كانت لحركة الشعر الحر ظروف معرقلة تضع في وجهها العقبات
[ ٣٧ ]
وتجعل سبيلها وعرًا. بعض تلك الظروف عام يتعلق بطبيعة الحركات الجديدة إجمالًا، وبعضها خاص بالشعر الحر نفسه.
أما الظروف العامة فتكمن في أن الشعر الحر، شأنه شأن أية حركة جديدة في ميادين الفكر والحضارة، قد بدأ لدنًا، حييًا، مترددًا، مدركًا أنه لا بد أن يحتوي على فجاجة البداية، فلا بد له من ذلك؛ لأنه على كل حال، "تجربة"، ولن يعفيه إخلاصه وتحمسه من أن يزل أحيانًا ويتخبط. ذلك أن مثل هذه الحركات الأدبية التي تنبع فجأة، بمقتضى ظروف بيئية وزمنية، لا بد أن تمر بسنين طويلة، قبل أن تستكمل أسباب النضج، وتملك جذورًا مستقرة، وتلين لها أداتها، وليس من المعقول أن تولد ناضجة، وإنما تبدو عيوبها كلما ابتعدنا عنها وأوغلنا في الزمن باختباراتنا الجديدة ونضج ثقافاتنا واتساع آفاقنا.
وأما الظروف الخاصة فتكمن في كون الشعر الحر حركة جديدة جابهها الجمهور العربي أول مرة في العصر. نقول هذا ونحن على علم بما يذهب إليه بعض الباحثين الأفاضل من أنها تجد جذورها في الموشحات الأندلسية، وفي البند الذي أبدعه شعراء العراق في القرنين الماضيين أو قبلهما بزمن يسير.
أما الموشحات الأندلسية فإن المشهور المحفوظ منها يقوم على أساس المقطوعة، ويحافظ على طول ثابت للأشطر، وحتى إذا تساهل بعض التساهل في الطول، فإن ذلك يجري في حدود معينة تجعل الموشح أبعد ما يكون عن الشعر الحر. وإنما الشعر الحر شعر تفعيلة، بينما بقى الموشح شعرًا شطريًّا. وسوف نبسط ذلك في موضعه من الكتاب.
وأما البند فالمعروف أنه أسلوب مجهول لدى الجمهور العربي، ولم ينظمه إلا شعراء العراق، وأنا شخصيًّا لم أسمع به من قبل سنة ١٩٥٣، على
[ ٣٨ ]
قوة اهتمامي بالشعر العربي. وذلك طبيعي منتظر، فلا كتب العروض تشير إلى البند، ولا كتب الأدب المتداولة، ولا مدرسو الأدب يذكرونه في صفوفهم. ثم إن كبار الشعراء في عصور الأدب العربي الزاهرة لم يمارسوا نظمه، وإنما اقتصر على استعماله شعراء العراق المتأخرون، وكان أشبه ما يكون بأسلوب عامي للمراسلات الإخوانية الظريفة. نقول ذلك كله لا لننتقص من قيمة البند الجمالية، وإنما لنبين أن الشعر الحر لم يتحدر منه من جهة، وإن وجوده لم يساعد الجمهور العربي على تقبل حركة الشعر الحر حين قيامها من جهة أخرى. وليست العبرة بوجود نمط من أنماط الشعر، وإنما العبرة في معرفة الجمهور والشعراء له بحيث يؤثر في اتجاهاتهم.
ولعل أبرز الأدلة على أن الحركة كانت وليدة عصرنا هذا أن أغلبية قرائنا ما زالوا يستنكرونها ويرفضونها، وبينهم كثرة لا يستهان بها تظن أن الشعر الحر لا يملك من الشعرية إلا الاسم فهو نثر عادي لا وزن له.
تلك هي الظروف الخاصة للشعر الحر. ولا يخفى أن الحركة الأدبية التي تنبت فجأة على هذه الصورة تفقد ميزة هامة مما يملكه الأدب الذي يتطور متدرجًا. ذلك أنها لا تملك قواعد تستند إليها، ولا أسسًا تجري وفقها بحيث تأمن الخطأ والزلل. وإنما لا بد لأتباعها، وهم يسندونها ويرفعون صوتها، من مجازفة وتضحية. وأنه لموجع للشاعر المخلص لفنه أن يكتب وهو على علم بأنه يخوض ميدانًا جديدًا قد يقضي على شاعريته، وقد يودي بسمعته الشعرية التي جهد لبنائها وسهر.
ونتيجة لهذه الظروف العامة والخاصة، يسهل أن يسقط المبتدئون من الشعراء في التشابه والتكرار الممل، فينهج الواحد منهم نهج زملائه الآخرين دونما ابتكار، لا عن تقليد واعٍ، وإنما على صورة غير واعية.
[ ٣٩ ]
ذلك أن السنن الوحيدة الموجودة هي قصائد الآخرين، وهي مازالت قليلة نسبيًّا. والمعروف أن الشاعر الذي يعجب بوزن قصيدة من القصائد فيعارضه لا يستطيع أن ينجو من السقوط في "معارضة" معانيها وجوها وحتى سقطاتها أيضًا. وقد كان هذا أحد وجوه الخطر الكثيرة التي تضمنتها حركة الشعر الحر حين قيامها أول مرة. وما لبثت مظاهره حتى بدأت تلوح على بعض الشعر الحر الذي ينظمه الناشئون، فلم يعد من النادر أن تتشابه قصائد الشعراء في موضوعاتها وألفاظها وأجوائها وأخيلتها. وأن الخطأ في شعر الواحد ليسري سريانًا مدهشًا في شعر الآخرين وكأنه بات سنة تُحتذى لا خطأ ينبغي تحاشيه.
على أن مشكلات حركة الشعر لم تقتصر على مزالق الظروف وإنما جاءتها من جهات أخرى سندرسها في الفقرة التالية.
[ ٤٠ ]