[ ٢٠ ]
كان مطيع بن إياس الليثي، ويحيى بن زياد الحارثي وحمّاد الراوية وحمّاد عجرد، يجتمعون على الشراب ولا يكادون يفترقون وكان لأبي الأصبع جارية وكان له عدة قيان غيرها، وكان فتيان الكوفة يألفون منزله وينفقون عنده، وكان هؤلاء الأثدباء الذين سمينا يغشون منزله لجارية له يقال لها مولدة صفراء حسنة الوجه، طيبة الغناء، بارعة الظرف والأدب، وكان لأبي الأصبع ابن يقال له الأصبع، لم يكن بالعراق أحسن منه وجهًا، يتعشقونه فلا يقدرون عليه، وكان يحيى بن زياد كثير الإفضال على أبي الأصبع، وعزم الأصبع، على أن يصطبح يومًا مع يحيى بن زياد؛ فأهدى إليه يحيى جداءً ودجاجًا وفراخًا وفاكهةً وشرابًا وقال أبو الأصبح لجواريه: إن يحيى يزورنا فأصلحن له ما يشبه مثله، فلما فرغ من الطعام لم يجد رسولًا يبعث به إليه لأنه وجه بغلمانه في حوائجه فوجه ابنه الأصبع فقال له لا تبرح أو يجيء معك، فلما جاء أصبع قال للغلام ادخله إليَّ، وتنح أنت واغلق الباب فإن أراد اصبع الخروج فامنعه، فلما دخل إليه اصبع وأدى الرسالة راوده عن نفسه فامتنع فثاوره يحيى فصرعه، ورام حلَّ تكته فلم يقدر على ذلك فقطعها وناكه فلما فرغ أعطاه أربعين دينارًا، وكانت عنده تحت مصلاته فأخذها وقال له يحيى: امضِ وأنا في أثرك، فخرج اصبع من عنده، فاغتسل يحيى وجلس يتزين ويتبخر، فدخل إليه مطيع فرأى ما هو فيه فقال له: كيف أصبحت فلم يجبه وشمخ بأنفه وقطب حاجبيه وتعظم وتفخم فقال له: أراك تتبخر وتتزين فإلى أين عزمت، فلم يجبه وازداد قطوبًا، فقال له ويحك مالك؟ نزل عليك الوحي؟ كلمتك الملائكة؟ بويع لك بالخلافة، وهو يومئ برأسه، لا لا، فقال له: ما خبرك، قد بهتَّ فلا تتكلم، كأنك والله قد نكت الأصبع، قال أَي والله، الساعة نكتهُ وأعطيته أربعين دينارًا، قال: فإلى أين تمضي، قال: إلى دعوة أبيه، قال مطيع: فأمرأته طالق ثلاثًا إن فارقتك أو أُقبل ايرك فأبداه له يحيى حتى قبله، ثم قال: كيف قدرت عليه، فحدثه حديثه، وقام فمضى إلى منزل أبي الأصبع فأتبعه مطيع، فقال: ما تصنع معي والرجل لم يدعُك، وإنما يريد الخلوة معي، قال: أُشيعك إلى بابه، ونتحدث فمضى معه، فدخل يحيى ورد الباب في وجهه، فصبر مطيع ساعةً ثم دق الباب واستأذن، فخرج إليه الرسول وقال له: أنا عنك مشغول اليوم في شغلٍ لا أتفرغ معه لك فتعذر، قال: فابعث إلي بدواةٍ وقرطاسٍ فكتب إلى أبي الأصبع:
يا أبا الأصبع لا زلت على كل حالٍ ناعمًا متبعًا
لا تصيرني في الود كمن قطع التكة قطعًا شنعًا
وأتى ما يشتهي لم يثنه خيفة أو حفظ حقٍ ضيعا
لو ترى الأصبع ملقى تحته مستكينًا خجلًا قد خضعا
وله دفع عليه عجلٌ شبقًا، ساءَك ما قد صنعا
فادع بالأصبع فأعرف حاله سترى أمرًا قبيحًا فظعا
قال، فقال أبو الأصبع ليحيى: فعلتها يا ابن الزانية، قال لا والله، فضرب بيده على تكة ابنه فوجدها مقطوعة، فأيقن بالفضيحة، فقال يحيى: قد كان الذي كان، وسعى (بي) إليك مطيع ابن الزانية، وهذا ابني وهو والله أفره من ابنك وأنا عربي ابن عربية وأنت نبطي ابن نبطية، فنك ابني عشر مراتٍ، مكان المرة الواحدة التي نكت ابنك، فتكون قد ربحت الدنانير والواحدة بعشرٍ، فضحك أبو الأصبع وضحك الجواري، وقال لأبنه: هات الدنانير يا ابن الفاعلة فرمى بها إليه وقام خجلًا، فقال يحيى، والله لادخلَ مطيعٌ الساعي ابن الزانية، قال أبو الأصبع وجواريه، والله ليدخلن إلينا، فقد نصحنا وغششتنا، فادخل وجلس وشرب معهم، ويحيى يشتمه بكل لسان وهو يضحك.
وكانت لبربر المدنيو جارية يقال لها جوهر أحسن الناس وجهًا وغناءً وأتمهم وأكملهم في كل فن، فتنت العالمين وعشقها أكثر فتيان ذلك العصر، وقال فيها الشعراء الأشعار فأكثروا فيها، يقول فيها مطيع ابن إياس:
بيضاء واضحة الجبين كأن غرتها نهار
تشفي بريقتها السقيم كأن ريقتها العُقارُ
القلبُ قلبي وهو عند الهاشمية مُستعارُ
[ ٢١ ]
وكان لمطيع بن إياس خاصةٌ يهيم بها، فحكى الهيثم بن عدي قال: اجتمع حماد الراوية، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد، وحكم الوادي يومًا على شراب لهم في بستان بالكوفة، وذلك في زمن الربيع ودعوا جوهر جارية بربر فقال مطيع في ذلك:
حرجنا نجتني الزهرا ونجعل سقفنا الشجرا
ونشربها معتقةً تخال شعاعها الشررا
و(جوهر) عندنا تحكي بِسُنةِ وجهها القمرا
يزيدك وجهًا حسنًا إذا ما زدته نظرا
لها لونٌ كلون الورد لو قطرته قطرا
وغنى فيه حكم الوادي لحنًا خفيفًا شربوا عليه بقية يومهم وثلاثة أيام متوالية وجوهر بينهم، فقال لهم يحيى بن زياد: ويحكم لنا ثلاثة أيام سكارى لا نعقل ولا يصلي أحدٌ منا، قم يا مطيع فأذن، وقالوا: من يصلي بنا، فكلما ذكروا رجلًا أبى، فقال مطيع: عليَّ وعليَّ إن صلى بنا غير جوهر، تقدمي صلي بنا حتى تكون صلاتنا عجبًا بين الصلوات، فقالت: كيف تصلي امرأة برجال، قالوا: أنت لم تشربي كما شربنا، فتقدمت وهي تضحك، وصلت بهم، فلما سجدت بان فرجها من تحت غلالتها وكانت رقيقة، فوثب مطيع فقبله وقامت الجارية خجلة وجعلت تشتمه وضحك القوم وعادوا إلى شرابهم فقال مطيع في ذلك:
ولما بدا حِرُها جاثمًا كرأس حليقٍ ولم يعتمر
خررت عليه فقبلته كما يفعل العابد المعتمر
فزاد شتمها له والقوم يضحكون منه، وفيها قول مطيع:
يا بأبي وجهك من بينهم فإنه أحسن ما أبصر
جارية أحسن من حليها والحلي فيه الدرُّ والجوهر
وريحها أطيبُ من طيبها والطيب فيه المسك والعنبر
جاءت بها (بربر) حتفًا لنا يا حبذا ما جلبت بربر
كأنما ريقتها قهوةٌ صُب عليها البارد الأخصر
وشرب دعبل بن علي وصاحبان له في قرية يقال لها " بطياثا " فقالوا: ليقل كل واحدٍ منا بيتًا في يومنا هذا، فقال دعبل:
نلنا لذيذ العيش في بطياثا
وقال الآخر: لما حثثنا كأسنا احتثاثا وارتج على الآخر فلم يقدر أن يقول شيئًا فاستحيا، فقال:
وامرأتي طالقةٌ ثلاثا
فقالوا: ويحك وما ذنب امرأتك، قال والله ما لها ذنبٍ إلا أنها قعدت على طريق القافية.
وكانت بالمدينة جارية من مولداتها يقال لها (بصبص) أحسن الناس وجهًا وأطيبهم غناء، أخذته عن معبد والغريض وغيرهما من طبقتهما، وكان مولاها يحيى بن نفيس يُقين عليها وكان الأشراف يهدون إليه وينفقون عنده، فاجتمع عنده جماعة منهم فتذاكروا أمر مزيد وبخله، فقالت بصبص: أنا آخذ لكم من دراهمه فقال مولاها: أنت حرة، لئن فعلت، إن لم أشتر لك عقدًا بمائة دينار وأجعل لك مجلسًا بالعقيق أنحر فيه بدنةً لم تُقنب ولم تُركب، فقالت: جيء به وارفه الغيرة عني، قال: أنت حُرة، لامنعته ولو رأيته بين رجليك إن خلصتِ درهمًا، فقال عبد الله بن مصعب الزبيري، أنا لكم به، قال عبد الله: فصليت الغداة في مسجد رسول الله ﷺ وإذا به قد أقبل فقلت يا أبا إسحق، أما تحب أن ترى بصبص فقال: بلى قلت فإذا صليت العصر، فأنني هاهنا، قال امرأته طالق إن برح يومه هذا من هاهنا إلى العصر، قال فتصرفت في حوائجي حتى كانت العصر فدلت المسجد فوجدته بمكانه، فأخذت بيده وأتيتهم به، فأكل القوم وشربوا حتى صليت العتمة ثم تساكروا وتناوموا وأقبلت بصبص على مزيد فقالت: أبا اسحق، كأني بك تشتهي في نفسك الساعة أن أغنيك بصوت الغريض في شعر جميل.
ألا ليت أيام الصباء جديد ودهرًا تولى يا بثين يعود
فنغني كما كنا نكون وأنتم صديق وإذ ما تبذلين زهيد
فقال: امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في اللوح المحفوظ، فغنته إياه ساعة ثم قالت: يا أبا إسحق كأني في نفسك تشتهي أن تقوم من مجلسك فتجلس إلى جنبي وتدخل يدك في جلبابي فتقرص عكني قرصات وأغنيك بقول عروة بن أذينة.
قالت وابثثتها شجوي فبحتُ به قد كنت عندي تحب الستر فاستترِ
ألست تبصر من حولي فقلت لها غطي هواك وما ألقى على بصري
[ ٢٢ ]
فقال: امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في الأرحام، وما تكسب الأنفس غدًا وبأي أرض تموت، قالت نعم. فقام فجلس إلى جانبها، وأدخل يده في جلبابها وقرصها وغنت له، ثم قالت: برح الخفاء، أنا أعلم أنك تشتهي تقبيلي شق التين،اغنيك هزجًا.
أنا أبصرت بالليل غلامًا حسن الدلِّ
كغصن البان قد أصبح مسقيًا من الطل
فقال: امرأته طالق إن لم تكوني نبية مرسلة، فقبلها وغنته ثم قالت له: إيه: أبا إسحق، أرأيت قط أنذل من هؤلاء، يدعونك ويخرجونني إليك ولا يشترون لنا بدرهم ريحانًا، يا أبا اسحق، هاتِ درهمًا نشتري به ريحانًا، فوثب وصاح، واحرباه أي زانية، أخطأت استك الحفرة، انقطع والله عنك الوحي الذي كان يوحي إليك، وتركها وجلس ناحية، وعطعط بها القوم وقالوا لم تنفذ حيلتكِ عليه وجددوا مجلسهم، ولم يعد إليها بعد ذلك.
كانت سلاَّمة الزرقاء جارية ابن رامين، مولى بشر بن مروان، أحسن الناس وجهًا وغناءًا، من ساكني الكوفة، وكان ابن رامين مولاها يقين عليها، وينفق الناس في منزله الرغائب، وكان ممن يغشاها من الأشراف، روح بن حاتم المهلبي ومعن بن زائدة الشيباني ونظراؤهما، وكان محمد بن جميل يهواها وتهواه فقال لها: إن روح بن حاتم قد ثقل علي، قالت: وما أصنع وقد غمر مولاي ببره، فقال: احتالي له، فبات عندهم روحٌ ليلةً من الليالي فشرب، فلما سكر ونام أخذت سراويله فقالت: غسلته، فظن أنه قد أحدث فيه فاحتيج إلى غسله، فأستحيا من ذلك فانقطع عنها وخلا وجهها لبن جميل.
وحكى حماد بن اسحق عن أبيه قال: حدَّثني عبد الرحمن بن مُقرن، قال: أتيت ابن رامين يومًا فاستأذنت عليه فقال: قد سبقك روح بن حاتم، فإن كنت لا تحتشم منه فهلم، فدخلت، وخرجت إلينا الزرقاء في ثوبين موردين، والله لكأن الشمس طالعةٌ من قرنها إلى قدمها، فغنتنا ساعة، ثم جاء الخدم الذين يستأذنون عليها، وكان الإذن إليها، لا إلى مولاها، فقالوا: يزيد بن عون العُبادي الصيرفي، الملقب بالماجن، بالباب، قالت: ادخله، فأدخل فلما استقبلها سجد لها ثم أقعى بين يديها، قال فتبينت والله فيه الوجد بها، وزاد حتى ظهر لنا ولمن حضر، وكان من أحسن الناس وجهًا، وأشكلهم فأقبلت عليه بغنائها ومُزاحها، ثم أدخل يده في كمه فأخرج درتين ما رأيت مثلهما، ثم قال: أنظري يا سيدتي إليهما جعلت فداكِ، وقال: والله لقد نقدت أمس فيهما أربعين ألفًا؛ قالت: وما أصنع بهما وما عليَّ من ذلك، ثم غنته صوتًا كان يشتهيه عليها، وأقبلت عليه وقالت: يا ماجن هبهما لي، قال: إن شئت والله فعلت، قالت: قد والله شئت، قال: أن تأخذيهما بشفتيك من بين شفتي، قال فأراد روح البطش به، فقلت له: ألك في منزل القوم حقٌ أو لك في رقِّ الجارية ملك، لو كان هذا يُنكر عندهم لأنكره مولاها، وها هو حاضرٌ، وإنما يتكسبون بما ترى، فإن كان لك في عشرتهم حاجة، فأمسك، قال: فعَلِم أني قد صدقته فأمسك، قال: وسمع ابن رامين قولهما فقام كأنه يبول، فقالت له الزرقاء، هاتِهما، فزحف إليها وجثا بين يديها وهما بين شفتيه، فلما ذهبت إليه تناولتهما بشفتيها، وهو يصد عنها يمينًا وشمالًا ليستكثر منها، ثم أخذتهما بشفتيها من فيه، وقبلها وقام فرجع وقد لااحمرَّ وجهُها ورشح جبينها عرقًا، حياءً منا، ثم تجلدت علينا وقالت: (المغبون في أسته عود) قال: أما أنا فوالله لا أبالي بهذا، ولا يزال طيبُ هذه الرائحة، والنسيمُ من فيك في فيَّ أبدًا ما بقيت.
واشترى الزرقاء هذه جعفر بن سليمان أمير البصرة فسألها ذات يومٍ: هل ظفر أحد قط ممن كان يهواك منك بخلوة أو بقبلة، فخشيت أن يكون بلغه ما فعلت مع الماجن، لأنه كان بِحضرة جماعةٍ، فقالت: لا والله، إلا يزيد بن عون العبادي، فأنه قبلني قبلة وأخرج من فيه درتين بأربعين ألف درهم فجعلهما من فيه إلى فيَّ فلم يزل جعفر يحتال له ويطلبه حتى وقع في يده فضربه بالسياط حتى مات.
وقال أبو الفرج الأصبهاني، حدثني جحظة قال: حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي قال: سمعت أبي يقول: كان، قبل أن يعلم الرشيد أني أغني ويسمعني، سمع حسنة وظلة، جاريتي المهدي عند أخته العباسة بنت المهدي وقد دعته إليها فغنتاه هذا الصوت وهما متراسلتان فيه:
ولقد طرقت البيت يُخشى أهله بعد الهدوِّ وبعد ما سقط الندى
[ ٢٣ ]
فوجدت فيه خريدة قد زُيِّنت بالحليِ تحسب أنه جمر الغضا
واللحن لابن محرز من الثقيل الأول فطرب عليه الرشيد وقال: أحسنتما والله فقالت له ظلة، والله لو سمعت أخاك إبراهيم يغنيه ما استحسنت غناء واحدةٍ منا، قال إبراهيم، ولي يومئذٍ اثنتا عشرة سنة، فقال: ابعثوا إليه فليحضر الساعة، فقالت له حسنة، لا تبعث إليه، فوالله لو أعطيته ملكك أو عرضت عليه السيف ما غنى بحضرتك، قال ولِم، قالت: لجلالتك في صدره وهيبته لك، قال لها فإني أسقيه النبيذ حتى يسكر ويزول عنه الحياء وأطلب منه الغناء، فقالت: لو كان يشرب لتم ذلك، فاكفف عنه حتى نحتال عليه، فلما كان بعد ايام، اصطحبت العباسة، وعندها حسنة وظلة، وبعثت إلي تدعوني، فجئتها وقُدم الطعام فأكلنا، ووضع الشراب فشربت، ثم عمدت إلى طاس ذهب فملأته بياقوت ولؤلؤ وزبرجد لا تُعرف قيمته كثرةً، ثم صبت عليه نبيذًا وقالت لي: فدتك أُختُك، إشرب هذا الكأس، وكل ما فيه من الجوهر فهو لك، فغضبت وتداخلني أمرٌ عظيم، وقلت لها، قد والله كنت عزمت على أن أشرب النبيذ في هذه الأيام، ولو سألتني أن أشربه بغير عوض لفعلتُ، فأما إذ جعلتني فيمن يشربه برشوة، فأُم محمد بنت صالح طالق إن شربت النبيذ إلى سنةٍ، وقمت مغضبًا من عندها، وبلغ الرشيد ذلك وكان متعلق القلب بقصتي، فغمَّةُ ذلك وغلظ عليه وفسد قلبه عليَّ، وأظهر إعراضًا عني، وتغير عليَّ، فساءني ذلك وقلت لأُختي عُلية، أما النبيذ فلا حيلة فيه سنتي هذه، ولكن ادعيني واشربي، فإذا سألتك أن تغني، فقولي على شريطة أن تغني لي فإني أُجيب، وابعثي إلى أمير المؤمنين فعرفيه حتى يجيء إليك فيكون بلوغُهُ ما أراد عندك، لا عند العباسة، ففعلت واصطحبت ودعتني وغنّى جواريها فقلتُ لها: يا أُختي غمي لي صوتًا فقالت: على أن تغني أنت، قلت نعم، قالت وحياة أمير المؤمنين، وتربة المهدي أنك لا تغدر بي، فحلفت لها، فغنت، ثم أخذتُ العود فغنيتُ، وبعثتُ إلى الرشيد فجاء مستخفيًا حتى وقف، وغمزتني فغنيت الصوت الذي بلغه، فلما سمعه لم يتمالك أن هجم عليَّ وقال: أحسنت بأبي أنت، أحسنت فديتك، هذا عندك وأنت تستره عنيّ، وضمني إليه وأجلسني في حجره، وأمر لي بعشرة آلاف دينار وكسوة وطيب بمثلها، فحُمل ذلك من ساعته إلى منزلي وجلس يشرب والجواري يغنين وقمت قائمًا، فأخذت العود فغنيت فأمرني بالجلوس، وقال لا تُغنِّ، فديتك، إلا إذا شئت ونشطت، ولم يزل يبسُطني حتى أنستُ، ولم يكن بعد ذلك يسمعني إلا منفردًا بسماعي، ثم أقسم عليَّ أن يشركه في ذلك جعفر بن يحيى ولا يسألني بعده أن يسمعني أحدٌ، فأجبته على كرهٍ مني، ولم أجبه إلا لما بيني وبينه وبين جعفر: فهذا كان سبب سماعه إياي.
وكانت لأُم جعفر زبيدة، جارية من مولدات القصر اسمها، نهار، أحسن الناس وجهًا وغناءً وكان مخارق يتعشقها، فبلغ ذلك زبيدة، فرفضته ومنعته أن يمر ببابها وكان كَلِفًا بها مغرمًا، فينا هو ذات ليلة قد انصرف من دار المأمون، إذ مر بباب أُم جعفر وهي تشرف على دجلة، فلما حاذى دارها ورأى الشمع يزهو، وقف وسط دجلة بحيث يعلم أنها تسمع صوته وغنَّى:
إن تمنعوني مَمَرِّي عند داركمُ فسوف أنظر من بعدِ إلى الدار
سيما الهوى عرفت حتى شُهرتُ بها إني مُحبٌ وما بالحب عارِ
ما ضرَّ جيرتكم، والله يُصلحُهم لولا شقائي، بإقبالي وإدباري
لايقدرون على منعي وإن جهدوا إذا مررتُ، وتسليمي بإضماري
فقالت أُم جعفر، مخارق والله، ردوه فصاحوا بملاحِهِ؛ قدم، فقدَّم، وأمر الخدم بالصعود فصعد، وأمرت له أم جعفر بِتُكأَة وصينية فيها نبيذ، وخلعت عليه خلعة حسنة وأمرت الجواري فغنين له، ثم أمرته أن يغني، فأول صوت غناه:
أغيب عنك بودٍ لا يغيرهُ نأَىُ المحلِّ ولا صرف من الزمنِ
فإن أَعِش فلعل الدهر يجمعنا وإن أمت فبطول البث والحزنِ
فاندفعت نهار في تمام الشعر مجيبة له فغنت:
تعتل بالشغل عنَّا لا تكلمنا والشغل للقلب ليس الشغل للبدنِ
قد حسَّن الله في عيني ما صنعت حتى أرى حسنًا ما ليس بالحسن
[ ٢٤ ]
ففطنت أُم جعفر لهما، وأنهما تراسلا بما في نفوسهما، فضحكت وقالت: ما سمعت بأملح مما صنعتما، هي لك يا مخارق، انصرفي، في حفظ الله، مع مولاكِ بجميع مالك عندنا، فقبلا الأرض بين يديها وقاما فانصرفا.
وهذه الأبيات للعباس بن الأحنف، واللحن لمخارق رمل.
قال الجُمحي: خرج الأخطل وصاحب له إلى نزهة وحملا سُفْرةً وزُكرة وجَلسا بين غدير وروضة فبينما هما على ذلك من شرابهما إذ طرأ عليهما طارئٌ لا يعرفانه فجلس إليهما وثقَّل عليهما فقال الأخطل:
وليس القذا بالعود يسقط في الإنا ولا بذباب خطبُهُ أَيْسَرُ الأمرِ
ولكنَّ شخصًا لا تُسرُّ بقربه رمتنا به الأقدار من حيث لا ندري
فلما سمع ذلك نهض وتركهما.
ولما مات أو محجن الثقفي، وقف رجل على قبرِهِ فقال: يرحمك الله لقد كنت قليل المِراءِ، جيد الغناء غير نعاسٍ ولا حباسٍ للكأس.
وقال أبو بكر بن الأنباري، كان العباس بن علي عمّ المنصور يأخذ الكأس بيده، ثم يقول: أما النفس فتُسخِّين، وأما القلب فتشجعين، وأما الهم فتطردين، أفتراك مني تفلتين، ثم يشربها ويميل على جنبه.
وذكر سليمان بن سهل بن نوبخت قال: مرّ بي أبو نواس في غداة يومٍ من أيام الربيع وقد أتت السماءُ بطشٍّ ورذاذ فقال:
ما مثل هذا اليوم في طيبه عُطِّلَ من لهوٍ ولا ضُيعا
فما ترى فيه، وماذا الذي تُحبُّ هذا اليوم أن نصنعا
هل لك أن تغدو على قهوة تسرعُ في المرء إذا أسرعا
ما وجد الناسُ ولا جربوا للهمِّ شيئًا مثلها مَدفعا
قال؛ فقلت: ما كان ليُساعدني على مثل هذا إلا مثلك، فأقِم، فهاهنا ما يُصلِحُكَ، فأقام، فمرَّ لي من محادثته وإنشاده أطيبُ يومٍ وألذه.
وحكى محمد بن بشر قال: كان أبو نواس وهو غلام معي في مجلسي فحمل عليه النبيذ فانصرف بعد أن جهد به كل من في المجلس أن يقيم عندهم، فأبى وخرجتُ فاعتمد عليَّ يسقط مرِّة ويقوم أخرى ويقول في شدة سكره:
قد كنت في منزل رُحابِ لكن أتت شِرَّةُ الشباب
وشقوة تنحت الرواسي جاءَ بها نازِلُ الشراب
قال: فجئت به إلى منزلي فنومته، فلما كان في الليل أتيته فحدثته بالحديث وأنشدته البيتين. وروى المدائني قال: بينما إبرهة بن الصبّاح الكندي عند عبد العزيز بفتيةٍ من أهل الشراب لهم جمال ومناظر، قد أُخذوا على شراب لهم، فأمر عبد العزيز أن يضربوا بالسياط، فقال ابرهة: نشدتك الله أيها الأمير أن لا تفضح مثل هؤلاء الفتيان بمصرِنا، فقال عبد العزيز: إن الحق في هؤلاء وفي غيرهم واحد، فقال ابرهة، يا غلام، أصبب من شرابهم في القدح وأدنه مني، فصبَّه ثم ناوله فشمَّهُ ثم شربه وقال: أصلح الله الأمير، ما نشرب في بيوتنا على غذائنا إلا من هذا، فقال عبد العزيز: أطلقوهم، فلما خرج ابرهة قيل له، أشربت الخمر، فقال الله يعلم أني ما شربتها صحيحًا ولا تعالجت بها سقيمًا قط، ولكني كرهت أن يفضح مثل هؤلاء الفتية في بلدةٍ أنا فيها.
ونزل بأبي عطاء السندي ضيف فبرّه وأكرمه وسقاه خمرًا فلما عملت فيه جعل يعرض لامرأة أبي عطاء ويومئ إليها بعينه، فقال أبو عطاء:
كل هنيئًا وما شربت مريئًا ثم قم صاغرًا فغير كريم
لا أحب النديم يومئ بالطرف إذا ما انتشى لعِرسِ النديم
ونزل آخر برجل، فأحسن ضيافته فتعرضت للضيف امرأة صاحب المنزل فخرج مسرعًا وقال:
رب بيضاء كالمهاةِ تهادى قد دعتني لوصلها فأبيتُ
لم يكن بي تحرُّجٌ غير أنيّ كنتُ ندمان زوجها فاستحيت
وأصاب آخر مثلُ هذا فقال:
سأترك ما أخاف عليَّ منه فعالَ السوء عمري ما حيِيتُ
ولا والله لا ألفى بليلٍ أراقب عِرس جاري، ما بقيتُ
أبى لي ذاك آباءٌ كرامٌ وأجدادٌ بمجدهمُ رُبيتُ
وفي خلاف هذا يقول عبد الرحمن بن أم الحكم:
وكأس ترى بين الإناء وبينها قذى العين قد نازعت أُمَّ أَبانِ
ترى شاربيها حين يغتبقانِها يميلان أحيانًا ويعتدلانِ
[ ٢٥ ]
دعتني أخاها بعد ما كان بيننا من الأمر ما لا يفعلُ الأخوانِ
فما ظنُّ ذا الواشي بأبيضَ ماجدٍ وبيضاء خودٍ حين يلتقيان
ودخل بعض الأدباء مجلسًا فرأى فيه نبيذًا حسنًا للأكابر، ونبيذًا دونه لقومٍ دونهم فقال:
نبيذان في مجلس واحدٍ لإيثار مُثرٍ على مُعسِرِ
فلو كنت تَفعلُ فعلَ الكرامِ فعلت كفِعل أبي البختري
تتبع إخوانه في البلاد فأغنى المقلَّ عن المكثر
فبلغت الأبيات أبا البختري فبعث إليه خمسة آلاف درهم.
وكان لأبي البختري إخوان يغشونه ولا يكادون يفارقونه فلما وُلي القضاء، شَغِل عنهم فقاطعوه، وجعلوا يسبونه ويقعون فيه وينسبونه إلى قلة الوفاء، فلما عُزل وجَّه إليهم فأحضرهم وقال: كأني بكم وقد أخذتم عليَّ في اشتغالي عنكم ونلتم مني إذ جفوتكم، وقد رجوتم نفعي فأسأتم بي ظنًا، قالوا: قد كان ذلك، فقال: والله ما قطعتكم إلا نظرًا لكم وتوفيرًا عليكم، وأمر بإحضار ما اجتمع له أيام عمله من أرزاقه وصلاته، فأُحضرت أكياسٌ فيها عشرة آلاف دينار فقسمها فيهم وأخذ منها مثل ما صار إلى أحدهم وعادوا إلى ما كانوا عليه من المؤانسة.
وفي مثل الأبيات الأُول:
رأيت نبيذين في مجلسٍ فقلت لصاحبنا ما السبب
فقال الذي نحن في بيته يُفضل قومٌ بسوء الأدبْ
وكان المعروف بأبي هريرة المصري، من أهل الحديث والأدب، ظريفًا مليحًا، مُملقًا في حداثته وإنما معاشُهُ من النسخ، قال: فكنت أوانَ الربيع إذا أخذت الأرض زُخرفها، وازينت أخرج متنزهًا إلى بركة الحَبَش، في خُفي بلنسية فيها شراب وفي كُمي منديل نظيف فيه أوساط وكتاب أُنادمه، وأجلو بصري على ذلك الماء الرقيق والروض الأنيق إلى أن تصوب الشمس للغروب فانصرف إلى منزلي وأنا ثمل، فانصرفت عشية، فإذا بفارس خارج من مصر لا يتبين منه غير عينيه، فسلم وقال: من أين أقبل الشيوخ، فقلت في نفسي، أَجُنَّ الرجل، ومن الذي يرى معي، والتفتُّ فإذا ذَودٌ من تيوس يسوقها راعٍ، فقلت: حضرنا نكاح الوالدة حفظها الله، فضحك حتى كاد يسقط من سرجه، فلما كان بعد أيام يسيرة لقيني الأمير بُكير في موكبه، فقال لبعض غلمانه، ألِحقني بالرجل فأرتعت لذلك روعًا شديدًا، فلما دخلت عليه، إذا بين يديه كيس فيه ثلاثة آلاف درهم، فقال لي: هذا حق حضور ذاك النكاح فغلمت أنه هو الذي لقيني.
وخرج أبو هريرة هذا إلى (دَيْهور) مع إخوان له يشربون فسكروا وناموا، وأتى حمار أبي هريرة وقد عطش إلى جفنة مِزر فشرب حتى سَكِر ورقد، فاستيقظ أصحابه فوجدوه لا يقدر على النهوض، فأرادوا أن يركبوه الحمار سكران، فأكثروا جملًا وعادَلُوا بينه وبين حماره، ودخلوا به فقرعوا بابه، وقالوا لإمه، خذي إليك النديمين فأنهما سكرا جميعًا.
ورُوي أن جعفر بن يحيى استأذن الرشيد في ليلة يخلو فيها، فأذن له، فوجَّه إلى كل من يتشوقه من أصحابه، وبعث إلى مسلم بن الوليد فلما صار إليه، قال له جعفر: أنشدني من شعك ما يشاكل ليلتنا هذه، فأني إنما خلوت لفرط صبابة بجارية لِنخَّاس تحكم عليَّ في ثمنها، ووالله ما يزداده ولكني أكره الخديعة، فقال: أصلح الله الأمير، لك أجل المراتب وأعلى الأمثال، وأنا أقول على قدري، وقد كانت لي ليلة مثل هذه فقلت فيها شيئًا، فدعني بخساسة عيشي واجعل وصفها لك فأنت أحقُّ به، فأنشده:
تحملتُ هجر الشادِنِ المتدللِ وعاصيتُ في حُبِّ الغواية عذَّلي
وما أبقت الأيام مني ولا الصِّبا سوى كبدٍ حَرَّى وقلبٍ مُقتَّل
وكنتُ نديم الكاس حتى إذا طغت تعوَّضتُ منها ريق أحورَ عيطل
نهاني عنها حبُّها أن أَسوءَها بلمسي فلم أفتِك ولم أَتبتل
أخذت لطرف العين منها نصيبه وأخليتُ من كفّي مكان المخلخَلِ
سقتني بعينيها الهوى وسقيتُها فدَبَّ دبيبَ الراح في كل مفصلِ
وما العيش إلا أن تبيت موسدًا ،صريع مُدامٍ، كفَّ أحورَ أكحلِ
وممكورة رَوْد الشباب كأنَّها قضيب على دعصٍ من الرمل أهيل
[ ٢٦ ]
خلوت بها والليل يقظان قائم على قدمٍ كالراهب المتبتلِ
فلما استردت من دجى الليل دولة وكاد عمودُ الليل بالصبحِ ينجلي
كررنا أحاديث الوداع ذميمة ليبلغ كلٌّ حاجةً، غير مُعجلِ
فلم نرَ إلا عبرةً بعد زفرةٍ مودعةٍ أو نظرةً بتأملِ
فقال له جعفر: والله لكأنك بلساني نطقت، وعن ضميري عبَّرت، فقال: أيها الأمير أن هذا الشعر لم يُنشر، فأجعله لك، قال: أنا إلى أن أنحلك مالي أحرى أن أنتحل شعرك وأمر له بمالٍ جليل.
وكانت البرامكة، ويزيد بن مزيد ومحمد بن منصور بن زياد يُفضلون عليه ويتفقدون من أحواله، فظهر ذات يوم، فلقي يزيد بن منصور الحميري بباب الرشيد فسلَّم عليه وسأله يزيد عن حاله، فخبرَّه أنه كان كاليائس من قرب الخليفة، وأن يُعد في مادحيه، فقال له: سيتأتى وصولك إلى الخليفة، بعد أن أُقرر عنده قرب نسبك، وتقدمك لسلفك، ودخل فأصاب الرشيد قد اشتمل عليه الفكر فقال له يحيى: ما بك يا أمير المؤمنين قال: الفكر في سُرعة تقضي الدنيا وأنَّ ما نحن فيه منها كالظل الزائل، فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين أتظن أن هذا شيء يحبس عنك الأيام، كان أنوشروان يقول: من أعظم الخطأ التشاغل بما لا يمكن دفعُهُ، وقال له سليمان بن أبي جعفر: يا أمير المؤمنين يروى عن لقمان أنه قال: الهمُّ نصف الهرم، والفقر الموتُ الأكبر، فكأنه نشط، فقال له الحميري: يا أمير المؤمنين، خلَّفت، بالباب آنفًا رجلًا من إخوانك الأنصار، متقدمًا في شعره وأدبه أنشدني قصيدة يذكر فيها صبوته ولهوه ولعبه ومجالسه بأبلغ قول وأحسن وصف، يبعث، والله يا أمير المؤمنين، على الصبابة والفرح ويباعد من الهم والترح، قال، فأستفزه السرور إلى دخوله واستماع قصيدته أن جعل يُتبع الرُسل بعضهم بعضًا حتى دخل إليه، وكان حلوًا ظريفًا حسن العبارة، فأمهل حتى تراجع عقله، وسَكَنَ جأشه، ثم أُذن له في الجلوس فأنبرى يُنشد قصيدته، وجعل الرشيد يتطاول لها ويستحسن ما حكاه من وصف شرابٍ ولهوٍ وغزلٍ، فأمر له بمالٍ وقام من ساعته إلى مجلس خلوتِهِ ولهوه، وجعل هو ومن معه يتذاكرون قصيدة مسلم، ويعارضون بها ما هم فيه، وسماه الرشيد يومئذٍ بآخر بيت منها: صريع الغواني، والقصيد:
أديرا عليَّ الكأسَ لا تشربا قبلي ولا تطلبا من عند قاتلتي ذَحْلي
فما حزني أني أموت صبابةً ولكن على من لا يَحِلُّ له قتلي
أُحبُّ التي صدَّت وقالت لتربها دعيهِ، الثريا منه أقربُ من وصلي
أماتت وأحيت مهجتي فهي عندها معلقةٌ بين المواعيد والمطلِ
وما نلت منها نائلًا غير أنني بشجو المحبين الأُلى سلفوا قبلي
بلى ربما وكلتُ عيني بنظرة إليها تزيد القلبَ خبلًا على خبلِ
كتمت تباريح الصبابةِ عاذلي فلم يدر ما بي، فاسترحتُ من العذل
ومانحة شرابها المُلك قهوة يهودية الأصهار مسلمة البعل
ربيبة شمسٍ لم تُهجن عروقُها بنارٍ ولم يجمع لها سعفُ النخلِ
بعثنا لها منا خطيباُ لبعضنا فجاء بها يمشي العِرِضْنة في مَهل
ق استودعت دنًا لها فهو قائمٌ بها شفقًا بين الكروم على رجلِ
فوافى بها عذراء كلَّ أخي ندى جزيل العطايا غير نكسٍ ولا وَغْلِ
معتقةٌ لا تشتكي وطء عاصِرٍ حروريةٌ في جوفها دمها يغلي
أغادرت على كفّ المدير بلونها فصاغت له منها أنامِلَ كالذُّبلِ
أماتت نفوسًا من حياةٍ قريبةٍ وماتت فلم تُطلب بوترٍ ولا ذَحْلِ
شققنا لها في الدنِّ عينًا فأقبلت كما أَخضلت عين الخريدة بالكُحلِ
كأن فنيقًا بازلًا شُكَّ نحرُهُ إذا أسفرت منها الشعاعَ على البزل
كأن ظباءً عكَّفًا في رياضها أباريقها أوجسن قعقعة النبل
[ ٢٧ ]
ودارت علينا الراح من كف ظبيةٍ مبتلةٍ حوراء كالرشإ الطفل
وحنَّ لنا عودٌ فباح بسرنا كأن عليه ساق جاريةٍ عُطلِ
تُضاحِكه طورًا وتُبكيه تارةً خدلجةً هيفاء ذات شوى عَبْل
إذا ما اشتهينا الأُقحوان تبسمت لنا عن ثنايا لاقصار، ولا ثُعلِ
وأسعدَها المزمار يشدو كأنه حكى نائحات بتنَ يبكين من ثُكل
غدونا على اللذات نجني ثمارها ورُحنا حميدي العيش متفقي الشكلِ
أقامت لنا الصهباء صدرَ قناتها ومالت علينا بالخديعة والختل
إذا ما علت منا ذؤابة ماجِدٍ وإن كان ذا حُلم دعته إلى الجهل
سأنقادُ للذات مُتبع الهوى لأمضي همًا، أو أصيب فتىً مثلي
وعن المدائني قال: كان الأحوص بن جعفر بن حديث، من كبار المدمنين على الشراب، وكان يجالس حمزة بن بيض وعُيينة بن أسماء بن خارجة الفزاري، وكان يُحمق فغمزوا به جماعة جاءَ كل واحد منهم على إنفراد فقال: أرى وجهك مصفرًا، فما تجد، فلما فعلوا ذلك قال لأهله: ويحكم أنا عليل ولم تخبروني ولزم الفراش حتى عاده الناس، فشقَّ على أهله ذلك وبعثوا إلى شراعة وقالوا: إن لم يتكلم شراعة فهو لما به فصار إليه شراعة، وكلمه فلم يجبه ولم ير عليه أثر علةٍ، فأقبل شراعة على صاحب له فقال: كنا أمس بالحيرة فأخذنا الخمر، ثلاثين قنينة بدرهم، والخمر يومئذ ثلاثون قنينة بدرهم فرفع الأحوص رأسه وقال: الكاذب ايري في حِرِ أُمِهِ واستوى جالسًا فقال له شراعة: إجلس لا جلست وهات طعامك وشرابك وأخذا في شأنهما.
وكان السيّد بن محمد الحميري مطبوعًا في الشعر، جده يزيد بن مُفرغ الحميري.
قال المدائني: وُلي الأهواز رجل من بني أسد وكان صديقًا للسيّد فتشدد في الشراب ومنع منه وجلد عليه، فأضر ذلك بالسيّد حتى نحف وهزل فدخل عليه يومًا فقال: ما لي أراك عليلًا، قال: كنت أصيب من الشراب فيقوى به بدني ونفسي، فلما حرَّمته تركته، فقال الأسدي: حقٌ لمن يمدح آل بيت محمد ﷺ أن يُحتمل له الشراب، وكتب إلى عامله: أَحمل إلى أبي هاشم مائتي زورق شرابًا.
وأنشد إسحق الموصلي:
مثل لون الفصوص ينفي قذاها قد تعللتها بماء سحاب
زعم الشاربون أن قذاها ليس بالعود ساقطًا في الشراب
بل قذاها نديم سوء عليها مُولعٌ بالمِراءِ أو بالشبابِ
وهذا مأخوذ من قول الأخطل حيث يقول:
ألا فأسقياني وأنفيا عنكما القذى فليس قذاها العود يسقط في الخمر
وليس قذاها زائرٌ لا يضيرها ولا بذباب فزعه أيسرُ الأمر
ولكن قذاها زائر لا نريده أتتنا به الأقدار من حيث لا ندري
ومنهم الكَسكَري، وهو الذي يقول:
قد تولى النهارُ واستقبل الليلُ خليليَّ فاشربا وأسقياني
شربةً تترك الفقير غنيًا حسن الظنِّ واثقًا بالزمانِ
وهذا مالك بن أسماء بن خارجة من بيت بني فزارة، جاهليتها وإسلامها، لا يُدفع عن الخطابة والبلاغة والسخاء والظرف، قال لابن عم له يقال له موسى، وقد تجهز الناس للحج: هل لك في الحج قال: نعم، فتجهزوا وخرجا حتى إذا حاذيا زُرارة وهي أكثر الأرض كرومًا وثمارًا وأطيبها خمرًا، فقال لابن عمه: هل لك أن تعدل إلى زرارة فنقيم بها ونتنعَّم إلى أن ينصرف الناس، قال: ذلك إليك فعطفا إليها وأقاما بها معكفين على الشراب إلى أن انصرف الناس فانصرفا معهم فقال مالك:
ألم ترنا ومالك قد حججنا وكان الحجُّ من خير التجارة
خرجنا طالبي سفرٍ بعيدٍ فحال بنا الطريق إلى زرارة
فآب الناس قد بَروا وحجوا وأُبنا موقرين من الخسارة
وأبو دلامة، مع ظرفه ومجونه وحلاوة شعره، من المشتهرين بالشراب وقد ذكرنا خبره مع أبي العباس السفاح أمير المؤنين.
[ ٢٨ ]
وحجَّ موسى بن داوود بن علي وأمره بالحجِّ معه ليأنس به وبنوادره وأشعاره في طريقه، ووصله بعشرة آلاف درهم وأعطاه جمالًا، فباع الجمال، وهرب إلى سواد الكوفة وانغمس في بيوت الخمارين وطلبه موسى فلم يجده فقال: دعوه إلى نار الله وأليم عذابه، ورَحًلَ فلما شارف القادسية، وإذا أبو دلامة قد خرج من قرية، يريد أُخرى فقبضوا عليه وأتوه به فقال: يا عدو الله يا فاجر، تفر من الحق إلى الباطل، ومن الحج إلى حوانيت الخمارين، فقيدوه ورموه في بعض المحامل فلما سارت الإبل صاح أبو دلامة بأعلى صوته:
يا أيها الناس قولوا أجمعين معي صلّ الإله على موسى بن داوود
كأن ديباجتي خديه من ذهب إذا تبلج في أثوابه السود
نبئت أن طريق الحج معطشةٌ من الطلاء وما شربي بتصريد
والله ما فيَّ من أجرٍ فتطلبَهُ ولا الثناء على ديني بمحمود
إني أعوذ بداوودٍ وتربته من أن أحج بكرهٍ يا ابن داوود
فقال موسى: ألقوه عن المحمل، فعليه لعنة الله، ومضى موسى لوجهه.
وهذا أبو الشِّيص، نقيُّ الكلام متخيَّرُ الألفاظ، مداحٌ للخلفاء، لاحقٌ للفحول، وهم عم دعبل بن علي يصف نفسه بالندام فيقول:
وكميت أرقها وَهَجُ الشمسِ وصيفٌ يغلي بها وشِتاءُ
طبختها الشِعري العَبُورُ وحثت نارها بالكواكب الجوزاءُ
محضتها كواكب القيظ حتى أقلعت عن سمائها الأقذاءُ
هي السُرج في الزجاج إذا ما صبَّها في الزجاجة الرصفاءُ
ودم الشادن الذبيح وما يحتلِبُ الساقيان منها سواءُ
قد سقتني والليل قد فَتَق الصبح بكأسين، ظبيةٌ حوراءُ
عن بنانٍ كأنها قُضُبُ الفضةِ حَنّا أطرافها الحِناءُ
وهو الذي يقول وقد اصطبح:
عاطِني كأسَ سلوةٍ عن أذانِ المؤذنُ
ما ترى الصبح قد بدا في إزارٍ متبنِ
فاسقينها سُلافةً والطُمَنيّ وأرمني
وقام فعثر [بد كدا] فسقط عليها وكسرها فذبحته ذبحًا.
وكان أشجع وحمزة ويزيد السُّلَمُّيون ندماء لا يفترون فمروا بقبر أبي زبيد الطائي وكان نديمًا للوليد بن عقبة بن أبي مُعيط فدفن إلى جبه، فقال حمزة:
مررت على عظام أبي زبيد وقد لاحت ببلقعةٍ صلودِ
وقد كان الوليدُ له نديمًا فجاور قبرُهُ قبرَ الوليد
وما أدري بمن تبدا المنايا بحمزة أم بأشجع أم يزيد
فمات حمزة ثم أشجع ثم يزيد.
وخرج ثلاثة فتيان إلى سجستان في بعث، فكانوا يتنادمون فتوفي أحدهم فكان صاحباه يغدوان بطعامهما وشرابهما إلى قبره فيشرب كل واحدٍ منهما قدحًا ويصبان قدح الميت على قبره، ثم توفي أحدهما فدفنه الآخر إلى جانب صاحبه، وضرب على قبريهما قبة وجعل يشرب قدحًا ويصب على على قبريهما قدحًا ويبكي ويقول:
خليليَّ هبّا طالما قد رقدتما أَجدَّ كما ما تقضيان كراكما
ألم تعلما أن ليس لي من مُحدثٍ ولا بسجستان نديمٌ سواكما
مقيم على قبريكما لست نازحًا طوال الليالي أو يجيب صداكما
وأبكيكما بالوجد مني وما الذي يُرَدُّ على ذوي لوعة إن بكاكُما
وكان يحيى بن زياد الحارثي ذا لامروءةٍ وظرفٍ، وهو الذي يقول:
أعاذلُ ليت البحر خمرٌ وليتني مدى الدهر حوتٌ ساكنٌ لجةَ البحر
فأُضحي وأُمسي لا أفارق لجةً أُرَوي بها عظمي وأشفي بها صدري
طوال الليالي ليس عني بناضبٍ ولا ناقصٍ حتى أُساق إلى الحشرِ وكان حمران بن إسحق بن أبان اللاحقي، ماجنًا مدمنًا وكان أبوه يعذله، فخرج إلى ماخور بعيدٍ من البصرة وكتب إليه أبوه يلومه ويسأله الرجوع إليه؛ فكتب إليه:
يا أبي لا ترث لي من غربةٍ أنا في عيشٍ وخفضٍ ودعة
وسجولِ خمسةٍ أو ستةٍ وإذا قلوا فعندي أربعة
وخوابٍ هادراتٍ دهرها وقناني ملاءٍ مُترعة
ومغنٍّ هزج يطربني وإذا شئت، تغنيت معه
[ ٢٩ ]
لا نبالي من لحا في شربها أبدًا حتى يوافي مصرعه
قال: فيئس أبوه من صلاحه وفلاحه فأعرض عن ذكره.
وشرب رجلٌ في بيت خمارٍ فأصبح ميتًا، فقيل للخمار: أنت قتلته، قال لا والله، ما قتلته إلا شربُهُ على غير طعامٍ.
وكان والبة بن الحُباب من كبار المدمنين، لو قلتُ إنه سنَّ الفتوَّةَ وشرع المنادمة لقلت حقًا، وهو الذي يقول:
وندمانٍ يزيد الكأسَ طيبًا حليمٍ عند طيشِ ذوي الحُلوم
دعوت (لليلةٍ) وثنيتُ أُخرى بتغذية الخؤلة والعموم
فقلت ألا اصطبح، أصبحتُ إلاَّ بقايا غابر الليل البهيم
معتقةٌ كأن المسكَ فيها محرَّمة على الرّجُلِ اللئيمَ
وحسبُكَ بي، بها خبرًا وعلمًا ملأتَ يديك من رجلٍ كريم
وكان لوالبة إخوانٌ مثلُهُ في الفتوة والظرف وإدمان القصف واللهو قد خلعوا العِذار وأنفقوا الطارف والتليد، منهم، عُباد بن عُباد الذي يقول فيه:
عُبادُنا أطيبُ الخلائق لا الغادر يومًا إذا هُمُ غدروا
أصبحت؛ ماذا بالسكر تنتظرُ دونكها قد تبلَّجَ السَحَرُ
دونكها يا عُبادُ صافيةً كأنها في الزجاجة الشَّرَرُ
ومنهم مسعود بن عمرو وعمرو، اللذان يقول فيهما:
لما رأيتُ الصبح قد لاحا وأقبل الفجر وقد لاحا
نبهتُ مسعودًا وعَمْرًا لها فقلتُ قُوما فاشربا الرّاحا
كرخيَّةً كالمسك معشوقةً يحسبها الشارب تفاحا
ومنهم أبو الغرثان حفص بن غيلان الذي يقول فيه:
قلت لما بَرَق الفجر وأبصرت الصباحا
ورأيت الديكَ قد أكثر في الصبح الصياحا
أسقِ حفصًا يا أبا الغرثان من كفيكَ راحا
قهوةً أذكى من المسكِ إذا ما المسكُ فاحا
مُرة تأبى إذا ما مُزجت إلا جماحا
ومنهم عبد الله بن عمرو، الذي يقول فيه: ونديم حُلوِ الشمائل كالدينار محض النجار سهل مُصَفَّى قلت عبد الإله قم بأبي أنت، فلبىَّ، فقلت لبيكَ ألفا هاكها، قال: هاتها، قلت: خذها [قال لا أستطيعها] ثم أغفى.
ولو لم يكن من ظرف والبة إلا أنه أُستاذُ أبي نواسٍ لكفاه.
وناهيك بالحسين بن الضحاك وأبي نواسٍ في صنعة الخمر ونعتها وفي الإدمان لشربها، والحضِّ على المثابرة عليها، ووصف المجالس وما فيها، والسقاةِ وبراعة جمالها و[آنيتها] واختلافِ نعوتها والحاناتِ ومن يُلِمُّ بها والخمارين ومسامحةِ بعضهم في بيعها، ومغالاة بعضهم فيها، قال الحسين:
وندمان صدقٍ لا ترى بين جهرِهِ وبين الذي تخفي سريرتُهُ فرقا
تنبَّه للناقوس أَوَّلَ نقرةٍ ولم تبقَ لذات الكرام له عِلقا
أتانا بها زيتية ذهبية كأنَّ حبابا دُرّها، حدقًا زرقا
وهو القائل:
ومهفهف نازعتُ فضلَ وشاحه وكسوتُهُ من ساعديَّ وِشاحا
ما زال يَضْحَكُ [بي] ويضحكني به لا يستفيق دُعابة ومزاحا
وعواتِقٍ باكرت بين حدائقٍ ففضضتهن وقد عَيِين صِحاحا
أتبعتُ وخزة تيكَ وخزةَ هذه حتى أنتزفت دماءَهن جراحا
ولربَّ ملتبسِ الجفون بسكرةٍ شرّدتْ عنه منامه فأنزاحا
فكأَنَّ رَيَّ الكأس حين ندبتُهُ للشرب أنهض في حشاه جناحا
وقال إسحق بن إبراهيم: كان الأخطل نازلًا على عكرمة الفيّاض فإنه خرج من عنده يومًا فمر بفتيانٍ يشربون، وعندهم قينة يقال لها شقراء، فأقام عندهم أيامًا، فلما أتى عكرمة، سأله أين كان فأخبره بخبره فبعث [إلى الفتيان] بألف درهم وأعطاه خمسة آلاف، فمضى بها إليهم وقال: أستعينوا بهذه على أمركم ولم يزل ينادمهم حتى رحل وقال:
لعُمركَ ما لاقيتُ يوم معيشةٍ من الدهر إلا يوم شقراء أقصرُ
حواريةٌ لا يدخل الذمُّ بيتها مطهَّرةٌ يأْوي إليها مطهَّرُ
[ ٣٠ ]
وخرج الفرزدق إلى الشام فلما كان في بعض طريقه، رُفع له بيت أحمر من أَدَم ودنا منه وسأل فقيل للأخطل، ونزل به، والأخطل لا يعرفه إلا أنه ضيفٌ فأحضر له طعامًا، فلما أكل قال: أنتم معشر الحنيفية لا ترون أن تشربوا من شرابنا، فقال له الفرزدق: خفض عليك وأسقنا من شرابك فشربا وجلسا يتحدثان ويتناشدان، فوثب الأخطل وقال له: بحق من تعبد، أنت الفرزدق؟ قال: نعم، فجدَّد له التحية، وزاده في برِّهِ وإكرامه، وتحدثا وتناشدا إلى أن قال له الأخطل: والله إني وإياك لأشعر من جرير، ولكن يسير له من الشعر ما لا يسير لنا، لقد قلت بيتًا ما أعلم أحدًا قال أهجى منه:
قومٌ إذا استنبح الأضياف كلبَهُم قالوا لأُمهِمِ؛ بولي على النار
فقلَّ من يرويه، وقال هو:
والتغلبيُّ إذا تنحنح للقرى حَكَّ أستَهُ وتمثَّل الأمثالا
فلم تبق سقاة ولا أمثالها إلا رووه وسار له؛ فأقاما نصطبِحين أيامًا كثيرة ثم افترقا.
ومن المستهترين بالشراب، المدمنين عليه، إبراهيم بن هرمة، ولما مدح أبا جعفر المنصور بقصيدته:
نضا ثوبهُ عنك الصِّبا المتخايِلُ
حتى بلغ إلى قوله:
كريمٌ له وجهان، وجه لدى الرضى أسيلٌ ووجهٌ في الكريهة باسِلُ
له لحظات عن حِفافَيْ سريره إذا كرَّها، فيها عقابٌ [و] نائِلُ
فأُمُّ الذي آمنت آمنةُ الرَّدى وأُمُّ الذي أوعدت بالثكل ثاكِلُ وكان زياد بن عبد الله، قد جلده الحدَّ مراتٍ في خلافةِ أبي العباسِ السفَّاح، واستحسن أبو جعفر شعرَهُ وقال: سلحاجتك، فقال: تكتب إلى عامل المدينة أن لا يَحُدَّني إذا أُتي بي سكران، فقال أبو جعفر: هذا حدٌ من حدود الله ﷿، فلا يجوز لي أن أُعطِّلَهُ، قال: فاحتَّلْ لي يا أمير المؤمنين فكتب إلى عامل المدينة؛ من أتاك بابن هرمة سكران فاجلده (مائة) جلدةً، واجلد ابن هرمة ثمانين فكان العَوْن يمر به وهو سكران، فيقول: من يشتري مائة بثمانين. فلما ولى الحسن بن زيد العلوي المدينة قال لابن هرمة: إني لست كمن باع لك دينه رجاء مدحِك أو خوف ذمِّك، قد رزقني الله بولادة نبيه ﷺ الممادح، وجنبني القبائح وإنَّ من حقِّهِ عليَّ أن لا أعصي في تقصير في حق ربيّ، وأنا أقسم لئِن أُتيتُ بك سكران، لأضربنكَ حَدَّ الخمر وحدَّ السكر ولأزيدنك لموضع حُرمتك بي؛ فليكن تركك لها لله ﷿ تُعَنْ عليها ولا تدعها للناس فتتوكَّل عليهم، فنهض ابن هرمة وهو يقول:
نهاني ابن الرسول عن المدام وأدبني بآداب الكرامِ
وقال لي اصطبر عنها ودعها لخوفِ الله لا خوف الأنام
وكيف تصبري عنها وحبي لها حبٌ تمكَّن في عظامي
أرى طيبَ الحلال عليَّ خبثًا وطيبُ النفس في حُبِّ الحرامِ
وهو القائل:
هلم اسقني كأسي ودع عنك من أبى وروِّ عظامًا قصرُهُنَّ إلى بِلى
فأَنّ نديمي، غير شَكٍّ، مُكرَّمٌ لديَّ وعندي من هواه الذي ارتضى
ولست له في فضلةِ الكأس قائلًا، لأصرعهُ سكرًا، تحسَّ وقد أبى
ولكن أُحييه واكرمُ وجههُ واشرب ما بقي واسقيه ما اشتهى
ومنهم، أبو محجن الثقفي، وكان مولعًا بالشراب، مشتهرًا فيه، شاعرًا، فارسًا، فحُدَّ مراتٍ، وحضر القادسية مع سعد بن أبي وقصاص وكان سعد لا يزال شاربًا، فلما طال عليه أمره ضربَهُ وقيدَّه وحبسه، فلما تواقع القوم يوم القادسية وأبو محجن مشرفٌ عليهم نظر إلى المسلمين وقد فشلوا فأنشأ يقول:
كفى حزنًا أن تردي الخيلُ بالقنا وأُترك مشدودًا عليَّ وثاقيا
إذا قمتُ عناني الحديد وأُغلقت مصارع من دوني تُصمُّ المناديا
[ ٣١ ]
فلما سمعته إمرأة سعد، قالت له: أعطني عهد الله أت ترجع إلى محبسك حين أُطلقك، فأعطاها عهد الله إن هي حلَّته من وثاقه أن يعود إليها حتى تعيده في محبسه؛ وإن قُتل فالقتل أكبر مما أرادوا به، فَحَلَّته وأعطته سلاحًا، وركب فرسًا لسعدٍ بلقاء، فخرج فجعل يشقُّ الصفوف مقبلًا ومدبرًا، ويشد على المشركين حتى هزموا وسعد يقول: أما الفرس ففرسي وأما الشدّات فشدّات أبي محجن، فلم يزل يشدّ ويقتل حتى انهزم المشركون ورجع إلى إمرأة سعدٍ، فنزل عن الفرس وألقى سلاحه وردَّت رجليه في قيوده، فلما رجع سعد إلى منزله دعا بأمرأته فسألها: هل ركب أبو محجن فرسهُ، فأنكرت ذلك، فأقسم عليها، فأخبرته الخبر، فدعا أبا محجن، وقال: والله لا اعاقبك فيها أبدًا، قال: وأنا والله لا أشربها أبدًا، إنما كنت أشربها حين كنت أُحَدُّ عليها فيكون الحدُّ كفارةُ لشربها، فأما اليوم فلا ذقتها أبدًا، وقال:
إن كانت الخمر قد عزَّت وقد مُنعت وحال من دونها الإسلام والحَرجُ
فقد أُباكرها صهباء صافيةً صرفًا وأطرب أحيانًا، فأمتزجُ
وقد تقوم على رأسي مُنَعَّمةٌ فيها، إذا رفعت من صوتها غَنَجُ
ترفِّع الصوت أحيانًا وتخفضهُ كما يطن ذباب الروضةِ الهَزِجُ
ودخل إبن أبي محجن على معاوية، فقال له: أبوك الذي يقول:
إذا متُّ فادفني إلى جنب كرمةٍ تروي عظامي بعد موتي عروقُها
ولا تدفني في الفلاةِ فإنني أخاف إذا متُّ، أن لا أذوقها
فقال ابن أبي محجن، لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره، قال وما ذاك قال: قوله:
لا تسألي الناس ما مالي وكثرتُهُ وسائلي الناس ما حزمي وما خُلُقي
القوم اعلم أني من سراتهم إذا تطيش يد الرعديدة الفرقِ
أُعطي السنان غداة الرَّوع حصَّتُه وعامل الرُّمح أرويه من العَلَقِ
قد أركب الهولَ مسدولًا عساكره وأكتم السِرَّ فيه ضربةُ العُنُق
فحكى من رأى قبر أبي مِحجن في أرمينية [أنه] بين شجرات كرمٍ، وفتيان أرمينية يخرجون بطعامهم وشرابهم فيتنزهون عنده، فإذا شربوا [صبّوا] كأسه على قبره.
ومنهم، أبو الهندي، عبد المؤمن بن عبد القدوس بن شَبَث بن رَبَعِّي اليربوعي وهو القائل:
إذا صليتُ خمسًا كل يوم فإن الله يغْفِرُ لي فُسُوقي
ولم أُشرك بربِّ الناس شيئًا فقد أمسكت بالحبل الوثيقِ
فهذا الدين ليس به خفاءٌ فدعني من بُنيات الطريق
وكان أبو الهندي كثيرًا ما يقول في صفة الخمر، ومن مشهور أخباره أن قُدَيْد بن مَنبع المنقري دعاه إلى أن يكفَّ عن الشراب، ويقلعَ عما هو عليه من الأستهتار به على أن يزوجه ابنته، ففعل ذلك ايامًا، وكان لقُديْد غلامٌ يقال له سالم، يغدو كلَّ يومٍ على أبي الهندي بوطب لبنٍ قيشرب منه، فمرَّ بأبي الهندي بعض من كان ينادمه، فقال له: هل لك يا أبا الهندي في شراب لم يُعاين مثله، ومجلسٍ لذيذٍ، ولم يزل به حتى أنطلق معه، فلما شرب وعاد إلى ما كان عليه، أنشأ يقول:
يقول أبو الهندي إذ طاب ليلُه وحلَّقتِ الجوزاءُ بالكوكبِ الفردِ
سيُغني أبا الهندي عن وطبِ سالمٍ أباريق لم يعلق بها وضَرُ الزُّبْدِ
مُفَدَّمةٌ قُزٌّ كأن رقابها رقاب بنات الماءِ تفزع للرَّعدِ
يمجُّ سُلافًا في قوارير صورت وكاسات صدقٍ كلها حَسُن القَدِّ
كميت إذا ما ذاقها المرءِ أرعَشت مفصاله وازداد مجدًا على مجد
ويبكي على ما فاته من شبابه بكاءَ أسيرٍ في الصفاد وفي القِدِّ
شهدتُ بفتيانٍ تميمٌ أَبوهُمُ حسانُ وجوهٍ من ربابٍ ومن سعد
وحجَّ به نصر بن سيار مرةً، فلما ورد الحرم قال له نصر: إنك بفناء بيت الله ﷿ ومحل حَرَمِهِ فدع الشراب، فوضعه بين يديه وجعل يشرب ويبكي ويقول:
رضيع مدامٍ، فارق الراح رُوحُهُ فظلَّ عليها مستهِلَّ المدامعِ
[ ٣٢ ]
أديرا عليَّ الكأسَ إني فقدتها كما فقد المفطوم دَرَّ المراضِعِ
وكان يشرب مع قيس بن أبي الوليد الكناني، وكان أبو الوليد الكناني ناسكًا، فاستعدي عليه وعلى ابنه فهربا منه، فقال أبو الهندي:
قل للسريّ أبي قيسٍ أتهجرنا ودارنا أصبحت من داركم صددا
أبا الوليد أما والله لو عَمِلت فيك الشمولُ لما فارقتها أبدًا
ولا نسيت حميّاها ولذَّتها ولا عدلت بها مالًا ولا ولدًا
وكان بسجستان رجل صُلب أبوه في خرابة وهي سرقة الإبل، فجلس إلى أبي الهندي، وطفق يعرض له بالشراب، فقال أبو الهندي: أحدهم يرى القذارة في عين أخيه ولا يرى الجذع في است أبيه، ومرَّ به نصر بن سيار وهو يميل سكرًا، فقال له: أفسدت شرفك، فقال: لولا أني أفسدت شرفي لم تكن أنت والي خراسان.
ويقال إنه تاب في آخر عمره وترك شرب الخمر وقال:
تركت الخمور لأربابها وأقبلت أشرب ماءً قُراحا
ولم يبق في الصدرِ من حبها سوى أن إذا ذُكرت قلت آحا
وقد كنت حينًا بها معجبًا كحبِّ الغلامِ الفتاةَ الرَّداحا
وما كان تركي لها أنني يخاف نديمي عليَّ افتضاحا
[و] لكنَّ قولي له مرحبًا وأهلًا مع السهل وأنعم صباحا وهو القائل: أُعاذلُ لو شربت الراح حتى يكون لكل أُنُملةٍ دبيبُ
إذن لعذرتني وعلمت أني لِما أَنفقتُ من مالي مصيب
وأبو الهندي [هو] القائل:
أتلف المال وما جمعته طلبُ اللذات من ماءِ العِنب
واستبائي الزِق من حانوته شائل الرجلين معصوب الذنب
كلما كُبَّ لشربٍ خاتَهُ حبشيًا قُطعت منه الرُّكب
وكان عمر بن عبد العزيز وهو أمير على الحجاز أُتي بالصلت ابن أبي العاصي المخزومي سكران فجلده الحدَّ فغضب ولَحِقَ بالروم فتنصر، وبعث عمر رجلًا إلى ملك الروم في فداء من عندهم من الأسرى، قال: بينا أنا أجول في أزقة القسطنطينية إذ سمعت غناءً بلسانٍ فصيح عربيٍّ وصوت شجيٍّ في هذا الصوت:
وكم بين الفرات إلى المصلَّى إلى أُحدٍ إلى ميقات ريم
إلى الجمّاءِ من ثغرٍ نقيٍّ عوارضه ومن دلٍ رخيمِ
ومن عين مكحلة المآقي بلا كحلٍ ومن كشحٍ هضيم
فلم أسمع قط أطيب منه، ولم أدرِ، أهو كذلك حسن، أم لغربة العربية في ذلك الموضع، ودنوت من الصوت فلما قربت منه إذا هو في غرفة، فنزلت عن دابتي وصعدت إليه فسلمت فردَّ السلام وهو يبكي فقلت له: أبشر، فقد فك الله أسْرَك؛ بعثني أمير المؤمنين في فداء من بهذا البلد من المسلمين فما قصتك، قال: هربت إلى هذا البلد غصبًا لما جرى عليَّ من عمر بن عبد العزيز، فمررت يومًا بهذا المكان وأشرفت على جارية من أحسن الناس وجهًافعشقتها وكلمتها فقالت: إن دخلت في ديني لم أُخالفك، فدعتني شدة الوجد بها إلى أن تنصرت. فقلت له، أكنت قارئًا للقرآن، قال نعم، قلت فما بقي معك منه، قال لا شيئ إلا هذه الكلمة: [ربَّما يوَدُّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين] قلتُ يا هذا، أتقِ الله وعاوِد الإسلام فإن الله يقول، [إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان] قال: وكيف، بعد عبادة الصليب وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، انطلق صَحبك الله.
وحُكي عن يونس الكاتب، قال: كنّا متنزهين بالعقيق أنا وجماعة من قُريش، فبينا نحن في أكلٍ وشربٍ ومذاكرة طلع علينا ابن عائشة، فلما رأى جماعتنا وسمعني أُغني في شعر جميل:
إن المنازل هَيَّجت أطرابي واستعجمت آياتها بجوابي
قفرٌ تلوح بذي الأراك كأنها تجير وشيءٍ أو سطور كتابِ
لما وقفتُ بها القلوص تبادرت مني الدموع لفرقةِ الأحبابِ
وذكرت عصرًا يا بثينة شاقني إذ فاتني، وذكرت شرخ شبابي
[ ٣٣ ]
جاءَنا فسَلَّم علينا وجلس فتحدث معنا، وكانت الجماعة تعرف سوء خُلقِهِ وغضبه إذا سئل أن يغني، فأقبل بعضهم على بعض يتحدثون [بأحاديث كثيِّر وجميل يستجرون] بذلك أن يطرب فيغني، فقلت: لقد حدثني اليوم بعض الأعراب حديثًا مليحًا، وإن شئتم حدثتكم به، قالوا هات: قلت: حدَّثني أنه أقبل من الربذة قال، فمررت بغدير، وإذا صبيان يتغاطسون فيه وإذا شابٌ جميل منهوك الجسم عليه أثر العلة، والنحولُ في جسمه بين وهو جالسٌ ينظر إليهم فسلمتُ عليه فردَّ السلام وقال من أين وَضَح الراكبُ، قلتُ من الحِمى، قال: ومتى عهدك به، قلت رائحًا، قال، واين كان مبيتك، قلت، بفناء فلان، فتأوه وألقى بنفسه على ظهره، وتنفس ظننت أنه خَرَق حجاب قلبه ثم أنشأ يقول:
سقى بلدًا أمست سليمي تحلُّهُ من المزن ما يروى به ويُسيمُ
وإن لم أكن من قاطنيه فإنه يحلُّ به شخصٌ عليَّ كريم
ألا حبذا من ليس يَعدلُ قُربُه لديَّ، وإن شطَّ المزار، نعيم
ومن لامني فيه حبيبٌ وصاحبٌ فردَّ بغيظٍ، صاحبٌ وحميمُ
ثم سكن كالمغشي عليه، فصحت بالصبية، فأتوا بماءٍ فنضحتُ على وجهه فأفاق وأنشأ يقول:
إذا الصبُّ الغريب رأى خشوعي وأنفاسي تزيَّن بالخشوع
ولي عينٌ أَضرَّ بها التفاتي إلى الأجزاع مطلقةُ الدُّموع
إلى الخلوات، تأْنسُ فيك نفسي كما أَنس الوحيدُ إلى الجميع
فقلت: ألا أَنزل فأُساعدك أو أكثر عودي على بدئي إلى الحمى، في حاجةٍ إن كانت لك، أو رسالةٍ، فقال: جزيت خيرًا وصحبتك السَّلامة، إمض لِطيَّتِكِ، فلو علمت، أنك تُغني لي شيئًا لكنت موضعًا للرغبة، ولكنك أدركتني في صُبابةٍ من حياتي يسيرة، قال: فانصرفت وأنا لا أراه يُمسي ليلته إلا ميتًا، فقال القوم: ما أعجب هذا الحديث، فطرب ابنُ عائشة وقال ليونس الكاتب: أعِد علي الشِّعرين، فأعادهما عليه، فصاغ للأول منهما لحنًا في خفيف الرَّمل المطلق في مجرى الوسطى، وقيل إنه منسوب إلى معبد، فأخذه ابن عائشة وعمل في الثاني لحنًا في خفيف الثقيل وغناهم فيهما، قالوا فما سمعنا قط مِثاه ثم ختم مجلسنا بهذا الصوت:
أفاطمُ إن النأي يُسلي ذوي الهوى ونأيك عن زادني بكُمُ وجدا
وما هبَّ عرْفُ الريح، من نحو أرضكم فيبلغني، إلا وجدت له بردا
على كبدٍ قد كاد يبدب بها الهوى صدوعًا، وبعض القوم يحسبني جلدا
وجعل يعيده ونحن نشرب حتى ما عقل كلُّ واحدٍ منا كيف وصل إلى أهله سكرًا.
وحكى إسحق بن إبراهيم الموصلي، عن أبي عبيدة قال: قدم الفرزدق المدينة فنزل على الأحوص فقال له الأحوص: ما تشتهي، قال: شواء، ووطاء، وغناء، فأتاه بذلك وقينة من قيان أهل المدينة فشرب وغنته بهذا الصوت:
ألا حيِّ الديار بسُعدَ إني أُحبُّ لُحبِّ فاطمةَ الديارا
إذا ما حلَّ أهلُك يا سليمي بدارة جُلجُلٍ شحطوا مزارا
أراد الطاعنون ليحزنوني فهاجوا صدع قلبي فاستطارا
فقال الفرزدق: ما أرق أشعاركم يا أهل الحجاز وأملحها، قال: أو ما تدري لمن هذا الشعر، قال: لا والله، قال: هو لجرير يهجوك به، قال: ويل ابن المراغة، ما كان أحوجه مع صلاحه إلى صلابة شعري، وأحوجني مع قسوتي إلى رقة شعره.
قال إبراهيم: كنت في زمان شبابي أُلازم الخمارين بِقُطْرُبُّل فجئت يومًا إلى خمارٍ ما رأيت أنظف منه، فقلت: ما عندك؟ قال: عندي شيءٌ يوافقك، وأخرج لي شرابًا كشعاع الشمس لم أر مثله، فقلتُ: اكتل لي منه، وكنت قد صنعت في الوقت لحنًا:
اِشرب الراح وكن في شُربكَ الراح وقورا
اِشرب الراح رواحًا وظلامًا وبكورًا
[ ٣٤ ]
وطريقته: خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى، فجعلت أترنم به وأُردده لكي يستوي [وكان] الخمَّار قد قرَّب الإناء واكتال فيه حتى امتلأ وفاض وهو يزيد فيه والشراب يجري حتى استغدر بين يديه، فقلت له: ويحك، أتلفتَ شرابك وهرَقَت، فما بالك، فقال: والله يا مولاي، ما هو إلا أن سمعت ترجيعك في هذا الصوت فذهب عقلي فما أسمع ولا أُبصر، فذهبت لأزن له ثمن شرابه فحلف بدينه ألا يأخذ مني ثمنًا ولو حملت كل ما في حانوته، وقبَّل أطرافي ورغب إلي في المُقام عنده، فأقمت في ضيافته ثلاثًا، لأولاني فيها من الخدمة والبر والإكرام ما لا أقدر على صفته، فكنت بعد ذلك لا أُفارقه زمنًا طويلًا.
وحكى جحظة عن موسى بن هرون، قال: كنت مع إسحق بن إبراهيم الموصلي في نزهة فمرَّ بنا أعرابي، فوجه اسحق غلامه زيادًا فجاء بالأعرابي فلما شرب وسمع حنين الوتر والدَّواليب، قال:
حنَّت وليس تحن عن وَجدِ وأَحِنُّ من طرب إلى نجد
لو قيس وجدُ العالمين إلى وجدي لزاد عليه ما عندي
قال: فما انصرف إسحق إلى بيته إلا محمولًا من السُّكر، وما شرِبَ إلا على هذه الأبيات، وغنى فيها إسحق بالبِنْصَر.
وكان عُروة بنُ الوَرد أحد الصعاليك المجَّان المشهورين، مشتهرًا بالشراب، فشرب الخمر بكل شيءٍ يملكه حتى ارتهن امرأته سلمى الغفارية ثم ندم وقال:
أرقت وصحبتي بمضيق عمروٍ لبرقٍ من تهامةَ مستطيرِ
لآنسةِ الحديث رضابُ فيها بُعَيدَ النوم كالعنب العصير
سقوني الخمر ثم تكنفوني عُداةُ الله من كذب وزور
فلا والله لو مُلِّكت أمريومن لي، بالتدبُّر في الأُمور فيا للناس كيف غُلبت أمريعلى شيءٍ ويكرُهُه ضميري
وعن إسحق بن إبراهيم قال: كانت بالبصرة قينة لبعض ولد سليمان بن عليّ، وكانت محسنة بارعةً، وكان بشار صديقًا لسيدها، فحضر مجلساص يومًا والجارية تغني، فإذا سكتت أخذ بشارٌ في إنشاده ونوادره، فسُرَّ الرجل ببشار وشرب حتى سكر ونام، ونهض بشار، فقالت له الجارية: يا أبا معاذ، أُحبُّ أن تذكر يومنا هذا في قصيدة ولا تذكر اسمي ولا اسم سيِّدي، فانصرف وكتب إليه:
وذات دَلٍّ كأن البدر صورتُها باتت تغني عميد القلب سكرانا
[إن العيون التي في طرفها حورٌ قتلننا ثم لم يحيين قتلانا] [يَصرَعنَ عن ذا اللبِّ حتى لا حراك به وهنَّ أضعف خلق الله إنسانا]
فقلتُ أحسنتِ يا سؤلي ويا أملي فأسمعيني جزاكِ اللهُ إحسانا
[يا حبَّذا جبلُ الرَّيان من جبلٍ وحبَّذا ساكن الرَّيان من كانا]
فقلتُ أحسنتِ أنت الشمس طالعةً أضرمت في القلب والأحشاءِ نيرانا
فأسمعيني صوتًا مطربًا هَزَجًا يزيد صبًّا محبًا منك أشجانا
يا ليتني كنتُ تفاحًا تقبله أو كنت من قضب الريحان أفنانا
حتى إذا وجدت ريحي فأعجبها ونحن في خلوةٍ مُثِّلت إنسانا
[أصبحت أطوعَ خلق اللهِ كلَّهِمُ لأكثر الخلق لي في الحب عصيانا]
لو كنت أعلم أن الحب يقتلني أعددت لي فيك إذ لقاك أكفانا
فلما وقف على الأبيات سُرَّ بها وبعث إليه ثلاثة آلاف درهم.
وحكى إبراهيم الموصلي قال: حدَّثني رجل ظريف من أهل الطائف قال: عشق العرجي امرأة من قريش فجعلني رسولًا إليها، فأتيتها برسالته وأخذت موعدها لزيارته لموضعٍ سمَّاه، ثم بكرت أنا وهو وحملنا معنا سُفرة وزُكرة على أتانٍ، فجاءت ومعها جارية، وجاءَ على حمار ومعه غلام، فأكلا وشربا وتحدثا ثم قمت عنهما فوثب عليها، ووثب الغلام على الجارية، والحمار على الأتان، وقعدت أسمع النخير من كل ناحية، فأنعظت ولم يكن لي حيلة إلا أن جلدتُ عُميرة، فرفع العرجيُّ إلي رأسه وقال: هذا يومٌ غابت عواذله؛ فما لي حسنة أرجو ثوابها رجائي لثواب ذلك اليوم.
[ ٣٥ ]
وكان سعيد بن القعقاع الطائي يتقدم بشارًا في المجانة، وكان لا يزال ينادمه، فقال له: ويحك يا أبا مُعاذ، إن الناس ينسبون إلينا الزندقة، فهل لك في أن تحج حجة تنفي بها عنا ذلك، فقال له: نِعم ما رأيت، فاشتريا بعيرًا ومحملًا وركبا حتى مرا بضيعة كثيرة البساتين والخمر، يقال لها زُرارة فقال له: ويحك يا أبا معاذ: مل بنا إلى زرارة ننعم بها فإن الحج بعيد، فإذا قفل الحاجُّ عارضناهم وكنا معه، فلم يشك الناس أنا جئنا من الحج، فقال له بشار: نِعم ما رأيت، لولا خبث لسانك فإني أخاف أن تفضحنا، قال: لا تخف، ومالا إلى زرارة، فما زالا يشربان الخمر ويفسقان حتى نزل الحاج بالقادسية راجعين، فحلقا رأسيهما وأقبى، وتلقاهما الناس يهنئونهما، فقال سعيد بن القعقاع:
ألم ترني وبشارًا حججنا وكان الحج من خير التجارة
خرجنا طالبي سفرٍ بعيدٍ فمال بنا الطريق إلى زُرارة
فآب الناس قد حجوا وبروا وأُبنا موقرين من الخسارة
وقال السندي بن الصبَّاح: شهد بشار مجلسنا، وقال: لا تصيروا مجلسنا هذا شعرًا كلَّه، ولا حديثًا كلَّه، فإن العيش فرصٌ، ولكن غنوا؛ وتحدثوا، وتناشدوا، وانتهبوا العيش انتهابًا.
وكان بالكوفة ثلاثة نفرٍ يقال لهم الحمَّادون: حماد عجرد، وحماد الراوية، وحمَّاد بن الزبرقان، يتنادمون على الشراب، ويتناشدون الأشعار، ويتعاشرون ولا يكادون يفترقون، فكانوا كأنهم نفس واحدة، وكانوا يرمون بالزندقة جميعًا. ودخل مطيع ابن إياس ويحيى بن زياد على حماد الراوية، فإذا سراجُهُ على ثلاث قصبات قد جمع أعلاهن وأسفلهن بطين، فقال له يحيى بن زياد: يا حماد إنك لمسرفٌ تبذل حُرَّ المتاع، وقال له مطيع: ألا تبيع هذ المنارة وتبتاع أقل ثمنًا منها وتنفق على نفسك الباقي وتتسع فيه، فقال له يحيى: من أين يكون له مثل هذه، أظنها وديعة عنده أو عارية، فقال مطيع: أما إنه لعظيم الأمانة عند الناس حين أودعوه مثلها، قال يحيى: ما أظنها عارية ولا ويعة، ولكني أظنها مرهونة عنده على مالٍ، وإلا فمن يُخرج هذه عن يده، فقال لهما: قوما يا ابني الزانيتين اخرجا من منزلي، فشر منكما من يدخلكما منزله هذا.
وقد كان أحد خلفاء بني أُمية يصلُهُ بماية ألف فيتلف كلَّ ما أفاد في إدمان الشراب.
وقال إسحق الموصلي: حدثني أبو يعقوب الخُرَيمي قال: كنت في مجلسٍ فيه حماد الراوي ومعنا غلام أمرد فجعلنا نشرب، وينظر إليه حمَّاد، فقال لي: يا أبا يعقوب، قد عزمت الليلة أن أفتك بهذا الغلام، فقلت: شأنك، فلما سكرنا ونمنا لم أشعر إلا وحمَّاد ينيكُني، فكرهت أن أتكلم فينتبه الناس فأفتضح، فأخذت بيده فوضعتها على عيني العوراء ليعرفني، فقال لي: قد عرفتك الآن، فيكون ماذا، وفديناه بذبح عظيم، فما برح وأنا أُعالجه جهدي فلا ينفعني حتى أنزل.
قال أبو العباس المبرد، حدثني عبد الصمد بن المعذل، قال: سمعت إسحق بن إبراهيم الموصلي يقول: حججت مع أمير المؤمنين الرشيد، فلما قفلنا ونزلنا آخيت بها رجلًا كانت له سنٌ ومعرفةٌ وأدبٌ وكان يُمتِعُني، فإني ذات ليلةٍ في منزلي إذا بصوته يستأذن عليَّ، فظننت أمرًا أقدمه وفزع إليَّ فيه، فأسرعت نحو الباب وقلت: ما جاء بك؟ قال: إذن أُخبرك: دعاني صديق لي إلى طعام عتيدٍ وشرابٍ عتيقٍ وحديثٍ ممتع وغناء مطرب، فأقمت عنده إلى هذا الوقت، لإاخذت مني حميَّا الكأسِ مأخذها ثم غنيت بقول نُصيب:
بزينب أَلْمِمْ قبل أن يرحل الركبُ وقُل إن تملينا، فما مَلَّكِ القلبُ
فكدت أطير طربًا، ثم وجدت نقصًا في الطرب، إذ لم يكن معي أحد يفهم هذا كما فهمتُهُ، فنزعت إليك لأصف ذلك لك ثم أرجعُ إلى صاحبي، وضرب بغلته موليًا، فقلت: قف أُكلمك، قال: ما بي إلى الوقوف إليك من حاجةٍ.
[ ٣٦ ]
وجرى بين معبد المغني وبين الأحوص كلام، فحلف معبد لا يكلمه ولا يغني في شعره، فشقَّ ذلك على الأحوص، فلما طالت هجرته إياه رَحَلَ نجيبًا له وجعل زُكرةَ خمرٍ في حقيبته وأعدَّ معه دنانير ومضى نحو معبد فأناخ ببابه ومعبد جالس بفنائه، فنزل إليه الأحوص وكلَّمه فلم يكلمه معبد، فقال: يا عبّاد، أتهجرني وقد عرفت مودَّتي وصحبتي؟ فخرجت إليه امرأته أُم كردم فقالت: أتهجر أبا محمد، والله لكلَّمته، فاحتمله الأحوص وأدخله البيت وقال: والله لا رمتُ هذا البيت حتى آكل الشواءَ وأشرب الطلاء وأسمع الغناء، فقال له معبد: أخزاك الله، هذا الشواء أكلته، وهذا الغناء سمعته، أنى لك بالطلاء، قال: قم إلى تلك الحقيبة ففيها زُكرة خمرٍ ومعها دنانير فأصلح بها ما تريد من أمرنا، ففعل، فقالت أُم كردم: معبد، أتهجر من إن زارنا أغدر فينا نَيْلًا وفضلًا وأكلًا وشربًا! وغناه معبد، ثم انصرف الأحوص مع العشاء يميل بين شِقَّيْ راحلته.
وقال أبو الفرج الأصبهاني: حكى يونس الكاتب، أنَّ معبدًا، كان علَّم جارية لبعض أهلِ المدينة تسمى ظبية، وعُنيَ بتخريجها حتى حذقت عنه، فاشتراها من أهلها رجل عراقي وتوَّجه بها إلى البصرة، فغلبت عليه وشغف بها غاية الشغف، وعَلَّمَت له عدة جوارٍ ثم ماتت عنده، فكان لشدة وجده بها وأسفه عليها لا يزال يهذي بمعبد ويسأل عنه ويظهر له التعصب إلى أن بلغ معبدًا خبرُهُ وعرف أنه من أهل اليسار والمروءة، وأنه لو قصده انتفع به فمضى نحوه. فلما قدم البصرة سأل عنه فقيل: اليوم انحدر إلى الأهواز، فأسرع معبد في أثره ليلحق به فطلب زورقًا فصادف الزورق الذي فيه الرجل، فقال له الرجل: أين تريد؟ قال: الأهواز، قال: وما تصنع هناك؟ قال: أنا رجل أُغني وأحببتُ أن أقصد بها الفتيان وأهل المروءة، فلما سمع الرجل ذلك قربه وأكرمه وفرش له موضعًا في الزورق من غير أن يعرف أحدهما الآخر، فلما حضر الطعام أكلا جميعًا وأتى بالنبيذ فشرب، وكان مع الرجل جوارٍ ممن كانت ظبية علمتهن، فأمرهن أن يغنين، فغنَّت إحداهن:
بانت سعاد وأمس حبلها اتخذما واحتلت الغور والأجراع من إضما
إحدى بَليٍّ وما هام الفؤاد بها إلا السفاه وإلا ذِكرةً حُلُما
والغناء لمعبد [تجد أداءَه] فقال لها معبد: إن غناءَك هذا ليس بمستقيم، فقال له الرجل: أبلغ من قدرك في الغناء أن تميز هذا الصوت، فالزم شأْنك؛ فأَمسك، وغنت بعده عدة أصوات وهو ساكت، ثم غنَّت لحنًا فاختلَّت به، فقال لها معبد: يا جارية قد أخللت بهذا الصوت إخلالًا شديدًا، فقال له الرجل: ويلك مالك والفُضول، فسكت حتى فرغت الجارية، واندفع معبد يغني الصوت الأول حتى فرغ منه، فصاح الجواري: أحسنت والله، أَعِده علينا، قال: لا والله، ولا كرامة، ثم اندفع في الصوت الثاني، فقلن لسيِّدِهن: هذا والله أحسن الناس غناءً، فسلْهُ أن يعيده علينا ولو مرة واحدة لعلنا نأخذه عنه فإنا لن نجد مثله أحدًا، فقال: أسلفنا عنده إساءة وقد سمِعتن جوابه، وانا أخشى إن سألته مسألةً، فما فرغ الصوت حتى زلزل الأرض، فوثب الرجل فقبَّل رأسه واعتذر إليه، ولم يزل به حتى سكن، فقال له: من أين لجواريك هذا الغناء؟ قال: أخذنَهُ عن جارية كانت لي يقال لها ظبية ابتعتها من الحجاز من تعليم الأُستاذ معبد، وكانت تحل مني محلَّ روحي من جسدي، فاستأثر الله بها، فأنا إلى الآن أَتعصب لمعبد ولغنائه، فقال له معبد: وإنك لأنت هو، فأنا والله معبد، وإليك أردتُ ولك قصدتُ، فسُرَّ الرجل به وقبَّل رأسه، وخرج الجواري فقبلن يديه ورجليه، فقال له معبد: والله لأُقيمن عندك حتى أصير جواريك مثل ظبية وأكثر، فأقام عنده سنة، وانصرف عنه وقد أجزل صلتهُ وجائزته وأحسن إليه.
قال إبراهيم الموصلي: حُدِّثتُ أن ابن عائشة وأصحابًا له كانوا يجتمعون كلَّ يوم عند واحد منهم ويطربون وبلغت النوبةُ إليه ولم يكن عنده ما يقوم به يومهم، فصاغ صوتًا في شعر مَدَحَ به العباس بن عليّ بن عبد الله بن العباس، فغدا عليه والعباس مريض وعند عُوادُه، فلما دخل إليه اندفع يغني:
أسهر بالليل من تذكُّرِ ما تسهَرُ منه والناس قد هجعوا
[ ٣٧ ]
فليت ما بي من صحةٍ بك أفديك وبي [منك] لا بك الوجع قال: فتهلل وجه العباس واستوى قاعدًا ثم قال: يا غلام الدنانير، فجاءَ بها فقال: أُحشُ لي فيه، قال: فرأيته يوسع في شدقيه ودعا له بتخت ثياب، فلما خرج، عدَّ الدنانير فإذا هي تسعون دينارًا تنقص واحدًا أو تزيد فأنفقها على أصحابه.
وقال إسحق: حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري، قال: كان عبد الله بن عمرو بن عثمان يلي صدقات عثمان بن عفان ﵁ وأحباسه وأوقافه وله أخٌ من أبيه يقال له عثمان بن عمرو ويلقب ب (خرا الزنج) سفيه مخنَّث مهتوك، فقيل له: ويلك أخوك من الجلالة والفضل على ما قد عَلِمه الناس، وهو يلي صدقات جدِّك، وأنت سفيه مهتوك، فلو لزمت المسجد واستقام مذهبك، جُعلت لك يدٌ مع أخيك، ولعلها كانت تفضي إليك بعده، وجعل قومٌ يحسدون عبد الله ويغرون أخاه بذكر هذا، وكان عبد الله أجمل أهل زمانه وكان يلقبب " قبة الديباج "، فذكر الماجشون قال: كان الناس يختلفون إليه وإلى عبد الله بن عبد الله بن عباس وهما بالمسجد يتأملون حسنهما ويزعمون أنهما أجمل أهل زمانهما فلزم " خرا الزنج " المسجد والصلاة والجماعة والقراءة حتى عُرف بالخير، ثم خاصم أخاه عبد الله عند القاضي وكان القاضي سيء الرأي في عبد الله فوجد " خرا الزنج " أن يدخل يده مع عبد الله في الوقف، ولم يأمنه عبد الله أن يفعل، لِلذي بينهما من الخلاف، فضاق به أمره، وكان يمزح مع أشعب، وجاءه أشعب فرآه مغمومًا، فقال: ما لك يا سيدي يا ابن الشهيد، فعرَّفه، فقال: إن احتلت الآن لتصرفه عن رأيه فلك مائة دينار، فإنه يقبل منك لما بينك وبينه، فقال له أشعب: كفيتُك، وجاء أشعب حتى أتاه في المسجد فقال له: ويلك ما هذا الشؤم الذي ألزمته نفسك، ما لك وللصلاة والقراءة ولزوم المسجد، تركت اللهو والطرب والغناء وشرب النبيذ والأكْبار والنايات والطبول، فقال له " خرا الزنج ": ويلك أنا أُخاصم عبد الله أخي في الوقف وقد وعدني القاضي أن يدخل يدي مع يده، فإذا فعل رميت بهذا كله وعدت إلى كل شيءٍ تعرف فلا تغتَّم، قال: فاحتل عليَّ في يومٍ واحدٍ تذكرني به أيامنا، قال: واله ما عنديفي هذا الوقت شيءٌ، قال له أشعب: فأنا أستلف لك من فلان التاجر مائة دينار، قال: فافعل ذلك، فمضى أشعب إلى التاج فقال: قد علمت أن " خرا الزنج " يأخذ منك الدرهم بعشرة، وغدًا يُدخل القاضي يدَه مع أخيه فلا يذهب لك عليه درهم واحد، فقد احتاج إلى مائة دينار تعامله عليها، فعرف التاجر الخبر بما ذاع عن القاضي فأعطاه المال وخرج " خرا الزنج " إلى قصره بالعرصة وأمر بفسطاط فضرب له هناك، وقال لأشعب: ويلك هل علم بنا أحد، قال: لا وحق أبيك الطيب، قال: اذبحوا لنا كذا، واطبخوا لنا كذا، فقال أشعب: يا سيدي أي شيء تأكل إلى أن يُدرك هذا الطعام؟ فإن: انتظاره يطول علينا، قال: ما تشتهي، قال: الرؤوس، قال: ويلك إن بعثت غلامًا لي إلى السوق في ابتياع الرؤوس لم آمن أن يسأل أحدٌ عنا فيخبر بموضعنا ويتصل بالقاضي فلا يتم ما نؤمله فقال له أشعب: فأنا يا سيدي أتلطف وآتيك بكل ما تحتاج إليه من غير أن يعلم أحد، قال: فدونك فركب دابةً وركض إلى السوق فأرهج السوق واشترى كل رأسٍ فيه، وجعل أهل السوق ينكرون ذلك لكثرة ما اشترى منها، فيقال له: ويلك يا أشعب ما تصنع بهذه كلها فيقول:
[ ٣٨ ]
لابن الشهيد، لأنه أخرجنا إلى النزهة في قصره بالعرصة ومعنا الأكبار والطبول والنايات والعيدان والمخانيث وكل شيء طيب فملأ به الدنيا، ومر أشعب بعبد الله بن عمرو فقال له: وافِني وقت كذا بمن قدرت عليه من العدول إلى قصر أخيك بالعرصة؛ ووافى أشعب بالرؤوس فقال: يا سيدي ما علم بنا أحدٌ من خلق الله، فقال: أحسنت ولطفت، فأكلوا وقدَّموا النبيذ وتضمَّخوا بالخلوق ولبسوا المصبغات والحُلي والشنوف؛ ثم أرسل عبد الله إلى أهل المسجد وأهل الفضل ووجوه الناس فقال: إن أخي عثمان تحامل عليَّ في حائطٍ بيني وبينه ولست آمن أن يقع بيننا اختلاف فأحبّ أن تحضروا معي حتى تحملوني وإياه على الحقَّ. فأسرع الناس معه وجعل " خرا الزنج " يقول لأشعب: ويلك غنَّني، فيغنيه من أجود أغاني الناس، لابن سُريج ومعبد ومالك ابن أبي السمح و" خرا الزنج " يقول له: دعني من هذا يا ابن الفاعلةة ويعطف على من معه من المخانيث ويقول: شدوا طبولكم وأنفخوا في السريانات وغنوا معي، وارهجوا الأكبار والطبول والسريانات، وجعلوا يغنون معه:
يا أُم حوفزانة هيِّ لنا الأتانة
فما زالوا على هذا حتى هجم عليهم عبد الله بن عمرو ومن معه من الفقهاء والعدول وفي عنق عثمان وهو خرا الزنج كبرٌ، وفي عنق أشعب طبل وقد سكرا، فقال عبد الله للعدول: هذا الذي يريد القاضي [أن] يدخل يده معي في الوقف، فقال القوم: كلاّ والله، ما ذلك له، ولا هذا الرجل بأهلٍ أن يؤمن على نفسه فكيف يُؤمن على مال غيره، قبَّح الله هذا. فالتفت " خرا الزنج " إلى أشعب [وقال]: ماذا صنعت يا ابن الزاني، قتلني الله إن لم أقتلك فقال أشعب: يا مشؤوم، قد علمتث أنك متحوفز إلى النار حين جعلت تقترح عليَّ يا أُم حوفزانة، وقال للقوم: احملوني معكم وإلا قتلني، وجعل يحدثهم حديثه وهم يضحكون و" خرا الزنج " يعدو خلف دوابهم ويصيح: ردّوا عليَّ نديمي والقوم يلعنونه ويخنثونه حتى دخلوا المدينة فلقوا القاضي فأعلموه ما رأوا ولاموه في أمر عبد الله فعاد إلى إجلاله وتعظيمه وطرد " خرا الزنج " وإبعاده ووفى عبد الله لأشعب بالمائة دينار.
[ ٣٩ ]
قال مخارق المغني: لقيني أبو العتاهية فقال: أنا شديد الصبابة بك، متشوق إلى مجلس منك، كثير الوله نحوك، فقلتُ له: وما ذاك؟ قال: تمتعني بمجلسٍ منك، قلت: نعم، قال: فمتى، قلت: متى شئت، قال: غدًا، ثم قال لي: إني والله إن فارقتك على ميعاد ثم أخللت به اقترقنا، فندمتُ وقلتُ في نفسي: أنا عبد مملوك، فلا أدري ما يتهيأ لي من هذا، ولعل أمير المؤمنين يطلبني، وأبو العتاهية لا يقبل عذرًا، و[أَمّا] أنا فلا طاقة لي بلسانه فما صنعت بنفسي، ولم أنم من الفكرة حتى أضاء الفجر فحمدت الله تعالى إذ لم يأتني رسول، غدوت إليه فوجدته قاعدًا يُسبِّح بعد الصلاة فسلمت عليه فرَّحب بي وقصصت عليه ما أصابني فشكر ذلك وجزاني خيرًا وأخذنا في الحديث وهو قاعد في غرفةٍ له مشرفةٍ على بستان قد فتح إليه أبوابًا صغارًاتقابله، فمرة ينظر إلى البستان، ومرة ينظر إلى من يمُر في الطريق ونحن في أطيب موضع وقد أوسعني والله سرورًا وفوائد وطرائق اختبار، ثم قال: هل اشتهيت الطعام، قلت: نعم، فقال لغلامه: أحضر الطعام، فقرب الوضوء فغسلنا أيدينا ثم جاء بخوانٍ لطيف عليه سُكرُّجات في إحداهن ملحٌ وفي الأخرى مرق، ثم أقبل الغلام برغيفين واسعين حسنين، على كل واحد منهما دجاجة باردة وسكين، فأصاب وأصبت منها ثم أقبل بطبق عليه سكرجات مثل الأول ثم برغيفين مثل الأَولين عليهما دجاجتان مشويتان حارتان وسكين فأصبت وأصاب ثم رفع باقي الدجاجتين والرغيفين، ثم جدَّد طبقًا آخر مثل الأول عليه سكرجات ورغيفان عليهما فرخان باردان ثم مثل ذلك حارَّان ثم طبق عليه جامان فيهما سُرَّتا حوت مملوحة، ثم مثل ذلك عليهما سثرتا حوتٍ طريٍّ، مثل ذلك من جدي بارد، ثم حارٍّ، وذلك سوى ما على المائدة من كل لونٍ حارٍ وبارد، ثم أتى الغلام فقال: فرغت من الطبيخ وعندي كذا وكذا حتى عدَّد ألوانًا كثير، فالتفت إلي وقال: أدعُ بما شئت، فقلت: لم أُبقِ من شهوتي في الطعام شيئًا لما يأتي، فقال: الحمد لله، ثم جاء بالوضوء فغسلنا أيدينا، ثم جاء بحوضين من ساجٍ مرصعين، في كل واحدٍ منهما صينية فيها خرداذي، وقدح ومغسل وكوز ماءٍ باردٍ من نبيذٍ مصفَّى رقيق، ثم شرب وشربتُ حتى استوفينا ستةً وستةً، ثم قال: يا مخارق، غنِّ:
ذهب الشبابُ وليته لم يذهبِ ونعى الشباب مخبرٌ لم يكذب
بينا الشباب تسُرُّنا أَيامُهُ ونشوب لذته بلهوٍ معجب
نزل المشيب وقال جانب عقبتي وإخال أني سابق بك فأركب
فأندب عشيات الشباب فلن ترى مثل الشباب مودًِّا لم يُندب
فغنيته فبكى ثم قال: غنِّ:
بان الخليط، ولو طووعتُ ما بانا وقطَّعوا من حبال الوصل أقرانا
إن العيون التي في طرفها مرضٌ قتلننا ثم لم يُحيين قتلانا
يصرعنَ ذا اللب لا حراكَ به وهنَّ أضعف خلق الله إنسانا
فغنيته ثم قال: غنِّ:
أتصحو أم فؤادك غير صاح عشيَّة همَّ صحبُك بالرَّواحِ
تقول العاذلات علاك شيبٌ أهذا الشيب يمنعني مراحي
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح
[ ٤٠ ]
فغنيته فبكى، ثم قال: يا أبا المهنأ على اللهو السَّلام، والله لا يراني الله بعد هذا اليوم حاضرًا لهوًا ولا لعبًا ولا ذائقًا مسكرًا وقد ختمت الدنيا بغنائك، ثم عانقني وقال: [انصرف] إذا شئت، قال: وكنت من شدة حذري ركبت إليه وليس معي غلامٌ ولا شاكري ولا يعلم أحد في منزلي إلى أين غدوتُ، ورسلُ الرشيد في طلبي قد ربعوا بغداد وهم يضربون غلامي يسألونه عني ولا يعلم لي موضعًا حتى برزت من سكة أبي العتاهية فابتدرني غلامٌ لي ومعه الرسل، فكان وجهي معهم إلى القصر، فلم أُسأل عن شيءٍ حتى بطحت فضربت مائة مقرعة، ثم قيل لي: يقول لك أمر المؤمنين: أين كنت اليوم؟ فقلت: إن لي عذرًا لا أتكلم به حتى أرى وجهه، فدعاني فقصصتُ قصتي وقصته من أولها إلى آخرها على ما كانت، فقال الرشيد: فجعتنا والله بأبي العتاهية، إني لإخاله خاتمة لهونا، ثم قال: غني أصواته، فكررتها عليه صوتًا صوتًا، ثم حدثته عن طعامنا وشرابنا ومجلسنا، فقال: ما أحسن كلّ شيءٍ كنتم فيه، ثم قال: يا غلام، عشر بِدر، فلما أُتي بها ووضعت بين يديه قال: هذه المائة بتلك المائة، فقلت: يا سيدي، وددت والله لو كانت مائتين، فضحك، وأمر بعشرٍ أُخرى، فانصرفت بمائتي ألف وغدوتُ على أبي العتاهية فحدثته بما جرى وعرضت عليه المال، فقال: وددت يا أخي أني وقيتك الضرب وأنهم أضعفوا لك الصلة.
وحكى أحمد بن يحيى ثعلب عن عمرو بن شبَّة عن مخارق، قال: دخلت على أبي العتاهية في مرضه الذي مات فيه فلما رآني هشَّ إليوقال: ادنُ مني بأبي أنت وأمي فدنوت منه [وقلت] ما تحب، فقال: أحب أن أسمع منك:
أحمدٌ قال لي ولم يدر ما بي أتحب الغداة (عتبة) حقا
فتنفست ثم قلت: نعم حُبًا جرى في العروق عرقًا فعرقا
لو تبينت ما يجن فؤادي لرأيت الفؤاد قرحًا تفقا
قال: فغيته، فقال: كأني حييت بك واستعاده مرارا فأعدته فقال: انصرف راشدًا، وسألني أن آتيه في غدٍ وقال: إن لم تأتني متُّ فجئته من الغد فقال: غنِّي:
إذا ما انقضت عني من العيش مُدتي فإن غناء الباكيات قليل
ستُعرض عن ذكري وتنس مودتي ويحدث بعدي للخليل خليل
فغنيته وأُغمي عليه وخرجت من عنده فلحقني من عرَّفني بوفاته.
واجتمع دعبل وصريع الغواني وأبو نواس وأبو الشِّيص فقال أبو نواس: إن مجلسنا هذا قد شهر باجتماعنا فيه ولهذا اليوم ما بعده، فليأت كل امرئ بأحسن ما قاله فليُنشده، فأنشد أبو الشيص:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخرٌ عنه ولا متقدمُ
وأنشد صريع:
أُجررت حبل خليعٍ في الصِّبا غَزِلِ وقصرت همم العذال عن عذلي
أنشد دعبل:
أين الشباب وأيةً سلَكا لا أين يطلب، ضلَّ، بل هلكا
ثم سألوا أبا نوا أن ينشدهم فأنشد:
لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هندِ واشرب على الورد من حمراءَ كالورد
فسجدوا له فقال: أفعلتموها أعجمية، لا كلمتكم ثلاثًا ولا ثلاثًا ولا ثلاثًا، ثم قال: تسعة أيام في هجر الإخوان كثيرة، وفي هجر بعض يوم استصلاح المفاسد وعقوبةٌ على الهفوة، فإن أيام العمر أقلُّ من أن تمحق بالهجر.
وأُشيع عنه أنه نزع عما كان عليه من البطالة وشرب الخمر، فاجتمع أصحابه وأقبلوا عليه يهنئونه بذلك، فوضع بين يديه باطية وجعل لا يدخل عليه أحد يهنئه إلا شرب رطلًا وأنشد:
قالوا انزعت ولمّا يعلموا وطري في كل أغيد ساجي الطرف ميّاسِ
كيف النزوع وقلبي قد تقسمه لحظ العيون وقرع السن بالكأس
لا خير في العيش إلا المجون مع الأكفاء والراح والريحان والآسِ
ومسمع يتغنى والكئوس لها حَثٌ علينا بأخماس وأسداس
يا موري الزَّند قد أعيت قوادحه اقتبس إذا شئت من قلبي بمقباس
ما أقبح الناس في عيني وأسمجهم إذا نظرت فلم أُبصرك في الناس
[ ٤١ ]
وكان أبو عبّاد النميري يقول: لو وجدت خمرًا زيتية ذهبية أصفى من عين الديك وعين الغراب ومن ماء المفاصل، وأحسن حمرةً من الزاد ومن نجيع غزال ومن قوة الصباغ، لما شربتها حتى أعلم أنها من عصير الأرجل وأنها من نبات القُرى ووسط دسكرة وأن العنكبوت قد نسج عليها، وحولها دجاج وفراريج، وتمام ما أُريد أن تكون رقطاء، ويكون بائعها شيخًا، لا يفصح بالعربية مجوسيًا اسمه شهريار أو يهوديًا اسمه شلوما أو نصرانيًا اسمه يامروا.
وفي وصية أبي ثمان الجاحظ لشطار اللصوص: إياكم وحبَّ النساء وسماع ضرب العود وشرب نبيذ الزبيب واللعب بالشطرنج، وعليكم باتخاذ الغلمان، فإن غلامك غدًا أنفع لك من أخيك وأعونُ لك من ابن عمك، وعليكم بنبيذ التمر وضرب الطنبور واللعب بالنرد وما كان عليه السلف، واجعلوا النقل باقلاء، وإن قدرتم على السفرجل ووالتفاح والفستق واللوز، واتخذوا الريحان، وإن قدرتم على الورد والياسمين، واجعلوا لهوكم الحمام وهراش الكلاب، وإن قدرتم على الكباش والصقور والفهود والديكة فلا تقصروا في أمره، فإن له صبرًا ونجدةً ورغوانًا وتدبيرًا وإعمالًا للسلاح، هذه وصيتي فافهموها واعملوا بها ولا تتعدوها.
ودعا الأخطل شابٌ من شباب الكوفة فقال: يا ابن أخي، أنت لا تحمل مئونتي، فلم يزل يسأله حتى مضى معه فأتى البا فنادى: يا شقراء، فخرجت إليه أمه، فقال لها: هذا ضيفي أبو مالك فباعت غزلًا لها واشترت له لحمًا ونبيذًا وريحانًا فأكل وشرب فقال:
لعمرك ما لاقيت يوم معيشةٍ من الدهر إلا يوم شقراء أقصرُ
حوارية لا يدخل الفقر بيتها مطهرةٌ يأوي إليها مطهرُ
إذا قلت يا شقراءُ قامت كأنها من الوحش ظبيٌ فاتر الطرف أحور
أقمنا بها نسقي سلافة قهوةٍ تموت بها أوصالنا ثم تنشر
كأن جلود القوم من طيب نشرها يُعَلُّ بها مسك ذكيٌ وعنبر
وكان جحظة من أنبناءِ البرامكة، كاتبًا شاعرًا ومغنيًا حاذقًا، وكان مع ذلك قبيح الوجه، جاحظ العينين، مشوه الخِلقة، فحدث عنه علي بن سعيد الكاتب قال: حدَّثني جحظة قال: إن كتمت عليَّ حدثتك بحديث ما مرَّ على مسامعك قطُّ مثله، قلت: أنا موضع لسرِّك والمجالس بالأمانة قال: بينا أنا جالس على باب داري يومًا إذ أقبلت جاريةٌ متنقبة راكبة على حمارٍ، بين يديها وصائف كالغزلان يحففن بها، ويمسكن عنان حمارها، وقد سطعت السكة من روائح طيبها، فبقيت حائرًا مبهوتًا أعجب من كمال خلقها، ونور ما بدا لي من وجهها، فلما حاذتني وقفت فسلمت عليَّ بعد أن تأملتني ساعة، فرددت عليها أحفي سلام وأبرَّه، وقمت على قدميَّ إجلالًا لها وإعظامًا، فقالت: يا فتى هل لك في منزلك محتَمَل للقائلة، في هذا اليوم، قلت: يا سيدتي، على الرحب والسعة ولك الفضل والمنة، فما كربت أن ثنت رجلها ونزلت وقالت: ادخل بين يديَّ، وأمرت جواريها فتوارين بموضعٍ أشارت إليه ثم دخلت وأنا أحسب جميع ما أراه نومًا لا يقظة وشكًا لا يقينًا، فلما استقر بها المجلس، مدت يدَها إلى خمارها فحلَّته، فكانت كما قال أبو حيَّة النُّميري:
فألقت قناعًا دونه الشمس واتَّقت بأحسن موصولين كفًّا ومعصما
[ ٤٢ ]
ثم فكرتُ في أمري وأنا لا أعقل من السرور، فقلت هذه جارية مغنية بلغها صوت من صنعتي فأرادت أن تأخذه عني، فقلت: يا سيدتي: أتأذنين في أن أقرّب ما حضر من طعام وشراب وأُغنيك ما لعله بلغك عني من متخيَّر أصواتي، فقالت: ما على ذلك من فوتٍ ولكن قُم الآن وشأانك، فاقض حاجتك ثم تصير إلى ما تريد، فقمت إليها وقد أخذني الزَّمع حتى لا أملك نفسي مهابةً لها فلما فرغت مما لك أكن آملُهُ لا تسمو همَّتي إليه قلت: يا سيدتي هل لك في الطعام وأدعو بالعود فأُغنيك ما قصدتِ إليه قلت: يا سيدتي هل لك في الطعام وأدعو بالعود فأُغنيك ما قصدتِ إليه، قالت: عسى أن يكون ذلك في يوم غير هذا، ومدت يدها إلى قناعها فاعتجرت به ونهضت مسرعةً ولم أُحر جوابًا وبقيت متحيرًا فلما صارت إلى الدهليز ودعت بجواريها قلت: سألتك بمن ترتجين شفاعته ما خبرك؟ قالت: لو تركت المسألة كانت أَحب إليك وأعود عليك، قلت: لا بد لي من علم حالك، قالت: أما إذا آليت فسأصدقك: لي ابن عمٍّ، وهو بعلي، وكان يضنُّ بي وأضنُّ به، وكلانا معجَب بصاحبه، فخالفني إلى حبشية لي مشوهة المنظر، فأقسمت بالأيمان المحرجة أن أطوف بغداد حتى أبذل نفسي لأقبح من أرى وجهًا، وأوحش من أقدر عليه صورة، فأنا أنصرف من الفجر إلى هذه الساعة من الهاجرة، فما رأيت بها على غاية ما طلبته، سواك، فبررت قسَمي، وإن عاد إلى مثل فعله عدتُ إليك لأني لم أجد أقبح منك. وهذا يسيرٌ في جنب ما تبلغه الغيرة بصاحبها، ثم تولت عني، وبقيت أخزى ممن دخل النار، فوالله يا أبا الحسن ما ظننت أن فرط القبح ينتفع به قط حتى كان ذلك اليوم، قلت: هوِّن عليك فإن القرد إنما يقعُ السرور به والضحك منه لتجاوزه الحّد في قبح الصورة، قال: فاكتم ذلك عليَّ، قلت: نعم.
وحكي أن أبا نواس والحسين بن الخليع وصريعًا والعباس ابن الأحنف خرجوا إلى متنزه لهم ومعهم رجل يقال له يحيى بن المعلى، فحضرت الصلاة، فقام يصلي بهم فنسي الحمد وقرأ: قل هو الله أحد فأُرتج عليه في نصفها، فقال أبو نواس:
أكثر يحيى غلطًا في قل هو الله أحد
وقال الخليع:
قام طويلًا راكعًا حتى إذا أعيا سجد
وقال ابن الأحنف:
يزحرُ في محرابه زحير حبلى بِوَلَد
وقال صريع:
كأنما لسانُه شُدَّ بحبل من مَسَد
قال محمد بن يزيد المبرِّد: خرج أبو تمام إلى خالد بن يزيد بن مزيد بأرمينية فامتدحه، فأمر له بعشرة آلاف درهم فقبضها، وسأله الإذن له في رحيله، فأعطاه نفقةً لسفره وودعه، ومضت أيام كثيرةٌ، فركب خالد متصيدًا، فرآه تحت شجرةٍ وقدامه زُكرة فيها نبيذ وغلام حسن الوجه بيده طُنبورٌ يغنيه، فقال: حبيبٌ قال: نعم، خادمك وعبدك، قال: ما فعل المال، قال:
علمني جودُك السماح فما أبقيتُ شيئًا لديَّ من صِلَتِكْ
ما مرَّ شهر حتى سمحت بِهِ كأن لي قدرةً كقدرتك
تنفق في اليوم، بالهبات وفي أشياءَ ما تجتنيه في سَنَتِكْ
فلست أدري من أين تنفق لولا أنَّ ربي يُمدُّ في هبتك فأمر له بعشرةِ آلاف أُخرى فأخذها وانصرف.
[ ٤٣ ]
وروى المبرِّد قال: كان حارثة بن بدر الغداني رجل بني تميم في وقته، وكان قد غلب على زيادٍ، وكان الشراب قد غلب عليه، فقيل لزياد: إن هذا قد غلب عليك وهو مشتهرٌ بالرشاب، فقال زياد: كيف لي باطِّراح رجلٍ يسايرني مذ دخلت العراق، فلم يَصْكك ركابي ركابه، ولا تقدَّمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فأدرت عنقي إليه، ولا أخذ عليَّ الشمس في الشتاء قط، ولا الرَّوْح في صيف قط، ولا سألته عن علمٍ إلا ظننت أنه لا يحكم غيره، فلما مات زياد جفاه عبيد الله فقال له حارثة: أيها الأمير ما هذا مع معرفتك بالحال عند أبي المغيرة، فقال له عبيد الله: إن أبا المغيرة قد كان برع بروعًا لا يلحقه معه عيبٌ، ولا حدث، وإنما أُنسب إلى من يَغْلب عليَّ، وأنت رجل تُديم الشَّراب فمتى قرَّبتك وظهرت رائحة الشراب منك، لا آمن أن يُظن بي، فدع النبيذ وكن أول داخِل وآخر خارج عني، فقال له حارثة: أنا لا أدعه لمن يملك ضرِّي ونفعي، أفأدعه للمال عندك، قال: فاختر من عملي ما شئت، قال: توليني رام هرمز، فإنها أرض طيبة وسُرق فإن شرابًا وُصف لي، فولاّه إياها، فلما خرج شيَّعه الناس، فقال أنس بن أبي أُنيس:
أحار بن بدر قد وليت ولايةً فكن جُرذًا فيها تخون وتسرق
ولا تحقرن يا حار شيئًا وليته فحظك من ملك العراقيين (سُرقُ)
وباهِ تميمًا بالغنى، إن للغنى لسانًا به المرءُ الهيوبة ينطق
فإن جميع الناس إما مكذِّبٌ يقول بما تهوى وإما مصدِّقُ
وحكى الهيثم بن عدي قال: بعث الحجاج بن يوسف أربعة آلاف رجل من أهل الكوفة إلى خراسان فاصطحب في الجيش ثلاثة فتيان يقال لأحدهم أوس بن خلد، وللآخر نصر بن غالب والآخر أُنيس بن بدر، فنزلوا مدينة مَرْو فأقبلوا على لذتهم، مدمنين على شرابهم بالخوض في مستعذب الحديث وإنشاد الشعر ومذاكرة أيام الناس والمؤانسة، فاعتلَّ أوسٌ فمات، فاشتد عليه جَزَعُ أخويه وطال بكاؤهما وحنينهما إليه وكانا يخرجان كل يومٍ إلى قبره فيرثيانه ويتحدثان ويتناشدان كالذي كانوا يفعلون، وإذا دارت الكأس شرب كل واحدٍ كأسه لاوصبَّا على قبر أوس كأسًا، فإذا أمسيا رجعا إلى رحلهما فلبثا على ذلك برهةً من زمانهما، ثم إن أُنيسًا مرض أيامًا فمات، فدُفن إلى جنب صاحبه، فكان نصر يخرج كل يوم فيجلس بين قبريهما فيرثيهما ويبكي عليهما، وكلما شرب كأسًا صبَّ على قبر كل واحدٍ منهما كأسًا ومعه غلام كان يخدمهم، قال: فلما عمل الشراب فيه ذات يوم جعل يلزم هذا القبر تارةً وهذا أُخرى ويبكي ويقول:
خليليَّ هبَّا طالما قد رقدتما أجِد كما ما تقضيان كراكما
أجِد كما ترثيان لموجعٍ حزينٍ على قبريكما قد رثاكما
أُقيم على قبريكما لست نازحًا طوال الليالي أو يجيب صداكما
تنامان عمَّن لا ينام صبابةً كأن الذي يسقي العقار سقاكما
أُناديكما وجدًا وشوقًا إليكما فلا تسمعان الصوت ممن دعاكما
أصبُّ على قبريكما من مدامتي فإلاَّ تذوقاها تروِ ثراكما
سأبكيكما طول الحياة وما الذي يُرَدُّ على ذي لوعةٍ إن بكاكما
فلم يزل يردد هذا الشعر حتى زفر زفرةً فاضت فيها نفسه فدفن إلى جانب صاحبيه، فقبورهم تسمى قبور الإخوة، وفتيان المدينة ينتابون قبورهم فيشربون ويصبون من شرابهم عليها.
وكان يحيى بن عبيد الله الحارثي ماجنًا شاعرًا متهمًا في دينه، وهو القائل:
أقول لذي طربٍ فاتكٍ إذا ملَّ ذو النسك من نُسكه
دع النسكَ ويحكَ لا تبغِهِ وعاون أخاك على فتكه
لا تقع الدهر في صاحبٍ وإن أكثروا فيه بل نَكِّهِ
ولا تبكين على ناسك وإن مات ذو طربٍ فابكِهِ
ومنهم عليٌّ بن الخليل وكان مشتهرًا في الشراب مدمنًا عليه، وهو الذي قال:
لا تكمل اللذات إلا بالقيان وبالخمور
هتك الستور وإنما اللذاتُ في هتك الستور
واخلع عذارك في الهوى واصبر لنوبات الدُّهور
ودع العواذل لا يفقن عليك من دقِّ الصدور
واعلم بأنك راجعٌ حقًا إلى ربٍّ غفور
[ ٤٤ ]
ومنهم حمَّاد عجرد وكان خليعًا ماجِنًا متهمًا في دينه، وفيه يقول الشاعر:
نعم الفتى، لو كلن يعرف ربَّهُ ويقيمُ وقت صلاته حمَّادُ
هدلت مشافرَهُ الدِّنانُ وأنفه مثل القدوم يسُنُّها الحدَّادُ
وابيضَّ من شرب المدامة وجهُهُ فبياضُه يوم الحساب سوادُ
وكان يهاجي بشارًا، وكان حمَّاد يؤدب ولد الربيع الحاجب، فقال بشار:
يا أبا الفضل لا تنم وقع الذئبُ في الغنم
إن حماد عَجْردٍ شيخ سوءٍ كما اعتلم
بين فخذيه حربةٌ في غلافٍ من الأدم
فهو إن راءَ غفلةً مجمج الميم بالقلم
فلما بلغت البيات الربيع صرف حمادًا عن تأديب ولده.
ومنهم والبة بن الحباب الأسدي وهو الذي ربّى أبا نواس وأدَّبه وعلَّمه الفتوة وقول الشعر، وكان والبة ظريفًا، شاعرًا ماجنًا، يقال إنه كشف يومًا عن فقْحةِ أبي نواس فأعجبه حُسنها، فضرط عليه أبو نواس، فقال له والبة: ما هذا؟ فقال: أما سمعت المثل: جزاءُ من قبَّل الاست ضرطة، فزاد عجبًا، وعَلِكم أنه سيخرج ماجنًا، ووالبة القائل:
مزجت له مشعشعة شمولًا معتقةً كرقراق الشراب
فخلت على ترائبها نجومًا مطوفةً على ذهبٍ مذابِ
ومنهم فضل القراشي، وكان شاعرًا ماجنًا خليعًا يهاجي أبا نواس، وهو القائل:
ألا لا تعذلاني قد وهبت للذتي نسبي
إذا ما الماء أمكنني وصفو سلافة العنب
صبيت الفضة البيضاء فوق قُراضة الذهب
فأَسبُك منهما طربًا فزرني تلفِ ذا طربِ
ومنهم سلم الخاسر، وكان شاعرًا ماجنًا، وسميَّ الخاسر لأنه باع مصحفًا ورثه عن أبيه واشترى بثمنه طنبورًا، وهو القائل:
أمزج الراحَ براح واسقني قبل الصباح
ليس من شأني فدعني شربُ ذا الماء القراح
ونظر رجل إلى أبي نواس وهو بقُطْرُبُّل وفي يده كأسٌ وبين يديه عنب وزبيب، فقال له: ما هذا يا أبا علي، قال: الأب والابن والروح القدس، وهو القائل: إن تكونا كرهتما لذة العيش م حذار العِقاب يوم العقاب
فدعاني وما ألذ وأهوى وادفعاني في نحر يوم الحساب
وروى أحمد بن صالح قال: رأيت أنا نواس يومًا وقد كنس مسجدًا ورشَّه ونفض ترابه فقلت له: ما هذا، قال: يرتفع إلى السماء خبر ظريف! وروى الحِرمازي قال: قدم البصرة أعرابيان يقال لأحدهما جيدان وللآخر سيدان من تهامة، فقصدا الوالي وقد امتدحاه، فبينما هما في بعض الطرقات إذا هما ببرذون عابر فاتقاه جيدان فطرده عن نفسه فعاج على رجل سيدان فقطع اصبعًا من أصابعه، فتعلقا بالبرذون ولحقه صاحبه فقدماه إلى الوالي فأخذ لهما منه أرْشَ الإصبع خمسمائة درهم فقال جيدان لسيدان: ما تبغي من الوالي وهذه الدراهم معنا، مِل بنا إلى دار الخمار فإذا أنفدنا ما معنا رجعنا إليه فمالا إلى بيت خمَّار، فلما سكر جيدان أنشأ يقول:
فلا عطش ما دام في الدنِّ قطرةٌ وما بقيت في رجل سيدان إصبع
قال أبو جعفر الحنفي: دعاني يومًا بعض إخواني فوجدت عنده العباس بن الأحنف وأبا نواس فما زالا لا يتذكران ويتناشدان إلى ان قام العباس، فقلت لأبي نواس: كيف رأيك في العباس؟ قال: هو أرق من الوهم وأحسُّ من الفهم، ثم عاد وقام أبو نواس فسألت العباس عن رأيه فيه، فقال: أبو نواس أقر للعيون من إنجاز وعدٍ بعد يأسٍ، فلما أخذ الشراب منا مأخذه قال أبو نواس:
إذا آخيت ذا مجدٍ فلا تعدل بعباس
فنعم المرء إن نازعت يومًا ذروة الكاس
فقال العباس:
إذا نازعت صفو الكاس يومًا أخا ثقة فمثل أبي نواس
فتى يرضى الخليل ويصطفيه إذا ما خَلَّة نزلت بناس
ثم تناول أبو نواس قدحه فقال:
أيا عباس خذ كأسك إني آخذ كاسي
فأخذه وقال:
نعم يا واحد الناس على العينين واراس
فقال أبو نواس:
فقد طاب لنا المجلسُ بالنسرين والآس
فقال العباس:
وأقوامٌ بها ليلٌ كرامٌ غير أنكاسِ
فكنا في أطيب يوم بهما، قد شغلانا عن السماع بما يدور بينهما.
[ ٤٥ ]
وحُكي عن الحسين الخليع أنه قال: كنت مع أبي نواس إذ سمع غلامًا يقرأ: كلما أضاءَ مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا، فقال اسمع، وأنشدني:
وسيارة ضلت عن القصد بعدما تجلَّلهم جنح من الليل مظلم
فلاحت لهم منا على البعد قهوةٌ كأن سناها ضوءٌ نار تَضرَّم
إذا ما حسوناها أقاموا مكانهم وإن مزجت حشو الركاب وأمموا
فلُمتُه على التعرض لمثل هذا، فقال: لسان نطق عن خاطرٍ لا يعتقد.
وقال محمد بن مصعب: لم يسرق أأبو نواس هذا من القرآن ولكنه أخذه من قول شاعرٍ سبقه:
وةليلٍ بهيم كلما غورت لهم كواكبه عادت فما تتزيَّلُ
يتيهون، إما أومض البرق يمَّموا وإن لم يلح فالقوم بالسير جُهل
وذكروا أن أبا نواس، وداوود بن رزين وحسين الخليع وعمرًا الوراق وحسينًا الخياط، اجتمعوا في منزل عنان جارية الناطفي، فتذاكروا وتناشدوا، فلما أرادوا الانصراف قالوا: أين نحن العشية، فقال كل واحد منهم عندي، فقالت عنان: بالله إلا قال كلُّ واحدٍ منكم شعرًا وتراضيتم بحكمه فيكم، فقال داوود بن رزين:
قوموا إلى طيب لهو في ظل بيت كنين
فيه من الورد والمزرجوش والياسمين
وريح مسكٍ ذكيٍّ من ابنة الزرجون
وقينة ذات غنجٍ وذات عقل رصين
تشدو بكل ظريفٍ من محكم ابن رزينِ
وقال أبو نواس:
لكن إليَّ ثقاتي قوموا بنا بحياتي
قوموا نلذ جميعًا بقول هاكَ وهاتِ
فإن أردتم فتاةً أتيتكم بفتاةِ
وإن أردتم غلامًا صادفتموه مواتي
فساوروه جميعًا في وقت كل صلاةِ
وقال الخليع:
أنا الخليع فقوموا إلى شراب الخليع
إلى شراب ولهوٍ وأكل جدي رضيع
ونيك أحوى رخيمٍ بالخندريس صريع
في روضة جادها صوب غاديات الربيع
قوموا تنالوا جميعًا منال ملك رفيع
وقال عمرو الوراق:
قوموا إلى بيت عمرو إلى سماع وخمر
وقُرطُقيٍّ رخيم يزهي بجيدٍ ونحرِ
فذاك برٌ وإن شئتمُ أتينا بهُجر
هذا وليس عليكم أولى ولا وقت عصر
وقال حسين الخياط: قضت عنان علينا بأن تزوروا حسينا
وأن تقروا لديه باللهو والقصف عينا
فما رأينا كظرف الحسين فيمن رأينا
قوموا قولوا أجزنا ما قد قضيت علينا
وقالت عنان:
لكن لدينا أقيموا بالله كي نتسلى
وكي تنالوا لدينا أشهى النعيم وأحلى
فإن عندي حرامًا من الشراب وحِلاّ
لا تطعموا في سوايَ من البرية كلاّ
يا إخوتي خبروني أجاز حكمي أمْ لا؟
فقالوا كلهم بكلمة واحدة: قد رضينا بحكمك وأجزنا اختيارك وأقاموا عندها فمرّ أطيب ليلٍ وألذه.
قال الكلبي: صحب ذو الرمة رجلًا من بني أسد فيما بين البصرة والكوفة، فلما دنوا من الكوفة، جعل ذو الرمة يتشهى النبيذ والأسدي يشتهي الخمر فقال رجل من القوم: يا أبا الحارث هل لك في النبيذ إذا دخلت الكوفة، فقال ذو الرمة:
فكيف لنا بالشرب إن لم يكن لنا دراهم عند الخاتوي ولا نقدُ
أنحتال أم ندان، أم ينبري لنا فتىً مثل نصل السيف شيمته الحمد
له معشر بيض الوجوه مصالتٌ سما بهم آباؤهم وسما الجدُّ
قال: فسما له الأسدي، وقال: أنا والله أنبري لك يا ذا الرمة، فأدخل ناقةً له السوق فباعها بأربعمائة درهم فقصف بها عليهم.
يروى أن الفرزدق قدم المدينة ونزل على الأحوص فأكل وشرب وقال: وددت لو سمعنا غناءَ، فأتاه بمغنٍ فغناه:
أتنسى إذ تودعنا سليمى بفرعِ بشامة سقي البشام
ولو وجد الحمام كما وجدنا بسُليمان لاكتأب الحمام
فطرب الفرزدق، وقال: لمن هذا الشعر فقالوا: لجرير: ثم غناه:
[ ٤٦ ]
أسرى لخالدة الخيالُ ولا أرى عيشًا ألذَّ من الخيال الطارق
إن البلية من تملُّ حديثه فانقع فؤادك من حديث الوامق
فقال: لمن هذا الشعر، فقيل: لجرير، ثم غناه:
إن الذين غدوا بلبِّك غادروا وشلًا بعينك لا يزال معينا
غيضن من عبراتهن وقلن لي ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فقال: لمن هذا الشعر، فقيل لجرير، فقال الفرزدق، ما أحوجه مع عفافه إلى خشونة شعري وأحوجني مع فسوقي إلى رقة شعره.
وكان العماني الراجز مداحًا للملوك من بني أمية وبني العباس مشتهرًا بالشراب وهو الذي يقول لجاريته:
قومي أنظري كيفف نبيذي يا مُلَحْ إن لم يكن جاد فبولي في القدح
وناولينيه وقولي قد صَلحْ
قال أبو محجن الثقفي: إذا متُّ فادفني إلى جنب كرمةٍ تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفني في الفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
فأخذ أبو نواس هذا المعنى فقال:
خليليَّ إن متُّ لا تحفرا لي القبر إلاَّ بقُطْرُبّلِ
خلال المعاصرِ بين الكروم ولا تكثرا لي من الجندلِ
لعلي أسمع في حفرتي إذا عصرتْ موقع الأرجل
وأخذه بعد أبي نواس بكر بن خارجة فقال:
ادفنوني إن متُّ في أصلِ كرمٍ إن روحي تحيا بماءِ الكروم
واحنطوني بتربتها ثم رشوا كفني من رحيقها المختوم
وادفنوني بحانةٍ عند دنٍّ بفِنا عسكرِ الدنان مقيم
وقال أبو الهندي:
إذا حانت وفاتي فادفنوني بكرم واجعلوا زقًا وسادي
وإبريقًا إلى جنبي، وطاسًا تروي هامتي وتكون زادي
أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: مرَّ العجير السلولس بإخوانٍ له يشربون فعوه لمنادمتهم، فنزل عن ناقته وشرب، واحتاجوا إلى طعام على النبيذ فقال: هذه ناقتي فانحروها وكلوا لحمها، فنحروها وبقروا خاصرتها وأكلوا من كبدها وسنامها، وجعل العجير يتغنى:
عللاني إنما الدنيا عَلَل ودعاني من عتابٍ وعَذَلْ
إدرأا باللهو يومًا صالحًا واسقياني علَلًا بعد نَهَلْ
وانشلا ما اغبَّر من قِدرَيْكما واصبحاني، أبعد الله الجَمَلْ
وحكى الهيثم بن عدي قال: خرج عمارة بن الوليد، وكان أجمل فتيان قريش وأسمحهم، متنزهًا، فمرَّ بقوم يشربون فعرضوا عليه، فنزل عن ناقته فجعلوا يسقونه ولا يشربون، فقال لهم: لم لا تشربون؟ قالوا: نبيذنا قليل وقد أحببنا أن نؤثرك به، فقال لفتى منهم، يقال له غياث بن ديهب، اذهب بناقتي هذه فبِعها ولا تماكس، وابتع بثمنها شرابًا، ففعل، وأنشأ عمارة يقول:
خليليَّ قد خف الشراب ولم أجد له سورةً في عظم رأسٍ ولا يد
خليليَّ هذي ناقتي فاشربا بها فلا خيرَ في الشرب القليل المصرد
ولا تبعثا إلا غياث بن ديهبِ إذا سيم عند البيع لم يتشددِ
وجاء الشراب فشربوا وانصرف إلى امرأته، فسألته عن ناقته فأخبرها الخبر فقالت: كلاّ ولكنهم أسكروك وخدعوك فقال:
أسَرَّك لما صُرع القومُ نشوةً أن أخرج عنهم غانمًا غير غارم
وحتى كأني لم أكن قبلُ فيهمُ وليس خداعٌ من فعال الأكارم
ولكننا شربٌ كرامٌ نديمنا بنا بَهِجٌ باللهو ليس بواجِمِ
وشرب مالك بن أسماء مع إخوانٍ له، ففني شرابهم ولم يحضره نقدٌ فأعطاهم مُطرفًا كان علي، فاشتروا بثمنه شرابًا، فلما عاد إلى منزله لامته جاريته فقال:
يسُرُّك أن أكون، وذاك عيبٌ عليَّ، كمن ينال ولا يُنيلُ
ويغرم من ينادمه اغتنامًا وذاك على أخي جودٍ ثقيلُ
أبت لي ذاك، مأثرةٌ نماها كريمٌ، فضلُ نائلِهِ جزيلُ
ودخل رجل على قومٍ يشربون وعندهم قينة تغنيهم فقيل له: أي صوت تشتهي أن تغني لك، وكان جائعًا فقال: لشيش مقليٌّ.
وقيل لأعرابي: كم تشرب من النبيذ، فقال: على قدر النديم.
[ ٤٧ ]
ودخل حارثة بن بدر الغداني على زياد، وكان مدمنًا للشراب وبوجهه أثر، فقال له زياد: ما هذاالأثر بوجهك؟ فقال: أصلح الله الأمير، ركبت فرسًا أشقر فجمح بي حتى صدمني الحائط، فقال زياد: [لو] ركبت الأشهب لم يُصبك مكروه.
وسقى قوم أعرابيًا فقالوا له: ألا تمزج كأسك، فقال: حسبها ما شَرَبَت في كرمها.
دعا أعرابي فقال: اللهم أسألك ميتة كميتة أبي خارجة، قيل له: وما ميتته؟ قال: أكل لحم جمل وشرب نبيذ عسلٍ ونام في الشمس، فمات شبعان ريَّان دفآن.
وقال يحيى بن خالد: الأيام أربعة؛ ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب، ويوم الشمس للحوائج.
وكان رجلٌ من الأزد يكنى أبا شملة قد تتابع في الخمر وغلبت عليه، فأُتي به رسول الله (ص) وهو سكران، فأخذ رسول الله (ص) قبضة من تراب فضربه بها وقال: اضربوا الخبيث، فضربه الناس بأيديهم وبالنِّعال وأطراف النخل، فلما وليَ أبو بكر ﵁، أُتي بسكران، فسأل: كم ضرب رسول الله (ص) أبا شملة؟ قالوا: ما ندري، قال: كم كنتم؟ قالوا: عشرين رجلًا، قال: فكم ضرب كل رجل؟ قالوا: الضربة والربتين والثلاث، قال: فلو رددنا قليل ذلك على كثيره فجعلنا لكل رجل ضربتين، فضربه أربعين.
فلما ولي عمر بن الخطاب ﵁، كتب إليه أبو عبيدة ابن الجراح (رض) من الشام: إن الناس قد تتايعوا في شرب الخمر، وقد ضربت فيها الأربعين فلم تغن شيئًا، فجمع عمر رجالًا من أصحاب رسول الله (ص) فشاورهم، فقال عليّ: إني لا أرى حدًا أشبه بحد الفرية منه، إن الرجل إذا سكر وإذا هذى افترى، فقال عمر للرسول: قد سمعت ما قال فمر أبا عبيدة أن يضربها، فضرب أبو عبيدة بالشام ثمانين، وضربها عمر بالمدينة.
وعرض عبد الملك بن مروان على الأخطل الإسلام، فقال: يا أمير المؤمنين إني مشغوف بالخمر، أفرأيت إن أسلمت تدعني وشربها؟ قال: لا يا أخطل، لا أُحل لك ما حرم الله عليك، وإن أسلمت ثم شربتها حددتك، قال: لا حاجة لي في الإسلام، ودين آبائي أحبُّ إليَّ، فقال عبد الملك: وما تبلغ الخمر منك؟ قال:
فلسن بصائمٍ رمضان طوعًا ولست بآكلِ لحمَ الأضاحي
ولست بقائمِ أبدًا أُنادي كمثل العير، حي على الفلاح
ولكنِّي سأشربها شمولًا وأسجدُ عند مُنبلجِ الصباح
ودخل الأخطل على عبد الملك وهو سكران، فقال: ما هذا يا أبا مالك فقال:
إذا شرب الفتى منها ثلاثًا بغير الماء حاول أن يطولا
مشى قرشيَّة لا عيب فيها وأرخى من بنائقه فضولا
قال أبو أُمية التميمي: دخلتُ على الأخطل وبين يديه شراب، فناولني منه كأسًا، وقال: أنعم حيَّاك الله، فقلت: إني حنيف، ولا تحلُّ لي الخمر، فكلح في وجهي ثم قال: ما أدخلك عليَّ؟ قلت: إني رجل أُحبُّ أحاديث العرب وأشعارها فأحببت الاجتماع بك، قال: فسُرِّيَ عنه، ثم قال: أما والله ما نعتها أحدٌ نعتي لها، يعني الخمر، فقلتُ: وما صلت يا أبا مالك، قال: قلت:
وإذا تعاورت الأكفُ زجاجتها نفحت فنال رياحَها المزكوم
وكأن شاربها أصاب لسانه من دار خيبر أو تهامة مُومُ
قال: قلت ولابن عمِّك الأعشى (مثلُها) قال: وكيف قال؟ قلت: قال:
من خمر عانة قد أتى لعصيرها حول تسلُّ غمامة المزكوم
قال: فضرب بكأسه الأرض وقال: أنا والله ما رأيت كاليوم قطّ، أني جعلته يجد ريحها، وأنه استلَّها استلالا.
وحكى ربعي الأنصاري: أن عجوزًا من الأعراب جلست في طريق مكة إلى فتيان يشربون نبيذًا لهم فَسَقَوْها قدحًا، فطابت نفسها، وتبسمت، ثم سقوها قدحًا آخر، فاحمرَّ وجهها وضحكت فسقوها قدحًا ثالثًا فقالت: خبِّروني عن نسائكم بالعراق أيشربن من هذا الشراب؟ قالوا: نعم، قالت: زَنَيْنَ وربِّ الكعبة، والله لئن صدقتم لما فيكم أحد يعرفُ من أبوه.
[ ٤٨ ]
وكانت طيف جارية عُلية بنت المهدي، مولدة عراقية حسنة الوجه والغناء، فلما ماتت عُلية خرجت من دارها وهي حرة فتزوجها رجل مقيِّن يُقيِّن عليها، وحضر عندها يومًا أبو نواس والحسين الخليع وجماعة من الأُدباء فأكلوا وشربوا وغنَّتهم، واقترح عليها أبو نواس صوتًا فكايدته وأبت أن تغنيه فقال لها كالعابث بها: رأيت البارحة في النوم كأني راكب على رَمَكة شهباء وعليها جُلٌّ وكانت عليها غلالة خضراء، فعلمت أنه يعرض بها فقالت له: إن صدقت رؤياك استدخلت في استك فجلة، فضحك والله كل من حضر، وخجل أبو نواس وغضب ولم يُنتفع به ذلك (اليوم)، ولم يحضر مجلسها بعد ذلك.
وأما عبد الصمد بن المُعذل، فسلك طريقة أبي نواس والحسين الضحاك فتوةً وظرفًا وإدمانًا وشعرًا، وهو الذي يقول:
لما رأيت الدِّيك قد صاحا والكوكب الدرِّيَّ قد لاحا
والليل قد أسبل ثوب الدُّجى والورد والخيريّ قد لاحا
ناديت فتيانًا ترى فيهم للكأسِ إفسادًا وإصلاحا
من هاشمٍ في بيت أكرومةٍ طووا على اللذات أكشاحا
يا إخوتي نال الكرى حظه فاغتبقوا الريحان والراحا
فرافعٌ رأسًا ومستلقيًا ونائم سكرًا ومرتاحا
ومن عجيب قوله:
أسقني إن سقيتني بالكبير إنَّ في شربه تمام السرور
أنا والله لست أكذبكم آنفُ من أن أُرى صريع صغير
وكان الأُقيشر الأسدي، مولعًا بالشراب وهو الذي يقول:
وصهباء جرجانيةٍ لم يطُفْ بها حنيفٌ ولم تَنْغِرْ لها ساعة قِدرُ
أتانب يها يحيى وقد نمت نومةً وقد غادرت الجوزاءُ أو خفق النسر
ولم يَحْضُضِ القس المتيم نارها طروقًا ولم يشهد على طبخها جمر
فقلتُ اغتبقها أو لغيري أسقها فما أنا بعد الشيب، ويبك، والخمر
تعففت عنها في العصور التي خلت فكيف التصابي بعدما كلأ العمر
إذا المرء وفىّ الأربعين ولم يكن له، دون ما يأتي، حياءٌ ولا سترُ
فدعه ولا تنفِس عليه الذي ارتأى وإن جرَّ أسباب الحياة له العمرُ
وكان له جار صالح يقال له يحيى فقال: يا فاسق، أ، اجئتك بها، فقال له: يرحمك الله، ما أكثر يحيى في الناس.
قال إسحق الموصلي: أنشدت أُم الهيثم الإعرابية:
وكأس سلافٍ يحلف الديك أَنَّها لدى المزج من عينيه أصفى وأحسن
فقالت: لقد بلغني أن الديك من صالحي طيوركم وأعرفها بأوقات الصلاة، وما أحسبه كاذبًا. وقال أبو يوسف القاضي: كان لأبي حنيفة جارٌ كيال وكان لا يبيت إلا سكران، وكان أبو حنيفة طويل قيام الليل فكان الكيال إذا سكر غرَّد بصوتٍ عالٍ:
أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ليوم كريهةٍ وسدادِ ثغرِ
وفقد أبو حنيفة صوته ليلةً أو ليلتين، فقال لجاريته: ما فعل جارنا الكيَّال؟ قالت: أخذه صاحب الحرس، فلما أصبح أبو حنيفة أتى باب عيسى بن موسى فاستأذن به فأذن له، وكان قليل الزيارة للسلطان، فلما دخل عليه، قام إليه ورفع مجلسه وقال: أمرٌ ما غدا بك أبا حنيفة، قال: نعم، جارٌ لي أخذه صاحب العسس منذ ثلاث ليالٍ، فأمر عيسى أن يخرج كل من أخذ تلك الليلة إكرامًا لصاحب أبي حنيفة، وانصرف أبو حنيفة، فلما صار ببابه فإذا الكيال يقفوه، فقال، وتبسم إليه: هل أضعناك يا فتى، قال: لا والله، جعلتُ فداك، بل حفظت وأكرمت. وقال المتوكل لبختيشوع الطبيب: ما أفضلُ النُقل على النبيذ؟ قال: نقلُ أبي نواس. قال: وما هو؟ قال: قوله:
ما لي في الناس كلّهم مَثَلُ مائي خمرٌ، ونُقلي القُبَلُ
يوميَ حتى إذا العيونُ هَدَت وحان نومي فمفرشي كَفَلُ
[ ٤٩ ]
وشرب أحمد بن أبي طاهر وأبو هفان حتى فني ما معهما وكانا بجوار المعلى بن أيوب، فقال ابن أبي طاهر لأبي هفان: تماوت حتى أسأل المعلى في كفنك، فسجَّاه بثوبٍ وخرج إلى المعلى فقال: أصلحك الله، نزلنا في جوارك، فوجب حقنا عليك، وقد مات أبو هفّان، وليس له كفنٌ، فقال لوكيله: امضِ معه لتشاهده وادفع إليه كفنًا، فأتاه فوجده مسجىً، فنقر أنفه فضرط، فقال: ما هذا؟ قال: أصلحك الله، عُجلت له ضرطة القبر لأنه مات وعليه دين، فضحك وأمر لهما بدنانير.
ودعا ابن المعتز جماعة من المغنين فخلع عليهم، ولم يكن جحظة حاضرًا، فبعث إليه خلعةً إلى منزله وزاده عليهم فرسًا، فغاظهم ذلك، فنالوا منه، وبلغه قولهم، فكتب إلى ابن المعتز:
أطال لك العمر ربُّ السماءِ وزادك في الخير من خيره
أتاني الكُميت بلونٍ غريبٍ يباري الجنائب في سيرهِ
فأقعدتني منه في ظهرهِ وأُم الحسودِ على أيرهِ وقال أبو العنبس: دخلت على محمد بن إبراهيم بن مُصعب وهو على الرَّيّ فقال: يا أبا العنبس، إني سائِلُك عن ستة أشياء فأَعِّدَّ لهن جوابًا، [فإني سائِلُكَ] عن أطيب الطعام وألذالشراب وأذكى الرائحة وأمتع الغناء، وأشهى النساء، وأفره الخيل، قلت: أيها الأمير، ومتى عوَّدتك إعداد الجواب؟ سلْ عما أحببت بديهةً، فقال: ما أطيب الطعام؟ قال: طعامٌ وافق الجوع بلونٍ زافق الشهوة. قال: صدقت، فما ألذُّ الشراب؟ قال: كأس راحٍ يعاطيكها خليل، أو شربة ماءٍ باردٍ يُنقع بها غليلك، قال: صدقت، فما أذكى الرائحة؟ قال: رائحة بدنٍ تحبه أو ولدٍ تربه قال: صدقت، فما أشهى النساء؟ قال: التي تخرج من عندها كارهًا وتعود إليها والهًا، قال: صدقت، فما أفره الخيل؟ قال: الأسوق الأعنق الذي إذا طلب لم يُسبق، وإذا طُلب لم يُلحق، وإذا صهل أطربك، وإذا نظرت إليه أعجبك. قال: صدقت وأجدت، يا غلام أعطه مائة دينار، قال: قلت، أصلح الله الأمير، ومايتا دينار تكفيني، قال: وقد زدت نفسك مائة، يا غلامُ أعطه مائتي دينارٍ.
وقالوا: ثلاث يضيِّقن الصدر: رسولٌ بطيء، وسراجٌ لا يضيء، ومائدةٌ ينتظرُ لها من يجيء.
وقال أبو الرقعمَق: كان لي أخوانٌ أربعةٌ وكنتُ أُنادمهم في أيام الأُستاذ كافور، فجاءَني رسولهم في يوم بارد وليست لي كسوةٌ تحصنني من البرد، فقال الرسول: إخوانك يقرؤون عليك السلام ويقولون: ذبحنا اليوم إرخة سمينة فاختر ما يعمل لك منها مما تشتهيه، فكتب إليهم:
إخواننا عزموا الصبوح بسُحْرةٍ فأتى رسولُهُم إليَّ خصوصا
قالوا اقترح لونًا يجاد طبيخُهُ قلتُ اطبخوا لي جبةً وقميصا
فذهب الرسول بالرقعة فما شعرتُ حتى عاد ومعه أربع خلع وأربع صررٍ في كل صرةٍ عشرة دنانير، فلبست إحدى الخِلع وعدتُ إليهم.
وقيل لأبي الطمحان الشاعر: أخبرنا عن أدنى ذنوبك، اقال: ليلةُ الدير، قيل: وما ليلةُ الدير؟ قال: نزلتُ على نصرانية فأطعمتني طَفَيْشلًا بلحم خنزير، وسقتني خمرًا، وزنيتُ بها، وسرقتُ كُساها.
قال قتيبة بن مُسلم لقاضي مَرو: بلغني أنك تشرب النبيذ، فقال: نعم أصلحك الله أَشرب منه ما يبل العقل ويُطيب النفس ويغني عن الماء ويهضم الطعام، قال: فما أبقيت منه، قال: أبقيت أخبثه وأرداه؛ الاتكاء على الشمال، ومنادمة الأوغاد والاختلاف إلى المَبال.
ومات ابنٌ للعُتبي فجاء بعض معاشريه يعزيه فقال: رحم الله ابنك، فوالله ما حَبَسَ دورًا ولا ردّ تحية ولاتبرم من رطلٍ ولا فرَّ من دعوة، ولا سبق إلى خدر غلامٍ، ولا عربد على جليس، فقال العتبي: والله لقد سليتني عنه.
وقال يعقووب بن بشر: كنت مع إسحق بن إبراهيم الموصلي في نزهةٍ فمرَّ بنا أعرابي، فأرسل إليه غلامه زيادًا الذي يقول فيه:
وقولا لساقينا زيادٍ يُرِقُّها فقد هدَّ بعض القوم سَقْيُ زيادِ
فأتى الأعرابي فلما شرب وسمع حنين الدواليب قال:
حنَّت وليس تحنُّ من وجد وأحِنُّ من طربٍ إلى نجد
فدموعها تحيا الرياضُ بها ودموعُ عيني أقرحت خدي
وبساكني نجدٍ كلفت وما يغني بهم كلفي ولا وجدي
لو قيس وجد العاشقين على وجدي لزاد عليه ما عندي
[ ٥٠ ]
فطرب إسحق وشرب حتى ما مضى إلى منزله إلاَّ محمولًا.
وقال إسحق: كنا في مجلسٍ ومعنا مغنية طيبة وعندنا غادي المدني، وكان طيبًا حاضر النادرة، فتحركت الجارية فضرطت فتغافلنا فخجلت وقطعت الوتر، فلما سكنت التفتت إلى غادي وقالت: أيّ شيء تشتهي أُغنيك قال: غنِّني؛ يا ريح ما تصنعين بالدمن. فكان خجلها من قوله أشدَّ من خجلها لِما بدر منها ولم ننتفع بها سائر يومها.
وخرج إبراهيم الموصلي، وإسماعيل بن جامع إلى روضة معشبةٍ فتغديا وشربا فقال إبراهيم:
غنِّني صوتًا خفيفًا واسقني سقيًا عنيفًا
وامزج الكأس بماءٍ تلثم الخمر الشنوفا
وغنَّيا فيه بقية يومهما.
دخل مجنون على محمد بن سلاَّم مولى خزيمة بن خازم عندما قُتل أَبوه وهو كئيب حزين، فقال له المجنون: ما لي أراك مغمومًا؟ قال: وكيف لا أغتم، وأخٌ قد قتل، وسلطان جائر، ومكروهٌ يُتوقع، فقال له المجنون: إذا أصبتَ يومًا صالحًا فأسلخ جلده قبل أن يجيء سوم سوءٍ فيسلخ جلدك، فضحك ودعا بالطعام والنبيذ.
قالوا: أراد نصراني الانحدار إلى واسط، فاكترى زورقًا مفردًا وجلس فيه وحده، فلما همَّ بالانحدار وثب رجلٌ وثبةً فصار معه، فقال: ما هذا، ما هو زورق كِراء. قال: قد علمتُ ولكن لا بدَّ أن تحملني، فسارا وأخرج النصراني سفرته، فتقدم الرجل، فقال النصراني: إن هذا اللحم لحم خنزير. قال: معاذ الله، لحم خنزير بغداد لا يوجد رطلٌ منه بألف دينار، قال: فإني ذبحته بيدي، قال: تراني أقبل دعواك واندفع يأكل، ثم أخرج شرابه، وقال: هذه خمرة كما ترى، قال: معاذ الله أن تكون خمرًا، قال: أنا عصرتها بنفسي، قال: أنت عصرتها بيدك؟ قال: عصرها يهودي، قال: ما يكون إسناد أضعف من هذا، نصراني عن يهودي، نحن نكذِّب أكثر من يروي عن سفيان الثوري،ابي حنيفة، والله لو لم أشربه إلا كيادًا لهذا الإسناد الضعيف [لفعلت] .
وأخذ الطائف رجلًا صفعان وهو سكران فقال: اصفعوه، فقال وهو يُصفع: هكذا كنا نعمل منذ الغداة، فعلم أنه صفعان فتركه.
وكان للضحاك بن مزاحم صديق نصراني، فقال له: ما يمنعك من الإسلام؟ فقال له: حبِّي للخمر، فقال له: أَسلم واشربها، فأسلم، فقال له الضحاك: يا هذا إنك قد أسلمت، فإن شربتها حددْناك وإن رجعت قتلناك، فحسُن إسلامه.
قال الموصلي: ضُرب صهيبٌ المدني في الشراب، وكان الجلاَّد قصيرًا دميمًا فقال له: تقاصر لينالك السوط، فقال: ويلك، إلى أكل الخبيص تدعوني والله لو وددت أني أكون أطول من عوجٍ وأنت أقصر من يأجوج ومأجوج.
وقال جحظة البرمكي: خرج عبد الله بن محمد بن عبد الملك الزيات إلى المطيرة متنزهًا ومعه جاريته شَمول، وكانت من المحسنات فاستطاب المكان فأقام به مدةً طويلةً وكتب إليَّ:
شربنا بالمطيرة ألف يومٍ صبوحًا قبلَ أن يبدو النهار
وأفنينا العقار بها جراًا فلم يصبح بحانتها عُقار
فضج البائعون بها وقالوا أُناسٌ يشربون أم البحار
هُمُ ناسٌ ولكن أي ناسٍ بصحبة مثلهم خلع العذار
وسألني أن أصنع فيه لحنًا فصنعته هزجًا وزرته فأقمت عنده أيامًا في ألذ عيشٍ وأطيب متنزه، فلما انصرفت وصلني بأربعمائة دينار.
وكان الجمَّاز واسمه محمد بن عمرو صاحبًا لأبي نواس حتى فرَّق بينهما الدهر، وقيل له: صف لنا أبا نواس، فقال: كان أظرف الناس منطقًا وأغزرهم أدبًا وأقدرهم على كلامٍ وأسرعهم جوابًا، وأكثرهم حياءً، وكان أبيض اللون جميل الوجه مليح النغمة والإشارة، لا بالطويل ولا بالقصير، حسن العينين والضحك، فصيح اللسان، عذب الألفاظ حلو الشمائل كثير النوادر وأعلم الناس بكلام العرب راوية للأشعار علاَّمة بالأخبار.
قال ابن عائشة: مات رجل من أهل الشام فحضر الحجاج جنازته، وكان عظيم القدر فيهم فصلىّ عليه وجلس على قبره وقال: لينزل قبره بعض إخوانه؛ فنزل نفرٌ منهم فقال أحدهم وهو يسوِّي عليه: رحمك الله أبا فلان فلقد كنت، ما علمتُ، تجيد الغناء وتسرعُ ردَّ الكأس، ولقد وقعت بموضع سوء لا تخرج منه إلى يوم القيامة، قال: فما تمالك الحجاج أن ضحك، كان لا يضحك في جدٍّ ولا هزل، وقال للرجل: هذا موضعُ هذا، لا أُم لك، فقال: أصلح الله الأمير، فرسي حبيس في سبيل الله لو سمعه الأمير يتغنَّى:
[ ٥١ ]
يا لُبينيَ أوقدي النارا إن من تَهْوين قد حارا
رب نارٍ بتُّ أرمقها تقضمُ الهنديَّ والغارا
عندها ظبيٌ يؤرثها عاقد في الجيد تِقصارا
لأنبس الأمير على سَعَنَة، وكان الأمير يُلقب سَعَنة، وكان أقبح خلق الله صورة، فقال الحجاج: بالله أخرجوه من القبر، يا أهل الشام، ما أبين حجة أهل العراق في جهلكم، فلم يبق أحدٌ حضر القبر إلا استفرغ ضحكًا.
وقال سليمان بن أبي جعفر للأمين: لقد صحَّ عندي يا أمير المؤمنين أن أبا نواس زنديق، وشهد عليه جماعةٌ أنه أبرز كأس خمرٍ إلى المطر، فقيل له: لِم فعلت ذلك؟ قال: لأنهم يزعمون أن مع كل قطرةٍ ملك فأنا أشرب عددًا من الملائكة فأمر بحبسه.
ودخل الحسن خال الفضل بن الربيع، وكان يتعهد المحبوسين ويشفع فيهم، وكانت غفلة فقال لأبي نواس: ما جُرمُك حتى حُبست في حبس الزنادقة، أزنديق أنت؟ قال معاذ الله، قال: أفتعبد الكبش؟ قال: لا والله ولكن آكله بصوفه، قال: أفتعبد الشمس؟ قال: والله ما أجلس فيها من بغضها فكيف أعبدها؟ قال: أفتعبد الديك؟ قال: لا والله بل آكله، ولقد نقرني ذيكٌ مرةً فذبحتُ من أجله ألف ديك. قال: فلأي شيءٍ حبست؟ قال: لأني أشرب شراب أهل الجنة وأنام خلف الناس. قال: وأنا أيضًا أفعل ذلك، ثم خرج إلى الفضل، فقال: ما أحسنتم جواز نِعَمِ الله، تحبسون من لا ذنب له، سألت رجلًا في الحبس عن ذنبه فقال كذا وكذا، وعرَّفه بكل ما جرى بينه وبين أبي نواسٍ فضحك، ودخل على الأمين فأخبره، فأمر بتخليته، وقال في هذا:
يا ربّ إن القوم قد ظلموني وبلا اقتراف خطيئةٍ حبسوني
أما الأمين فلست أرجو دَفعَه عنِّي فمن لي اليومَ بالمأمونِ
فبلغت المأمون وهو بخراسان فقال: والله لئن بقيتُ له لأرفعنَّ شأنه، فمات قبل دخول المأمون بغداد سنة أربع ومائتين.
ولما بعث المأمون طاهر بن الحسين فظفر بعلي بن عيسى بن ماهان عمل كتبًا، فقرأ على المنابر بخراسان معائب الأمين يقول فيها: وإنَّ نديمه وجليسه رجل شاعر ماجن كافر يعرف بأبي نواس استخلصه دون سائر الناس لشرب الخمور وارتكاب المآثم وانتهاك المحارم، ويقوم رجل بين يديه فينشد للحَسَن مثل قوله:
ألا سَقني خمرًا وقل لي هي الخمر ولا تسقني سرًا إذا أمكن الجهر
وبح باسم من تهوى ودعني من الكُنى فلا خير في اللذات من دونها ستر
وقوله:
يا أحمد المرتجى في كل نائبةٍ قم سيدي نعصِ جبار السموات
فقام والليل يجلوه النهار كما جلا التبسم عن غرِّ الثَّنياتِ
وقوله:
ما جاءَنا أحدٌ يخبر أنه في جنةٍ من مات أو في نار
وقال إسحق بن إبراهيم: كان عندي أعرابي له فصاحة، فذكرته للفضل بن الربيع، فقال لي: أرسل به إليَّ، فلما دخل إليه قال: فيم كنتم، قال: في قدرٍ تفور، وكأس تدور، وغناءٍ يصور، وساقٍ لا يحور.
وقال بعض الأدباء: رأيت قاضيًا يقصُّ ويعظ، ثم رأيته بالعشيِّ في بيت نبَّاذ، فقلت: ما هذا. فقال: أنا بالغداة قاضٍ وبالعشي ماضٍ.
ودخل أبو الطيب المتنبي على عليّ بن إبراهيم التنوخي، فعرض عليه كأسًا فيها شراب أسود من الدُّوشاب [فقال]:
أغار من الزجاجة وهي تجري على شفة الأمير أبي الحسينِ
كأن بياضها والراح فيها بياضٌ محدقٌ بسوادِ عَيْنِ
ورآه قد شرب كأس خمرٍ فقال:
مرَتْكَ ابن إبراهيم صافية الخمر وهُنئتها من شاربٍ مسكرِ السكرِ
رأيت الحميا في الزجاجة بكفهِ فشبهتها بالشمس في البدر في البحر
وكان بدر بن عمار قد تاب عن الشراب مرةً بعد أخرى فدخل عليه أبو الطيب وهو يشرب فقال:
يا أيها الملك الذي ندماؤه شركاؤه في مِلكِهِ لا مًلكِهِ
في كل يومٍ بيننا دمُ كرمةٍ لك توبةٌ من توبةٍ في سفكه
والصدق من شيم الكرام فقل لنا أَمِنَ الشراب نتوب أم من تركِهِ وشرب عنده ليلةً، فلما أراد الانصراف قال:
مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي ورؤياك أحلى في العيون من الغمضِ
[ ٥٢ ]
سلام الذي فوق السموات عَرشُه تُخَصُّ به يا خير ماشٍ على الأرض
ولما كان في غدٍ عرض عليه الصَّبوح فقال:
رأيتُ المدامة غلاَّبة تُهيج للقلب أشواقه
تُسيء من المرءِ تأديبه ولكن تحسنُ أخلاقه
وقد مُتُّ أمسِ بها موتةً وهل يشتهي الموت من ذاقه
وشرب مع أبي محمد الحسن بن عبيد الله وأتى ببخور فقال:
أنشر الكباءِ ووجه الأمير وحسن الغناءِ وصافي الخمور
فداوِ خُماري بشربي لها فإني سكرتُ بشرب السرور
وشرب عند سيف الدولة كأسًا فوصفها، فقال أبو الطيب:
ألا أَذّنْ فما أَذكرت ناسي ولا لينت قلبًا وهو قاسي
ولا شُغل الأميرُ عن المعالي ولا عن حق خالقه بكاس قال ابن نوبخن: توفي أبو نواس في منزله فشيعته [وكان] يوم مات يترنم بشيءٍ سألته عنه فأنشدني:
باح لساني بمضمر السرِّ وذاك أني أقول بالدهر
وليس بعد الممات منقلبٌ وإنما الموت بيضة العُقر
والتفت إلى من حوله فقال: لا تشربوا الخمر صِرفًا فإنها أحرقت كبدي ثم طَفَى.
والأُقيشر من شعراءِ بني أسد وحلفائهم وفتيانهم، مدمن للشراب، وكان له حمارٌ يكنيه أبا المضاءِ، يركبه كل يوم إلى الحيرة ومعه درهمان هما قوته لطعامه وشرابه.
ومدح قيس بن محمد الأشعث فأعطاه ثلاثمائة درهم، فقال: لا أُريدها جملة، لكن تأمر وكيلك يعطيني كلَّ يوم درهمين، ففعل ذلك، فكانت إذا نفدت أمر له بمثلها.
وكان أبو دلامة ظريفًا ماجنًا حلو الشعر مدمنًا للشراب.
دخل على إسحق بن الأزرق وهو عليل وعنده الأطباءُ يصفون له ضروبًا من الأدوية، فقال بديهةً:
نحِّ عنك اطبيب، واسمع لنعتي إنني ناصح من النُّصَّاح
لا تعرج على دواءٍ ولكن غادِ هذا الكباب كل صباحِ
وإذا ما عطشت فاشرب ثلاثًا من عتيق في الشم كالتفاح
ثم عند المساءِ فاعكف على ذا وعلى ذا بأعظم الأقداح
فتقويالضعيف منك وتُلفى عن قريب أصحَّ كل الصحاح
وهذا أبو الشِّيص، نقيُّ الكلام متخير الألفاظ، مدَّاحٌ للخلفاءِ، لاحق بالفحول، يقول الشعر وهو مدمن على الشراب، قال فيها:
وكُميتٍ أرقَّها وضحُ الشمس وصيفٌ يغلي بها وشتاءُ
طبختها الشِّعري العبور وحثَّتْ نارها بالظهائر الجوزاءُ
كدم الشادن الذَّبيح إذا ما صبَّها في الزجاجة الوُصفاءُ
قد سقتني والليل قد فتق الصبحَ بكأسين ظبيةٌ حوراءُ
عن بنانٍ كأنها قضب الفضة حنّى أطرافها الحِنَّاءُ
وهو الذي يقول:
وصهباء لم تفترعها السقاةُ ولا استامَها الشربُ في بيت حانِ
ولا احتبلتْ درَّها أرجلٌ ولا وسمتها بنارٍ يدان
ولكن غذتها بألبانها ضروع يحفّ بها جدولان
إلى أن ترحل عنها [الصبا] وأهدى الفُطام لها المرضعان
فيا حسنها عند شكِّ البِزال يمج سلافتها في الأواني
يطوف علينا بها أحورٌ يداه من الخمر مخضوبتان
وهذا أشجع السُّلمي يقول لصديق له وقد هاجره:
ولو كنت العُقارَ فإن روحي تعيش إذا تمازجها العُقار
لما انصرفت إليك الدهر نفسي ولو كانت على الأحشاء نار
وكان الرقاشي من المدمنين وهو الذي يقول:
وهبتُ للذتي نشبي ومني العِرضَ لم أهبِ
إذا ما الماءُ أمكنني وصفوُ سلافةِ العِنَبِ
صببت الفضة البيضا ءَ فوق قُراضة الذهبِ
فأسبكُ منهما طربًا فزُرني تُلفِ ذا طربِ
وهو الذي يقول:
وسقِّ إخوانك النبيذ على حسن سماعٍ يزيد في الطرب
لا تَحْسُنُ الراحُ عند شاربها إلا بحسنِ الحديث والأدب
ودعا عبد الصمد بن المعذل صديقٌ وكان يشربُ من نبيذ طيِّب بين يديه ويسقي عبد الصمد من نبيذ حامض، فقال:
[ ٥٣ ]
شربت مدامةً وسَقيتَ خلًا لقد جاوزت في اللؤم اللئاما
شرابًا كان للمقرور دهرًا فجُرِّع من يُسَقَّاه الحِماما
أُشبِّهُهُ بوجهك فهو وجه عبوس قمطرير لن يُراما
وأما أحمد بن يوسف فأظرف الكتاب وأكمل الناس مروءة وأشهرهم في إدمان الشراب وهو القائل:
فأصبحت مخمورًا أُحدث عن نفسي وما لي علم بالذي كان بالأمسِ
سقاني عبيدٌ من يديه ثلاثةً وأعجلني فيها ولام على الحبسِ
فيا رب يومٍ قد حمدت مساءَه وباكرني ذمٌّ له مطلع الشمس
فأصبحت قد حدثت نفسي بتوبةٍ ويعتادني للهوِ عندي إذا أُمسي
ودعا محمد بن هارون بن أبان صديقًا له يوم عَرفة فتأخر عنه فكتب إليه:
باكِر الصهباء يوم عرفة من عقارٍ جاوزت حدَّ الصِّفةْ
بنت حولين إذا ما صفقت خِلتَ فيها سُرُجًا مختلفة
إنما النُّسك لمن حلَّ (مِني) ولِمن أصبح (بالمزدلفة)
فاشرب الراح وداهِن كأسها لا تكوننَّ قليل المعرفة
وعلى دجلة بين حدِّ السَّواد وأرض تكريت دير قديم يعرف بدير الجاثليق، وعنده كانت الحرب بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير، فقال ابن الرُّقَيَّات:
لقد أورث [المصريون] حزنًا وذِلَّة قتيل بدير " الجاثليق " مقيمُ
فما قاتلت في الله (بكر بن وائلٍ) ولا صبرت عند اللقاءِ (تميمُ)
وكان بكر بن خارجة يتعشق غلامًا نصرانيًا كان فيه فقال بكر:
فبالإنجيلِ تتلوه شيوخٌ رهابنةٌ بدير " الجاثليقِ "
وبالقربان والصلبان إلاّ رثيت لقلبي الدِنفِ المشوقِ
أَجِرني، متُّ قبلك من همومي وأرشدني إلى نهج الطريق
فقد ضاعت عليَّ وجوه أمري وأنت المستجار من المضيقِ
وكان دعبل بن عليّ يستحسن قوله فيه: زناره في خصره معقودُ كأنه من كبدي مقدود وكان كثير المقام بهذا الدير مشتهرًا بالشراب فيه افتتانًا بهذا الغلام النصراني وفيه يقول أُرجوزة مليحة منها قوله:
من عاشِقٍ ناءٍ هواه دانِ ناطق دمع صامِتِ اللسانِ
موثَقِ قلبٍ مطلَقِ الجثمانِ معذب بالصَّدِّ والهجران
من غير ذنب كسبت يداهُ إلاّ هوىً نمت به عيناه
شوقًا إلى رؤية من أشقاه كأنما عافاه من أبلاه
يا ويحه من عاشقٍ ما يلقى بأدمعٍ منهلةٍ ما ترقا
ذاب إلى أن كاد يخفى عشقا وعن دقيق الفكر فيه دقّا
لم يبق فيه غير طرف يبكي بأدمعٍ مثل نظام السِّلكِ
كأنه قطرَ السماء يحكي يُخمد نيران الهوى ويذكي
إلى غزالٍ من بني النصارى عِذارُ خديه سبى العذارى
يترك ألباب الورى حيارى في ربقةِ الحب له أَسارى
ريم بدير الروم رام قتلي بمقلةٍ كحلاء لا من كُحلِ
وُطرَّةٍ بها استطار عقلي وحسنِ دلٍّ وقبيح فعل
ها أنا ذا من قدِّهِ مقدودُ والدَّمع من خدِّي له أُخدود
ما ضرَّ من قلبي به معمود لو لم يكدِّر صفوه الصدود
يا ليتني كنت له صليبًا فكنتُ منه أبدًا قريبا
أُبصر حسنًا وأَشمُّ طيبا لا واشيًا أخشى ولا رقيبا
أو ليتني كنتُ له قُربانا أَلثُمُ منه الفمَ والبنانا
أو " جاثليقًا " كنت أو مطرانا كيما يرى الطَّاعة لي إيمانا
أو ليتني كنتُ له زنارا يدور بي خصراه حيث دارا
حتى إذا الليل طوى النهارا صرت له تحت الدُّجى إزارا
يا ليتني في النحر منه عُوذَة أو خمرةٌ يشربني ملذوذة
[ ٥٤ ]
أو حلة يلبسني مقدودة ليست إذا ما أخلقت مقدودة
يا ليتني كنت لعمرو مُصحفًا أو قلمًا يكتب بي ما ألفا
من حسن أشعارٍ له قد صنفا فإن لي من بعض هذا ما كفى
يا للَّذي بحسنِهِ أضناني وابتز صبري والضنى كساني
ظبيٌ على البعاد والتداني حلَّ محلَّ الروح من جثماني
واكبدي من خدِّه المضرَّج واحزني من ثغره المفلج
لا شيء مثل الطرف منه الأدعج أذهبُ للنُّسك وللتحرج
إليك أشكو يا غزال الأُنسِ يا من هِلالي وجهُه وشمسي
ما بي من الوحشة بعد الأُنسِ لا تُقتل النفسُ بغير النفسِ
ها أنا في بحر الهوى غريق سكران من حبَّك لا أُفيق
محترقٌ ما مسني حريقُ يَرحمني العدوُ والصديقُ
ويقول فيها:
يا عمرو ناشدتُك بالمسيح ألا سمعت القول من نصيحِ
يُعرب عن قلبٍ له قريح ليس من الحبِّ بمستريح
يا عمرو بالحق من اللاَّهوت والرُّوح روح القدس والناسوت
ذاك الذي قد خُصَّ بالنعوتِ النطق في المهد وبالسكوتِ
بحقِّ من في شامخ الصَّوامع من ساجدٍ لرَبِّهِ وراكِع
يبكي إذا ما نام كلُّ هاجع خوفًا من الله بدمع هامِع
ثم يقسم عليه بكل قسمٍ يعرفه النصارى ويقول:
إلاَّ نظرتَ يا أَمير أَمري محتسبًا فيَّ عظيمَ الأَجر