وعلى هذا المقياس سندرس الصحيح والمنحول والمختلف عليه من الشعر الحجازي، وسنناقش خلال بحثنا طائفة من النصوص وأقوال القدماء، وآراء المحدثين من عرب ومستشرقين حتى يستقيم لنا رأي ممحص في الشعر الحجازي، وتبقى لنا منه بعد نفي المنحول مادة تصلح لأن تكون أساسا يعتمد عليه الباحثون في الأدب الحجازي في العصر الجاهلي.
ونحب أن نشير هنا -قبل المضي في البحث- إلى أننا قد حرصنا فيما سبق من هذا الباب، أن تكون الشواهد والنصوص التي أوردناها، وثيقة الصلة بشعراء حجازيين؛ كزهير بن أبي سلمى، وأمية بن أبي الصلت، ومزرد بن ضرار، ودريد بن الصمة، وحسان بن ثابت، وعباس بن مرداس.
ولعل أول ما يتبادر إلى ذهن الباحث، تلك العبارة التي أوردها ابن سلام عن قريش، إذ يقول: "وقد نظرت قريش، فإذا حظها من الشعر قليل في الجاهلية، فاستكثرت منه في الإسلام"، وعقب الدكتور طه حسين عليها بقوله:
[ ٣٤٨ ]
"وليس من شك عندي في أنها استكثرت بنوع خاص من هذا الشعر الذي يهجى به الأنصار".
والدكتور طه يعتقد أن السياسة كانت سببا في انتحال الشعر، وأن العصبية بين قريش والأنصار دعت إلى أن يتزيد كل فريق من أشعار الهجاء في الفريق الآخر، وسود تسع صفحات في مسألة "المهاجاة بين المهاجرين والأنصار" وحدها، ولكنه لم يذكر في بحثه الطويل كلمة واحدة تتصل بأن فريقا من الفريقين اختلق شعرا، ونسبه إلى شعرائه في الجاهلية.
ويقول الشيخ محمد الخضر حسين في نقده لهذا الرأي: "وبعد ذلك كله، ألم يكن من واجب المؤلف -وهو أستاذ كبير- أن يذكر لقراء كتابه بعض الشعر الذي وضعته قريش في الإسلام، ونسبته إلى بعض شعرائهم في الجاهلية، وكان الداعي إلى وضعه السياسة؟ "١.
ونحن نعتقد أن الشعر القرشي قد دخله شيء من التزيد لهذا السبب أو لغيره من الأسباب، ولكن هذا الاعتقاد لا يجعلنا نطرح هذا الشعر جملة من حساب التاريخ، وإنما حسبنا ما نبه إليه الأقدمون من مواطن الكذب أو الانتحال، نشير إليها، ونطرحها لتبقى لنا بعد ذلك أشعار صحيحة، راجحة الكفة أو أدنى إلى الرجحان في هذا الميزان.
وقد تحدث صاحب الأغاني بإسناد له، عن عبد العزيز بن أبي نهشل، أنه قال: قال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وجئته أطلب منه مغرما: يا خال، هذه أربعة آلاف درهم وأنشد هذه الأبيات الأربعة، وقل: سمعت حسانا ينشدها رسول الله، ﷺ؟ فقلت: أعوذ بالله أن أفتري على الله ورسوله، ولكن إن شئت أن أقول، سمعت عائشة تنشدها فعلت، فقال: لا، إلا أن تقول: سمعت حسانا ينشدها رسول الله -ﷺ- ورسول الله -ﷺ- جالس. فأبى علي، وأبيت عليه، فأقمنا لذلك لا نتكلم عدة ليال. فأرسل إلي، فقال: قل أبياتا
_________________
(١) ١ في الأدب الجاهلي، ص١٢٤.
[ ٣٤٩ ]
تمدح هشاما، يعني ابن المغيرة وبني أمية؛ فقلت: سمهم لي، فسماهم، وقال: اجعلها في عكاظ واجعلها لأبيك، فقلت:
ألا الله قوم و لدت أخت بني سهم
هشام وأبو عبد مناف مدره الخصم
وذو الرمحين أشباك على القوة والحزم
فهذان يذودان وذا من كثب يرمي
أسود تزدهي الأقرا ن مناعون للهضم
وهم يوم عكاظ مـ ـنعوا الناس من الهزم
وهم من ولدوا أشبوا بسر الحسب الضخم
فإن أحلف وبيت اللـ ـه لا أحلف على إثم
لما من إخوة تبني قصور الشأم والردم
بأزكى من بني ريطة أو أوزن في الحلم
قال: ثم جئت، فقلت: هذه قالها أبي. فقال: لا، ولكن قل: قالها ابن الزبعرى، قال: فهي إلى الآن منسوبة في كتب الناس إلى ابن الزبعرى١. ويعلق الدكتور طه حسين على ذلك بقوله: "فانظر إلى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كيف أراد صاحبه على أن يكذب وينتحل الشعر على حسان؛ ثم لا يكفيه هذا الانتحال حتى يذيع صاحبه أنه سمع حسانا ينشد هذا الشعر بين يدي النبي، كل ذلك بأربعة آلاف درهم. ولكن صاحبنا كره أن يكذب على النبي بهذا المقدار، واستباح أن يكذب على عائشة. وعبد الرحمن لا يرضيه إلا الكذب على النبي؛ فاختصما. وكلاهما شديد الحاجة إلى صاحبه، هذا يريد شعرا لشاعر معروف، والآخر يريد المال؛ فيتفقان آخر الأمر على أن ينحل الشعر عبد الله بن الزبعرى شاعر قريش"٢.
_________________
(١) ١ الأغاني ١/ ٦٣، دار الكتب. وأشباك حسبك، كما في الأمالي، وفي مخطوط الأغاني: أشبال. ٢ في الشعر الجاهلي ٧٥، ٧٦.
[ ٣٥٠ ]
وعلى هذه الرواية فهذه القصيدة منحولة قطعا، وذكر محمد بن طلحة: أن قائل هذه القصيدة هو عمر بن أبي ربيعة١. ومن العجيب أن ابن سلام على تشدده ودقته في ميزان التحقيق العلمي لم يشر إلى هذه القصيدة -وقد أوردها في كتابه- بما يفيد أنها منحولة أو موضوعة أو مشكوك في صحة نسبتها إلى ابن الزبعرى٢.
وذكر ابن سلام أبا طالب "فقال: إنه كان شاعرا جيد الكلام، وأبرع ما قال قصيدته التي مدح فيها النبي -ﷺ- وهي:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ربيع اليتامى عصمة للأرامل
ثم قال: "وقد زيد فيها وطولت. رأيت في كتاب كتبه يوسف بن سعد صاحبنا منذ أكثر من مائة سنة، وقد علمت أن قد زاد الناس فيها، فلا أدري أين منتهاها، وسألني الأصمعي عنها فقلت: صحيحة جيدة. قال: أتدري أين منتهاها؟ قلت: لا أدري "٣. وقد ذكر ابن هشام ما صح له من هذه القصيدة وهو أربعة وتسعون بيتا. وقال ابن كثير عنها: إنها قصيدة بليغة جدا، لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه؛ وهي أفحل من المعلقات السبع وأبلغ في تأدية المعنى. وقد شرح الشيخ حمزة فتح الله منها أربعة وأربعين بيتا في كتابه٤.
وذكر ابن سلام بيتين قال: إن الناس يروونهما لأبي سفيان بن الحارث، ثم قال٥: "وأخبرني أهل العلم من أهل المدينة: أن قدامة بن موسى بن عمر بن قدامة بن مظعون الجمحي قالهما ونحلهما أبا سفيان؛ وقريش ترويهما في أشعارها".
ومما يؤكد صحة النص الأدبي؛ ما يظاهره من أخبار وأحاديث تثبت روايته الصحيحة. ومثال ذلك ما رواه أبو وداعة؛ حيث قال: "رأيت رسول الله -ﷺ- وأبا بكر -﵁- عند باب بني شيبة، فمر رجل وهو يقول:
_________________
(١) ١ الأغاني ١/ ٦٤. ٢ طبقات فحول الشعراء ٢٠٠، ٢٠١. ٣ طبقات فحول الشعراء ٢٠٤. ٤ المواهب الفتحية، ج١، ص١٤٨-١٦٤. ٥ طبقات فحول الشعراء ٢٠٨، ٢٠٩.
[ ٣٥١ ]
يأيها الرجل المحول رحله ألا نزلت بآل عبد الدار
هبلتك أمك لو نزلت برحلهم منعوك من عدم ومن إقتار
فالتفت رسول الله -ﷺ- إلى أبي بكر فقال: "أهكذا قال الشاعر؟ " قال: لا والذي بعثك بالحق، لكنه قال:
بأيها الرجل المحول رحله ألا نزلت بآل عبد مناف
هبلتك أمك لو نزلت برحلهم منعوك من عدم ومن إقراف
الخالطين فقيرهم بغنيهم حتى يعود فقيرهم كالكافي
ويكللون جفانهم بسيوفهم حتى تغيب الشمس في الرجاف١
فتبسم رسول الله -ﷺ وقال: "هكذا سمعت الرواة ينشدونه".
وقد ذكرنا -فيما سبق- طرفا من نقد ابن سلام لابن إسحاق، والآن نسوق هذا النقد كاملا:
قال ابن سلام٢: وكان ممن أفسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منه: محمد بن إسحاق بن يسار -مولى آل مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف- وكان من علماء الناس بالسير فقبل عنه الناس الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: "لا علم لي بالشعر، أوتى به فأحمله". ولم يكن ذلك له عذرا. فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرا قط، وأشعار النساء فضلا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارا كثيرة، وليس بشعر؛ إنما هو كلام مؤلف معقود بقوافٍ، أفلا يرجع إلى نفسه فيقول: من حمل هذا الشعر؟ ومن أداه منذ آلاف السنين؟ والله ﵎ يقول: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، أي: لا بقية لهم، وقال أيضا: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾، وقال في عاد: ﴿هَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ وقال: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ .
_________________
(١) ١ الأمالي للقالي ١/ ٢٤١، والرجاف: البحر. ٢ طبقات فحول الشعراء ٨، ٩.
[ ٣٥٢ ]
وقال ابن سلام كذلك١: "ولأبي سفيان بن الحارث شعر كان يقوله في الجاهلية، فسقط ولم يصل إلينا منه إلا القليل. ولسنا نعد ما يروي ابن إسحاق له ولا لغيره شعرا. ولئلا يكون لهم شعر أحسن من أن يكون ذلك لهم".
ويقول في موطن ثالث٢: "فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحاق ومثل ما رواه الصحفيون، ما كانت إليه حاجة، ولا فيه دليل على علم".
وأكثر ما أورده ابن إسحاق من شعر ينسب لشعراء حجازيين. وفي دراسة هذا الشعر وتحقيقه يتضح لنا كثير من الصحيح والمنحول المختلف عليه من شعر الحجاز عامة، وشعر قريش خاصة، وقد عني بذلك ابن هشام في سيرته المعروفة.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٢٠٦. ٢ المصدر السابق ١١.
[ ٣٥٣ ]