في أبيات فدوى التي نقلناها في الصفحات السابقة ورد الشطران المتجاوران التاليان:
كانت سرابًا في سراب
كانت بلا لون بلا مذاق
وقد توهمت الشاعرة أن كلمة "مذاق"، بصفتها مساوية لكلمة "سراب" في الطول، تستطيع أن ترد جوابًا لها في الشطر التالي على سبيل الإيقاع والنغم وغير ذلك مما أرادت الشاعرة في هذه القصيدة، أن تستعيض به عن القافية. وهي قد التزمت هذا عبر القصيدة كلها فكانت قوافيها: "أثير، سنين، عبور، دروب، قديم، صغار، شتاء، فقير، صغير، ظماه، حياه، نضير، عبير.. إلخ". غير أن الظرف العروضي الذي أحاطت به الشاعرة هذه القوافي يجعلها غير متناسقة ولا متساوية. والواقع أن الكلمات التي تتساوى في طولها، في واقعها اللغوي، ليست بالضرورة متساوية في داخل القصيدة، وذلك بسبب تحكم التفعيلات والأنغام. وشطرًا فدوى اللذان نسخناهما مثال على ذلك.
إن وزن الشطرين كما يلي:
كانت سرابًا في سراب
مستفعلن مستفعلان
كانت بلا لون بلا مذاق
مستفعلن مستفعلن فعولْ
وعلى هذا فإن ضرب الشطر الأول ليس هو كلمة "سراب" كما تتوهم فدوى وإنما هو قولها "بًا في سراب" الذي يساوي التفعيلة "مستفعلان" وأما ضرب الشطر الثاني فهو كلمة "مذاق" وحدها لأنها تفعيلة كاملة
[ ١٨١ ]
إن موقع كلمة "مذاق" من التفعيلة "فعول" ليس هو موقع "سراب" من تفعيلتها "مستفعلان" وهذا يجعلهما مختلفتين بحيث لا يصح أن تتجاورا هنا وليستا قافيتين. ولقد كررت فدوى هذا الخطأ مرارًا في قصيدتها فقالت في أولها:
تحبني صديقي المقرب الأثير
أحبه يظل نسمة رخية – العبور
فكانت "الأثير" تفعيلة كاملة بينما بقيت "العبور" جزءًا من تفعيلة وجعلهما ذلك مختلفتين بحيث لم تشكلا قافية.
وهذا الخطأ، كسابقه، مألوف في الشعر الحر الذي يكتبه غير فدوى من الشعراء. ففي عين عدد "الآداب" الذي نشرت فيه قصيدة فدوى، قصيدة مضطربة الوزن، عنوانها "الممثل" كتبها مجاهد عبد المنعم مجاهد، وجاء فيها من نماذج الخلط بين الوحدات المتشابهة ظاهريًّا كثير، قال:
وعندما انتهيت من كتابته
أحسست أنني أموت في نهايته
ووزن الشطرين كما يلي
مستفعلن مستفعلن مستفعلن
مستفعلن مستفعلن مستفعلن فعل
إن قافية الشطر الأول هي كلمة "كتابته" كلها، وأما قافية الشطر الثاني فهي مقطع "يته" التي هي جزء من كلمة نهايته. وقد كان يستطيع أن يضع الكلمة الكاملة قافية لو قال مثلًا:
أحسستني قد مُت في نهايته
ومن يقلب قصائد الناشئين الحرة يجد كثيرًا من هذا الخلط المؤسف
[ ١٨٢ ]
بين الوحدات، وهو خلط ترفضه الأذن الشعرية المرهفة، كما يرفضه الناظم العروضي الممرن الذي أحسن درس العروض، فلا الموهوب يقبله ولا العارف بالعروض. أقول هذا مع تقديري لشاعرية مجاهد عبد المنعم.
والحقيقة التي لا ينبغي أن تفوتنا أن الخلط بين الوحدات المتساوية شكلًا ليس إلا جزءًا من الخلط بين التشكيلات. إن شطري فدوى ينتمي كل منهما إلى تشكيلة لأن "مستفعلن مستفعلان" تختلف كل الاختلاف عن "مستفعلن مستفعلن فعول" كما سبق أن شرحنا في موضوع التشكيلات، وكان على الشاعر، ومثلها الشاعر، أن تختار إحدى التشكيلتين وتجري عليها في القصيدة كلها وبذلك تكون الوحدتان "سراب" و"مذاق" المتساويتان في الشكل، متساويتين عروضيًّا أيضًا لوقوعهما في المكان عينه من التفعيلة. والأمر كذلك بالنسبة للكلمتين "كتابته" و"نهايته".
وفي ختام هذه الفقرة من بحثنا أحس القارئ يسألني: لماذا لم يقع أسلافنا الشعراء في مثل هذا الخلط بين الوحدات؟ ولماذا عرف هذا الداء في عصرنا؟ والجواب أن الشعر الحر أصعب من الشعر ذي الأشطر المتساوية. لأن التساوي كان يضطر الشاعر إلى أن يورد عين التفعيلات في كل شطر. فإذا بدأ القصيدة: مستفعلن مستفعلن فعول.
فإذا هذا يبقى طولًا ثابتًا لكل شطر تالٍ، فلا يستطيع الشاعر أن يخطئ. وأما الشاعر الحديث فإن ظروفه صعبة لأن من حقه أن يطيل الشطر ويقصره، وهذا يجعله أكثر تعرضًا للمزالق.
[ ١٨٣ ]