يلوح لنا من مراجعة الأساليب التي يختتم بها الشعراء قصائدهم الحرة أنهم شاعرون، ولو دون وعي، بصعوبة إيقاف التدفق الطبيعي في الوزن الحر. ولذلك يلجئون إلى أساليب شكلية غير مقبولة يحاولون بها أن يغلبوا تلك الصعوبة.
من تلك الأساليب اختتام القصيدة بتكرار مطلعها، ونموذجه قصيدة لبلند الحيدري يبدؤها ويختتمها بالمقطع التالي١:
يا صدقي
لم لا تحمل ماضيك وتمضي عن طريقي
قد فرغنا وانتهينا
وتذكرنا كثيرًا ونسينا٢
وليس هذا الاختتام محض صدفة، فالشاعر قد استعمله في قصائد كثيرة غير هذه منها "أعماق" و"ولن أراها" و"حب قديم" و"غدًا نعود" في ديوانه "أغاني المدينة الميتة". ثم إن هذه الظاهرة لا تقتصر على بلند الحيدري، فهي تطل علينا في شعر عبد الوهاب
_________________
(١) ١ قصيدة "يا صديقي" لبلند الحيدري. ديوان "أغاني المدينة الميتة". ٢ لا يخفى أن "نسينا" بعينها المكسورة لا تصلح قافية تقابل "انتهينا" والظاهر أن الشاعر غافل عن ذلك لأنه يقرؤها بفتح السين.
[ ٤٥ ]
البياتي١ ونحن نلمحها عند بدر السياب٢ وعند شاذل طاقة٣. والواقع أن تعاقب اختتام القصيدة بتكرار مطلعها لدى هؤلاء الشعراء جميعًا يشي بأنهم يستشعرون الصعوبة التي أشرنا إليها في اختتام القصائد الحرة فيلجئون إلى هذه الوسيلة الشكلية. والواقع أن هذه الأسلوب ليس إلا تهربًا من الشاعر، يفر فيه من صعوبة الاختتام الطبيعي. وهو إنما يقع في ذلك التهرب تحت ضغط الشعر الحر.
وليس التكرار هنا إلا نوعًا من التنويم يخدر به الشاعر حواس القارئ موحيًا إليه بأن القصيدة قد انتهت.
ومن الأساليب التي يلجأ إليه الشعراء في اختتام القصائد الحرة أسلوب لجأ إليه بدر شاكر السياب في قصيدته "حفار القبول". قال في آخر تلك القصيدة الطويلة:
وتظل أنوار المدينة وهي تلمع من بعيد
ويظل حفار القبول
ينأى عن القبر الجديد
متعثر الخطوات يحلم باللقاء وبالخمور
وقال في خاتمة قصيدة أخرى:
ويلوك ظلك من بعيد وهو يومئ بالوداع
وأظل وحدي في صراع٤
إني أسمي هذا الأسلوب في الاختتام أسلوب "ويظل.."، وهو
_________________
(١) ١ قصيدة "تمت اللعبة" للبياتي. مجلة الأديب أكتوبر ١٩٥٢. ٢ قصيدة "في القرية الظلماء" ديوان أساطير. بدر شاكر السياب. النجف ١٩٥٠. ٣ قصيدة "حصاد النار" لشاذل طاقة. ديوان المساء الأخير. مطبعة الاتحاد الجديد. الموصل ١٩٦٠. ٤ قصيدة "اللقاء الأخير" لبدر شاكر السياب.
[ ٤٦ ]
ليس مقصورًا على بدر السياب، كما قد يظن، فهذه مثلًا خاتمة قصيدة لبلند الحيدري١:
ويدور فيها العقربان
تك. تك.
يا للجبان.
يا للجبان متى سيومئ بالوداع؟
وأظل أزحف في صراع
هذه القصائد كلها تختتم بأسلوب "ويظل" وهو أسلوب تنويمي كالسابق؛ لأنه يسلم المعنى إلى استمرارية مريحة وكأن الشاعر يقول لقارئ:
"وقد استمر الأمر على هذا.." وبهذا ينتهي دوره، ويصح للقصيدة أن تنتهي.
وإنما المسئول عن هذا كله هو الطبيعة المتدفقة للشعر الحر. على أن هذه الطبيعة ينبغي ألا تُعفي شاعرًا ناضجًا من إنهاء قصيدته إنهاء فنيًّا مقبولًا.
_________________
(١) ١ قصيدة "محاولة" لبلند الحيدري. مجلة الأديب يوليو ١٩٥٢ "ص١٦".
[ ٤٧ ]