رأيت أكثر الناس اختدعوا بالمثل الذي يضرب وهو: الخمر دواءقللخُمار، فأتبعوا السُّكر فعرضت لهم أمراض صعبة، فإن فعل ذلك قومٌ وسَلموا من الأمراض لِقوة أبدانهم وصحة أعصابهم، فإنَّ ذلك غير مخرجهم من الخطأ في فعلهم.
قال بعضهم:
داوِ الخمار بخمرة الكأس المشعشعة العُقارِ
لو خامرت عقل العُزير لزلَّ عن ظهر الحمارِ
وشرب رجلٌ عند خَمَّارٍ نصراني أيامًا فأصبح ميتًا فاجتمع عليه الناس وقالوا: قتلته، قال: لا والله، ما قتله إلا قوله: وداوِ بالخمر الخُمارا، واستعماله قول الشاعر:
وكأس شربت على لذةٍ وأُخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤٌ أتيت الفتوَّة من بابها
وقال الفرس: بالخمر تُدفعُ الخمرُ، وشبَّهت المكثر منها بدود الخلِّ لا يحيا إلا فيه ولا ينتفع إلا به. قال أبو نواس:
اشرب الخمرَ العُقارا وانفِ بالخمر الخمارا
واسقنيها من سُلافٍ تدع الليل نهارا
قال الرازي: أعظم علاج الخمار النوم والحمّام، فمن أصابه عليه غثيان وتقلب، شرب اسكنجبين بالماء الفاتر، واستعمل القيء مرارًا، فإن اصابه صُداع صبَّ على رأسه ماء ورد بكافور وشرب الجُلاَّب وأكل الرُّمان الحامض. ومن أصابه على الخمار بهتةٌ وبلادة استعمل التَّعب ثم دخل الخمام ليعرق، ومن أصابه طيشٌ وهذيان شرب شرابًا كثير المزاج وغرَّق رأسه بدهن البنفسج وغَسَل أطرافه بالماء الفاتر وطلب النوم. ودواء الخمار العسِر البطيء الطويل شربُ اليسير من الشراب الكثير المزاج.
وبالجملة إن الشراب صرفًا في الشتاء أنفع من الممزوج، وكذلك الممزوج في الصيف أنفع من الصِّرف، غير أنه لا ينبغي أن يتعرض له من به صُداع أو ضعفٌ في الدماغ والعصب والعين أو حدَّة في الكبد، ومن تسرع إليه الحميات؛ قال أبو نواس:
[ ٩٩ ]
وندمانٍ ترادفه خُمارٌ فأورث في أنامله ارتعادا
فليس بمستقلِّ الكأس مالم تكن يسراه لليمنى عمادا
وقال:
وندمانِ صدقٍ باكرَ الراح سُحرةً فأضحى وما منه اللسان ولا القلبُ
فناولته كأسًا جلت من خُمارِهِ وأتبعته أُخرى فثاب له لُبُّ
وقال الصنوبري:
ما دواء العقار [غير] العُقارِ لعليلٍ يُدعى قتيلَ الخُمارِ
فاشرب البكر من يد البكر واعلم أن خير الهوى هوى الأبكارِ
واصطبحها على ميادين خيريٍّ ووردٍ ونرجسٍ وبَهارِ
جمعت زرقة البنفسج مع خضرة آسٍ وحمرة الجُلنارِ
وقال عبد الله بن المعتز:
قُم يا نديمي قد قضيت لُبانةً في طول ليلِك من رقادك فاقعُدِ
فتداوَ من داءِ الخُمار بشُربةٍ تنفي الهمومَ وإن بدا لك فازددِ
قلت: الصبوح، فقال: هاتِ، [فقلت] ها خذها، فقال: أبت تطاوعني يدي وقال آخر:
وصرعغة مخمورٍ دفعتُ بقرقَفٍ وقد صرعتني بعد ذلك قرقَفُ
فقام يداوي صرعتي متعطِّفًا وكنتُ عليه قبلها أتعطَّفُ
نموت ونحيا تارةً بعد تارةٍ وتخلفنا لأأيدي السقاة وتتلفُ
وقال ابن أبي فنن:
لما بدا من أواخر الغلَس أقبل صُبح كغرَّةِ الفرس
نبهتُ ندماني إلى مسعدٍ زين بكاسٍ كشعلة القبس
فقلت خذ من أخيك صافية أطيب من نيل قبلة الخَلسِ
فقام من شدة الخمار له كف فروقٍ وقلب مفترسِ
وقال بعضهم:
إذا أنا ميزت الخمارَ وجدته يكدِّرُ ما في الخمر من لذَّة الخمر
فأحجم عن شرب النبيذ مخافة على جسدي من أن يئول إلى الضُّرِّ
وإن امرءًا يبتاع لهوًا بصحةٍ له سكرةٌ تغنيه عن طلب السُّكر