القسم الثاني.
الباب الأول: في فن الشعر.
الفصل الأول: هيكل القصيدة.
إذا كانت مفاهيم النقد الأدبي الحديث ترفض التمييز بين شيئين مثل "المضمون" و"الصورة" في الشعر، وتأبى إلا أن تعدهما شيئًا واحدًا لا يمكن تجزئته إلى اثنين، فإننا في بحثنا هذا مضطرون -ولو ظاهريًّا- إلى أن نعود إلى المفهوم القديم فنجزئ القصيدة إلى عناصرها الخارجية؛ لندرس العلاقات الخفية التي تربط بعض هذه العناصر ببعضها حتى تجعل منها ذلك النسيج الحي المتكامل الذي هو القصيدة. ولعلنا نحتاج إلى أن نذهب أبعد حتى من النظرة الدارجة فلا نكتفي بالتمييز بين المضمون والصورة، وإنما نميز أيضًا بين الصورة الوزنية الموسيقية التي تقوم على الأبيات والأشطر والتفعيلات، والصورة البنائية التي تستند إلى موضوع القصيدة. ومن دون هذا التمييز المبدئي الذي نريده في بداية بحثنا هذا لن نستطيع أن نشخص الأسس النظرية التي يطيعها الشاعر -غير واعٍ- وهو ينظم قصيدته.
وهكذا نجدنا نبدأ بتكسير القصيدة إلى عناصرها الرئيسية التي لا تزيد، في نظرنا، على أربعة:
[ ٢٣٣ ]
١- الموضوع، وهو المادة الخام التي تقدمها القصيدة.
٢- الهيكل، وهو الأسلوب الذي يختاره الشاعر لعرض الموضوع.
٣- التفاصيل، وهي الأساليب التعبيرة التي يملأ بها الشاعر الفجوات في أضلع الهيكل.
٤- الوزن، وهو الشكل الموسيقي الذي يختاره الشاعر لعرض الهيكل.
وسوف يلوح لنا، كلما أمعنا في دراسة هذه العناصر مجزأة، أن بينها ترابطًا خفيًّا لا يمكن فصمه، وأن القصيدة ليست إلا هي كلها مجموعة. ومع أننا سنحرص على أن نقول كلمة عابرة عن الموضوع والتفاصيل والوزن، إلا أن هذا البحث مكرس لدراسة الهيكل وحده، والحق أنه أهم عناصر القصيدة، فهو العمود الذي ترتكز إليه العناصر الأخرى كلها.
[ ٢٣٤ ]