قال أبو نواس:
ذكر الصبوح بسحرةٍ فارتاحا وأمله ديك الصباح صياحا
أوفى على شعف الجدار بسُدفةٍ غردًا يصفق بالجناح جناحا
بادر صباحك بالصَّبوح ولا تكن كمسوِّفينغدوا عليك شحاحا
وخدين لذات، معلل صاحب يقتات منه فكاهةً ومراحا
نبهته والنوم ملتبسٌ به وأزحت عنه رقاده فانزاحا
قال: ابغني المصباح قلت له اتئِدْ حسبي وحسبُك ضوءُها مصباحا
فسكبت منها في الزجاجة شربةً كانت له حتى الصباح صباحا
من قهوةٍ جاءتك قبل مزاجها عُطلًا فألبسها المزاج وشاحا
شك البزال فؤادها فكأنها أهدت إليك بريحها تُفاحا
صفراء تفترس النفوس فما ترى منها بهنَّ سوى النُّعاس جراحا
عمرت يكاتمها الزمانُ حديثه حتى إذا بلغ السآمة باحا
وقال أيضًا:
جريتُ مع الصبا طلق الجُمُوح وهان عليَّ مأثور القبيحِ
وجدتُ ألذ عارية الليالي قرانَ النغم بالوتر الفصيح
[ ١٢٥ ]
ومسمعةٍ إذا ما شئت غنَّت: متى كان الخيام بذي طُلوح
تمتع من شبابٍ ليس يبقى وصِل بعُرى الغبوق عُرى الصَّبوح
وخذها من مشعشعةٍ كميتٍ تنزل دِرَّة اللحزِ الشَّحيح
تخيرها لكسرى رائداهُ لها حظان من طعم وريحِ
ألم ترني أبحت اللهو مالي وعضَّ مراشف الظبي المليح
وله:
غرَّد الديك الصَّدوح فاسقني طاب الصَّبوحُ
اسقني حتى تراني حسنًا عندي القبيحُ
قهوةً تُذكر نوحًا حين شاد الملك نوحُ
نحن نخفيها ويأبى طيب نشرٍ فتفوحُ
فكأن القوم نهبٌ بينهم مسكٌ يفوحُ
وله:
ومدامة سجد الملوك لها باكرتها والديك قد صدحا
صرفٍ إذا استنبطت سورتها أدت إلى معقولك الفرحا
وكأن فيها من جنادبها فرسًا إذا سكنته رمحا
ولقد حزنت فلم أمت حزنًا ولقد فرحت فلم أمت فَرَحا
وقال إبراهيم النظّام:
ما زلت أستلُّ روح الدنِّ في لُطفٍ وأستقي دمه من جوف مجروحِ
حتى انثنيت ولي روحان في جسدي والدنّ منطرحٌ، جسم بلا روحِ
وقال أبو شراعة:
لا خير في العيش فاسمع قول ذي نُصُح إن أنت لم تغدُ سكرانًا ولم ترح
من قهوةٍ كشعاع الشمس صافيةٍ تنفي الهموم بأنواع من الفرح
ما زلت أشربها والليل معتكرٌ حتى أكبَّ الكرى رأسي على قدحي
وقال ابن وكيع:
قد عُزل الليل على رغمه وقد أتتنا دولةُ الصبح
فانهض إلى الراح فقفل الأسى ما لم تدرها عَسِرُ الفتح
واربح على دهرك في شربها فلذة العاقل في الربح
راح إذا دارت على قاطبٍ عاد بها ذا خُلقٍ سمحِ
إذا الفتى أغضبه دهرُهُ فإنها واسطة الصلح
وقال أيضًا:
رفعت كفُّهُ إلى شفتيه كأسه والظلام وحف الجناح
فكأن العقار فوق ثناياه بهارٌ مقبِّل للأقاح
وقال كشاجم:
أطلق عقال الروح والراحِ إني إليها جدُّ مرتاح
قد كدت الحكمة روحي فزوِّجها بأوتار وأقداحِ
وقال أيضًا:
ما ترى في الصَّبوح أيدك الله فهذا أوانُ طيب الصَّبوح
غسقٌ راحلٌ وديك صدوحٌ فأجب دعوة المنادي الصَّدوح
وكأن الصباح أوجُهُ رهبانٍ تطلَّعن من خلال المُسوح
وقال ابن المعتز:
عناني صوتُ مُسمعةٍ وراحُ يباكرني إذا برق الصباحُ
ومعشوق الشمائلِ عسكريٌّ له من لحظ عينيه سِلاحُ
كأن الكأس في يده عروسٌ لها من لؤلؤٍ رطب وشاح
وقائلةٍ متى يفنى هواه فقلت لها: إذا فني المِلاحُ
وقال:
لبسنا إلى الخمار والنجم غائر غلالة ليلٍ طُرزت بصباحِ
وظلت تدير الراح أيدي جآذرٍ عِتاق دنانير الوجوه مِلاحِ
وقال أيضًا:
خليليَّ اتركا قول النصيح وقوما فامزجا راحًا بروحِ
فقد نشر الصباح رداءَ نورٍ وهبت بالندى أنفاس ريحِ
وحان ركوع إبريق لكأسٍ ونادى الدّشيك حيّ على الصبوح
هل الدنيا سوى هذا وهذا وساقٍ لا يخالفنا مليح
وقال:
طافت علينا بماء المزن والراح معشوقةٌ مزجت راحًا بأرواح
مخلوقةٌ من نعيم كلها بِدعٌ كأن وجنتها محمر تفاح
وقال:
ما العذر في حبس كأسٍ المِسكُ منها يفوحُ
والغيم رطبٌ ينادي يا غافلين الصبوح
فقلت أهلًا وسهلًا ما دام في الجسم روحُ
وقال الصنوبري:
لاح لك الصبح فقمْ فاصطبح واربح على دهرك فيمن ربح
[ ١٢٦ ]
الديك قد صاح مرارًا وما عليك، صاح الديك أم لم يصح
هاك انتخب، هاك اقترح ما الفتى إلا فتىً منتخبٌ مقترح
ووالٍ بين الكأس والطاس أو يبطحك الزِّقُّ كما قد بطح
ذا دمه ينصبُّ من حلقه كما رأينا حبشيًا ذُبِح
ما العيش إلا في ركوب الهوى وأن تُرى منهمكًا مفتضح
في فتيةٍ ما شئت من فتيةٍ يحلو في مدحهم الممتدح
إبريقهم بينهم ضاحكٌ باكٍ كإنسانٍ حزينٍ فَرِحْ
وقال:
وحاملٍ جسمًا من النور قد صُيِّرت الراحُ له روحا
إذا سقانا منح الكأس من صفاته ما كان ممنوحا
من خده لونًا ومن ريقه طعمًا ومن نكهته ريحا
وقال:
لائمي في النبيذ لم أر من قبلِك من لام في الحلال المباحِ
هي مفتاح قفل كل سرورٍ أيُّ قفلٍ يُرى بلا مفتاح
جمحت بي الكئوس في حلبة اللهو فمن ذا يردُّني عن جماحي
إذ تدير الكئوسَ كلُّ هضيم الكشح ريّا السِّوار غرثى الوشاح
من عُقارٍ يَغني الندامى بها عند حلول الدجى عن المصباح
وإذا ما المدام دارت رأيت الشرب صرعى وما بهم من جراح
وتراها قد استباحت من القوم حريمًا ما كان بالمستباحِ
أنا لولا هذا لما كنتُ إلاَّ رجلًا سائحًا مع السُّياحِ
وقال:
حنت أباريقي وأقداحي وارتاح ريحاني إلى الراح
واشتاق مصباحي إلى ضوئها فإنها مصباح مصباحي
وافتقد التفاح خد الذي في خده وردي وتفاحي
هذا حديثي يا عليَّ العُلى فمن منادِيَّ بإصلاحِ
وقال:
من ذا يكون مبشِّري بالصبح قد طاب الصَّبوحْ
وعلى النصيح ملامتي وعليَّ أن أعصي النصوح
فلأطلبن مسرتي ما دام لي جسدٌ وروح
وقال: دُرَّةٌ حيثما أُديرت أضاءت ومشم من حيث ما شُمّ فادحا
لونها كالعقيق وهي نسيمٌ ومُدام تحكي لنا التفاحا
وقال:
ومدامة علت الأكف كئوسها فكأنها من دونها في الراحِ
وكأنما الكاسات فيما بيننا من نورها يسبحن في ضحضاح
لو بُثَّ في غسق الظلام شعاعُها طلع الصباحُ بغرةِ الإصباح
وقال:
وعواتقِ باكرات بين حدائقٍ ففضضتهنَّ وقد عَيين، صِحاحا
أبرزتهن من الخدور حواسرًا وتركت صونَ حريمهن مباحا
وموشح نازعت فضل وشاحه وكسوته من ساعديَّ وشاحا
وصبحته كالورسِ بثّض روائحًا كالورد باكره النسيمُ ففاحا
وفعلتُ ما فعل المشوقُ بليلهِ عادت لذاذته عليَّ جماحا
وقال أبو نواس:
لا تحفِلنَّ بقول الزاجر اللاَّحي واشرب على الورد من مشمولة الراح
كأسٌ إذا مزجت والليل معتكر أغناك لألاؤها عن كل مصباح
ما زلت أسقي نديمي من مُجاجتها والليل ملتحف في ثوب أمساح
حتى تغنّى وقد مالت سوالفه: [يا دير حنّة من ذات الأُكيراح]
وقال علي بن العباس الرومي:
ومدامة أغنت عن المصباح يلقى المساءَ إناؤها بصباح
لطفت مسالكها وخُصَّ محلها فكأنها اشتقت من الأرواح
بكرٌ تردُّ على الكبير شبابه فتراه بين صبابةٍ ومراح
من قهوةٍ تهب المكارم للفتى فتراه بين شجاعةٍ وسماحِ
وتعير نكهتها النديمَ لأية حالةٍ يدعونها في الشرب باسم الرَّاحِ
ألريحها أو روحها تحت الحشا أم لارتياح نديمها المرتاح
وأنار منها الماء لما صُفِّقَت نارًا بنور طوالِع الأقداح
[ ١٢٧ ]
فتغللت من تبرها بغلالةٍ وتوشحت من دُرِّها بوشاح
وقال ديك الجن:
خليليَّ هُبا عَلِّلاني مُدامةً معتقةً مما تخير نوحُ
فما العيش إلا أن أفوز بسكرةٍ وما الغبن إلا أن يقال صحيح
سأجمح في حبِّ البطالة والصّشبا وإن لام فيه عاذلٌ ونصيحُ
وقال ابن الصائغ:
رأيت دجنًا فقلتُ الراحُ أشبه بي فقم بنا أيها المخمور نصطبحُ
فقام يمسح وجهًا كله قمرٌ وقمتُ ألثمه من شدة الفرح
وقلت قم فاسقني صرفًا فقد طلعت شمسان، من وجه ساقينا، ومن قدحي
آخر:
ولقد قال لي نديمي والليلُ على الأرض رفرفٌ وجناحُ
داوِ همّي ببنت كرمٍ لها نفحة مِسكٍ تحيا بها الأرواحُ
فحسرت اللثام عن خندريسٍ ضحكت عن شعاعها الأقداح
آخر:
حبذا صبحٌ تبدى والدجى وحف الجناح
طلعت لي فيه شمسٌ أشرقت حتى الصباح
وشربت الراح صرفًا من ثنايا كالأقاح
من غزالٍ شرقِ الخلخالِ عطشان الوشاح
وقال:
وليلةٍ أحييتُها بالرَّاحِ
محسنةٌ مسيئة الصَّباح
مقمرة مرفضَّة الرياح
أمنت فيها سخط اللواحي
الحسين بن الضحاك الخليع:
ماذا انتظارك بي إن كنت مصطبحًا لا نِمتَ إن لم أكن قد نمتُ ما صلحا
قم يا نديمي فأحيِ الليل والفرحا أما ترى الليل تحت الصبح مفتضحا
أمِت بكاسك عني الهمَّ والترحا واصدح بعودك، هذا الديك قد صدحا
لا تبرح الدهر عنِّي بالشمول وقلْ للدهرِ شأنك فاقطع حبل من نزحا
لله في اللوح شيءٌ لست ماحيه إن شاء أثبته أو إن يشاء محا
إني لأُوقن ما قالوا وما كتموا علمًا وأعلم أن الرشد قد وضحا
لكن قيادي في كف فقد أضحى الذي غشَّ عندي كالذي نصحا
وقال التميمي:
إله بالبيض الملاح وبقينات وراحِ
لا يصدنك لاحٍ هو عن سكرك صاح
ليس للهم دواءٌ كاغتباقٍ واصطباح
ولعمري ما يداوي الهمُّ بالماءِ القراحِ
وقال أبو نواس:
دعِ الأعاريب تندب الشيحا والقفر والبيد والصحاصيحا
وعوج بنا نصطبح معتقةً تُذكر من قدم عهدها نوحا
كأنها في الإناء إذ برزت شعلة نار تقابل الريحا
وقال:
طاب شربُ الراح مصطبحا لا تدعْ من كفِّك القدحا
إنما عمر الفتى فرحٌ فاغتنم من عمرك الفرحا