القسم الأول: في الشعر الحر.
الفصل الأول: بداية الشعر الحر وظروفه.
البداية:
كانت بداية حركة الشعر الحر سنة ١٩٤٧، في العراق. ومن العراق، بل من بغداد نفسها، زحفت هذه الحركة وامتدت حتى غمرت الوطن العربي كله وكادت، بسبب تطرف الذين استجابوا لها، تجرف أساليب شعرنا العربي الأخرى جميعًا.
وكانت أول قصيدة حرة الوزن تُنشر قصيدتي المعنونة "الكوليرا"١ وسأدرج بعضها فيما يلي، وهي من الوزن المتدارك "الخبب":
_________________
(١) ١ نظمتها يوم ٢٧-١٠-١٩٤٧ وأرسلتها إلى بيروت فنشرتها مجلة "العروبة" في عددها الصادر في أول كانون الأول ١٩٤٧ وعلقت عليها في العدد نفسه. وكنت نظمت تلك القصيدة أصور بها مشاعري نحو مصر الشقيقة خلال وباء الكوليرا الذي داهما. وقد حاولت فيها التعبير عن وقع أرجل الخيل التي تجر عربات الموتى من ضحايا الوباء في ريف مصر. وقد ساقتني ضرورة التعبير إلى اكتشاف الشعر الحر.
[ ٣٥ ]
طلع الفجر
أصغ إلى وقع خطى الماشين
في صمت الفجر، أصخ، انظر ركب الباكين
عشرة أموات، عشرونا
لا تحص، أصخ للباكينا
اسمع صوت الطفل المسكين
موتى، موتى، ضاع العدد
موتى، موتى، لم يبق غد
في كل مكان جسد يندبه محزون
لا لحظة إخلاد لا صمت
هذا ما فعلت كف الموت
لالموت الموت الموت
تشكو البشرية تشكو ما يرتكب الموت
نشرت هذه القصيدة في بيروت ووصلت نسخها بغداد في أول كانون الأول ١٩٤٧. وفي النصف الثاني من الشهر نفسه صدر في بغداد ديوان بدر شاكر السياب "أزهار ذابلة" وفيه قصيدة حرة الوزن له من بحر الرمل عنوانها "هل كان حبًّا" وقد علق عليها في الحاشية بأنها من "الشعر المختلف الأوزان والقوافي". وهذا نموذج منها:
هل يكون الحب اني
بت عبدا للتميي
أم هو الحب اطراح الأمنيات
والتقاء الثغر بالثغر ونسيان الحياة
واختفاء العين في العين انتشاء
كانثيال عاد يغنى في هدير
أو كظل في غدير
[ ٣٦ ]
على أن ظهور هاتين القصيدتين لم يلفت نظر الجمهور، وكان تعليق مجلة "العروبة" على قصيدتي هو التعليق الوحيد على هذه النقلة في أسلوب الوزن. ومضت سنتان صامتتان لم تنشر خلالهما الصحف شعرًا حرًّا على الإطلاق.
وفي صيف سنة ١٩٤٩ صدر ديواني "شظايا ورماد" وقد ضمنته مجموعة من القصائد الحرة، وقفت عندها في مقدمة الكتاب المسهبة وأشر إلى وجه التجديد في ذلك الشعر، وبينت موضع اختلافه عن أسلوب الشطرين، ثم جئت بمثال من تنسيق التفعيلات، وعينت بعض البحور الخليلية التي تصلح لهذا الشعر.
وما كاد هذا الديوان يظهر حتى قامت له ضجة شديدة في صحف العراق، وأثيرت حوله مناقشات حامية في الأوساط الأدبية في بغداد. وكان كثير من المعلقين ساخطين ساخرين يتنبئون للدعوة كلها بالفشل الأكيد. غير أن استجابة الجمهور الكبير كانت تحدث في صمت وخفاء خلال ذلك، فما كادت الأشهر العصبية الأولى من ثورة الصحف والأوساط تنصرم حتى بدأت تظهر قصائد حرة الوزن ينظمها شعراء يافعون في العراق ويبعثون بها إلى الصحف. وبدأت الدعوة تنمو وتتسع.
وفي آذار ١٩٥٠ صدر في بيروت ديوان أول لشاعر عراقي جديد هو عبد الوهاب البياتي وكان عنوانه "ملائكة وشياطين" وفيه قصائد حرة الوزن. تلا ذلك ديوان "المساء الأخير" لشاذل طاقة في صيف ١٩٥٠ ثم صدر "أساطير" لبدر شاكر السياب في أيلوب ١٩٥٠ وتتالت بعد ذلك الدواوين، وراحت دعوة الشعر الحر تتخذ مظهرًا أقوى حتى راح بعض الشعراء يهجرون أسلوب الشطرين هجرًا قاطعًا ليستعملوا الأسلوب الجديد.
[ ٣٧ ]