وقال في قصيدة أولها:
(لعينيكِ ما يلقَى الفُؤادُ وما لقي . . . . . . . . . . . . . . .)
(هَوادٍ لأملاكِ الجُيوشِ كأنَّها تخيَّرُ أرواحَ الكُماةِ وتنتقي)
قال أبو الفتح: هوادٍ، أي: تهديهم وتتقدمهم.
قال الشيخ: إن كان هذا كما ذكره فما معنى كأنه تتخير وتنقي أرواح الكُماة، إذ لا ملاءمة بين أول البيت وأخره على ما فسره بحال؟ وعندي أن قناهم قواصد ملوك الجيش، فلا تأخذ
إلا أرواحهم، ولا تسلب إلا نفوسهم حتى كأنها تتخير وتنتقي أرواح الكُماة، فلا تأخذ إلا أرواح الملوك، ولا تنزل بدونهم. قال الأزهري: هديت به، أي قصدت به، وقال الفرّاء: يُقال هديت هدي فلانٍ، إذا سرت سيرته، ويجوز أن يكون هوادٍ من هذا، أي: تهديها، وتنحو نحوها،
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وفي الحديث: (اهدوا هديَ عمَّار)، والهدى: المذهب والطريق. أبو عبيد عن الأصمعي: الهادية من كل شيء أوله وما تقدم منه، ومن هذا قيل: هوادي الخيل أعناقها، ولأول رعيلٍ تطلع منها لا المتقدمة، يُقال: هدت تهدي إذا تقدمت، وهوادٍ من هذا متقدماتٌ لأملاك الجيوش، أي: لاقتناص أنفسهم.
(كسائِلهِ منْ يسألُ الغيثَ قطرةً كعاذلهِ منْ قالَ للفَلكِ: ارفُقِ)
قال أبو الفتح: أي كما أن القطرة لا تؤثر في الغيث فكذلك سائله لا يؤثر في ما له وجوده، وكما أن الفلك لا ينثني عن أفعاله وتصرفه فكذلك هو لا يرجع عن كرمه بعذلِ عاذله، وهذا نحو قوله أيضًا:
وما ثناكَ كلامُ النَّاسِ عن غّرَضٍ ومن يسدُّ طريقَ العارضِ الهَطِلِ؟
قال الشيخ: فسر أول البيت فلم يصب شاكلة الرمي، وفسر آخره فأتى بالشرح الجلي، لأنه يقول: هو لا يُحوجُك إلى السؤال، بل يسرف ويفرط في النوال، فإن سأله أحد فهو كمن يسأل الغيث قطرة، وهو غامرٌ له بقطارهِ وباهرٌ إياه بانهماله عليه وانهماره، فسؤاله خطأ ومقاله خطلٌ.
[ ٢ / ٢١٠ ]
(إذا سعتِ الأعداَء في كيدِ مجدهِ سعى مجدُهُ في جّدِّهِ سعْيَ مُحنَقِ)
قال أبو الفتح: يقول إذا سعت الأعداء في إبطال مجده وهدم شرفه سعى مجده في ضد ما يسُّر أعداءه سعي مغضبٍ محنقٍ، وقد قرب من قول أبي تمام:
كأنَّما وهيَ في الأوداجِ والغةٌ وفي الكُلى تجدُ الغيظَ الذي نَجِدُ
قال الشيخ: هذه الرواية مدخولة فاسدة، والصحيح سعى جده في مجده، فإن السعي للجد والبخت يكون في إبقاء الشرف والمجد لا للمجد في إبقاء البخت والجد. يقول: إذا أرادت الأعداء إبطال مجده سعى نجمه الصاعد وجدُّه المساعد في حراسة مجده وحياطة ملكه سعي الموتور بأقصى ما في الوسع والمقدور، ولست أدري كيف ذهبت عليه هذه الرواية الصحيحة بعدما قرأه على القائل، فهذا أمر العجائب؟ ويدلُّك على ما قلنا قوله بعده:
وما ينصرُ الفضلُ المُبينُ على العِدا إذا لم يكن فضلَ السَّعيدِ الموفَّقِ
وقال في قصيدة أولها:
(تذكَّرتُ ما بينَ العُذَيبِ وبارقِ . . . . . . . . . . . . . . .)
[ ٢ / ٢١١ ]
(ولمّا سقى الغيثَ الذي كفروا بهِ سقى غيرَه في غيرِ تلكَ البوارقِ)
قال أبو الفتح: أي لما مطر عليهم الخير والجود، فكفروا به أمطر عليهم العذاب، لأنه أتاهم من عسكره في مثل السحاب البارقة، فكانت ضد السحاب الأولى التي أحسن إليهم بها، فكفروها.
قال الشيخ: المعنى ما فسره غير أنه زاد فيه ونقص منه، وتشبيه العسكر بالسحاب البارقة حسن، وقوله: كانت ضد السحاب الأولى، ولم يتقدم له ذكر قلق، وإن كان تقدَّمه الغيث، ومعناه إنه سقاهم النِّعم في بروق الابتسام، فلما كفروا بها سقاهم النِّقم في بروق الحُسام.
(أتى الظُّعْنَ حتَّى ما يطيرُ رشاشُهُ منَ الخيلِ إلاَّ في نحورِ العواتقِ)
قال أبو الفتح: أي أُلحقوا بنسائهم، فكانوا إذا طُعنوا انتضح الدم في نحور النساء، وإذا لحقوا بالعواتقِ فهو أعظم من لِحاقهم بغيرهن، لأنهن أحق بالصَّون والحماية.
قال الشيخ: هذا التفسير يُشير إلى المعنى إلا أن العبارة قلقة غلقة لا تكاد تبين،
[ ٢ / ٢١٢ ]
ومعناه: أتى سيف الدولة الظُّعن في سوقه القبائل، فثبتت الخيل تُطاعن عن حُرمها وتحامي عليها، والظُّعن وراء ظهورها، فكانت إذا طُعنت في صدورها نفذتها إلى ظهورها، فرشَّ الدَّم نحور العواتق من ظهور الخيل.
(ولا ترِدُ الغُدرانَ إلاَّ وماؤُها منَ الدَّمِ كالرَّيحانِ تحتَ الشَّقائِقِ)
قال أبو الفتح: أي لكثرة ما قتل أعداءه قد جرت الدماء إلى الغدران فغلبت على خضرة الماء حمرة الدم، فالماء يلوح من خلل الدَّم وماء الغدير أخضر لما لا يكاد يفارقه من الطُّحلب، وذلك لنزوحه وبُعده فلا يرُدُه أحد.
قال الشيخ: حام حول المعنى حتى جاء ببعضه تفاريق بخلل بيِّنٍ، وذلك أنه يقول: غلبت خضرة الماء حمرة الدم، فالماء يلوح من خلل الدَّم، وكيف يكون كذلك؟ والماء والدَّم إذا التقيا فالماء طافٍ والدَّم أبدًا راسب، فكيف يلوح الماء من خلل الدم، وهو فوقه والدَّم تحته، وهو محالٌ؟ ثم ليس للماء من الخضرة ما يحسن تشبيهه بالرَّيحان. وقوله: ماء الغدير
أخضر لما لا يكاد يُفارقه من الطُّحلب أيضًا محال، لأن الأخضر هو الطُّحلب لا الماء، وما هو بجسمٍ لطيف رقيق كالماء فيمازجه، ويكتسي الماء خضرته، وإنما هو جسمٌ جاف غليظ يعلو الماء ويسفل، ولا يمتزج به،
[ ٢ / ٢١٣ ]
فالمعنى إذا أن خيله تعودت أن لا ترد الغدران إلاَّ والدماء سالت إليها، وغلب الطُّحلب الذي عليها، فصار الطُّحلب فوق الماء كالرَّيحان تحت الشقائق، وذلك لأن الدَّم يثبت على الطُّحلب، والطُّحلب يصير تحته، ولا يثبت على الماء، والماء لا يصير تحته.
قال في قصيدة أولها:
(قالوا لنا: ماتَ إسحاقٌ فقلتُ لهمْ: . . . . . . . . . . . . . . .)
(لولا اللِّئامُ وشيءٌ منْ مَشابههِ لكانَ الأمَ طِفلٍ لُفَّ في خِرَقِ)
قال أبو الفتح: أي لولا أبوه، فإنه في اللؤم مثله لكان ألأم طفلٍ لُف في خِرقٍ.
قال الشيخ: هذا التفسير بعيد من بيته، فإنه يقول: لولا اللئام لا لولا أبوه، وهذا الكلام كما تراه ينفي عنه أن يكون ألأم طفلٍ، فإنك إذا قلت: لولا زيدُ لكان عمروٌ أكرم الناس، فقد نفيت بزيدٍ عنه كونه أكرم الناس، وإنما يصف الرجل بقماءة الجسم وقصر القامة وحقارة البدن وصغر الخلق والبُنية وضؤولة المنظر والجثة، ويقول: لولا اللِّثام الذي تلثم به وشيءُ من مشابهه التي تتجمل وتتراءى به الأشخاص كالعمامة والقباء والخُفِّ لكان ألأم طفلٍ، أي أصغر طفلٍ وأسقط طفلٍ
[ ٢ / ٢١٤ ]
لفَّ في خرقةٍ في أعين الناس لقماءته في أطماره ودناءته وصغر جسمه.
وقال في قصيدة أولها:
(أتُراها لكَثرةِ العُشَّاقِ؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
(كيفَ ترثي التي تَرَى كلَّ جفنٍ راَءها غيرَ جفنِها غيرَ راقِ؟)
قال أبو الفتح: أي كيف ترثي التي ترى كل جفنٍ رآها غير راقئٍ للبكاء من هجرها غير جفنها، فإنه لا يبكي لهجرها، لأنها لا تهجر نفسها، فغير الأولى منصوبة على الاستثناء، وغير الثانية منصوبة إلى الحال، إن جعلت رأيت من رؤية العين، وإن كانت من رؤية القلب، فهو منصوب لأنه مفعول ثانٍ لرأيت، ورأيت على هذا بمعنى علمت.
قال الشيخ: الصواب أن يقال: غير راقٍ من حبها لا من هجرها، إذ لا طمع للناس في
وصلها حتى يبكوا من هجرها، ولو قدرت على هجر نفسها، وهي في الأحياء وتنبأت لكان ذلك لها معجزة من معجزات الأنبياء.
[ ٢ / ٢١٥ ]
(كاثرتْ نائلَ الأميرِ منَ الما لِ بما نوَّلتْ منَ الإيراقِ)
قال أبو الفتح: الإيراق: مصدر أورق الصائد يورق إيراقًا إذا لم يصد شيئًا. أي: هي في منعها وصلها في النهاية كما أن الأمير في بذله نائله قد بلغ الغاية، فكأنها تُكاثر عطاياه بمنعها لتنظر أيهما أكثر.
قال الشيخ: هذا الذي ذكره وجه، وعندي أنه مصدر أرق، كما قال تأبط شرًَّا:
يا عيدُ مالكَ من شوقٍ وإيراقِ؟ . . . . . . . . . . . . . . .
أي: كاثرت نائل الأمير بما نوَّلت عُشاقاّ من التَّسهيد والتَّسهير، وهذا الوجه أحسن من الأول، لن هذا من فعل المعشوق، وذلك من اتفاقات العشاق، يُقال: أورق الصائد وأخفق، إذا لم يصد شيئًا، وهما ليسا من فعل الصائد، وأنهما اتِّفاقٌ رديءٌ لازمٌ غير متعدٍّ، وإيراق التَّسهيد من فعلها متعدٍّ، ولهذا قُلنا: إن هذا الوجه أحسن وأقوى.
[ ٢ / ٢١٦ ]
(ليسَ قولي في شمسِ فعلِكَ كالشَّمْ سِ ولكنْ كالشَّمس في الإشراقِ)
قال أبو الفتح: جعل لفعله شمسًا استعارةً لإضاءة أفعاله، أي: لا يبلغ قولي محل فعلك، ولكنه يدلُّ عليه ويحسِّنه كما يحسِّن الشَّمس إشراقها، وتقديره: ولكن قولي في فعلك كالإشراق في الشمس، إلى هذا ذهب، وقد سألته وقت قراءته.
قال الشيخ: كأنه فسر له، فنسي لبَّه، وذكر قشره، وبهذا التفسير يذهب كالشمس من البين، ولا يجوز أن يلغى بحالٍ، وقول أبي الفتح وتقديره: ولكن قولي في فعلك كالإشراق في الشمس فاسد من وجهين، أحدهما إلغاءٌ كالشمس من البين، والثاني أنه يحط قوله من شمس فعله، فيقول: أي لا يبلغ قولي محل فعلك، ثم يربي به على فعله من حيث جعله كالإشراق في الشمس، لأنه فائدة الشمس ومعناها، ألا ترى أنه إذا فارقها لم يبق منها إلا جرمٌ مظلمٌ موحش؟ وإذا كان فعل الممدوح ذلك الجرم المظلم. وقول المتنبي الإشراق فيه، فالقول أحسن من الفعل وأنفع وأجدى وأجمع وأعلى وأرفع. وعندي إنه يقول: ليس قولي في شمس فعلك كالشمس في الإضاءة والاشتهار، فإنه ساقط عن فعلك، وإن كان عليًا، ولكنه مع هذا كالإشراق في الشمس الذي هو معناها
[ ٢ / ٢١٧ ]
وحاصلها، والذي إذا فارقها ما بقي لها معنى.
أي: قولي، وإن كان بحيث هو كالإشراق في الشمس، فإنه ليس في جنب شمس فعلك كالشمس مضيئة مشتهرة، بل واقعٌ دونه لا يضيء معه ولا يشتهر فيه لبهوره وكثرته وغلبته التي تغمر كل ثناءٍ، وتبهر كل مدحٍ.
وقال في قطعة أولها:
(لامَ أُناسٌ أبا العشائرِ في . . . . . . . . . . . . . . .)
(كُنْ لُجِّةُ أيُّها السَّماحُ فقدْ آمنَه سيفُه منَ الغرَقِ)
قال أبو الفتح: أي سيفه جُنَّة له من كل عدوٍّ ناطقًا كان أو غير ناطق.
قال الشيخ: ليس فيه شيءٌ من ذكر الأعداء والجُنن والاتِّقاء ظن وإنما هو يقول: كن لُجَّة بحرٍ أيها السَّماح الذي غلب على خصاله وأفعاله، فليس يغرق فيك، فإنه يأخذ بسيفه من الناس وأموال أعدائه ما يغرقه في آمليه وأوليائه، وهذا المعنى يتردد في شعره كثيرًا.
وقال في أرجوزة أولها:
(ما للمروجِ الخضرِ والحدائقِ؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
[ ٢ / ٢١٨ ]
(أي: كْبتَ كلِّ حاسدٍ منافقِ أنتَ لنا وكلُّنا للخالقِ)
قال أبو الفتح: أي كبت كل حاسد منافق: أي: نداء بمعنى: يا، كأنه يخاطب ممدوحًا.
قال الشيخ: قَّبح الله ممدوحًا يرضى بأن يخاطبه مادُحه بأنت لنا، سبحان الله العظيم كيف ذهب عليه معناه؟ وأرجوزته كلُّها في صفة طُخروره، ثم قال في آخرها: يا كبتَ الحُسَّاد أنت لنا مُلكنا ومركوبنا وكلُّنا للخالق.
[ ٢ / ٢١٩ ]