قال في قطعة أولها:
(لنا مَلِكُ ما يُطَعمُ النَّومَ هَمهُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(ويكبُرُ أَنْ تقذَى بشيءٍ جفونُه إذا ما رأتهُ خَلَّةٌ بكَ فَرَّتِ)
قال أبو الفتح: أي هو أرفع من أن تقذى عينه بشيء، فإذا رأته خلة بك فرت، فلم يرها، فتقذى عينه بها. زاد على البيت الذي أجازه.
قال الشيخ: هذا التفسير متناقض متنافٍ غير مقنع ولا شافٍ، فإنه بدأ وقال: أي هو أرفع من أن تقذى عينه بشيء، ثم عاد فقال: ولم يرها، فتقذى عينه، فإن كان هو أرفع من أن تقذى عينه بشيء، فكيف تقذى عينه إذا رآها، والرجل يرد على بيت الأول:
رأى خَلَّتي مِن حيثُ يخفَى مَكانُها . . . . . . . . . . . . . . .
فيقول: يكبر سيف الدولة أن تقذى جفونه بشيء إذا رأته خلَّةٌ، بل فرت لشدها له بجوده وسخائه وتوالي صلته وعطائه.
[ ١ / ٩٢ ]
وقوله: (فرت فلم يرها، فتقذى) عثرة لا تُقال.
وقال في قصيدة أولها:
(سِربٌ محاسنُه حُرمْتُ ذَواتِها . . . . . . . . . . . . . . .)
(وكأنَّها شَجَرٌ بَدا لكنَّها شَجرٌ جَنيتُ المُرَّ منْ ثَمراتِها)
قال أبو الفتح: أي وكأن هذه العيس شجر بدا، أي: ظهر، يريد علوها، وقوله: بلوت المرَّ من ثمراتها من قول أبي نؤاس:
لا أذودُ الطَّيرَ عن شجرٍ قد بلوتُ المُرَّ من ثَمرِه
[ ١ / ٩٣ ]
قال الشيخ: اختصر، وما فسر نكتة المعنى، وإنما الرجل شبه العيس التي عليها الهوادج والقِباب بالشجر دون غيرها، فإنها تُشبه الشجر وكثافة أعاليها ودقة أسافلِها، وسائر الإبل التي عليها الأحمال والأوساق دون الهوادج وأشباهها لا تُشبه الشجر، كما يقول امرؤ القيس:
فشبَّهتُهم في الآلِ حينَ دعوتُهم عصائبَ دومٍ أو سفينًا مُقَيَّرا
أو المكرعاتِ من نخيلِ ابن يامِنٍ دُوَينَ الصَّفا اللاَّئيَ يَلينَ المُشَقَّرا
(تكبو وراَءكَ يا بَن أحمدَ قُرَّحٌ ليستْ قوائمُهنَّ مِنْ آلاتِها)
قال أبو الفتح: الهاء في آلاتها تعود على وراء لا غير، وهي مؤنثة، أي: هذا القُرح إذا
اتبعتك كبت وراءك وخانتها قوائمها فلم تحملها في طريقك لصعوبة مسالكك وبعد مطالبك، فتحتاج إلى قوائم جياد، تحملها وراءك، وإلا قصرت عنك، وذكر القوائم لما قدم من ذكر القُرح لتشتبه الألفاظ، وهذا كله اتساع على التشبيه.
قال الشيخ: إضافة القوائم إلى وراء الممدوح قبيحة، وعندي، وإن كان لها مجاز، ليس
[ ١ / ٩٤ ]
بذلك الجميل، وما أظن أحدًا يستجيز أن تكون قوائم خيل من آلات ورائه، فهذه فضيحة كما ترى، وإن كان لها تأويل بعيد غير سديد، وعندي يقول: تكبو وراءك قُرح ليست قوائمهن من آلاتهن في طريقك لأنها تخذلها أن تشق غُبارك وتلحق مضمارك، فإن قوائمها لا تقدر عليه، فتكبو وراءك ولا تبلغ منتهاك، وهذا أيضًا ليس بسديد عندي ولا بجميل.
(فَإذا نَوتْ إليكَ سبقتَها فَأضَفْتَ قبلَ مَضافِها حالاتِها)
قال أبو الفتح: أي ليس ينبغي لنا أن نعذل المرض الذي بك، وكان قد اعتل، لأنك قد تشوق الرجال وتشوق أمراضها معها، فقد شُقت المرض حتى زارك كما شقت صاحبه، فإذا أرادت الرجال سفرًا إليك سبقتها بإضافة أحوالها قبل إضافتك إياها، ولابد للمرض من جسم يحل به، فتُحله جسمك، فذلك إضافتك إياه.
قال الشيخ: المعنى كما فسره غير أن تفسيره ناقص، فإن الرجل يقول: حالاتها لا حالتها، والحالات تكون كلها أمراضًا وإعلالًا، والمعنى عندي أنك أضفت قبل مضافها حالاتها، أي: قرنت فقرها غنىً وخوفها أمنًا ومرضها صحةً حتى بذلت لعلاَّتِها جسمك كما بذلت لحالاتها وفرك.
[ ١ / ٩٥ ]
(هِبتُ النُكاحَ حِذارَ نَسلِ مِثلهِ حتَّى وَفَرتُ على النِّساءِ بناتِها)
قال أبو الفتح: أي خشيت إن أنا التمست الأولاد أن أُرزق نسلًا مثل هذه الأمثلة المذمومة، فبقيت بنات النساء معهن: أي: لم أواقعهن فيجئن بالبنات، وإنما ذكر هذين بعد البيت الذي أوله: ذُكرَ الأنامُ. . . لتفضيله على سائر الناس، وأكد هذا قبح أحوالهم بعد ذكره شرف أفعاله.
قال الشيخ: ليس في البيت مدح، وإنما ذكر هذه الأمثلة، ونفى الممدوح عنهم، فقال:
فاليومَ صرتُ إلى الذي لو أنَّهُ مَلَكَ البرَّيةَ لاستقلَّ هباتِها
ووصفه بسخائه، وقوله:
. . . . . . . . . . . . . حتَّى وفرتُ على النِّساءِ بناتِها
ولم أخطبهن، ولم أتعرض لفراق بينهن بالتَّزوُّج، وذكر المواقعة هنا مع ما فيه من القبح ليس بنص في ظاهر البيت وإن كان في باطنه.
[ ١ / ٩٦ ]