يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: ساقي القوم آخرهم شربًا. وأُتي ﵊ بإناءٍ من لبنٍ فشرب منه، وكان على يمينه غلامٌ حديث السن، وعن يساره أبو بكر " رض " ودفعه إلى الغلام، وقال: الأيمن فالأيمن. ومما دلَّ على مذهب الجاهلية في إدارة الكأس على اليمين قول عمرو بن كلثوم:
صددت الكأس عنَّا أُمَّ عمرٍو وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شرُّ الثلاثة أُم عمرٍو بصاحبك الذي لا تصبحينا
قالوا: ولا ينبغي أن يكون الساقي إلا مليح الوجه نظيف الثوب طيب الرائحة أديبًا ظريفًا إن سكر أحدٌ من الشراب فأشار إليه بالإعفاء من النبيذ، فعل، ولم يُكره أحدًا على الشراب، وأدار الكأس عن يمينه، فإن الأدب فيه موافقة سنَّةِ الإسلام لمذهب الجاهلية.
قال عبد الله بن المعتز بالله:
قد حثَّني بالكأس أ، َّل فجره ساقٍ علامةُ دينه في خصره
وكأنَّ حُمرة خدِّه من لونها وكأن طيب نسيمها من نشرِهِ
حتى إذا صبَّ المزاج تبسمت عن ثغرها فحسبتها من ثغِهِ
وقال أبو نواس:
لا نَستَخِفُّ بساقينا لغِرَّتِهِ ولا يَرُدُّ عليه حكمه أحد
وقال أبو نواس أيضًا:
عوجا بنا نصطبح معتَّقة من كفِّ ظبي يسقيكها، فَطِنِ
يخبر عن طيبه مُجالسُه مكتحلُ المقلتين بالفِتَنِ
قال له الله كن على قدرٍ فكان بين الهزال والسِّمَنِ
حتى إذا ما الجمال تمَّ له والظرف، قالا له كذا فكُن
ما تنظر العين منه ناحية إلاَّ أقامت به على حَسَنِ
وقال ابن المعتز:
يطوف بالراح بيننا رشُ مُحكم في القوب والمُقّلِ
أفرغَ نورًا في قشر لؤلؤةٍ فحِلَّ عن قيمةٍ وعن مثل
يكاد لحظ العيون حين بدا يسفِك من خدِّه دمَ الخَجَلِ
وحضر قوم من أهل الأدب عند عليٍّ بن محمد العلوي فأبرز غلامًا له نفيسًا في قراطقه فجعل يسقيهم ويستحثهم فأخذت عيونهم منه مأخذها، فلما رأى ذلك مولاه أمره بالانصراف وتولى هو سقيهم وخدمتهم وأنشأ يقول:
كأنما يسعى، لوجدي به، من بينهم في ثِني أحشائي
أغار من وقفته كُلَّما قال لحاسي الكأس مولائي
حتى لقد أمسوا، وهم إخوتي من شدةِ الغيرة أعدائي
واصطبح أبو تمام يومًا عند الحسن بن وهب، وكان مع أبي تمام غلامٌ له رومي يحبه حبًا شديدًا، وعلى رأس الحسن غلام آخر كأنه الشمس، فطفق الحسن يلحُّ بالنظر إلى الرومي، فلما أدمَن ذلك؛ دعا أبو تمام بدواة وقرطاس وكتب فيها:
سبحان من سبّحته كلُّ جارحةٍ ما فيك من طمح العينينِ والنظر
إن أنت لم تدع السير الحثيث إلى جآذر الرُّوم أعنقنا إلى الخزر
فاستحيا الحسن بن وهب، ووهب له الغلام.
وقال أبو نواس:
غادِ المدام بكفِّ ظبيٍ أهيفِ يسقيكها صرفًا وغير مُصَرَّفِ
وشت العُقار بوجنتيه فأبدتا للناس وردَ حديقةٍ لم تُقطف
فالق الحرامَ، إذ لقيت، بمثله وامزج سلافة ريقه بالقرقف
وقال أيضًا:
لا تبكِ ربعًا أقوى ولا طللا ولا تصف ناقة ولا جملا
وعاطني قهوةً إذا مُزجت أرتك منها في نفسها شُغُلا
بكف ساقٍ يُزهى على غصنِ البانِ إذا ما انثنى وما اعتدلا
إذا سقاني العُقار جمَّشهُ طرفي فيحمر خدُّه خجلا
وقال أيضًا:
طاف في قرطقٍ وقد عقد الزنار من فوق خصره تسعينا
بعقار تنفي الهموم وتستخرج شوقًا من الفؤاد دفينا
طاف سعيًا بها فخلت طلوع الشمس ليلًا والبدرمما يلينا
[ ٩٠ ]
ولقد راع ذاك قومًا على بعدٍ فصاحوا: الصلاة يا غافلينا
وقال أيضًا:
وقائلٍ لي: أفق يومًا، فقلت له من سكرة الحب أو من سكرة الكاسِ
لا أشرب الراح إلا من يدَيْ رشإٍ مهفهف كقضيب البان ميَّاسِ
قل للذي لام فيه هل ترى كَلِفًا بأملح الناسِ إلا أملح الناسِ
ومن الناس من يختار سقي الوصائف المقرطقات المنصَّقات المتشبهات بالغلمان رشاقةً وخفةً.
قال أبو نواس:
من كفِ ذات حِرٍ، في زيِّ ذي ذكرٍ لها محبَّان لوطيٌّ وزنَّاءُ
قامت بإبريقها والليل معتكر فلاح من وجهها في البيت لألاءُ
فأفرغت من فم الإبريق صافيةً كأنما أخذها بالعقل إغفاءُ
رقّت عن الماء حتى يمازجها لطافةً، وجفا عن شكلها الماءُ
وقال ابن المعتز:
لا شرب إلا بكفِّ ساقيةٍ ذات دلالٍ في طرفها مَرَض
كأن في الكأسِ حين تمزجها نجوم درٍّ، تعلو وتنخفض
وقال الصنوبري:
عاتِقٌ في الدِنان بكرٌ أدارتها علينا عواتِقٌ أبكارُ
كل مجدولةٍ يجول الوشاحان على خصرها ويشجى السِوار
يُقطف الياسمينُ من جسمها الرَّطب ويُجنى من خدِّها الجُلنارُ
وقال ابن المعتز:
قد سقتني خمرًا وريقًا كخمرٍ بنت عشرٍ في كفّها بنت عشر
ذرَّ في وجهها الملاحة ذَرًّا خالقٌ هزَّ غصنها تحت بدرِ
وقال آخر:
وساقٍ صبيحٍ دعوته فقام وفي أجفانه سنة الغمضِ
يطوف بكاساتٍ علينا كأنجمٍ فمِن بين منقضٍّ وغير منقضِّ
وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفًا على الجواد دُكنا وهي خضرٌ على الأرض
يطرِّزها قوسُ السماءِ بحمرةٍ على أخضرِ في أصفرٍ وسط مبيضِّ
كأذيال خوْدٍ أقبلتفي لائلٍ مصبَّغةٍ والبعضُ أقصَرُ من بعضِ
وقال ابن المعتز:
لبسنا إلى الخمار والنجم غائرٌ غلالة ليلٍ طُرِّزت بصباح
فظلت تدير الكأس أيدي جآذرٍ عتاق دنانير الوجوه ملاح
وقال:
درى كيف يطرد أوجاله فروى من الخمر أوصاله
وبادرها قهوةً مُرَّةتُقرب للمرءِ آمالهُ
بكفٍّ هضيم الحشا كالهلال أوفى به السعدُ إكمالهُ
ولولا مخافة ربِّي لقلتُ لم يخلق الله أمثالهُ وقال:
تدور علينا الكأ من كفٍّ شادِنٍ له لحظ عين يشتكي السُّقم مُدنفُ
كأن سُلاف الخمر من ماء خدِّه زعنقودها من شعرها الجعد يُقطف
وقال البحتري:
ألا ربَّ كأسٍ قد سقاني سلافها رهيفُ التثنِّ، واضح الثغر أشنبُ
إذا اختضبت أطرافه من شعاعها رأيت لجينًا بالمدامة يُذهب
وقال أبو نواس:
ومهفهف يجري الوِشاح بخصرِهِ ويضيق عنه دملُجٌ وسِوارُ
نازعته صهباء تحسب أَنَّها برقٌ تأَلَق ضَوءُه أو نار
وقال الصنوبري:
وهضيم الحشى يجول وشاحاه ويشجى الردفين منه الإزار
ثغره لُؤلُؤٌ، وريقته خمر شمولٌ وخدُّه جُلنار
هو كالبدر بل إن نورَ البدر من نور وجهه يستعارُ
صَرَعتني عُقار عينيه سُكرًا قبل تسطو براحتيه العُقار
وقال ابن المعتز:
وندامايَ في شبابٍ وعيشٍ أتلفت ما لهم نفوسٌ كِرامُ
بين أقداحِهِم حديثٌ قصيرٌ وهو سحرٌ وما عداه كلام
وكأن السُّقاة بين الندامى ألفاتٌ على السُّطور قيام