قال أبو نواس:
لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هندٍ واشرب على الورد من حمراء كالورد
كأسًا إذا انحدرت في حلق شاربها أجدته حمرتها في العين والخدِّ
فالخمر ياقوتةٌ والكأس لؤلؤةٌ من كفِّ جارية ممشوقة القدِّ
تسقيك من عينها خمرًا ومن يدها خمرًا فما لك من سُكرين من بُدِّ
لي نشوتان وللندمان واحدةٌ شيءٌ خصصت به من بينهم وحدي
وقال أيضًا:
قد أسحب الزقَّ يأباني وأكرهه حتى له في أديمِ الأرض أُخدودُ
لا أشرب الراح إلا أن يكون لنا ساقٍ بُمنتخلِ الأشعار غِرِّيدُ
فاستنطق العود قد طال السكوت به لا ينطقُ اللهوُ حتى ينطق العودُ
وقال:
سقيًا لغير العلياء والسَّنَدِ وغير أطلال ميَّة الجُدد
ويا صبيب الغمام إن كنت قد جُزت اللوى مرَّة فلا تَعُدِ
أحسن عندي من انكبابك بالفِهر ملحًا بها على وتدِ
يسقيكها من بني النصارى رشا منتسبٌ عيده إلى الأحد
إذا بنى الماء حولها حببًا صلب فوق الجبين بالزبدِ
[ ١٢٨ ]
أشرب من كفه شمولًا ومن فيه رضابًا يجري على بردِ
فذاك خيرٌ من البكاءِ على [الربع] وأنمى في الرُّوح والجسد
وقال:
جاءتك من بيت خمار بطينتها صفراء مثل شعاع الشمس تَتَّقدُ
وقام كالبدر قد شُدَّت مناطقه ظبيٌ يكاد من التهييف ينعقدُ
فاستلها من فم الإبريق فانبعثت مثل اللسان جرى واستمسك الجسدُ
فلم نزل في صباح السبت نأخذها والليل يأخذنا حتى بدا الأحد
واستشرفت غرَّة الإثنين واضحةً والجدْيُ معترضٌ والطالعُ الأسد
وفي الثلاثاء أعملنا المطيَّ بها صهباء ما قرعتها بالمزاج يدُ
والأربعاء كسرنا حدَّ شِرَّتها [والكأس يضحك في تيجانها الزبد]
ثم الخميس وصلناه بليلته قصفًا وتم لنا بالجمعة العددُ
يا حسننا وبحار اللهو تغمرنا في لجة القصف والأوتار تغترد
في مجلس حوله الأشجار محدقةٌ وفي جوانبه الأنهار تطردُ
لا نستخف بساقينا لعِزته ولا يرد عليه حكمه أحد
وقال أيضًا:
رضعت والدهر ثديًا وتلته في الولادِ
فهي فيها كل ما يبلغ مقروحُ الفؤاد
فشربنا شرب قومٍ عطشوا من عهد عاد
بين افنان عريشٍ عمدوه بعماد
ودنانٍ مسنداتٍ معلمات بسواد
أنفذوهن بطعنٍ مثل أفواه المزاد
ثم لمَّا مزجوها وثبت وثبَ الجرادِ
ثم لما شربوها أخذت أخذ الرقادِ
وقال ابن وكيع:
أقول والكأس على خده تلمع مثل الكوكب الواقدِ
أكأسه من خدِّه صبغها أم صبغها من عصفرٍ واحدِ
وله:
قمْ فأدرها عليَّ راحًا تطرد طيف الهموم طردا
تثني رجاء القنوط بسطًا فيما تمنى وكان حقدا
كأن أقداحها بهارٌ يعود فوق الخدود وردا
وله:
وكأسٌ كنجح الوعد ممن أحبه تناولتها منه على غير موعد
شربت مُجاج الكرم تحت ظلاله على وجه معشوق الشمائل أغيدِ
كأن عناقيد الكروم وظلها كواكب درٍّ في سماء زبرجدِ
وقال بشار:
وصفراء مثل الزعفران شربتها على صوت صفراء الترائبِ رثودِ
حسدت عليها كلَّ شيءٍ يحبها وما كنت لولا حبُّها بحسود
ظللنا بذاك الديدن اليوم كلَّهُ كأنا من الفردوس تحت خلود
وقال أبو العتاهية:
قلتُ والإصباح قد ألبسه سُدُفُ الليل ستور السوادِ
أسقني واشرب عتيقة راحٍ حببًا يحكي عيون الجرادِ
تلك مني بمكانٍ عزيزٍ أرشدتني أم أرادت فسادي
وقال المعتز:
ونار قدحناها سريعًا بسحرة متى ما تُرق ماءً عليها توقد
يجول حباب الماءِ في جنباتها كما جال دمع فوق خدٍّ مُوردِ
وقال كشاجمك
ويوم تشهد الأيام حُسنًا وطيبًا أنه فيهن فرد
لبست نهاره حتى تقضى بلهوٍ لا يُعد ولا يُحدُّ
وراح يقدحُ النيران منها مُعاقرها إذا لم يور زندُ
ويعلوها إذا مُزجت حبابٌ كما نصبت خلال الشرب بُردُ
بكف رشًا لها شِبهان منه شفاؤك فيهما ريقٌ وخدُّ
وله:
بدر بدا يحمل شمسًا غدت وحدها في الحُسن من حدِّهِ
تغربُ في فيه ولكنها من بعد ذا تطلع في خده
وقال الصنوبري:
هل لك في ليلةٍ بيضاء مقمرةٍ كأنها فضةٌ سالت على البلد
وقهوةٍ كشعاع الشمس صافية كأن أقداحها غُشين بالبرد
وقال ابن المعتز:
[و] قُمْ فاسقني والنجم يلمع في الدجى عقارًا لها في الدنِّ عهد ثمودِ
[ ١٢٩ ]
وللصبح سلطانٌ على الليل قاهرٌ يُرحِّلُهُ عنَّا بغير جنودِ
وله:
إشرب هنيئًا على وردٍ وتوريد ولا تبع طيب موجودٍ بمفقود
نحن الشهود وخفق العود خاطِبُنا نزوج ابن سحابٍ بنت عنقود
كأسًا إذا أبصرت في القوم محتشمًا قال السرور له: قم غير مطرود
وله: ومشمولة قد طال في الدنِّ حبسُها حكت نار إبراهيم في اللون والبردِ
حططنا إلى خمارها بعد هجعةٍ رحال مطايا لم تزل يومها تخدي
ملوك بلذات الشباب تواصفوا ولم يحفلوا فيها بلومٍ ولا حمد
فباتوا لدى الخمار في بيت حانةٍ وأخلوا قصورًا بالرصافة والخلد
فطاف عليهم بالمدام ممنطق بزناره، حلو الشمائل والقدِّ
يمج سلاف الخمر في عسجديةٍ توقد في يمناه كالكوب الفردِ
محفّرةٌ فيها تصاوير فارسٍ وكسرى غريقٌ حوله خرِق الجند
وله:
خليليَّ قد طاب الشرابُ المُبرد وقد عدت بعد النسك والعود أحمد
فهاتا عقارًا في قميص زجاجةٍ كياقوتةٍ في درةٍ تتوقدُ
يصوغ عليها الماء شباك فِضةٍ له حلقٌ بيضٌ تحل وتُعقدُ
سقاها بعاناتٍ خليعٌ كأنه إذا صافحته راحة الريح يبرُدُ
وله:
قم يا نديمي نصطبح بسواد قد كاد يبدو الفجر أو هو بادِ
وأرى الثريا في السماء كأنها قدم تبدَّتْ من ثياب حِداد
فاشرب على طيب الزمان فقد حدا بالصيف من أيلول أسرع حادِ
وأشمَّنا في الليل بردَ نسيمهِ فارتاحت الأرواح في الأجساد
تبدو إذا جاد السحابُ بقطره فكأنما كنّا على ميعاد
وله:
يا ليلةً وفيتُ ميعادها وقد أراد الصبح إفسادها
فبتُّ أُسقى ن يدي بدرها كأسًا كساها الماء ازبادها
لها عناكيب القرى حاكةٌ دائبةٌ تنسج أبرادها
أُمُّ سنينٍ مزمنٌ عهدها قد نسي التاريخ ميلادها
أما ترى الدنيا، فداك الورى كهرةٍ تأكل أولادها
وله:
ما زال يسقيني على وجهه بدرٌ منير طالع بالسعود
حتى توفي السكرُ عقلي فألقاني صريعًا بين ناي وعود
جدد لي أحمد فرط الهوى يا قلب أبشر بشفاء جديد
عجل بوصلٍ منك يا سيدي لا فضل في عمري لطول الصدود
وله:
يا رب صاحب جانةٍ نبهته والليل قد كحل الورى برقاد
في ساعةٍ فيها الجفون سواكنٌ قد سِمْنَ أعينهن في الأغماد
فمشى وقد أخذ النعاس برجلِهِ مشي الأسير يميس في الأقياد
لا تسقني حبشيةً ذاذية صبغت بياض زجاجها بسواد
فأتى بها كالنار تأكل كفَّهُ بشعاعها من شدَّةِ الإيقاد
وله:
غدا بها صفراء كرخيةً كأنها في كأسها تتقد
وتحسب الماء زجاجًا جرى وتحسب الأقداح ماءً جَمَدْ
وله:
قم يا نديمي من منامك واقعدِ حان الصباحُ ومقلتي لم ترقُدِ
أما الظلام فحين رقَّ قميصُهُ وارى بياض الصبح كالسيف الصدي
وله:
عللاني بصوت ناي وعود واسقياني دمَ ابنةِ العنقود
يا ليالي بالمطيرة والكرخ ودير السُّوسيِّ بالله عودي
كنت عندي أنموذجاتٍ من الجنة لكنها بغير خلود
وله:
ألا رب يومٍ بالدويرة صالح فكيف بيومٍ بعده لي فاسد
ظللت به أُسقى سلافة كرمةٍ بكف غزالٍ ذي جفونٍ صوائد
على جدولٍ ريان لا يكتم القذى كأن سواقيه متون المبارد
وله:
[ ١٣٠ ]
ومقتول سكرٍ عاش لي إذ دعوته فبادر مسرورًا يرى غيَّه رُشدا
وقام بكفيه بقايا خُماره وعيناه من خديه قد جَنَتا وردا
وقال كشاجم:
للمهرجان عليك حقٌّ سَنَّهُ آباؤك المتقدمون فأدِّهِ
باكره بالراح الشمول تحثُّها صرفًا على زهر الربيع وورده
كأسًا ترى فيها مثالك من يدي رشأٍ يريك مثالها من خدِّه
وقال الناشئ:
ومدامة لا يبتغي من ربه أحدٌ حسا دمها لديه مزيدا
في كأسها صُورٌ تُخال لحسنها عربًا برزن من الحجاب وغيدا
وإذا المزاج أثارها فتقسمت ذهبًا ودرًا توأمًا وفريدا
فكأنهن لبسن تلك مجاسدًا وجعلن ذا لنحورهن عقودا
وقال ابن المعتز:
وليلٍ قد سهرتُ ونام فيه ندامى صُرعوا حولي رقودا
أُسامرُ فيه قهقهة القناني ومزمارًا يحدثني، وعودا
فكاد الليل يرجمني بنجمٍ وقال أراك شيطانًا مريدًا
وقال أيضًا:
قل لأحلى العباد شكلًا وقدا ألجد ذا الهجر أم ليس جدا
ما بذا كانت المنى وعدتني لهف نفسي أراك قد خنت عهدا
بيننا الله والمواثيق لا تقطع حبلًا ولا تُغير وُدا
إن زَنَتْ عينه بغيرك فاضربها بسوط السُّهاد والدمع حدا
صاحِ إني ملكتُ رقيَ مولىً لا يراني في الحب أصلحُ عبدا
أهيف القدِّ قد تورد خداه بنورين؛ جُلنارًا ووردا
رب كأسٍ شربتها من يديه وصباحٍ بوجهه كان سعدا
حيث لا تهتدي الهموم إلينا ونظن السرور والقصف خُلدا
في دساكير تحت ظل ظليل نتلقى بها نسيمًا وبردا
بين كأسٍ ومزهرس وصفَ الصوت بألفاظه الفصاح فأدا
ودنانٍ كمثل صفِّ رجالٍ قد أقيموا ليلعبوا دست بندا
إذ جعلنا الورد الجنِّي علينا مطرًا، والغمام عودًا وندا
وقال كشاجم:
سعت علينا بنور الماء تسكبه على حشاشة نارٍ جسمها بردُ
يزيدها المزج وقدًا في قرارتها فكلما أُطفئت بالنار تتقدُ
كانما بطن الياقوت لؤلؤةً جوفاء صيغ [لها] من فضةٍ زردُ
وله:
أهلًا وسهلًا بالناي والعود وشرب كأسٍ من كفِّ مقدود
قد انقضت دولة الصيام وقد بشَّر سقمُ الهلالِ بالعيد
يتلو الثريا لاكفاغر شره يفتح فاه لأكل عنقود
وقال الحسين بن الضحاك:
ومورد الخدين يخطر حين يخطر في مُورد
يسقيك من جفن اللُّجين إذا سقاك دموع عَسْجد
حتى تظن النجم ينزل أو تظن الأرض تصعد
حيَّاك بالياقوت ثم الدر من تحتِ الزبرجد
وقال أبو نواس:
وجدة من زمان نشرت يده على الربا حُللًا من وشيه جُددا
والجو قد رقَّ والريحان قد لبست أوراقه حُللًا والماء قد بردا
والكأس في كف ساقيها قد اتقدت كأنها خدُّ ساقيها إذا اتقدا
وقال أيضًا:
بتنا نُعلل من ساقٍ أغنَّ لنا بحُمرتين من الصهباء والخد
كأنه حين أذكى نار وجنته سُكرٌ، فأسبل [منه] فاحمِ الجعد
وقال ابن الرومي:
شمسٌ من الراح في غيم من الزبد تمشي الهويني كمشي الراح في الجسدِ
لها شعاع إذا صفقتها، وثبت وثب الدنانير عن إحرار منتقد
وقال الناشئ:
ولكرم من كرم الطباع وفضلها والراح روح أخي الغرام الجاهد
وكذاك سُميت الشمول لجمعها شمل الخليط وضمَّها للفارد
وتفاءَلوا باسم المدام لأن في إدمانها إسعادَ كل مساعد
وهي العقار لأنهم عقروا بها ما جمعوا من طارفٍ أو تالد
فاعتض بها من كل شيءٍ فائتِ واغضض بها عين العدو الحاسد
وقال ابن المعتز:
[ ١٣١ ]
ربما طاف بالمُدام علينا عسكريٌّ كغصن بانٍ يميدُ
يكرع الكرعة الرَّوِيَّةَ بالكاس ولحظي بلحظه معقودُ