[ ٩١ ]
يقال: إشرب من النبيذ ما لم يشرب عقلك. وقيل للرِّياشي: ما حدُّ السكر؟ قال: أن تعزُبَ عنه الهموم ويظهر سرُّه المكتوم، والناس في السكر على ضروب؛ منهم من تراه يشرب وهو يتحدث لا تنكر منه شيئًا حتى يغلب عليه السكر ضربةً واحدةً، ومنهم من تراه يأخذ منه النبيذ الأول فالأول. وتراه كيف تثقل حركته، ويغلظ حسُّه ويُمتحق عقله حتى يطمس عليه السكر، ويطبق عليه النوم، ومنهم من يأخذه السُّكر بالعبث لا يعدوه، ومنهم من لا يرضى ما دون السيف، ولا بأن لا يضرب أُمه ويطلق امرأته، ومنهم من يعتريه البكاءُ والضحك، ومنهم من يعتريه الملق والتفدية والتسليم على المجالس والتقبيل لرؤوس الناس، ومنهم من يثبُ ويرقص ويعرض له ذلك لضربين، أحدهما من فضل الأشر والآخر من تحريك المرار، ثم اختلافهم على قدر اختلاف طبائعهم وبلدانهم وأزمانهم وأسنانهم وأخلاقهم، ومن الناس من لا يسكر البتة، كان منهم محمد بن الجهم. وقالوا: العقل كالمرآة يرى صاحبه فيه مساوئه، فلا يزال في صحوه مهمومًا حتى يشرب النبيذ فيصدأ عقله بمقدار ما يشرب فإذا كثر، غشيهُ الصدأ كله، فلم تظهر فيه صورة تلك المساوئ له، ففرح ومرح، والجهل كالمرآة الصدِّئة أبدا، فلا يرى صاحبه إلاَّ فرحًا، شرب أم لم يشرب.
وسأل قيصر ملك الروم قُسَّ بن ساعدة الإيادي عن السُّكر قال: زعموا أن القلب يُصعد سورة الشراب إلى الرأس بالقوة التي جعلت فيه، فإذا احتوت على الدِّماغ حجبت العقل عن منافذه فاحتجب البصرُ بغير عمىً ولا نوم، والسمعُ بغير صم واللسان بغير خرس، فلا يزال بذلك حتى تفكّه الطبيعة من إسار السكر قال: فتقول، إن السكر يذهب بشيءٍ من عقله، قال: ما أنكر ذلك لأنه يدخل على العقل داخل ليس كالنوم الذي جعل فيه صلاح البدن، فيقهره ويأخذ منه فيوهنه، وكل مأخوذ منه مستفيض، وكل مقهورٍ ضعيف، قال: فتشربه أنت؟ قا: نعم، ولا أشرب منه ما يغير عقلي. قال رجل: رأيت يونس بن عُبيد فضحك، فقلت: ما يضحكك؟ قال: مرَّ بنا سكران فسلَّم علينا، فلم نرد عليه، فقعد يبول في وسطنا فقلنا: ويحك، ما تصنع؟ قال: ما ظننت أن هاهنا أحدًا.
لقي سكران أبا حنيفة، فقال له: يا أبا حنيفة لقد أحسنت إلينا في تحليلك النبيذ، فقال: ما أحسنتُ حين يشربه مثلك، وقال الشاعر:
رهبان دير سقوني الخمر صافيةً مثل الطواويس في دور السلاطين
مشوا إلى الراحِ مشيَ الرُّخ وانصرفوا والرَّاح تمشي بهم مشيَ الفرازين
غدوا إليها كأمثال السهام مضت عن القِسيِّ وراحوا كالعراجين
وكان شربهم في بدءِ مجلسهم شرب الملوك وباتوا كالمساكين
وقال ابن شُبرُمة: مررت برجل سكران وقد ألقى عنه ثيابه وهو يبكي بكاءَ شديدًا، ويقول: وا أسفي عليهم، ليت الأرض أخرجتني إليهم، فقلت: من هؤلاء الذين تتقلب عليهم بهذا الغيظ، قال: إخوة يوسف، ألقوه في البئر حتى أكله الذئب، قلت له: إن الله خلصه من الجُبِّ، ولم يأكله الذئب، ولا الأسد، فقال: بشرك الله خير وأحسن جزاءك، وأغمد خنجره ولبس ثيابه وانصرف.
وقال بعض الأُدباء: كنت مستشرفًا على سطح لي بالبصرة، فجاء سكران، ةى فوقف في ظل الجدار، والليل مقمر، فأوهمه السُّكر أن ضوء القمر نهرٌ، فنادى: يا ملاَّح، قرِّب السُّمارية، قرِّب ويحك السُّمارية، مرارًا، فلما لم يجبه أحد، وطال ذلك عليه، نزع ثيابه ورمى بنفسه على الأرض كما يرمي السابح نفسه في الماء، فتهشَّم وجهه وتكسر أنفه، وجعل يضرب بيديه ورجليه كأنه يسبح.
ونظر رجل إلى صديق له سكران، وقد حمل في كساءٍ على رأس حمال، وأخرج رأسه من الكساء، فقال له: فلان ما هذا؟ قال: بقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة.
[ ٩٢ ]
قال أبو عثمان الجاحظ: وممن لا يسكر أبو عبد الله العميّ، وإن بني عبد الملك الزيات دعوني مرة ليعجِّبوني منه ولا ينبِّهوني على هذه الخاصية التي فيه، لأكون الذي ينبه عليه، فدخلت على رجل فدمٍ ضخم، غليظ اللسان، عليه من الكلام مئونة شديدة حتى تظن أن كلامه كلام مهموم أو مجنون، فشرب القوم شرب الهيم، وكنت كأني من النظارة، فما زال العمِّي يشرب رطلًا بعد رطل، ولسانه تنحل عُقده وذهنه يصفو وكدره يذهب، فأقبلت على القوم أُعجبهم منه، فقالوا لولا مكان هذا العجب ما عنَّيناك اليوم وعرَّغوني أنه كثير المنازعة عند القضاة، ولكن بعد أن يشرب عشرة أرطال، فإذا فعل ذلك قطع الخصم اللحن بحجته واستمال رأي القاضي القطوب المنعقد.
قال الشاعر:
وجدت أقلَّ الناس عقلًا إذا انتشى أقلهم عقلًا إذا كان صاحيا
يزيد حسا الكأس السفيه سفاهةً ويترك أخلاق الكرام كما هيا
وقد رأينا أسفه الناس صاحيًا أحل الناس سكران، ورأينا أحسن الناس خلقًا وأرزنهم حلمًا، حتى إذا دخل رأسه رطل نبيذ صار أخف حلمًا من فراشه، وأكثر نزقًا من جرادة، وإن المثل بهما يضرب. وكان محمد بن سليمان، إذا كان على البصرة، سقى سائر الحيوان الشراب ليختبر سكرها، فوجدها في اختلاف أحوالها كاختلاف الناس في أحوالهم، فزعم أنه لم يجد في جميع الحيوان شيئًا أملح سكرًا من الظبي، وقال ابن ميَّادة:
ولقد سبقت العاذلات بقهوةٍ حمراء مثل سخينة الأوداج
تدع الغوِّي كأنه، في نفسه، ملكٌ يُعصِّبُ رأسه بالتاج
ويظل يحسب كل شيءٍ حولَهُ تحت العِراق يُشَدُّ بالأحداج
وسكر رجل فجعل يبكي بكاءً شديدًا فقيل له: ما يبكيك؟ قال: لأن طالوت قتل جالوت ظلمًا ولم أحضر لنصرته.
ومررت يومًا بحسن المصري وقد انصرف من عند أحمد بن الدهَّان الكاتب، فلما كان ببعض الطريق غلب عليه السكر فسقط ونام فتقيأ وملأ لحيته وثيابه، فجاءَ كلب فجعل يلحس فمه، ففتح عينيه وقال له: خدمك بنوك وبنو بنيك، فلما فرغ منه رفع رجله وبال عليه، وأمرتُ من يحمله إلى داره.
وقال بعض العلماء حرَّم الله ﷿ السكر الذي يزول معه العقل، وكذلك هو في كل شريعة لأن كثيرًا من الناس يأتي في سكره من السخف والقبائح والأحوال الدنيئة ما لا يرضى به لنفسه عاقلٌ، كزوال العقل، وبطلان الفهم، وهما أشرف ما في الإنسان مع استرخاء الجوارح، وخدر الأعضاء، حتى إن السكران أن لا يملك دفعًا لمكروه عن نفسه، ومن ضيّع أشرف ما فيه وأبطله وأصار نفسه إلى هذه الحال فقد عرَّض نفسه للتلف إذ كان لو أراده أحدٌ بكيدٍ ما قدر على دفعه، ولو قصده بكل مكروه ما أمكنه أن يمنع نفسه منه، ثم هو مع ذلك يضيع فرائضه وما أخذه الله عليه أن يفعله، وقد ألزمه الله تلك الفرائض ونهاه أن يُدخل على نفسه ما يقطعُهُ عما أمره به فقال ﷿: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون. يعني: لا تشربوا ما يكون السكر منه وزوال عقولكم ولا يمكنكم أن تُصلوا وتقيموا قراءتكم وسائر فرائض الصلاة الواجبة عليكم تأديبًا منه لعباده وإرادة للمحافظة على الصلاة والقيام بما أوجبه الله علينا منها.
والسكران عند العرب هو الذي أزال الشرابُ عقله، ومنه سكرْتُ النهر أي سددت مجراه.