مؤدَى القول في الشعر الحر أنه ينبغي ألا يطغى على شعرنا المعاصر كل الطغيان؛ لأن أوزانه لا تصلح للموضوعات كلها، بسبب القيود التي تفرضها عليه وحدة التفعيلة وانعدام الوقفات وقابلية التدفق والموسيقية. ولسنا ندعو بهذا إلى نكس الحركة، وإنما نحب أن نحذر من الاستسلام المطلق لها، فقد أثبتت التجربة، عبر السنين الطويلة أن الابتذال والعامية يكمنان خلف الاستهواء الظاهري في هذه الأوزان.
والحق أن الحركة قد بدأت تبتعد عن غاياتها المفروضة منذ سنة ١٩٥١، ولا نظن هذا غريبًا، ولا داعيًا للتشاؤم. فلو درسنا الحركة من وجهتها
[ ٤٨ ]
التاريخية لوجدنا أنها لا تختلف عن أية حركة أخرى للتحرر، سواء أكانت وطنية أم اجتماعية أم أدبية، وفي لتاريخ مئات الشواهد على ثورة الجماعات ومبالغتها في تطبيق مبادئ الثورة وسقوطها في الفوضى والابتذال قبل استقرارها الأخير. ولهذا نحس بالاطمئنان إلى سلامة الحركة، رغم مظاهر الرخاوة والإسفاف التي غمرتها.
وإذا كنت قد تنبأت في سنة ١٩٥٤ -في مقال لي نشرته مجلة الأديب- بأن حركة الشعر الحر: "ستتقدم في السنين القادمة حتى تبلغ نهايتها المبتذلة، فهي اليوم في اتساع سريع صاعق، ولا أحد مسئول عن أن شعراء نزري المواهب، ضحلي الثقافة سيكتبون شعرًا غثًّا بهذه الأوزان الحرة"١ إذا كنت قد تنبأت بذلك، فأنا أجد نبوءتي تلك قد تحققت بكل حرف فيها. وإذا صح لي أن أطرح نبوءة جديدة، أبنيها على مراقبتي للموقف الأدبي في وطننا العربي اليوم، فأنا أتنبأ بأن حركة الشعر الحر ستصل إلى نقطة الجزر في السنين القادمة، ولسوف يرتد عنها أكثر الذين استجابوا لها خلال السنين العشر الماضية. على أن ذلك لا يعني أنها ستموت. وإنما سيبقى الشعر الحر قائمًا ما قام الشعر العربي وما لبثت العواطف الإنسانية. ولسوف ينتهي التطرف إلى اتزان رصين، ويجني الأدب العربي من الحركة ثمراتها. وأما الشعراء الذين ذهبوا ضحايا لمزالق الشعر الحر، ولا بد لكل حركة ناجحة من ضحايا، فحسبهم أنهم هم الذين أنقذوا الشعر من الهاوية، ولقد أعطونا نماذج للرداءة والتخبط تحمينا من أن نقع في مثلها، فكانوا بذلك خلاص الشعر الحديث دون أن يدروا.
_________________
(١) ١ راجع بحثنا المعنون "حركة الشعر الحر في العراق" مجلة الأديب. ينانر ١٩٥٤ وقد دخل كثير منه في هذا البحث.
[ ٤٩ ]