتُ قسمًا فإنَّها لمن وردً الموتَ الزُّؤامَ تدولُ
لمن هَّونَ الدُّنيا على النَّفسِ ساعةً وللبيضِ في همامِ الكُماةِ صليلُ
وكما قال:
ويا آخذًا من دهرهِ حقَّ نفسهِ ومثُلك يُعطَى حقَّه ويُهابُ
[ ١ / ٣١ ]
(ويختلفُ الرِّزقانِ والفعلُ واحدٌ إلى أن تَرى إحسانَ هذا لذا ذنْبا)
وقال أبو الفتح: يقول إن الرجلين يفعلان فعلًا واحدًا، فيُحرم أحدهما ويُرزق الأخر، فكأن الإحسان الذي رُزق به هذا هو الذنب الذي حُرم به هذا.
قال الشيخ: هذا جميل حسن إلا أنه ليس بتفسير البيت، فإنه لم يُفسر لهذا وأهمله ومر عليه مُعرضًا عنه. وعندي أنه يقول: إلى أن ترى إحسان الجبان إلى نفسه بكلأتها عن اعتراض المعاطب واقتحام المتالف ذنبًا للشجاع بتعريض نفسه للهلك وبذل مهجته للسفك، وترى إحسان الشجاع إلى نفسه بتسليطها على الأمم وترفيهها في النعم وتمليكها أزمة مطالب الهمم، وتبليغها أقاصي مرامي المرام وتحكيمها في صنوف النقض والإبرام بتورد الخطوب وتقحم الحروب ذنبًا للجبان بتوقيه والرضا بما هو فيه من الضر والعيش المر وسوء الحال ومقاساة الفقر والإقلال، وفعلهما حب النفس ورزقاهما مختلفان، هذا بحب النفس محدود فقير، وذاك بحب النفس أمير كبير أم خطير.
وقال في قطعة أولها:
[ ١ / ٣٢ ]
(ألا ما لسيفِ الدَّولةِ اليومَ عاتبا؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
(أهذا جزاءُ الصِّدقِ إنْ كنتُ صادقًا؟ أهذا جزاءُ الكذْبِ إنْ كنتُ كاذبا؟)
قال أبو الفتح: أي إن كنت صدقت في مدحك، فليس هذا الإقصاء والإبعاد جزاءي، وإن كنت قد كذبت فيه فقد تجملت لك في القول، فهلا تجملت لي في المعاملة.
قال الشيخ: لم يقصه ولم يبعده، وإنما رخص للسامري في دمه لما أنشده:
وا حرَّ قلباهُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكان المجلس محفلًا غاصًا بوجوه أعيان العرب، فلما فرغ من الإنشاد، وانصرف اضطرب المجلس، وتفاوضوا فيها، فقام السامري، وقال: أصلح الله الأمير لترخص لي في دمه، فقال: شأنك، فخرج وسد فم الطريق عليه بغلمانه، فلما بصر بهم مكن يده من قائم سيفه، وحمل عليهم وخرق سدهم، ومضى وتوارى عند صديق له بحلب، وكتب إلى سيف الدولة من مأواه بهذه الأبيات بعد أيام. وعندي أنه يقول: أهذا جزاء الصدق؟ أي: إباحة دمي جزاء صدقي في هذا العتاب والرُّخص في نفسي جزاء كذبي فيه، والمعنى أنه لا أستحق القتل صادقًا كنت في هذه القصيدة التي أولها:
وا حرَّ قلباهُ مِمَّن قلبُه شَبِمُ . . . . . . . . . . . . . . .
وآخره:
[ ١ / ٣٣ ]
. . . . . . . . . قد ضُمِّنَ الدُّرَّ إلاَّ أنَّهُ كَلِمُ
أم كاذبًا، فإن كنت صادقًا فجزائي الإعتاب أو كاذبًا فجزائي التكذيب والجواب، فأما القتل فليس عنهما بجزاء، وبعد: فمواجهة ملك بأنه يجوز ويمكن أن أكون كاذبًا في مدحك من القبائح والفضائح، على أن له وجهًا في تعسف العرب وتعجرف طباعهم، لكنه ليس بجميل، ولا تُباح نفس شاعر يمدح، أحسن فيه أم أساء، وصدق أم كذب. ولهذا قال في السامري:
أسامرِّيُّ ضٌحكةَ كلِّ رائي فَطَنتَ وأنتَ أغبَى الأغبياءِ
صَغُرتَ عنِ المديحِ فقلت: أُهجى كأنَّكَ ما صَغُرتَ عن الهِجاءِ
وما فكَّرتُ قلبكَ في مُحالٍ ولا جرَّيتُ سيفي في هَباءِ
وقال في قصيدة أولها:
(أيدري ما أرابكَ ما يُريبُ؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
(يُجَمشُكَ الزَّمانُ هوىً وحُبًا وقد يُؤذَى منً المِقَةِ الحبيبُ)
[ ١ / ٣٤ ]
روى أبو الفتح: وقد يؤذي بكسر الذال.
قال الشيخ: أول البيت ناقص لروايته (يؤذي بالكسر)، والعادة تنقضه وتنفيه، ولا تُرخص يحال فيه، فإن الرجل جعل الزمان محب سيف الدولة، وهو حبيبه، لهذا المعنى قال: يُجمشك بهواه وحبه إياك، ثم قال: ولا بدع ولا عجب، فقد يؤذى الحبيب من المقة والحب، فالزمان يؤذيك بهذه الشكاية كما يؤذي العاشق المعشوق بالضم والشم والعناق واللثم والتقبيل والرشف والعض والقرص والمص وأشباهها، وما هي لجفوة بل لصبوة، فهذا تجميش العشاق، وهذه الشكاة تجميش الزمان إياك من الهوى والاشتياق، وفسر هذا بالحبيب، ويؤذي من فرط المحبة والمقة، فمن رواه بالكسر فماذا يكون معناه؟ وكيف يلائم أول البيت آخره؟ وإذا كان الحبيب المؤذي له فمن المؤذى؟ وعلى هذه الرواية يجب أن يكون سيف الدولة يجمش الزمان ويعله ويمرضه، ويكون محب الزمان والزمان حبيبه، وهذا محال كما ترى. والحبيب لا يؤذي إلا بالصد والهجر والدلال والفراق وأشباهها، ولا مكان لها هاهنا، وإذا كان سيف الدولة المجمش، فلابد أن يكون هو المؤذي البتة، فإذا لا وجه لكسر الذال هنا بحال.
(فَقَرطْها الأعنَّةَ راجعاتٍ فإنَّ بعيدَ ما طلبتْ قريبُ)
[ ١ / ٣٥ ]
قال أبو الفتح: تقول العرب: قرط فلان فرسه العنان، يستعمل ذلك على وجهين: أحدهما أنه طرح اللجام في رأس فرسه، وربما استعمل للفارس إذا مد يده بعنانه حتى يجعلها في قذال فرسه للحضر، والبيت يحتمل أمرين وراجعات، أي بلد إلى بلد العدو فإن بعيد ما طلبت قريب عليها لسرعتها.
قال الشيخ: ذكر تقريظ الأعنة والعود إلى بلد العدو، وأصاب فيهما غير أنه لم يفسر المعنى كما يتصور، والمتنبي يقول قبله:
وأنتَ المَلكُ تُمرضُه الحشايا لهمَّتهِ وتشفيهِ الحروبُ
يحثه على مراجعة بلد الروم ومقاساة الحروب ليبرأ من شكاته، ويعاجل بمعافاته متئدًا غير مسرع كما قال حتى يجعل الأعنة في قذاله للحُضر، والبيت لا يحتمل الأمرين، لا يحتمل إلا طرح اللجام في رأس الفرس لقوله:
. . . . . . . . . . . . . . . فإنَّ بعيدَ ما طلبت قريبُ
فإنه لا يحتمل غير قولك: ألجم الخيل، وعاود الروم متأنيًا، فإن الأمد البعيد قريب عليها لميعتها وسبلها ومرحها وقوتها، ولا يحسن أن تقول: ألجم الخيل وعاود العدو مسرعًا متعجلًا، فإن البعيد قريب عليها، فإن هذه اللفظة تقتضي أن يكون القريب بعيدًا عليها حتى تحتاج أن تعجل وتسرع، وقد تبين أن البيت ر يحتمل الأمرين، وإنما
[ ١ / ٣٦ ]
يحتمل طرح اللجام في رأس الفرس دون الحُضر، وهذا كقوله فيه:
وكاتبَ مِن أرضٍ بعيدٍ مرامُها قريبٍ على خيلٍ حواليكَ سُبَّقِ
(إذا داءٌ هَفا بُقراطُ عنهُ فلم يُوجدْ لصاحبهِ ضريبُ)
قال أبو الفتح: جواب إذا، فلم يوجد، أي: وليس يوجد لصاحبه شبيه، كذا قال لي وقت القراءة عليه، واستعمل (لم) في موضع (ليس) لمضارعتها لها بالنفي.
قال الشيخ: ذكر هذا القدر وما فسر معناه، وهو محوج إلى شرح وبسط، فإنه يقول: كل بعيد عليك قريب، وكل عسير يسير، فأنت بقراط المقاصد والأدواء، كما أن بقراط كان إمام المعالجات والأدواء، ولا نظير لك فيها كما لا نظير له في هذه، أي: لا يتعذر عليك تحصيل مطلوب واستخراجه، كما لا يتعذر عليه تدبير داء وعلاجه. يريد إذا داء زل بقراط عن حسمه، وليس يوجد له نظير يقوم بقطعه، وإذا خطب لا يقوم سيف الدولة
بكفايته، فلا يوجد له ضريب يقوم بإماطته، وهذان لا يكونان، فعليك بقصد من تريد وأخذ ما تروم، فلن يعوزك مراد، وإن عز مطلبه، ولن يعجزك مرام، وإن ضاق مذهبه، ويدلك عليه قوله فيها:
وكيفَ تُعِلُّكَ الدُّنيا بشيءٍ وأنتَ بعلَّةِ الدّنُيا طبيبُ؟
وكيفَ تنوبُكَ الشَّكوى بداءٍ وأنتَ المُستغاثُ لما ينوبُ؟
[ ١ / ٣٧ ]
وقال من قصيدة، وهو مطلعها:
(بغيركَ راعيًا عَبثَ الذُئابُ وغيرَكَ ضاربًا ثَلَمَ الضِّرابُ)
قال أبو الفتح: نصب راعيًا وضاربًا على التمييز، وإن شئت على الحال.
قال الشيخ: شرحه ليس في الشرط، لأن الشرط أن أشرح من معاني هذه الأبيات كل ما كان فيه خلل إذ جرى عليه غلط، فأما ما لم يشرح معناه فلا. وأشرح هذا الواحد، وإن كان خارجًا عن الشرط، ولا أشرح بعده مثله. قرأت في جمع ابن خالويه لديوان أبي فراس الحمداني أن طائفة من بني كلاب اجتازت بقرب حلب على مرحلة منه، فحمل بعضهم حملًا من قطيع قيمته خمسة دراهم، فنهض سيف الدولة بنفسه وجيشه إلى بني كلاب ومن ضامهم من سائر القبائل حتى أوقع بهم، وقالع وقتل واستباح، ونفاهم عن تلك البوادي كلها، وطهر منهم تلك البلاد بأسرها، وأنفق عليها خمسين ألف دينار كمًا، فقال فيه شاعره المتنبي:
(بغيركَ راعيًا عَبِثَ الذِّئابُ . . . . . . . . . . . . . . .)
وإذا عرفت القصة فهمت، واستبنت معناه، وتصورت مغزاه.
[ ١ / ٣٨ ]
(إذا ما سرتَ في آثارِ قومِ تَخاذلتِ الجماجمُ والرِّقابُ)
قال أبو الفتح: أصل التخاذل التأخر، يقال: ظبية خذول، إذا تأخرت عن المرعى، وإذا تأخرت الجمجمة والرقبة فقد تأخر الإنسان، أي: لما سرت وراءهم كأن رؤوسهم تأخرت لإدراكك إياهم، وإن كانت في الحقيقة قد أسرعت، ويجوز أيضًا أن تكون قد تخاذلت لما لقيت من سيوفك، أي: تساقطت لما ضُربت بالسيوف، وتخاذلت رجلًا السكران والشيخ إذا ضعفتا.
قال الشيخ: الفصل الأخير خير من الأول، وإن كان غير مستوفى ولا كاف ولا مقنع،
ومعناه عندي إنك إذا سرت في آثار قوم هربوا منك، تخاذلت الجماجم والرقاب، أي: ضربت الرقاب حتى خذلت الجماجم، وطيرت الجماجم حتى خذلت الرقاب، وقريب منه قوله في هذه الوقعة لسيف الدولة:
مضَوا مُتسابقي الأعضاءِ فيها لأرجلِهم بأرؤسهم عِثارُ
[ ١ / ٣٩ ]
وأخذه الخوارزمي، فقال في عضد الدولة:
وطلَّقتِ الجماجمُ كلَّ قَحفٍ وأنكرَ صحبَةَ العُنُقِ الوريدُ
(وتحتَ ربابهِ نَبتوا وأثُّوا وفي أيَّامهِ كثُروا وطابوا)
قال أبو الفتح: أي هم منك وبك، فأنت جدير بالرحمة لهم والعطف عليهم.
قال الشيخ: هو عندي الاسترقاق والاستعطاف فيما سبق هذا البيت. وهذا كالذي قبله، وهو:
وإن يكُ سيفَ دولةِ غيرِ قيسٍ فمنُه جُلودُ قيسٍ والثِّيابُ
نسبهم إليه بأنهم منه كانوا وبآلائه كثروا ونشئوا وتحت ظله ونعمائه نبتوا وأثوا وبسعادة أيامه وإقبال دولته تأثلوا وتجملوا.
(ولو غير الأميرِ غزا كِلابًا ثناهُ عنْ شُموسِهمُ ضَبابُ)
[ ١ / ٤٠ ]
قال أبو الفتح: ضرب ذلك مثلًا، أي كان له مشتغل بما يلقى منهم من قبل الوصول إليهم وإباحة حريمهم، ويمكن أن يكون كنى بالشموس عن النساء وبالضباب عن المحاماة دونهم.
قال الشيخ: نعم كنى بالشموس عن نسائهم وعن عجاج الحرب بالضباب، أي: كما أن الضباب يحجب الشمس، ويكف عنها الأبصار كان العجاج، أي: عجاج الحرب يكف الأبصار عن ملاحظة نسائهم فضلًا عن السبي لو غزاهم غير سيف الدولة، والعبارة بالضباب عن المحاماة محال فاسد، وإن كان عجاج الحرب للمحاماة دونهم، وهذا هو الملح الصرف والحسن البحت والسحر الطلق والحذق المحض الذي عمله في الكناية عن النساء بالشموس، وعن العجاج بالضباب، والذي هو الحجال الحائل بين سيف الدولة ونسائهم، فبطل متى قيل: كنى بالضباب عن المحاماة، إذ لا قرابة ولا تشبيه ولا مشاكلة بين الضباب والمحاماة كما هي حائلة بين العجاج الذي هو معنى الضباب وبين المحاماة، يوضحه قوله بعده:
ولاقى دون ثايِهمُ طًعِانًا يُلاقى عندَهُ الذِّئبَ الغُرابُ
(ولا ليلٌ أجنَّ ولا نهارٌ ولا خيلٌ حملنَ ولا رِكابُ)
قال أبو الفتح: هذا يشبه قوله:
[ ١ / ٤١ ]
. . . . . . . . . تخاذلتِ الجماجمُ والرِّقابُ
قال الشيخ: لست أعرف تشبيهًا جامعًا بحال بينهما، وليت شعري ما الذي أوهم فيه حتى فسره تفسيرًا وجدت تصوره فيه عسيرًا، وإنما معناه عندي ما تقدمه، وهو:
ولكن ربُّهم أسرى إليهم فما نَفَعَ الوقوفُ ولا الذَّهابُ
ولا ليلٌ أجنَّ ولا نهارٌ ولا خيلٌ حملنَ ولا ركابُ
يقول: لو غير الأمير غزا صرفه عن نسائهم عجاج الحرب وطعان جامع بين الذئاب والغراب على الجيف والجثث، ولكن ربهم قصدهم، فما نفعهم في قصده ولا خلصهم عن يده الوقوف والدفاع ولا الذهاب والإسراع، ولا ليل أظلم عليهم فخفرهم بظلامه، ولا نهار أضاء لهم فبصرهم بضيائه، ولا خيل حملتهم ولا ركاب نقلتهم فنجت بهم عنه.
وقال في قصيدة أولها:
(يا أختَ خيرِ أخٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . .)
(أجِلُّ قَدرَكِ أنْ تُسمَيْ مُؤبَّنةً ومنْ يَصفكِ فقدْ سمَّاكِ للعربِ)
[ ١ / ٤٢ ]
قال أبو الفتح: أي أجلك أن أسميك في المرثية، ولكني إذا وصفت ما كان فيك من المحامد والمحاسن عُرفتِ، لأن ذلك مما لا يوجد في غيرك.
قال الشيخ: هذا جميل، ولكن الرجل يقول غير هذا، وهو أنه يقول: إذا وصفتك بقولي: يا أخت خير أخ، يا بنت خير أب، علمت العرب قاطبة أن خير أخ سيف الدولة وخير أب أبو الهيجاء، فعُرفتِ بهذه الصفة دون التسمية، فهذه الصفة جامعة بين مدح الأخ والأب والأخت، ويدلك على صحة ما قُلنا قوله في المصراع الثاني:
(. . . . . . . . . . . . . . . كنايةَ بهما عن أشرفِ النَّسبِ)
(غدرتَ يا موتُ كم أفنيتَ مِن عَددِ بمن أَصبتَ وكم أسكتَّ منَ لَجَبِ)
قال أبو الفتح: أي غدرت بها يا موت لأنك كنت بها تصل إلى إفناء عدد الأعداء وإسكات لجبهم، أي: كانت فاضلة تُغزي الجيوش وتُبير الأعداء.
قال الشيخ: هذا الشرح شر من الأول، ولو كان ينظر فيما قبل من الأبيات وفيما بعدها لما
وقعت له هذه الهفوات، وتفسيره في البيت الذي يليه:
[ ١ / ٤٣ ]
وكم أصبحتَ أخاها في منازلَةٍ وكم سألتَ فلم يبخَلَ ولم تَخِبِ
فبهذا البيت تعلم وتتبين أنه أراد بقوله: بمن أصبت، سيف الدولة لا أخته، وبعد: فلم نسمع أن أخت أمير مثل سيف الدولة تُباشر تجهيز الجيوش وتوجيه السرايا إلى الأعداء، وهو حي يرزق.
(يا أحسنَ الصَّبرِ زُرْ أولَى القُلوبِ بها وقلْ لصاحبهِ: يا أنفعَ السُّحُبِ)
قال أبو الفتح: أي زر قلب سيف الدولة، لأنه أولى القلوب بها، وصاحبه سيف الدولة، أي قل لسيف الدولة: يا أنفع السُّحب، وصار أنفع السُّحب، أن عطاءه هناء بلا منٍّ ولا أذى، والسحاب قد تُحرق صواعقه ويُهلك برده.
قال الشيخ: تهنؤ عطائه عن المنِّ والأذى مثل الوعد والمطال الحسن، لا عن مثل الصواعق والإتلاف بالبرد، فإنها بعيدة تقع في النُّدرة وطول العهد والفرط بعد الفرط والصقع بعد الصقع، وعندي إنه يريد بقوله: يا أنفع السُّحب أن عطاءها ماء وعطاءك خلع وحباء وأموال، ولعطائها انقطاع وانقضاء ولعطائك دوام وبقاء، وله نفاد وفناء ولعطائك ذكاء وبقاء، كقوله فيه:
تجفُّ الأرضُ مِن هذا الرَّبابِ ولا ينفكُّ غيثُكَ في انسكابِ
[ ١ / ٤٤ ]
(وإنْ سَرَرنَ بمحبوبِ فَجَعنَ بهِ وقدْ أتينَكَ في الحالينِ بالعجبِ)
قال أبو الفتح: أي جمعُهن بين هاتين الحالين وإتيانُهن بهما عجب.
قال الشيخ: ما يريد أن الليالي تجمع بين هاتين الحالين في وقت واحد، وإتيانُهن بهما فيه عجب، لأنها لا تسُر بمحبوب وتفجع به في وقت واحد وحالة واحدة، وإنما يقول: وإن سُررت بمحبوب فجعن به بعد السرور، ويُعجبنك في حال الإتيان به وفي حال الفجيعة به، أي: يأتينك به من حيث لا تحتسب، تتعجب من وصوله إليك وحصوله في يديك، ثم يفجعنك به من حيث لا ترتقب، تتعجب من وجه ارتجاعه عنك واعتصائه عليك، فقد أتينك في حال الهبة بالارتجاع بالعجب، وهذا كثير
في شعره كما يقول:
. . . . . . . . . . . . . . . وأعجبُ من ذا الهجرِ والوصلُ أعجَبُ
[ ١ / ٤٥ ]
وكما يقول:
فتولَّوا بغُصَّةٍ كلَّهم من هُ وإن سرَّ بعضَهم أحيانا
رُبَّما تُحسِنُ الصَّنيعَ ليال هِ ولكن تُكدِّرُ الإحسانا
وكما يقول:
فما يُديمُ سرورًا ما سُررتَ به ولا يَرُدُّ عليكَ الفائتَ الحزَنُ
وكما يقول:
أشدُّ الهمِّ عندي في سرورٍ تَيقَّنَ عنه صاحُبه زوالا
وفي نظائر لها كثيرة.
وقال في قصيدة أولها:
(فهمْتُ الكتابَ أبرَّ الكُتُبْ . . . . . . . . . . . . . . .)
(فَطوعًا له وابتهاجًا بهِ وإن قَصَّرَ الفعلُ عمَّا وجَبْ)
[ ١ / ٤٦ ]
قال أبو الفتح: كأنه استزاده في هذا البيت، ويجوز أن يكون أراد بقوله إن الذي يجب عليه أكثر من السمع والطاعة.
قال الشيخ: ما أرى في هذا البيت استزادة ولا أن الذي يجب له أكثر من السمع والطاعة، وما
أدري كيف ذهب إليهما، وكلاهما شائن، ولمعنى البيت مباين، وإنما يقول: وهو جوابه عن كتاب لسيف الدولة، ورد عليه من حلب، وهو بالكوفة يستعيده إلى حضرته بعد منصرفه من مصر:
(فهمتُ الكتابَ أبرَّ الكُتُبْ فسمعًا لأمرِ أميرِ العربْ)
(وطوعًا له وابتهاجًا بهِ وإن قَصَّرَ الفعلُ عمَّا وجَبْ)
أي: سمعًا له وطاعة وابتهاجًا بأمره الوارد وكتابه الواصل، وإن قصر الفعل عن تقديم الواجب في مثاله من المبادرة إلى حضرته والمسارعة إلى خدمته، كأنه كان قاصرًا في الوقت عن ارتسام رسمه وائتمار أمره.
(وما قلتُ للبدرِ: أنتَ اللُّجينُ ولا قلتُ للشَّمسِ: أنتِ الذَّهَبْ)
قال أبو الفتح: ضرب هذا مثلًا، أي: لم أنتقص من مدحك ومناقبك شيئًا كما ينتقص
[ ١ / ٤٧ ]
البدر
بأن يُشبه باللُّجين والشمس بأن تُشبه بالذهب، أي: لم أهجك فتتنكر لي.
قال الشيخ: هذا التفسير كما تراه، وما للهجاء في البيت موضع ومكمن، وعندي أنه يقول: ما وصفت معاليك إلا بحقها، ولا مدحت مآثرك إلا على وجهها، ولا وضعت كلامي منها إلا في موضعها، وما بخستك حظًا فيها، ولا نقصتك شيئًا منها، وما أحلت ولا غيرت وصفًا عن الواجب، ولا بدلت، فما قلت للبدر: أنت اللُّجين، وهو الذهب، فهذا بخس، ولا قلت للشمس: أنتِ الذهب، وهي الفضة، وهذا تغيير وعسف، لكن وصفت كل شيء من معاليك بوصفه، وخرجت إليه من تمام حقه، ووفيته كمال نعته، فما القلق منه والغضب فيه؟ والبدر يُشبه بالذهب لما فيه من الصفرة والشمس بالفضة والماء الصافي لما فيها من النقاء والصفاء كما قيل:
وكأنَّ يدَ البَدرِ المقابلِ فجرَه تَسُلُّ على ترسٍ منَ التِّبرِ مرهفا
وكما قيل:
وماءٍ كعينِ الشَّمسِ لا تقبلُ القَذَى إذا درجت فيه الصَّبا خلتَه يعلو
(أيا سيفَ ربِّكَ لا خلقِهِ ويا ذا المكارم لا ذا الشُّطَبْ)
قال أبو الفتح: أي أنت بأن تُسمى ذا المكارم أحرى منك بأن تُسمى ذا الشطب، لأنك فوق أن تُسمى بالسيف، كقوله:
وندعوكَ الحسامَ وهل حسامٌ يعيشُ بهِ منَ الموتِ القتيلُ؟
[ ١ / ٤٨ ]
أي: ينبغي أن تُسمى سيف الله ذا المكارم.
قال الشيخ: ما فيه تسميته بالمكارم وغيرها، وكيف يكون ذلك، والرجل يقول: يا سيف ربك لا خلقه؟ وهو كقوله فيه:
قد كنتَ تُدعى سيفَ دولةِ هاشمٍ فَالآنَ تُدعى سيفَ ربِّ العالَمِ
وكقوله:
. . . . . . . . . . . . . . . وفي يدِ جَّبار السَّماواتِ قائِمَه
وكقوله:
فأنتَ حسامُ المُلكِ واللهُ ضاربٌ وأنتَ لواءُ الدّينِ واللهُ عاقدُ
ويا ذا المكارم يا ذا الشُّطب، أي: ويا سيفًا ذا المكارم، لا ذا أثر، أي: طرائق فرنده وآثار
جواهر مكارمه ومآثره.
[ ١ / ٤٩ ]
(فأخبثْ بهِ طالبًا قَتْلَهمْ وأخبثْ بهْ تاركًا ما طَلبْ)
قال أبو الفتح: أي ما أخبثه في الحالين جميعًا، يعني الدُّمستق.
قال الشيخ: ما للخبث والطلب؟ نعم أخبث بالدُّمستق في كل حال، وأخبث به في كل طلب لقتال، والرجل يقول: فأخبث بالدُّمستق طالبًا قتل أهل الثُّغور، وأخبث به تاركًا ما طلب من الظفر بهم والفخر فيه، أي: ما أخيبه في الحالين طالبًا قتلهم وتاركًا مطلوبه إذا فاجأته يا سيف الدولة فألجأته إلى الهرب، فاستعاض من الظفر الذي رامه بقتلهم انهزامًا ومن الفخر الذي أمله عارًا وملامًا، فما أخيبه من هذا الظفر وما أخيبه من الصيت المنتظر، ويدلك عليه قوله قبله:
بذا اللَّفظِ ناداكَ أهلُ الثُّغور فَلَّبيتَ والهامُ تحتُ القُضُب
فكانوا له الفخرَ لَّما أتَى وكنتَ لهً العُذرَ لَّما ذَهَب
سبقتَ إليهم مناياهُم ومنفعةُ الغوثِ قبلَ العطَب
[ ١ / ٥٠ ]
وقال في قصيدة أولها:
(دمعٌ جرى فقَضى في الرَّبعِ ما وَجبا . . . . . . . . . . . . . . .)
(جاءتْ بأشجعِ من يُسمَى وأسمحِ مَنْ أعطى وأبلغِ منْ أملَى ومنْ كَتبا)
قال أبو الفتح: أي جاءت عجل بإنسان هذه حاله، وإن شئت كان المعنى جاءت هذه المرأة المُشيب بها بإنسان هذه حاله، أي: شبهت نفسها به، فجاءت بذكره.
قال الشيخ: ما لعجل في قوله: (جاءت) مجال أو مقال، وما للمشيئة والشرط مكان، وإنما جاءت به هذه المرأة لا غير.
(إذا بدا حجبتْ عينيكَ هيبتُهُ وليسَ يحجبُه سترٌ إذا احتجبا)
[ ١ / ٥١ ]
قال أبو الفتح: أي لجلالته، وقوله: وليس يحجبه، يحتمل تأويلين: أحدهما أن حجابه قريب لما فيه من التواضع والتيقظ، فليس يقصر أحد أراده دونه، وهذا مما يُوصف به ذو الفضل والشهامة. والآخر أنه وإن احتجب بالستر فليس يخفى عليه شيء مما وراءه لشدة مراعاته للأمور وانصبابه إلى السياسة والتدبير، وهو محتجب كلا محتجب.
قال الشيخ: قوله (لجلالته) صحيح، وهو كمال قال في سيف الدولة:
كأن شعاعَ عينِ الشَّمس فيهِ ففي أبصارنا منه انكسارُ
وما في المعنى لا ذاك ولا هذا البتة، وإنما هو كقوله في بدر بن عمار:
أصبحتَ تأمرُ بالحجابِ لخلوةٍ هيهاتَ لستَ على الحجابِ بقادرِ
وإذا احتجبتَ فأنتَ غيرُ مُحَجَّبٍ وإذا بطنتَ فأنتَ عينُ الظَّاهرِ
مَن كانَ ضوءُ جبينهِ ونوالُه لم يُحجبا لم يحتجب عن ناظرِ
(لا يُقْنِعُ ابن عليٍّ نيلُ مرتبةٍ يشكُو محاولُها التَّقصيرَ والتَّعَبا)
[ ١ / ٥٢ ]
قال أبو الفتح: أي لا يقنع بنيل هذه المنزلة العظيمة التي يشكو طالبها قصوره عنها وتعبه بطلبها وشدة معاناته لما قرب منها.
قال الشيخ: أومأ إلى شيءٍ من معناه وما شرح ما عناه، وهو يقول: لا يُقنع ابن عليّ وجود منزلة يقف طالبها بين القصور عنها والتعب فيها، ولا يجدها أي منزلة يتعب طالبها ويعجز عن وجودها لبعدها على الطلاب وإبائها على الخطاب، لا يقنعه وجودها، وتسمو به إلى أجل وأعلى منها، والدليل على صحة ما قُلنا أنك لا تقف مما شرحه على ما شرحناه لك.
(مُبرقعي خَيلِهم بالبِيضِ مُتَّخِذي هامَ الكُماةِ على أَرماحهم عّذَبا)
قال أبو الفتح: أي جعلوا مكان براقع خيلهم حديدًا على وجوهها ليقيها الحديد أن يصل إليها، وجعلوا شعر هام الكماة وهم الأبطال عذبًا لرماحهم.
قال الشيخ: ليس مما فسره من المصراعين شيء، لأنه لا يقال: البيض من جميع الأسلحة
[ ١ / ٥٣ ]
إلا السيوف خاصة دون البيض والدروع والجواشن والتجفاف والبراقع والأسنة وغيرها من أجناسها، ثم أي مدح في أن يبرقع خيلهم بالحديد، فإن الناس معهم فيه سواء من أراده قدر عليه؟ وما أراد بهام الكماة شعرها، ولو أراد لقال: شعر الكماة، والشعر لا يُشبه العذب، لأن العذبة العُقدة التي تكون في علاقة السوط. والرجل يقول: يبرقعون خيلهم في الهيجاء بسيوفهم التي في أيديهم لحذقهم بالضرب وقدرتهم عليه واعتيادهم له بحيث تقي أيديهم في الضراب ضروب الأسلحة عن رؤوس خيلهم ووجوهها حتى تكون كالبراقع لها في حراستها وحياطتها، ويجعلون رؤوس الكماة على رؤوس رماحهم كالعذب على علائق السياط، ويحسن أن يُشبه تلك العقد بالرؤوس كما قيل:
غدا أعداؤهُ ولهم بنودٌ وراحوا في الرِّماحِ وهم بنودُ
قال في قصيدة أولها:
(بأبي الشُّموسُ الجانحاتُ غَوارِبا . . . . . . . . . . . . . . .)
(أوحَدْنني فوجدنَ حزنًا واحدًا متناهيًا فجعلنَه لي صاحبا)
[ ١ / ٥٤ ]
قال أبو الفتح: أي أفردنني ممن أحب، ووكَّلنني بنهاية الحزن.
قال الشيخ: فسر فاختصر، وشرح فقصر، وإن كان أشار إليه، فإنه يقول: أوحدنني: أفردنني، الخطوب عنه الأهل والوطن والأحبة والمال والنعمة وكل ما يُتمتع بمكانه ويُستأنس بإتيانه، ووجدن حزنًا واحدًا بالغًا النهاية فقرنَّه وجعلنه صاحبي، وما قنعن بإفرادي عن ثمرات الدنيا حتى جعلن حزنًا بهذه الصفة صاحبًا لي زيادة في السوء بي.
(هذا الذي أبصرتُ منه حاضرًا مثلُ الذي أبصرتُ منهُ غائبا)
قال أبو الفتح: يقول حضر أو غاب فأمره في الشرف والكرم واحد لشهرته ووضوحه، إذا نصب (مثل) جعل (هذا) مرفوعًا و(الذي) خبره، ونصب (مثل) ب (أبصرت) وإذا رفع (مثل) رفع (هذا) بالابتداء، وجعل (الذي) مبتدأً
[ ١ / ٥٥ ]
ثانيًا و(مثل) خبر الذي، والجملة خبر (هذا) والعائد على (هذا) من الجملة التي هي خبر الهاء في (منه).
قال الشيخ: معنى هذا مختص عندي بالجود والسخاء، ألست ترى قوله قبله؟
ومخيبُ العُذَّالِ ممَّا أمَّلوا منهُ وليس يردُّ كفًّا خائبا
ثم قال:
هذا الذي أبصرتُ منه حاضرًا مثلُ الذي أبصرتُ منه غائبًا
أي: هو طبع لا تكلُّف وسخاء لا رياء، فحاله في الخلاء والملاء غاب أم شهد وقرُب أم بعُد واحدة، كقوله:
. . . . . . . . . . . . . . . وواحدُ الحالتينِ: السِّرِّ والعَلَنِ
وقال في قصيدة أولها:
(ضُروبُ النَّاسِ عُشَّاقٌ ضروبا . . . . . . . . . . . . . . .)
(تظلُّ الطَّيرُ منه في حديثِ تردُّ بهِ الصَّراصرَ والنَّعيبا)
[ ١ / ٥٦ ]
قال أبو الفتح: الصرصرة: صوت البازي، نعب الغراب إذا صاح ومد عنقه وحركها، أي
هل سبيل إلى وقعة تكثر فيها القتلى، فتجتمع عليها الطير فينعب الغراب، ويصرصر البازي؟ وجعل أصوات الطير المجتمعة عليها كالحديث بينها.
قال الشيخ: ما أُنكر مما فسره غير كون البازي هناك، وما البُزاة والجيف، فإنها لا تقع عليها، ولا تأكل منها ولا تقربها بحال، فليت شعري كيف يخفى هذا على أحد اللَّهم إلا أن تكون بزاة تلك الديار تُساعد الطير والنسور والرخم وما أعرف لها نظيرًا غير قول بعضهم حين قال في بيت له:
ولقدُ بليتُ بنابِ ذيبٍ غاضِ . . . . . . . . . . . . . . .
فسأله وقال: ما عنيت به؟ قال: الذي يأكل الغضا، فأقبل على القوم، وقال: يا قوم: أذيب بلادكم يأكل الغضا؟ فإن ذئب بلادنا لا يأكله، والصرصرة: صوت الغراب.
(أَدمْنا طَعنَهمْ والقتلَ حتَّى خلطْنا في عِظامِهمُ الكُعوبا)
[ ١ / ٥٧ ]
قال أبو الفتح: أدمنا: أي خلطنا وجمعنا، ويُدعى للمتزوجين: أدم الله بينهما، قال:
إذا ما الخبزُ تأدمُه بلحمٍ فذاكَ أمانَة اللهِ الثَّريدُ
أي: تخلطه، أي جعلنا القتل مخلوطًا بالطعن إلى أن جعلنا كعوب القنا في عظامهم. قال الشيخ: كله فاسد، وكيف ذهب من الإدامة إلى الخلط؟ ولعله جعله من الأدم، وليس كذلك فإنه من الإدامة لا غير، ولا يجوز هنا أن يكون خلطنا، لأن أحدًا لا يقول: خلطنا طعنهم والقتل حتى خلطنا في عظامهم الكعوبا، ثم الخلط الأول لابد له من أن يكون بشيء أو في شيء كالخلط الثاني، ولو أراده لقال: أدمنا قتلهم بالطعن حتى لا، ولكنه أدمنا طعنهم وقتلهم من الإدامة حتى خلطنا كعوب الرماح
[ ١ / ٥٨ ]
في عظامهم لكثرة الطعن، كقول الآخر:
تُعِدُّ لَكُم جَزرَ الجَزورِ رماحُنا ويمسِكنَ بالأكبادِ منكسراتِ
وكقوله:
(إذا اعوجَّ القنا في حامليهِ وجازَ إلى ضُلوعِهمُ الضُّلوعا)
(ونالت ثأرها الأكبادُ منها فأولتها اندِقاقًا أو صُدوعا)
(شديدُ الخُنزوانةِ لا يُبالي أَصابَ إذا تنمَّرَ أم أُصيبا)
قال أبو الفتح: الخنزوانة: الكبر، وتنمر: أوعد وتهدد، وأراد: أأصاب، فحذف همزة الاستفهام ضرورة أي: إذا أوعد عدوه لم يرجع على ما خيلت.
قال الشيخ: هذا أيضًا فاسد عندي كله،
[ ١ / ٥٩ ]
ومعناه: شديد التكبر إذا لبس جلد النمر وتخلق بأخلاقه في الحرب لا يبالي أقَتل أم قُتِل وملك أم هلك، ويدلك على صحته (أُصيب).
وقال في قصيدة أولها:
(أَعِيدُوا صَباحي فهو عندَ الكَواعِبِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(فإنَّ نَهاري ليلةٌ مدلَهِمَّةٌ على مُقَلةِ مِن فقدِكم في غياهبِ)
قال أبو الفتح: العرب إذا وصفت الشدة شبهت النهار بالليل لإظلام الأمر، ومدلهمة: سوداء، أي لما غبتم لم أبصر بعدكم شيئًا لأني بكيت حتى عميت، وإن شئت كان معناه: أي لا أهتدي لرشدي، ولا أحصل أمري مذ غبتم عني.
قال الشيخ: ليس عندي مما فسره معنى مستقيم لائق بالبيت ملائم له، فإن الرجل يقول: كنت أي الدنيا بهم، فلما فقدتهم أظلمت الدنيا في عيني فرأيت الجو أكلف والنهار أربد والأفق أغبر، فأما الشدة التي عبر عنها فهي غير هذا، وتكون عبارة عن احتدام الحروب واشتداد الخطوب كقول النابغة:
إنِّ لأخشى عليكم أن يكونَ لكم من أجلِ بغضائِهم يومٌ كأيَّامِ
تبدو كواكُبه والشَّمسُ طالعةٌ لا النورُ نورٌ ولا إظلامُ إظلامِ
[ ١ / ٦٠ ]
(ولابُدَّ مِن يومٍ أغرَّ محجَّلٍ يطولُ استماعي بعدهُ للنَّوادبِ)
قال أبو الفتح: أي يوم مشهور، أقتل فيه أعدائي فأسمع بعده صياح النوادب عليهم.
قال الشيخ: زلت قدمه عن الغرض المورود والمعنى المقصود، وقوله: ولابد من يوم، هو يومه لا يوم الأعداء، لأنه لا شك له في يومه، وألف شك في يوم الأعداء على يده، لأنه يعلم يقينًا أنه لابد له من حلول يومه ووقوعه له، ويم قتله الأعداء غير يقين، وغير جائز أن يُعبر عنه ب (لابد) فإنه مشكوك فيه، ولابد من حلول موته به، فهو يقول: تخوفني تلك المرأة خوض الهلاك في طلب المعالي، وتأمرني بالإمساك عن مصادمة الليالي، ولم تدرِ أن العافية السافرة عن العار شر من العافية السافرة عن البوار لما فيها من ضروب الامتحان وصنوف الهوان الذي يتمنى الكريم فيه الموت، كما قيل:
ليسَ مَن ماتَ فاستراحَ بميتٍ إنَّما الميتُ مَيِّتُ الأحياءِ
[ ١ / ٦١ ]
وكما يقول المتنبي:
غير أنَّ الفتى يُلاقي المنايا كالحاتٍ ولا يُلاقي الهَوانا
ثم قال: تخوفني ما تُخوف، وتصرفني عما تصرف، ولابد كيفما كنت أعلى رأيها أم على رأيي من يوم الأجل: يوم أغر محجل لشهرته يطول استماعي بعده للنوادب، أي: لن يندبه، كقوله:
ولوَ أنَّ الحياةَ تبقى لحيٍّ لعددنا أضلَّنا الشُّجعانا
وإذا لم يكن مِنَ الموتِ بُدٍّ فمِنَ العجزِ أن تكونَ جبانا
ولعل قومًا تحملهم جلافة طباعهم وكثافة أفهامهم وغلظ خواطرهم على الاعتراض على ما قلنا بقوله: يطول استماعي، فيقولون: كيف يصح استماعه وهو ميت، فنقول: كلام العرب جار على الاستعارة والاتساع في العبارة والمبالغة في الإبانة والمجاز دون الحقيقة، فإنها إن ردت إليها، ووقفت عليها بطلت حلاوة اللفظ، وذهبت طلاوة المعنى، وكم نطق القرآن بما قلنا، والنظم والنثر فيه السيل والليل، كقوله تعالى: (إنَّا سنُلقي عليكَ قولًا ثقيلًا)، وقوله تعالى: (أيحبُّ أحدُكم أن يأكل لحمَ أخيهِ ميتًا)، وقوله تعالى: (إنَّا اعتدنا للظالمين ناراَ بهم سُرادقُها)،
[ ١ / ٦٢ ]
وقوله تعالى: (أفمن يمشي مُكبًا على وجههِ أهدى)، وقوله تعالى: (فأذاقها اللهُ لباسَ الجوعِ والخوفِ) في نظائر لها لا تُحصى، وكقول النبي صلى الله عليه وعلى آله: (وهل يُكبُّ النَّاسَ على مناخرهم في نار جهنَّم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم) وقوله: (لو جعل لأبن آدم واديانِ من ذهبٍ لابتغى لهما ثالث، لن يملأ جوفَ ابن آدمَ إلاَّ التُّرابُ، ويتوبُ اللهُ على من تابَ)، وكقول بعض الأعراب: (اتبعناهم فخصفنا مواقع أخفاف رواحلهم بحوافر خيلنا، ثم مددنا أرشية الرماح فاستقينا بها أرواحهم)، وكقول النابغة:
تمخَّضتِ المنونُ له بيومٍ أنَى ولكلِّ حاملةٍ تَمَامُ
وكقوله:
كتمتُكَ ليلًا بالجَمومينِ ساهرًا وَهميَّنِ هَّمًا مُستًكِنًّا وظاهرِا
[ ١ / ٦٣ ]
وكقول بشار:
إذا ما غضبنا غضبةً مُضرَّيةً هتكنا حجابَ الشَّمسِ أو مَطرت دًما
فهذه كلها على سبيل الاستعارة والمجاز والتوسع في الكلام والإيجاز دون الحقائق التي إن طالب بها معترض حكم عليه بصدأ الفهم وطبع الطبع وعمى القلب وعدم الذهن وتبلُّد
الخاطر وفساد مزاج البصيرة وجمود هواء الذكاء وحرارة الظرف، فكذلك قال الرجل: يطول استماعي بعده، أي بعد ذلك اليوم للنوادب، أي: يطول بكاؤهن عليَّ وهو، وإن لم يكن في الحقيقة مستمعًا لها، فكأنه مستمع، إذ بكاؤهن عليه، ويدلك على صحة ما قلنا أول البيت وهو قوله:
ولابُدَّ مِن يومٍ أغرَّ محجَّلٍ . . . . . . . . . . . . . . .
البيت الذي يتلوه، وهو قوله:
يهونُ على مثلي إذا رامَ حاجةً وقوعُ العوالي دونَها والقواضبِ
كثيرُ حياةِ المرءِ مثلُ قليلها يزولُ وباقي عيشهِ مثلُ ذاهبِ
والدليل على فساد ما فسره أبو الفتح أنه ألف بُد من ظفره بالعدو وقتله له، وألف شك فيه، والعدو ربما يظفر به ويقتله، ولا يصح أن يعبر ب (لابد) إلا عما لا شك في أنه واقع كائن، فأما ما يكون فيه شك فلا، وما أبعد طرق أصحاب اللغة والإعراب عن دقائق معاني الإشعار ولطائف المغازي فيها، وليت شعري ما يقول المنكر
[ ١ / ٦٤ ]
له في قول الشاعر؟
رياضٌ يُغازلنَ الضُّحى والأصائِلا ويَمرينَ أخلافَ السَّحابِ خوائِلا
فإن جاز أن يكون الليل ساهرًا والرياض التي ليست بحي ناطق ولا عامل تغازل الأصائل والضحى، وتمري أخلاف السحاب، وتستدر الحيا، وهي لا تقدر على شيء جاز أن يستمع الميت النوح والندبة والبكاء، وهو لا يقدر على شيء منها، وإنما أراد الشاعر بمغازلتها الضحى والاصائل طيب الوقتين فيها لنضارة زهراتها وغضارة نباتها ورفيف أنوارها وإشراقها وإسفارها، كأنها تغازل الوقتين، فتبسط منهما بنشرها فتستأنس وتنشر كأنها تمري السحاب إذا وقفت عليها تجودها، وإلا فلا مغازلة هناك في الحقيقة ولا مري، فإنها لا تقدر على شيء من هذا، ولكنها لما كانت لها وتسببها فكأنها تعلمها، كذلك هذا الاستماع لما كانت الندبة له وعليه كأنه تسمعه وإن كانا لا حس ولا فعل لهما، ويدلك عل صحة ذلك قول الله تعالى: (سآوي إلى جبلٍ يعصمني منَ الماءِ)، واللاجئ إليه يعصم به نفسه، وليس الجبل يعصمه، وإنما يعصم من يعلم ويعرف وينصر ويخذل عن غير أمر الله الذي هو نازل به، فإن جاز ذلك جاز أن يستمع الميت أيضًا، وهو جماد كالجبل لا يقدر على شيء، وقالوا للصدى: ابنة الجبل، فإن جاز أن يكون أو يقال له: ابنة الجبل جاز ذلك أيضًا، وأوضح من
جميع ما ذكرناه قول الشاعر:
وما تنفكُّ هاماتُ بدمخٍ تُبكِّيها نساءٌ بالعراقِ
وهامةُ صالحٍ تدعو بماءٍ لتُسقاهُ وما هي أرضُ ساقِ
[ ١ / ٦٥ ]
وقول توبة بن الحمِّير:
ولو أنَّ ليلى الأخيلَّية سلَّمت عليَّ ودوني تربةٌ وصفائحُ
لسلَّمتُ تسليمَ البشاشةِ أو زقا إليها صدىً من جانبِ القبرِ صائِحُ
وإذا جاز لهامة صالح الدعاء والاستسقاء ولتوبة التسليم والبشاشة والصدح والصياح من تحت التراب والصفائح جاز لذلك المسكين الاستماع وحده، فإنها دونها وأقل منها، ومن أنكره فقد نقض العادة، ونقض العادة نقيض السعادة.
(يهونُ على مثلي إذا رامَ حاجةً وقوعَ العوالي دونها والقواضبِ)
قال أبو الفتح: أي يهون عليَّ إفشاء الحروب والاصطلاء بها إلى أن أبلغ مرادي، ووقوعها دونها أي حلولها، يقال: هذا يقع موقع هذا، أي يحل محله، ويجوز أن يكون الوقوع هنا بمعنى السقوط، أي: تتساقط بيننا إذا أعملناها في الحروب، والأول أشبه.
قال الشيخ: لست أدري كيف وقع إلى إفشاء الحروب فيه، وما في البيت ما يقتضيه، ومعناه ظاهر، وهو متصل بما تقدمه ومؤيد له إذ يقول: لابد من الموت، ثم
[ ١ / ٦٦ ]
يقول: يهون على مثلي الذي عرف الدنيا ووطن على اقتحام المعارك وخوض المهالك إذا طلب حاجة أن يواجه الرماح ويُباشر السيوف في الوصول إليها، فإنه لا يثنيه فيها، ولا يكفه دونها.
(إليكِ فإنِّي لستُ مِمَّنْ إذا اتَّقى عِضاضَ الأفاعي نامَ فوق العقاربِ)
قال أبو الفتح: أي لست ممن إذا تخوف عظيمة صبر على مذلة وهوان، فشبه العظيمة بالأفاعي وشبه الذل بالعقارب، وكل مهلك، أي: إذا تخوفت أمرًا عظيمًا لم أصبر على أخر مكروه دونه، بل أتقي الجميع صغيرة وكبيرة.
قال الشيخ: ما أبعد هذا التفسير عما فيه، وما أغفل المفسر عن خافية هذا المظلوم. ينقد هذه المرأة التي تخوفه ركوب الأخطار وتأمره بالفرار والرضا بالصَّغار والعار، ويقول: لست ممن إذا اتقى الهوان والعار والمذلة التي هي عضاض الأفاعي، صبر على ملامك وعذلك الذي عندي كلسع العقارب، كفي عني واغربي، فإني إذا اتقيتها بالتصدي للهلكة والتعرض
للتلف في طلب العز والمنعة لم أصبر على ملامك وكلامك.
[ ١ / ٦٧ ]
(ولو صَدقوا في جّدِّهم لَحذرِتُهُم وهل فيَّ وحدي قولُهم غيرُ كاذبِ؟)
قال أبو الفتح: أي لو كان نسبهم صحيحًا كما يدعونه، وكانوا علوية غير مدعين لحذرتهم لمكانهم وشرفهم، ولكنهم أدعياء، فلست أحفل بهم، فلما كذبوا في ادعائهم أن عليًا ﵇ جدهم كذلك ادعوا عليَّ ما لا أصل له، وتهددوني بما لا يقدرون عليه، وهذا ونحوه يدل على أنه قد مرت به شدائد وهفوات في تطوافه.
قال الشيخ: هذا التفسير مشوب الصواب بغيره، فإنه قبله يقول:
أتاني وعيدُ الأدعياءِ وأنَّهم أعدُّوا لي السُّودانَ في كفرِ عاقبِ
ليقتلوني، ثم قال: ولو كانوا صادقين في جدهم الذي انتحلوا نسبه لحذرتهم ليس لمكانهم في الشرف بل لحذرت مكائدهم ومراصدهم لي بالسُّودان التي أعدوها لي من كفر عاقب، ولكنهم كاذبون في وعيدهم بسودانهم كما أنهم كاذبون في جدهم ومحلهم عنه ومكانهم.
(إليّ لعمري قَصدُ كلِّ عجيبةٍ كأنِّي عجيبٌ في عيون العجائبِ)
[ ١ / ٦٨ ]
قال أبو الفتح: أي كأن العجائب لم يرين أعجب مني، فهن يقصدنني من كل جانب وأوب ليعجبن مني، يعظم قدر نفسه، ويصف كثرة مصائبه.
قال الشيخ: أكثر أبيات شعره متصلة المعاني بالمقاصد التي تقدمتها والمغازي التي سبقتها، وكثير من الناس يمرون عليها، وهم عنها معرضون، وهذا الرجل ليس يريد ما فسره نفسه، لأنه لو أراد بقوله: كأني عجيب في عيون العجائب، يُعظم نفسه لما وضع نفسه بحيث تمكن سودانهم قتله، وإنما يقول: إليَّ قصد كل عجيبة حتى أعدت هؤلاء الأدعياء لي سودانهم في كفر عاقب لقتلي من غير استحقاقي ذلك عليهم بوجه من الوجوه دون أن تساوينا في منزلة وتكافؤ، كأني عجيب في عيون العجائب، فقصدتني من كل أوب.
(بأيِّ بلادِ لمْ أجرَّ ذوائبي؟ وأيَّ مكانِ لم تَطأهُ ركائبي؟)
قال أبو الفتح: أي لم أدع موضعًا من الأرض إلا جولت فيه إما متغزلًا وإما غازيًا.
قال الشيخ: ما أعرف فيه من التغزل والغزو شيئًا، وعندي أنه يقول: بأي بلاد لم أجر ذوائبي إلى أخره،
[ ١ / ٦٩ ]
أي: من عهد الصبا إلى هذا الوقت كنت أجوب الدنيا في طلب المعالي، وما بلغت منها رتبة إلا تمنيت فوقها أخرى حتى ما بقي منها بلد لم أجربه ذوائبي صبيًا في
طلبها، ولا مكان لم تطأه ركائبي مدركًا بسببها، ويدلك عليه قوله:
فإمَّا تريني لا أُقيم ببلدةٍ فآفةُ غمدي في دلوقيَ مَن حَدِّي
أي: لا يقنعني ما أناله من العُلى بكل بلدة، فأفارقها إلى غيرها طلبًا للزيادة عليها، فإن قال: ما للصبي وطلب المحل العليِّ قُلنا: من يقول في الصِّبا:
أيَّ محلٍّ أرتقي؟ أيَّ عظيمٍ أتَّقي؟
إلى أخرها، حقيق بأن يقول مثلها، على أنه قد قيل في غيره ما ينص على ما ذكرناه في معناه ولا يتحاماه، مثل قول القائل:
إنَّ المكارمَ والمعاليَ والنَّدى لمحَمَّد بنِ القاسمِ بنِ محمَّدِ
قادَ الجيوشَ لخمسَ عشرةَ حِجَّةً يا قربَ ذلكَ سُؤددًا من مولِدِ
(فلمْ يبقَ خَلقٌ لم يَرِدنَ فنِاَءه وهنَّ لهُ شَربٌ ورودَ المَشاربِ)
قال أبو الفتح: أي قد وردت مواهبه فناء كل أحد، ووصلت إلى كل إنسان، وهن له شرب، أي: هن ينفعنه كما ينفع الماء وارده، وكأنهن قد وردن عليه ورود الناس
[ ١ / ٧٠ ]
المشارب لينتفعوا بها، أي: قد عمت عطاياه بلا منّ، وقوله: ورود المشارب كقوله:
إذا سألوا شكرتَهمُ عليهِ وإن سكتوا سألتهمُ السُّؤالا
قال الشيخ: قوله وكأنهن قد وردن عليه فاسد، فإن الرجل يقول تحقيقًا، وهذا يفسره تشبيهًا، أي: أن عطاياه تصل إلى كافة الخلق وتطبق إليهم عرض الأرض، ويدلك عليه قوله:
كأنَّ رحيلي كانَ من كفِّ طاهرٍ فأثبتَ كُوري في ظُهورِ المواهبِ
حتى طافت بي الدنيا بحذافيرها، وقوله: ورود المشارب كقوله: إذا سألوا شكرتهم عليه، البيت ليس كذلك إنما هو كقوله:
كالبحرِ يقذفُ للقريبِ جواهرًا جودًا ويبعثُ للبعيدِ سحائبا
(نصرتَ عليًّا يا أبنَه ببواترِ منَ الفعلِ لا فَلٌّ لها في الضَّرائبِ)
[ ١ / ٧١ ]
قال أبو الفتح: أي فعلت من المكارم ما دل على كرم أبيك، وكان ذلك منك بمنزلة النصر له، كنى بالبواتر عن الأفعال الحسنة، وعنى بعليّ عليّ بن أبي طالب ﵇ ويجوز أن يكون نصرت عليًّا، أي: ملت إليه، بشبهك له يقال: نصرت أرض بني فلان: إذا أتيتها وقصدتها.
قال الشيخ: المعنى هو الأول الذي أومأ إليه، وقد أشار إلى شيء منه، ولم ينصفه من حيث لم يكشفه، فإنه يقول: نصرت أباك بسيوف قاطعة من الأفعال لألسنة الحساد والأعداء عن معاليه المشهورة ومساعيه المأثورة، ومن أنكر منها معروفًا لطول العهد والغيب وتقادم الزمان اضطرَّته أفعالك إلى الاعتراف به في المشاهدة والعيان بأفعالك، وهذه جامعة لتشييد بنائه وتشهير علائه وتدمير أعدائه وحصول النصر في مضاء النصل، فهذا يدلُّك على أن الفصل الذي ذكره فاسد.
(إذا لم تكنْ نفسُ النَّسيبِ كأصلهِ فماذا الذي تُغني كرامُ المناصبِ؟)
قال أبو الفتح: يقول لو صدقوا في نسبهم لما كان لهم به فخر حتى يفعلوا مثل فعل آبائهم.
[ ١ / ٧٢ ]
قال الشيخ: هذا تعسير لا تفسير، ولو كان كما قال لكان هجوًا صريحًا، فإنه ينوط صدقهم في نسبهم بشرط، والرجل نزيه عنه، وكلامه بريء منه، فإنه يؤيد ما مدحه به فيما تقدمه، ويقول: إذا لم تكن نفس النسيب كأصله في مكارم الأخلاق والأفعال واقتناء المفاخر والمآثر والجمع بين التُقى والعُلى والشرف الأوفى والعمل الأزكى وعمارة الدين بالدنيا وإطلاعه منها الذروة العليا وبلوغه الغاية القصوى مثلك الذي ينصر أباه بأفعاله، ويقطع ألسنة حساده ببواتر أعماله فما تغني المناصب الكريمة والمناسبة
الشريفة، والنسيب ساقط عن رتبتها وهابط عن ذروتها غير حامٍ لكنفها ولا زائد في شرفها؟ كما قيل:
فوا أسفي على شرفٍ صميمٍ أصاب بنجمهِ منك احتراقُ
(يقولونَ: تأثيرُ الكواكبِ في الورى فما بالهُ تأثيرهُ في الكواكب؟)
قال أبو الفتح: أي هو الذي يؤثر في الكواكب، فكيف قال الناس: إن الكواكب تؤثر في الناس؟ يعجب من ذلك ويعظم أمره، وذلك أنه يبلغ من الأمور ما أراد، فكأن الكواكب تبع له، وليس هو تبعًا لها.
قال الشيخ: معنى هذا البيت عندي أن هذا الممدوح يعمل في الكواكب ما تعلمه
[ ١ / ٧٣ ]
الكواكب في الناس، ومشيئته تؤثر فيها تأثير دورانها في الخلق، لا أنه يبلغ في الأمور ما أراد، فكأنها تبع له، وليس تبعًا لها، فإن هذا دون ما يقوله بكثير، ولفظ البيت يُنافيه وما منه شيء فيه.
وقال في قصيدة أولها:
(مَنِ الجآذرُ في زيِّ الأعاريب؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
(يحطُّ كلَّ طويلِ الرَّمحِ حاملُه منْ سرجِ كلِّ طويلِ الباعِ يعبوبِ)
قال أبو الفتح: أي يقتل حامل خاتمه كل فارس طويل الرمح فيذريه عن سرج كل فرس طويل الباع، أي: يحط حامل خاتمه لما اشتمل عليه من الأمر والنهي أعداءه عن سروجهم. . . يريد نفاذ أمره وانبساط قدرته.
قال الشيخ: قوله يقتل حامل خاتمه كل فارس. . . إلى آخره، فاسد لا معنى له، لأن الفارس يكون من أعدائه أو من أوليائه، فإن كان من أوليائه فما معنى قتله؟ وإن كان من أعدائه فما يُطيع حامل خاتمه ليقتله ويذريه عن سرجه بل يقاتله، وما الخاتم من آلات القتال في شيء فيغلب به حامله مقاتله، ولو نزل أعداؤه عن سروجهم لخاتمه كانوا أولياءه لا أعداءه، وإنما يقول: يُصرف الأمر في ممالكه طين خاتمه، ولو درس نقشه عنه هيبة له، ثم
[ ١ / ٧٤ ]
يقول: يحط هذا الطين الذي يُحمل إلى بلاد مملكته كل فارس وقائد كثير بهذه الصفة عن فرسه إذا لقي به نزل وترجل إعظامًا له وإكبارًا وتلقيًا لأمره بالسمع والطاعة، وروايتي (حامله) بفتح اللام، أي حامل الرمح، أي: يحط طين خاتمه المحمول كل طويل الرمح حامله، وروايته بضم اللام، أي: حامل خاتمه، وقوله: حامل خاتمه غير جائز ولا ممكن، فإنه لو احتاج إلى إنفاذ الخواتم إلى ممالكه لاحتاج إلى ألوف ألوف منها، وإنما تُحمل الختوم لا الخواتيم، والدليل على ذلك أنه يقول: يُصرف الأمر فيها طين خاتمه لا خاتمه.
(فُتنَ المهالكَ حتى قالَ قائلِهُا ماذا لقينا مِنَ الجُردِ السَّلاهيبِ؟)
[ ١ / ٧٥ ]
قال أبو الفتح: أي ضجت المفاوز من سرعة خيلي ونجاتها وقوتها.
قال الشيخ: لست أتصور فيها الضجيج، ولو قال: شكت لكان أمثل، فإنه يقول: جابت خيلي المفاوز إلى كافور حتى قالت: ماذا لقينا من تبريحها بنا واختراقها لنا وامتزاقها فينا؟
(يَرمي النُّجومَ بعينَي من يُحاوِلُها كأنَّها سَلَبٌ في عَينِ مسْلوبِ)
قال أبو الفتح: يقول ينظر إلى النجوم نظر من لو قدر عليها لأخذها، يصف بُعد مطالبه.
قال الشيخ: لا والله ما فيه مما ذهب إليه وفسره شيء، وإنما أراد به أنه يسري الليل كله، وقد وكل بالنجوم عينه، وعقد بها طرفه، لا يكفها عنه، ولا يغضها دونها مراعيًا لأوقات الليل حتى كم مضى منه وكم بقي، وكأنه ينظر إلى قول الراعي:
فباتَ يُراعي عرِسَه وبناتِه وبتُّ أُراعي النَّجمَ أنَّى مخافِقُه
[ ١ / ٧٦ ]
وفي أمثالها صفة لصاحبها بالجلد وقوة النفس وبُعد الهمة وشدة العزم والصبر والاحتمال للسفر وقلة النوم، وبمثلها يمدح الملوك، كما يقول:
وأنتَ مَع اللهِ في جانبٍ قليلُ الرَّقادِ كثيرُ التَّعّب
وكما يقول:
فبتَّ لياليًا لا نومَ فيها تَخُبُّ بكَ المسوَّمةُ العِرابُ
في نظائر لها كثيرة وبلغني أنه قيل لأبي مسلم: لم لا تنام؟ فقال: كيف أنام ومعي رأي جوال وعزم صليب ونفس تتوق إلى المعالي؟ ويدلُّك على صحة قوله بعده:
حتَّى وصلتُ إلى نفسٍ محجَّبةٍ . . . . . . . . . . . . . . .
أي: مازال ذلك دأبي حتى وصلت إليه.
(حتَّى وصلتُ إلى نفسٍ محجَّبةٍ تلقَى النُّفوسَ بفضْلٍ غيرِ مَحجوبِ)
قال أبو الفتح: هذا كقول أبي تمام:
ليسَ الحجابُ بمقصٍ عنكَ لي أمَلًا إنَّ السَّماَء تُرجَّى حينَ تحتجِبُ
[ ١ / ٧٧ ]
قال الشيخ: ما هذا كقول أبي تمام، فإن أبا تمام يقول: إذا حجبتني لم يُبعد حجابك أملي عنك، ثم استشهد بالسماء في احتجابها، وأحسن، وهو يقول: حتى وصلت إلى نفس محجبة عن الناس لا عني، وفضله عن الناس غير محجوب، كنى بأن فضله يلقاهم شاملًا، ويغشاهم دائبًا، وشتان ما هما.
وقال:
(أغالبُ فيكَ الشَّوقَ والشَّوقُ أغلبُ وأعجبُ من ذا الهجرِ والوصلُ أعجَبُ)
قال أبو الفتح: قوله أغلب يحتمل أمرين: أحدهما أنه أغلب مني، أي: أغلب لي منه له، والأخر أن يكون (أغلب) من قولهم: رجل أغلب، أي: غليظ الرقبة، فكأنه قال: والشوق صعب شديد ممتنع،
[ ١ / ٧٨ ]
والقول الأول هو الوجه، أي: الوصل أحرى بأن أعجب منه من الهجر لأن من شأنك أبدًا أن تهجرني.
قال الشيخ: أعجب ما في هذا أن الشوق يوصف بغليظ الرقبة، وليس من جميع هذا التفسير شيء، فإنه يُشبب فيه بسيف الدولة، وكذلك في أكثر مدائحه لكافور، كقوله:
فراقٌ ومن فارقتُ غيرَ مذمَّمِ وأمٌّ ومن يمَّمتُ خيرُ مُيَمَّمِ
وفيها يقول:
رحلتُ فكم باكٍ بأجفانِ شادنٍ عليَّ وكم باكٍ بأجفانِ ضيغمِ
وما ربَّةُ القُرطِ المليحِ مكانُه بأجزعَ من ربِّ الحسامِ المصمِّمِ
فلو كانَ ما بي من حبيبٍ مقنَّعٍ عذرتُ ولكن من حبيبٍ مُعمَّمِ
ومعناه أغالب شوقي إليه وأدفعه، وهو أغلب وأقهر لي مني له، وله اليد والقوة والغلبة عليَّ، وأعجبُ من الهجر الواقع بيننا والوصل أعجب، أي: كيف عييت وشقيت بفراق مثلك والوصل الواقع بيننا أعجب من الهجر؟ أي: كيف وصلت إلى خدمتك مع نكادة الدهر فيها وشُح الزمان عليها وسقوط بختي دونها ومماطلة أيامي بمثلها وضنها عليَّ بظلها، مضايقتها إياي بمحلها، فوصولي إليها أعجب من سقوطي عنها؟ كما قال غيره:
عجبتُ منَ الزَّمانِ ونُصحِهِ لي بِقَصدِكَ وهو خوَّانٌ مُريبُ
[ ١ / ٧٩ ]
وقوله:
تفضَّلتِ الأيَّامُ بالجمعِ بيننا فلَّما حمدِنا لم تُدِمنا على الحمدِ
وهبر عن الفراق بالهجر، وعن الوصول إليه بالوصل تورية وتعمية على كافور وقومه.
(عشيَّةَ أحفى النَّاسِ بي مَن جَفوتُهُ وأهدى الطَّريقينِ الذي أتجنَّبُ)
قال أبو الفتح: قال أحفى الناس بي سيف الدولة، وأهدى الطريقين الذي أتجنب، لأنه يترك القصد، ويتعسف ليخفي أمره خوفًا على نفسه.
قال الشيخ: هذا حسن، وتفسير أوله كما قال لا غير، وأما تفسير أخره فعندي أنه لما فارق ولاية سيف الدولة، وحصل بدمشق من ولاية كافور على رأس طريقين: طريق حلب راجعًا إلى حضرة سيف الدولة وطريق مصر راحلًا إلى كافور، وأهدى طريقيه طريق حلب، وضل بقصد كافور ضلالًا بعيدًا، وخسر خُسرانًا مبينًا، ومصرياته شاهدة عليه.
(شقَقتُ بهِ الظَّلماَء أُدني عنانَه فَيَطغَى وأُرخيهِ مرارًا فَيلعَبُ)
[ ١ / ٨٠ ]
قال أبو الفتح: أي إذا جذب عنانه طغى برأسه لجماحه وعزة نفسه وطماحه، وإذا أرخى عنانه لعب برأسه.
قال الشيخ ما معناه كما فسره وأبداه. قال: الفرس لا يلعب برأسه البتة، وهو في اللجام،
وإنما يقول: أُدني عنانه فيطغى للوثوب والطُّمور. وكذا يكون الجواد العتيق، وأرخيه فيلعب، أي: ينبسط في جريه قاذفًا وضاربًا ركابيه وعنقه، فكأنه لاعب، والجواد عند الكبح له مضطرًا إلى الطمور، وعند إطلاق عنانه متمكن من الجري والمرور، وهما لجمعه فيض النفس إلى عتق الجنس.
(إذا لم تنُط بي ضَيعةَ أو ولايةَ فجودُكَ يكسوني وشُغْلُكَ يسلُبُ)
قال أبو الفتح: لم تُنط: لم تسند إليَّ جيشًا أو لم تهب لي ضيعة، أي: ليس في دخلي كفاء خرجي، يريد كثرة مئونته وقلة فائدتها.
قال الشيخ: سبحان الله العليَّ، أي مجال فيه للجيش؟ وأي مقال يدل عليه، ولعله وقع من الولاية إليه، وإنها لطريقة هذا المُبتلى بخدمة هذا الأسود، يقول:
(وَهَبتَ على مِقدارِ كَفَّيْ زماننا ونفسي على مِقدارِ كفيَّكَ تَطلُبُ)
إذا لم تُنط بي. . . إلى أخر البيت.
[ ١ / ٨١ ]
أي: إذا لم تُقطعني أرضًا وضيعة أتعيش بإقطاعها، أو لم تُسند إليَّ ولاية أتقوت وأتقوى بارتفاعها، فصلاتك تصل إليَّ، ومؤني في خدمتك تأخذها من يدي، فإن ما تُعطيني ر يكفيني، وما وراءه مدد دار يقوم بالكفاية كما يكون دخل الضياع والولاية.
وقال في قصيدة أولها:
(مُنىّ كنَّ لي أنَّ البياضَ خضِابُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(وللخَودِ مِنِّي ساعةٌ ثم بَيننا فَلاةٌ إلى غيرِ اللِّقاءِ تُجابُ)
قال أبو الفتح: إنما أجتمع مع المرأة ساعة، وباقي دهري للفلا والمهامه.
قال الشيخ: أصاب في المصراع الأول، ولم يُصب في المصراع الثاني، فإنه يقول: ثم بيننا، أي: بيني وبين الخود فلاة لا تُجاب إلى لقاء السائل، تُجاب إلى لقاء المجد والعلاء، ولا فلاة هناك على الحقيقة كما فسره، وإنما مراده التباعد بعدها عنهن، والاشتغال بطلب المعالي دونهن.
[ ١ / ٨٢ ]
(وبحرِ أبو المسْكِ الخضمُّ الذي له على كلِّ بحرٍ زَخرةٌ وعُبابُ)
قال أبو الفتح: وجر (وبحر) عطفًا على جليس، كأنه قال: وخير بحر أبو المسك كقوله: أكرم رجل زيد وامرأة هند، وليس هذا بعطف على عاملين مختلفين، لأن الذي جر امرأة
هو الذي رفع هندًا.
قال الشيخ: عندي أن رفع (بحر) أحسن من جره بإضمار خير، فإنه مستقيم مؤد للمعنى دون هذا الإضمار والغلو في الإعراب، وروايتي غير هذه، وبحر أبي المسك. . . وإلى آخر البيت صفته، وجواب الابتداء ما يتلوه وهو:
(تجاوزَ قدر المدح حتَّى كأنَّه بأحسنِ ما يُثنَى عليهِ يُعابُ)
(وأكثرُ ما تلقَى أبا المِسكِ بذِلَةً إذا لم تَصُن إلاَّ الحديدَ ثيابُ)
[ ١ / ٨٣ ]
قال أبو الفتح: يقول إذا تكفرت الأبطال، فلبست فوق الحديد الثياب خشية واستظهارًا، فذلك الوقت أشد ما يكون تبذلًا للطعن والضرب شجاعة وإقدامًا.
قال الشيخ: سبحان الله العظيم شأنه، الثياب وما تحتها تُصان بالجواشن والدروع وأشباهها من الحديد أم الحديد يُصان بالثياب؟ لست أدري كيف تعامى عليه هذا المعنى الظاهر الذي لا يرتاب فيه صبي ولا غبي فضلًا عن إمام مثله، وليس هاهنا تكفير ولا تكفر، يقول: وأكثر ما تلقاه تبذلًا وقلة التفات إلى الثياب ولبسها إذا لم يكن ثياب تصون النفس غير الحديد، وليس يلبس الثياب فوق الحديد خشية واستظهارًا، فهذا وقع بالضد كما ترى، وقد تلبس الثياب فوق أبدان الحديد تعمية ولبسًا على المقصود، ويُكفر الحديد بالثياب، أي: يُستر كيلا يُرى ويُعلم، وإنما يعلمه الخائف والغادر.
(وأوسعُ ما تلقاهُ صدرًا وخلفَه دِماءٌ وطعنٌ والأمامَ ضِرابُ)
قال أبو الفتح: نصب (الأمام) على الظرف، وإن كان فيه الألف واللاَّم، وهو ظرف
[ ١ / ٨٤ ]
مكان، لأنه مبهم على كل حال بمنزلة أمامه، فجعل الألف واللاَّم بدلًا من الإضافة على مذهب الكوفيين، أي: أوسع ما يكون صدرًا إذا تقدم في أول الكتيبة، يضرب بالسيف، وأصحابه من ورائه ما بين طاعن ورام.
قال الشيخ: كل من كان كما يقول متقدمًا في أول كتيبة، يضرب بالسيف، وأصحابه من ورائه ما بين طاعن ورام، فإنه يكون واسع الصدر إذ لا بأس عليه ولا مخافة له من جوانبه، إذ هو مُتكِّوف بأصحابه، وهذا التفسير أيضًا وقع بالضد، فإنه يقول: وأوسع ما تراه صدرًا في الحال التي لا يصحب الإنسان فيها نفسه، ولا يصدقه جيشه، وهو في مأزق ضاق به المكان، واكتنفه الرمي والضراب والطعان من أعدائه، فأمامه ضراب في وجهه
ووراءه رمي وطعن من خلفه، فأوسع ما تلقاه صدرًا إذا كان والحال هذه، وهي الشجاعة والبطولة التي لا غاية لها ولا نهاية.
(وأنفذُ ما تلقاهُ حُكمًا إذا قضى قضاَء ملوكُ الأرضِ منه غضابُ)
قال أبو الفتح: يقول إذا أراد أمرًا يُغضب جميع الملوك، فحينئذ أنفذ ما يكون أمرًا، فإن قيل: فهل يكون أمره في وقت أنفذ منه في وقت؟ قيل: إنما يُتبين نفاذ أمره ومضاؤه في هذه المواطن العظيمة، فلذلك قال هذا، وكذلك القول فيما قبل هذا.
[ ١ / ٨٥ ]
قال الشيخ: لست أتبين تفسيره، وأذكر ما عندي فيه، فإن توافقا فمرحبًا بالوفاق، وإن كان أحدهما أحسن من الأخر وأليق بالبيت من الثاني فليأخذ به المتأمل له، عندي أنه يقول: إن الممدوح سيد الملوك، وهم له كالعبيد والخدم، وأنفذ ما يكون حكمه في الدنيا إذا قضى قضاء يقلقهم، ولا يوافقهم ولابد لهم من الانقياد له والبدار به والسمع والطاعة له على كراهيتهم لذلك، وتكون مسارعتهم إليه أوحى من مسارعتهم إلى غيره، مبالغة في الطاعة وانقيادًا وتفاديًا من سمة المُخالاة وتهمة الكراهة.
(إذا نلتُ منكَ الوًدَّ فالمالُ هَيِّنٌ وكلُّ الذي فوقَ التُّراب تُرابُ)
قال أبو الفتح: أي التراب أصله، فليكن ما شاء. قال شُقران السَّلامي:
لكلِّ اجتماعٍ من خليلينِ فرقةٌ وكلُّ الذي فوقَ التُّرابِ تُرابُ
قال الشيخ: هذا التفسير أيضًا غير متضح لي،
[ ١ / ٨٦ ]
وعندي يقول: إذا وددتني فالمال كان أو لم يكن سهل، فإن جميع ما على وجه الأرض فانٍ غير باقٍ، فخدمتي إياك على ودك لي تكفيني ودًا، أحسن ما هده لو أن كرمًا وفضلًا استفزه، وحقر في عينيه الدنيا وبصره الخاتمة والعقبى لو احتقر وأبصر وما أليق ما قيل بهما:
لقدْ أسمعتَ لو ناديتّ حيًّا ولكن لا حياةَ لمن تُنادي
وقال في قصيدة أولها:
(ما أنصفَ القومُ ضَبَّهْ . . . . . . . . . . . . . . .)
(وإنْ عرفتَ مُرادي تكشَّفتْ عنكَ كُربَهْ)
قال أبو الفتح: أي أنت مع ما أوضحته من هجائك، وأزلت عنه الستر غير عارف به لجهلك، فأنت لاستتاره عنك في كربة، لا تدري أمديح هو أم هجاء؟ فإذا عرفت أنه هجاء
زالت عنك كربة معرفتك إياه، ثم لا تُبالي بالهجو بعد لسقوطك.
[ ١ / ٨٧ ]
قال الشيخ: استتار الهجاء عن الإنسان واشتباهه عليه لا يكون كربة بحال من الأحوال، إذا عرفت أنه هجاء له لم تزل عنه كربة لمعرفته أنه هجاء، وإنما تحل به كربة إذا عرف أنه هجاء. والمعنى عندي غيره، فإنه فاسد من الوجوه التي أوضحتها، والنكتة التي شرحتها. والرجل يقول: وإن عرفت مرادي في هجوي لك، فإني أردت به رفعتك لا ضِعتك وتشريفك لا تعنيفك واشتهارك به لا احتقارك وصغارك، وتسيير ذكرك وتعظيم قدرك تكشفت عنك كربة بمعرفتك أني أردت بما قلت مسرتك لا مساءتك، وإن جهلت مُرادي هذا فإنه بحماقتك وجهالتك أشبه لأنك لا تفطن لأمثالها، وكأنه يُناقض الحسن بن هانئ:
بما أهجوكَ؟ لا أدري لساني فيكَ لا يجري
إذا فكَّرتُ في قدرِكَ أشفقتُ على شعري
وقال من قصيدة أولها:
(آخرُ ما المَلكُ معزَّى بهِ هذا الذي أثَّرَ في قلبهِ)
قال أبو الفتح: لفظه لفظ الخبر، أي: لا أعاد الله إليك مصيبة بعدها، كقولك: لك العمر الطويل.
[ ١ / ٨٨ ]
قال الشيخ: معنى الخبر عندي أحسن هاهنا من الدعاء، لأنه إذا دعا له بألاَّ أعاد الله إليك مصيبة بعدها، فقد دعا بأن لا يعيش ولا يبقى، فإن من لا يًصاب بمصيبة لا يكون حيًا، فالمصراع الثاني يُبطل على معنى الدعاء، فإنه لا يحسن أن يقول: أعاد الله إليك مصيبة هذا الذي أثر في قلبك، والرجل يقول: أخر ما يُعزى به هذا الذي أثر في قلبه، وإن عرضت بعدها هنات محقرات يُعزى بها رسمًا، لم يؤثر في قلبه شيئًا.
(وإنَّ مَنْ بغدادُ دارٌ له ليس مُقيمًا في ذَرا عَضْبهِ)
قال أبو الفتح: أي لعل الأيام لم تعلم أن من غاب عن حضرته من أهله وأسرته، ولو علمت بذلك لما تعرضت لشيء من أسبابه، أي: جميع من ببغداد مقيم في ظل سيفه وعزه. يُفضله بهذا على غيره.
قال الشيخ: لست أدري معنى قوله لما تعرضت لشيء من أسبابه إلى آخر تفسيره له،
[ ١ / ٨٩ ]
وعندي أنه يقول: لعل الأيام تحسب أن الغائب عنه ليس من أهله وأن من بغداد دار له
ليس مقيمًا في كنف سيفه، فلهذا تجاسرت على اخترام عمَّته، فإنها كانت ببغداد عند عمه معزِّ الدولة أبي الحسين، وماتت بها، ولو قال قائل: عنى بمن بغداد دار له: عمه معزَّ الدولة أبا الحسين، وأن الأيام حسبت أنه ليس مُقيمًا بها في ظل سياسته وذرا سيفه، فلهذا تجاسرت على طروق جنابه واختطاف أخته من وراء حجابه حسن، ولم يبعد عن الصواب، وكلاهما قريب من قرينه إلا أن الثاني أعز للممدوح وأنبه له.
(وَلَمْ أقُلْ مِثلَكَ أَعني بهِ سواكَ يا فردًا بِلا مُشْبهِ)
قال أبو الفتح: أي أنت تفعل هذا، ولا مثل لك، كأنه أراد زيادة مثل قوله:
كفاتكٍ ودخولُ الكافِ منقصةٌ كالشَّمسِ قلتُ وهل للشَّمسِ أَمثالُ؟
[ ١ / ٩٠ ]
أي: جزاك الله وأشباهك، وإذا دعا على من يشبهه في فعله، فقد دعا عليه معنى لا لفظًا. قال الشيخ: هذا التفسير أغرب من جميع ما تقدم، ولست أعرف من أوله إلى آخره جامعًا بينه وبين معنى البيت غير قوله: (كفاتكٍ)، والدعاء أعجب من كل عجيب، وأغرب من كل غريب، وما دعا الرجل له وعليه ولا لمن يُشبهه ولا عليها، فإنه يقول:
مثُلكَ يَثني الدَّمعَ عن صَوبهِ ويستردُّ الحُزنَ عن غَربهِ
في صبره عن العزاء وصلابة عزمه على البأساء وعلمه بأن البقاء سبب الفناء وتفرده بالجبرية والكبرياء والإباء على جوارب اللأواء، ثم اعتذر إليه عن ذكر المثل له، فقال: ولم أقل مثلك، أعني به غيرك يا فردًا بلا نظير، وقوله: ليس كمثله، أي ليس كهو شيء من قول العزاء. والله تعالى تقدس عن المثل والضِّد والنَّدِّ والكُفؤ.
[ ١ / ٩١ ]