١- كان العرب في العصر الجاهلي يقيمون أسواقا عامة للتجارة، وكانت هذه الأسواق تستمر طول العام ينتقلون من بعضها إلى بعض، ومن أشهر أسواقهم العربية في الحجاز:
١- سوق عكاظ، وكانت تعقد في أول ذي القعدة إلى العشرين منه، وهي أعظم أسواقهم، وقد اتخذت سوقا بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة وظلت قائمة في الإسلام حتى نهبها الخوارج عام ١٢٩هـ حين خرجوا بمكة مع المختار بن عوف، وسنخصها بحديث بعد.
٢- سوق مجنة: ومجنة موضع بمر الظهران أسفل مكة على أميال منها، وكانوا ينتقلون إليها من عكاظ فيقيمون فيها إلى نهاية ذي القعدة.
٣- سوق ذي المجاز بمنى خلف عرفة: وكانوا يقيمون فيها ثمانية أيام من ذي الحجة، ثم يقفون بعرفة في اليوم التاسع.
٤- دومة الجندل: وتنعقد في ربيع الأول، ويحدد البغدادي ميعاد انعقادها فيجعله اليوم الخامس عشر من ربيع الأول من كل عام.
٥- مكة: وهي سوق دائمة.
٦- نطاة خيبر: وتعقد بعد أيام الحج، كما روى الألوسي.
٧- سوق منى.
_________________
(١) ١ ٨٧-٩٠ جـ١ تاريخ آداب العرب للرافعي، ٢٦٤، جـ١ بلوغ الأرب، معجم البلدان.
[ ١٧٤ ]
وقد أغفلوا بعض مواضع مهمة١ تقوم فيها أسواق، ربما لا تقل شأنا عن التي أفردوها بالذكر؛ كالطائف، وكالسوق التي يقيمها النبط في المدينة أحيانا، فإنا نعلم أن الطائف مدينة قديمة جاهلية، وهي "بلد الدباغ، يدبغ بها الأهب الطائفية المعروكة" ولأهلها زراعة وتجارة وغنى، وربما قاربوا قريشا في شأنها التجاري، ومن ثم كانت لأسواق الطائف أهمية تجارية ملحوظة.
٢- وكانت هذه الأسواق العربية -رغم أنها مكان للتجارة والمقايضة- ميدانا فسيحا لتبادل الآراء، وعرض الأفكار، والتشاور في مشكلات الأمور، ومجالا للمفاخرات والمنافرات والمحاورات، ومعرضا لإذاعة مفاخر القبيلة وشرف الأرومة، وناديا واسعا لإلقاء روائع الشعر، والمباهاة بالفصاحة، والمفاخرة بالبلاغة. وفيها ألقيت أشهر القصائد والمعلقات العربية؛ فأنشد عمرو بن كلثوم معلقته في عكاظ، وكذلك فعل الأعشى الذي أنشد فيها قصيدته في مدح المحلق.
ولقد سبق الإغريق العرب إلى أمثال هذه المحافل في المجتمعات الأولمبية التي كانوا يقيمونها كل أربع سنوات للألعاب الرياضية البدنية كلما حجوا إلى هيكل المشترى في أولمبية، وكانوا يحرمون القتال على أنفسهم في أثنائها على نحو ما يفعل العرب في الأشهر الحرم، فلما استوثق لهم الأمر صارت هذه المجتمعات الأولمبية أندية لإنشاد الشعر وتبادل الأفكار.
وكانت في هذه الأسواق منابر الخطابة في الجاهلية، يقوم عليها الخطيب بخطبته فيذيع فعاله ويعدد مآثره ومآثر قومه وأيامهم عاما بعد عام.
_________________
(١) ١ أسواق العرب ص١٨٣، وراجع في أسواق العرب: اليعقوبي في تاريخه ١/ ٣١٣، ٣١٤، والهمداني في صفة جزيرة العرب، والمرزوقي في الأزمنة والأمكنة ١٦١-١٧٠، والقلقشندي في صبح الأعشى ١/ ٤١٠، ٤١١، والبغدادي في خزانة الأدب ٤/ ٣٦٠-٣٦٢، والألوسي في بلوغ الأرب ١/ ٢٦٤-٢٧٠.
[ ١٧٥ ]
وكان النقاد والشعراء والرواة يجتمعون في الأسواق، فينشد الشعراء، وينقد النقاد، ويذيع الرواة ما سمعوه في كل مكان. وكان النابغة الذبياني حكم الشعراء بسوق عكاظ، وكانت تضرب له قبة فيه، فتأتيه الشعراء ينشدونه قصائدهم فيحكم لبعضهم على الآخرين.
وكان هذا الميدان الأدبي الفسيح، بما فيه من آذان مرهفة، وعيون متطلعة، وأذواق حصيفة، يحمل الشعراء والخطباء على التجويد والتهذيب والتنقيح، ويدعوهم إلى تخير الألفاظ العذبة، والأساليب الجميلة، والمعاني الرائعة؛ قصدا إلى الوضوح والإفهام والإمتاع، ومن ورائهم الرواة يذيعون هذا الأدب المختار في البلاد، وينشرونه في القبائل، ويروونه في كل مكان للسامعين.
ذلك هو الأثر الأدبي الكبير لهذه الأسواق، فوق أثرها الخطير في توحيد العقائد والأخلاق والعادات، والنهوض الحثيث بالمجتمع العربي، والسير به في طريق الوحدة التي بلغها بعد ظهور الإسلام ونبيه الكريم.
٣- وللأسواق عمل لغوي خطير، فقد كانت سببا في التقريب بين لغات العرب ولهجاتهم.
كانت تنزل بها شتى القبائل العربية على اختلافها، من قحطانيين وعدنانيين، كما كان ملك الحيرة يبعث تجارته إليها، ويأتيها التجار من مصر والشام والعراق.
فكان هذا الاجتماع الكبير وسيلة من وسائل التفاهم اللغوي، والتقارب بين اللغات واللهجات العربية، واختيار القبائل بعضها من بعض. وكانت الأذواق المرهفة في هذه الأسواق تعمل عملها في النقد اللغوي، فتأخذ كل قبيلة من لغة الأخرى ما خفّ على النطق، وعذب في الألسنة، وظهرت فصاحته من مختلف الألفاظ والأساليب.
وكان القرشيون خاصة من بين قبائل العرب وبتأثير اجتماعات الحج والأسواق والحروب، أكثر القبائل ميلا إلى النقد اللغوي، فاقتبسوا من
[ ١٧٦ ]
لهجات القبائل أعذبها ومن ألفاظهم أسهلها وأنصعها وأفصحها، وأخذوا يضيفون ذلك إلى لغتهم؛ فزادت ثروة اللغة العدنانية القرشية. وقلدت القبائل الأخرى قريشا في ذلك، وأخذت عنها محاكية لها في لغتها؛ وذلك لمكانة قريش وإشرافها على هذه الأسواق، مما حدا بالشعراء الذين يريدون لشعرهم الذيوع أن يتحروا لهجتها المختارة الذائعة في إذاعة محامد قبائلهم وأمجادهم، فكان لذلك آثاره البعيدة في تهذيب اللغة العربية وتوحيدها وجمعها في لغة مختارة هي لغة قريش أفصح القبائل العربية التي نزل بها القرآن الكريم.
وعمل الأسواق في توحيد الألسنة والتقريب بين اللهجات وتهذيب اللغة العربية كان ذا أثر بعيد في نمو اللغة العربية ونهضتها وانتقالها من طور اللهجات المتباينة واللغات المتنافرة والمتناكرة إلى طور جديد، مهد للوحدة اللغوية بين قبائل العرب، التي نزل القرآن الكريم مؤيدا لها ومذيعا للغة قريش في كل مكان.
٤- أهم الأسواق:
١- سوق عكاظ:
وننتقل بعد ذلك إلى الحديث في إيجاز عن سوق عكاظ وأثرها في اللغة والأدب؛ توضيحا لأثر الأسواق الجاهلية، وزيادة في معارفنا عن أسرار الاجتماع الجاهلي؛ لأن هذه السوق كانت تمتاز عن غيرها بأن جميع القبائل كانت تقصدها.
أين تقع عكاظ؟
في موقع عكاظ آراء عديدة، نذكر أشهرها، وهذه طائفة من أقوال المؤرخين القدامى في تحديد موقع عكاظ:
١- عكاظ بين نخلة والطائف إلى موضع يقال له: الغدق "ابن إسحاق، الواقدي، أبو عبيدة"١.
_________________
(١) ١ معجم البلدان ص٢٠٣ جـ٦، معجم البكري ص٦٠٦ الطبعة الأوروبية.
[ ١٧٧ ]
٢- عكاظ نخل في وادٍ بينه وبين الطائف ليلة، وبينه وبين مكة ثلاث ليالٍ، وبه كانت تقوم سوق العرب بموضع يقال له: الأثيداء، وبه كانت أيام الفجار، وكانت هناك صخور يطوفون بها ويحجون إليها "الأصمعي"١.
٣- عكاظ في وسط أرض "قيس عيلان"، "ابن هشام"٢.
٤- عكاظ وراء قرن المنازل بمرحلة على طريق صنعاء، في عمل الطائف على بريد منها. وهي سوق لقيس عيلان وثقيف، وأرضها لنصر "الأزرقي"٣.
٥- عكاظ في أصل جبل بس أو ماء بس بقعة لبني هلال، وحذاءها أخرى يقال لها: الخدود، وعكاظ منها على غلوة. وعكاظ صحراء مستوية ليس فيها جبل ولا علم إلا ما كان من الأنصاب التي كانت في الجاهلية، وبها من دماء الإبل كالأرجام العظام، وحذاءها عين يقال لها: خليص للعمريين، وخليص هذا رجل وهو ببلاد تسمى ركبة "عرام بن الأصبغ السلمي البكري"٤.
هذه جملة من أقوال المتقدمين في تحديد عكاظ، وهي متقاربة في المعنى متطابقة في الجملة.
وجميع الأوصاف المتقدمة تنطبق على الأرض الواسعة الواقعة شرق الطائف -بميل نحو الشمال- خارج سلسلة الجبال المطيفة به، وتبعد تلك الأرض عن الطائف مسافة "٣٥كم" تقريبا، ويحدها غربا: جبال بلاد عدوان "العقرب، وشرب، والعبيلاء"، وجنوبا: أبرق العبيلاء وضلع الخلص، وشرقا: صحراء ركبة، وشمالا: طرف ركبة والجبال الواقعة شرق وادي قران. وتشمل هذه الأرض وادي الأخيضر "وهو المعروف قديما بوادي عكاظ"، ووادي شرب حينما يفيضان في الصحراء ويخرجان من الجبال وما بينهما من الأرض وما اتصل بهما من طرف ركبة٥.
_________________
(١) ١ معجم البلدان: جـ٦ ص٢٠٣. ٢ التيجان ص٣١٠. ٣ تاريخ مكة: المطبعة الماجدية ص٢١٠ جـ١. ٤ أسماء جبال تهامة، ومعجم ما استعجم ص٦٦٠-٦٦٢. ٥ موقع عكاظ لعزام وابن بليهد والجاسر ص٦٢.
[ ١٧٨ ]
هذا هو موقع عكاظ كما حققه الثقات عن مشاهدة وعيان، ولا عبرة بمن يقول: إن موقع عكاظ في السيل الكبير على الطريق بين مكة والطائف، أو السيل الصغير في الطريق بين السيل الكبير والطائف؛ أولا: لما في هذا القول من مخالفة للتحديد المذكور في الأقوال السابقة، وهو الأهم. وثانيا: لأنها تقع في مجرى السيول التي تسير في تلك الناحية. وثالثا: لأنها تضيق عن الغرض المقصود منها، وهو إقامة تلك السوق العربية الكبيرة.
أثرها الأدبي:
كانت سوق عكاظ ميدانا للتجارة، وفداء الأسرى، والمفاوضة في الرأي، وتبادل الأفكار؛ كما كانت ميدانا للمنافرة والمفاخرة وإنشاد القصائد، وكان بها في الجاهلية منابر يقوم عليها الخطباء، فيقف أشراف القبائل مفاخرين بمناقبهم ومآثر قومهم. وكانت معرضا للبلاغة ومدرسة بدوية يلقى فيها الشعر والخطب، وينقد ذلك كله ويهذب، وفيه أنشد ابن كلثوم معلقته، ويقال: إن المعلقات أنشدت فيها، كما أنشد فيها الأعشى مدحته المحبرة في المحلق. وممن ألقى فيها مدائحه حسان، كما كانت الخنساء تلقي فيها مراثيها وتعاظم بمصيبتها. وكان النابغة تضرب له قبة حمراء في سوق عكاظ ويجتمع عليه الشعراء فيتحاكمون إليه.
أتاه الأعشى يوما فأنشده، ثم أتاه حسان، فقال: لولا أن أبا بصير أنشدني آنفا لقلت: إنك أشعر الجن والإنس، قال حسان: والله لأنا أشعر منك ومن أبيك وجدك، فقبض النابغة على يده، وقال: يابن أخي، أنت لا تحسن أن تقول:
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى منك واسع
ثم أتته الخنساء، فأنشدته:
قذى بعينك أم بالعين عوار أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدار؟ ١
فلما بلغت قولها:
وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار
_________________
(١) ١ العوار والعائر: كل ما أعل العين والرمد والقذى.
[ ١٧٩ ]
قال: ما رأيت ذا مثانة أشعر منك.
ويروى: أنه قال لها: لولا أن أبا بصير سبقك لقلت: إنك أشعر من بالسوق، ويروى أنه قال لحسان حين بلغ من قصيدته:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ولدنا بني العنقاء وابني محرق فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
قللت جفانك ولو قلت: الجفان لكانت أكثر، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، وقلت: يلمعن بالضحى، ولو قلت: يبرقن بالدجى لكان أبلغ؛ لأن الضيف بالميل أكثر طروقا، وأنثت السيوف١.
وكذلك قصدت هند بنت عتبة بن ربيعة هذه السوق حين قتل أهلها في بدر، وقرنت جملها بجمل الخنساء، وأخذت كل منهما تعاظم الأخرى بمصابها وتساجل في الشعر لوعة بلوعة، ورثاء برثاء.
وفي سوق عكاظ خطب قس بن ساعدة خطبته المشهورة، وقد سمعها الرسول -صلوات الله عليه.
وكان عليها رئيس يشرف على الموسم ويقضي بين المتخاصمين، ومن الرؤساء عامر بن الظرب العدواني، واستمرت في الإسلام. وكان محمد بن سفيان بن مجاشع قاضيا لها، وكان أبوه يقضي فيها في الجاهلية. وقد قصدها الرسول الأعظم يبث فيها دعوته، وبقيت حتى خربت عام ١٢٩هـ.
وكانت سوق عكاظ سببا في أربع حروب نشبت بين العرب، وسميت حروب الفجار.
وكان سبب الأولى "المفاخرة في سوق عكاظ"، وسبب الثانية "تعرض فتية من قريش لامرأة من بني عامر بن صعصعة بسوق عكاظ"، وسبب الثالثة "مقاضاة دائن لمدينه مع إذلاله في سوق عكاظ"، وسبب الرابعة "أن عروة الرحال ضمن أن تصل تجارة النعمان بن المنذر إلى سوق عكاظ آمنة، فقتله البراض في الطريق". وهذه الحروب كانت قبل مبعث الرسول وهو ابن أربع عشرة سنة وشهدها مع أعمامه، وقال: $"كنت يوم الفجار أنبل على عمومتي".
_________________
(١) ١ الأغاني جـ٨ ص١٩٤، ١٩٥، والجفنات: القصاع الكبيرة.
[ ١٨٠ ]
وقد دعت هذه الحروب التي كانت تنشب أيام قيام هذه السوق، ويترتب عليها السلب والنهب في التجارة، أن قام فريق من العرب بالدعوة إلى السلم، ومن أشهرهم عبد الله بن جدعان، فكان إذا اجتمعت العرب في السوق دفعت أسلحتها إليه ثم يردها عليها إذا ظعنوا، ويظهر أن هؤلاء السادة هم الذين سموا هذه الحروب بحروب الفجار؛ لما ارتكب فيها من الفجور وسفك الدماء، وقد نجحوا في وقف هذه الحروب وربما كان ذلك من أثر حلف الفضول.
٥- ١- وأما سوق مجنة: فكانت تبدأ من العشر الأواخر من ذي القعدة بعد أن يفيض الناس من عكاظ قرب موسم الحج. ومجنة موضع قرب مكة، وكان يحضرها كثير من قبائل العرب ولكنها كانت أقل مكانة من عكاظ.
٢- وأما ذو المجاز: فكانت قرب عرفة على بعد فرسخ منها فيما بينها وبين "الشرائع"، ولا يزال ذو المجاز معروفا، وكانت سوقها تقام إلى الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية، وكانت العرب تتم في هاتين السوقين ما فاتها في سوق عكاظ من أعمالها التجارية وغير التجارية.
٣- دومة الجندل: دومة الجندل ويقال: دوماء الجندل، كلاهما بالضم١، وهي بلد تقع في نقطة متوسطة بين الشام والخليج الفارسي والمدينة، على منتصف الخط الواصل بين العقبة والبصرة تقريبا. وبينها وبين دمشق خمس ليالٍ، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة لعدم استقامة الطريق بينهما. وهي في غائط من الأرض طوله خمسة فراسخ، وفيها حصن "مارد" المشهور، وإلى غربها عين تثج، فتسقي ما حولها من النخل والزرع.
وسميت دومة الجندل؛ لأن حصنها مبني بالجندل. وقريب منها جبلا طيء
_________________
(١) ١ ونقل الفتح فيهما صاحب النهاية، وفي الصحاح أن أصحاب اللغة يضمون، وأصحاب الحديث يفتحون.
[ ١٨١ ]
وكان بهذا الحصن بنو كنانة من كلب، وكانت خربة فأعاد بناءها أكيدر صاحبها وإخوته، وهي التي تسمى حديثا بالجوف.
وكانت العرب في الجاهلية تنزل سوق دومة الجندل للبيع والشراء في غرة ربيع الأول.
قال الألوسي: كان أكيدر صاحب دومة الجندل يرعى الناس ويقوم بأمرهم أول يوم، فتقوم سوقهم إلى نصف الشهر. وربما غلب على السوق بنو كلب فيعشرهم ويتولى أمرهم يومئذ بعض رؤساء بني كلب فتقوم سوقهم إلى آخر الشهر.
ويدور نشاط هذه السوق حتى منتصف ربيع الأول، وتغص بمن يؤمها من أطراف الشام والعراق وسائر الجزيرة، وهي من الأسواق الكبرى للعرب حتى إنهم ليلقون في سيرهم إليها نَصَبا كبيرا لوعورة الطريق والتعرض للأخطار وفقدان الأمن. ولا يحملهم على ذلك كله إلا ما تغريهم به هذه السوق من ربح وفائدة. قال المرزوقي:
"كانت قريش تخرج إليها من مكة، فإن أخذت الحزن لم تنخفر العرب حتى ترجع وكانوا إذا خرجوا من الحزن أو على الحزن وردوا مياه كلب، وكانت كلب حلفاء بني تميم، فإذا سفلوا عن ذلك أخذوا في بني أسد حتى يخرجوا على طيء فتعطيهم وتدلهم على ما أرادوا؛ لأن طيئا حلفاء بني أسد، فإذا أخذوا طريق العراق تخفروا ببني عمور، مرثد من بني قيس بن ثعلبة، فتجيز لهم ذلك ربيعة كلها"١.
ثم تفتر حركتها وتأخذ بالاضمحلال حتى آخر الشهر، إذ يفترق أهلها وموعدهم إليها من قابل، شهر ربيع الأول.
٤- سوق نطاة خيبر: خيبر قرية شمالي المدينة، وهي عدة حصون لليهود وفيها مياه ومزارع. ونطاة اسم حصن بها واسم عين أيضا، وقيل: هي خيبر نفسها.
_________________
(١) ١ الأزمنة والأمكنة ٢/ ١٦.
[ ١٨٢ ]
وقد اشتغل أهلها بالزراعة والتجارة، ونظرا لوقوعها على الطريق التجارية الكبرى بين اليمن والشام قام أهلها بتجارة الجزيرة، وكانت إحدى محطات القوافل التجارية في سفرها إلى الشام. ونجح أهلها في متاجرهم حتى أفادوا منها غنى واسعا واستفاضت لهم ثروات طائلة ونشأت فيهم رءوس الأموال الضخمة. ويرى بعضهم أن خيبر كانت مصرف الجزيرة المالي، ولما فتحها الرسول -ﷺ- صالح أهلها على الشطر من الثمر والحب.
وكلما مرت عير لقريش أو لطيمة من لطائم النعمان قامت لها سوق في خيبر١.
الحياة التجارية:
كانت أهم السلع التي تشغل هذه الأسواق: الخمور من هجر وغزة وبصرى، والأدم والبرود الموشاة من اليمن، والطيب والحرير والزيوت من الشام، والجلود من الطائف، والمسك من الحيرة، وكان البيع فيها بطريق المبادلة في الغالب.
وقد عرف الحجازيون التجارة منذ القدم، وكان في الجزيرة العربية طرق تسلكها القوافل التجارية بين المحيط الهندي وبلاد الشام، فكان أحدها يسير من حضرموت إلى البحرين على الخليج الفارسي "طريق الغرب" وعلى هذا الطريق الأخير تقع مكة في المنتصف تقريبا بين صنعاء وبطرة.
وقد سلك العرب هذه الطرق البرية؛ لأن طريق البحر لم يكن آمنا. وكانت التجارة لا تخرج إلا محروسة، وكانت تسير في أزمنة محدودة وقد أثبت العرب شرفا في التبادل التجاري، واشتهروا بحب الوفاء وتقدير الوعد، والصدق في عرض السلع، فوثقت بهم الممالك المجاورة، وبذلك مهد العربي الطريق لتجارة واسعة منظمة.
وكانت بعض القبائل تتولى تأمين المتاجر مقابل جُعْل خاص، فإذا عدا عليها عادٍ بذلوا في سبيل حمايتها حياتهم ودماءهم، وإذا عجزوا عن حمايتها ردوا الجعل لأصحاب التجارة، وربما عوضوهم عما أصابهم من خسائر.
_________________
(١) ١ من المراجع المهمة في هذا الموضوع كتاب "أسواق العرب" للأفغاني.
[ ١٨٣ ]
ولما كانت قريش تسكن مكة في مكان متوسط بين اليمن والشام غير ذي زرع، وليس بهذا المكان موارد تكفيهم، فقد اتخذ القرشيون التجارة مهنة لهم، وأصبحوا ينافسون عرب اليمن، وغدت تجارة قريش -على عهد هاشم بن عبد مناف- تخرج في قوافل عظيمة تشبه الجيش، وقد بلغت أحيانا خمسمائة وألف بعير، تتقدمها الكشافة تتعرف ما في الطريق، والهداة يهدون السبيل والحراس يخفرونها.
وكانت القوافل الحجازية تنزل في أسواق عينتها الحكومة الرومانية لتحصل منهم الضرائب، ولتراقب الأجانب الوافدين على بلادها، وكانت هذه القوافل التي تقصد البلاد الرومانية تنزل أولا في أيلة "العقبة" ومنها تذهب إلى غزة ثم تتفرق القافلة حسب مقتضيات التجارة، على أن تعود فتتجمع في غزة في موعد مضروب، تعود بعده القافلة نحو البلاد العربية. وقد استفاد العرب أثناء رحلاتهم التجارية بعضا من مدنية الروم والفرس وآدابهم، واقتبسوا مما شاهدوه في هذه الأمم من أنظمة حكومية في جمع الضرائب، ومن أخلاق، ولغة وعادات لم تكن لهم، يؤيد ذلك ما أدخله العرب على لغتهم -بتأثير هذه المخالطة- من ألفاظ فارسية، ورومانية، ومصرية، وحبشية، مما أصبح على مر الأيام جزءا لا يتجزأ من اللغة العربية، إلى حد أن نطق بها القرآن الكريم١.
ويقال: إن اسم "قريش" إنما سميت به قبيلة قريش المكية لاشتغالها بالتجارة، فقد ورد في لسان العرب: وقيل: سميت بذلك لأنهم كانوا أهل تجارة ولم يكونوا أصحاب ضرع وزرع، وذلك من قولهم: فلان يتقرش المال أي: يجمعه.
[ ١٨٤ ]