قال أبو نواس:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراءُ وداوني بالتي كانت هي الداءُ
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها لو مسَّها حجرٌ مسَّتهُ سرَّاءُ
من كف ذات حرٍ في زِيّ ذكرٍ لها محبان لوطيٌّ وزناءُ
قامت بإبريقها والليل معتكرٌ فلاح من وجهها في البيت لألاءُ
فأرسلت من فم الإبريق صافيةً كأنما أخذها بالعين إغفاءُ
رقَّت عن الماءِ حتى ما يلائمها لطافةً وجفا عن شكلها الماءُ
فلو مزجت بها نورًا لمازجها حتى تولَّ أنوار وأضواءُ
دارت على فتية دان الزمان لهم فما يصيبهم إلا بما شاؤوا
وقال أيضًا:
وكأس كمصباح السماءِ شربتها على قبلةٍ أو موعدٍ بلقاءِ
أنت دونها الأيام حتى كأنها تساقُط نورٍ من فتوق سماءِ
ترى نورها من ظاهر الكأس ساطعًا عليك ولو غطيتها بغطاءِ
فإن تكن الصهباء أودت بتالدي فلم تنسني أُكرومتي وحيائي
وقال أيضًا:
يا رب مجلس فتيان نزلت به والليل ملتحفق في ثوب ظلماءِ
يلهو بصافية كالشمس مشرقة تغشى عيون نداماها بلألاءِ
كأن قرقرة الإبريق بينهم رجع المزامير أو تغريد فأفاءِ
وقال أيضًا:
ومدامة سجد الملوك لذكرها جلَّت عن التصريح بالأسماءِ
شمطاء تذكر آدمًا وزمانه وتخبر الأخبار عن حواءِ
والكوبُ يضحك كالغزال مسبحًا عند الركوع بلثغة الفافاءِ
وكأن أقداح الرحيق إذا جرت، جنحَ الظلام، كواكبُ الجوزاءِ
وقال الحسن بن وكيع:
هيفاء تبدي طُرَّةً في غُرةٍ كسواد غدرٍ في بياض وفاء
بذؤابتين على الغلالة حاكتا ألفَيْنِ وسط صحيفةٍ بيضاء
وافت بكأس الراح تحمل نارها تحت الظلام براحةٍ من ماءِ
راح حكت بحبابها شمس الضحى قد قُلِّدت بكواكب الجوزاء
وقال أيضًا:
قم هاتها مشمولةً تسرع في ثلم الحجا
تحكُم في الهمِّ كما يحكم في الصبِّ الهوى
كأنها أهدت لها خلعتها شمس الضحى
كأنها في كأسها ذوب عقيق قد جرى
ألذ من عافيةٍ وافت على طول الضنى
وموعد طال على وعد حبيب فوفى
تسعى بها وافرة الأرداف هيفاء الحشا
كأنما قرونها تعشق ما تحوي البرى
وقال صريع:
خطبنا إلى الدهقان بعض بناته فزوجنا منهنَّ في خِدرها الكبرى
وما زال يغلي مهرها ويزيده إلى أن بلغنا فيه غايته القصوى
فتاه أبوها الماءُ والكرم أُمها وحاضنها حرُّ الهحير إذا يحمى
وقال ابن المعتز:
وكأس حيرية شكَّت بمبزلها أحشاء مُشعرةٍ بالقار كلفاء
أجرى الفرات إليها من سلاله نهرًا تمشى على أحشاء ميثاءِ
[ ١١٧ ]
يسقيكها خَنَثُ الأعطاف ذو هيفٍ كأن ألحاظه أفرقن من داءِ
لها شعاع على كفيه ملتهب كأن أطرافه عُلَّت بحناءِ
كأنه صبَّ سلسال المزاج على سبيكة من بنات التِّبر صفراءِ
وقال أيضًا:
داو الهمومَ بقهوةٍ عذراءِ وامزج بنار الراح نور الماءِ
لم يترك منها تقادُمُ عهدها في الدنِّ غير حشاشةٍ صفراء
بُزِلت كمثل سبيكة قد أُفرغت أو حية وثبت من الرمضاءِ
واستبدلت من طينةٍ مختومةٍ تفاحةً في رأسِ كل إناءِ
وقال ابن المعتز:
رب يومٍ عامر الكأس ظَلنا نقرع القهوة فيه بماء
في دجى الليل وطيِّ الحواشي مدنف الريح قصير البقاء
أسقط الأقطار حتى تثنى النور وابتل جناح الهواء
زمن مدَّ لنا في نعيم في صباحٍ غافلٍ ومساءِ
وقال دعبل:
شفاءُ ما ليس له شفاءُ
عذراء تختال بها عذراء
حتى إذا ما كُشف الغِطاء
وملكت أحلامنا الصهباءُ
وخطب الريح إلينا الماءُ
جرى لنا الدهر بما نشاءُ
وقال آخر:
مُرْ لي على رغم الحسود بقهوةٍ بكرٍ ربيبة حانةٍ عذراءِ
موج من الذهب المذاب تضمه كأس كقشرِ الدُّرة البيضاءِ
وقال البحتري:
إشرب على زهر الرِّياض يشوبه زهر الخدود وزهرة الصهباء
من قهوةٍ تُنسي الهموم وتبعث الشوق الذي قد ضلَّ في الأحشاء
يُخفي الزجاجة لونها فكأنها في الكف قائمة بغير إناءِ
ولها نسيم كالرياض تنفست في أوجه الأرواح والأنداءِ
وحبابها مثل الدموع ترددت في صحن خدِّ الكاعب الحسناءِ
يسقيكها رشأٌ يكاد يزيدها سكرًا بفترةِ مقلةٍ حوراء
يسعى بها وبمثلها من طرفِهِ عودًا وإبداءً على الندماء
وقال ابن المعتز:
ملكته السلافة العذراءُ فلها ودُّ قلبه والصفاء
روح دنٍّ لها من الكأس جسمٌ هي فيه كالنار وهو هواء
فكأن النديم يلثُمُ منها كوكبًا كفُّهُ عليه سماءُ
وكأن الحباب إذ مزجوها وردة فوق درةٍ بيضاءُ
وقال:
مررت بكرمةٍ جذبت ردائي سُقيت الغيث جاذبة الرداء
فقالت: لِم مررت ولم تُسلم وقد رويت عروقُك من دمائي
وقال الخليع:
فضَّت خواتمها والصبحُ منتبهٌ عن مثل رقرقة في جفن مرهاءِ
تمازج الروح في أقصى مداخلها كما تمازح أضواءٌ بأضواءِ
كأنما هي إذ صُبَّ المزاج بها سَلخ تجللها عن بطن رقشاء
وقال الصنوبري:
قم فاسقني كأسًا كأن حبابها طلٌّ أحاط بوردة حمراء
والنجم في أُفق السماء كأنه عين تخالسُ أعين الرقباءِ
وقال دعبل بن عليّ:
شربت وصحبتي يومًا بغمرٍ شرابًا كان من لطف هواءَ
وزَنَّا الكأس فارغةً وملأى فكان الوزن بينهما سواءَ