قال أبو نواس:
أعطتك ريحانها العُقارُ وحان من ليلِك انسفارُ
فانعم بها قبل رائعاتٍ لا خمرَ فيها ولا خمارُ
ووقِّرِ الكأس عن سفيه فإنما شأنها الوقار
فلم تزل تأكل الليالي جثمانها، ما لها انتصار
حتى إذا مات كل ذامٍ وخُلِّصَ السرُّ والجهارُ
عادت إلى جوهرٍ لطيفٍ عِيان موجوده ضِمارُ
كأن في كأسها سرابًا يُخيله المهمه القِفارُ
كأنها ذاك حين تُزهى لو لم يشب لونها اصفرارُ
لا ينزل الليلُ حيث حلَّت فدهر شرابها نهارُ
حتى لو استودعت سرارًا لم يخف في ضوئها السِّرارُ
ما أسكرتني الشمول لكن مدير طرفٍ به احورارُ
وله:
هي الخمرُ لا زالتتذيع فضائحي وتفعل ما شاءَت [بي] الخمرُ من أمرِ
متى اكتسبت مالًا فللخمر شطرُهُ ويحكم ربُّ الخُرَّدِ العينِ بالشطر
وله:
ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمرُ ولا تسقني سرًا إذا أمكن الجهر
فما الغبن إلا أن تراني صاحيًا وما الغنم إلا أن يتعتني السُّكر
فبح باسم من تهوى ودعني من الكُنى فلا خير في اللذات من دونها سترُ
وخمارة نبهتُها بعد هجعةٍ وقد غابت الجوزاءُ وارتفع النسر
فقالت: من الطُرّاق، قلنا: عصابةٌ خفاف الأداوي، يُبتغى لهم خمرُ
ولا بد أن يزنوا، فقالت: أو الفدا بأبلج كالدينار في طرفه فترُ
فقلت: فهاتيه، فما إن لمثلنا فديناك بالأهلين عن مثله صبرُ
فجاءت به كالبدر ليلةَ تِمِّه تخال به سكرًا وليس به سكرُ
فقمنا إليه واحدًا بعد واحدٍ فكان به من صوم غربتنا فِطرُ
وبتنا يرانا الله شرَّ عُصابةٍ نجرِّر أذيال الفسوقِ ولا فخرُ
وله:
دع لباكيها الديارا وانفِ بالخمر الخُمارا
وأدرها من كُميتٍ تدع الليل نهارا
بنت عشرٍ لم تعاينْ غير نار الشمس نارا
لم تزل في قعر دَنٍّ مشعر زفتًا وقارا
ثم شجت فأدارت فوقها طوقًا فدارا
كاقتران الدرِّ بالدُرِّ صغارا وكبارا
فإذا ما اعترضته العين من حيث استدارا
خلته في جنبات الكأس واواتٍ صغارا
من يدَيْ ساقٍ طريف كسي الحُسن شعارا
ومغنٍّ كلما شئت تغنى وأشارا:
صاحٍ هل أبصرت بالحيَّينِ من أسماء نارا
وله:
إذا كان يومي ليس يوم مدامةٍ ولا يوم فتيان فما هو من عمري
وإن كان معمورًا بعودٍ وقهوةٍ فذلك مسروق لعمري من الدهر
وله:
ألف المدامة فالزمان قصير صافٍ عليه وما به تكدير
وله بدورِ الكأس كل عشية حالان، موتٌ مرَّةً ونشور
حمراءُ صفراءُ الترائب رأسها فيه لِما نسج المزاج قتيرُ
وله:
وفتيان صدقٍ قد صرفت مطيَّهم إلى بيت خمَّارٍ نزلت بها ظهرا
فلما حكى الزُنار أن ليس مسلمًا ظننا به خيرًا، فظن بنا شرا
فقلنا: على دين المسيح بن مريم؟ فأعرض مزورًا، وقال لنا هُجر!
[ ١٣٢ ]
ولكن يهوديٌّ، يحبُّك ظاهرًا ويضمر في المكنون منه لك الخترا
فجاء بها زيتية ذهبيةً فلم نستطع دون السجود لها صبرا
خرجنا على أن المقامَ ثلاثةٌ فطابت لنا حتى أقمنا بها عشرا
عصابة سوءس لا ترى الدهر مثلهم وإن كنتم منهم لا براءً ولا صِفرا
إذا ما دنا وقت الصلاة رأيتهم يحثونها حتى تفوتهم سُكرا
وله:
مضى أيلول وارتفع الحرور وأذكى نارها الشِّعرى العبورُ
فقول ما فامزجا خمرًا بماءٍ فإن نتاج بينهما اسرور
إذا ما الكأسُ كرَّ بها علينا تكون بيننا فلك يدور
تسير نجومه عجلًا ووثبًا مشوفة وتاراتٍ تغورُ
إذا لم يجرهن القطبُ مشيًا ففي دورانهن لها نشور
وله:
يقولون في الشيب الوقارُ لأهله وشيبي بحمد الله غير وقار
إذا كنت لا أنفك ذا أريحيةٍ إلى رشأٍ يسعى بكاسِ عُقارِ
شمولٌ إذا شجت تقولُ عقيقةٌ تنافسَ فيها السومُ بين تِجارِ
كأن بقايا من عقار حبابها تفاريق شيبٍ في سواد غمار
تردت به ثم انفرى عن أديمها تفرِّي ليلٍ عن بياض نهارِ
يعاطيكها كفٌّ كان بنانها إذا عارضتها العين صفُّ مداري
وله:
وخمارٍ أنختُ إليه وهنًا قلائِصَ قد وَنينَ من السفارِ
فجمجم، والكرى في مقلتيه كمخمورٍ شكا ألم الخُمارِ
أبنْ لي، كيف صِرتَ إلى حريمي وجفنُ الليل مكتحلٌ بقارِ
فقلت له: ترَّفق بي فإني رأيت الصبح من خللِ الديار
فكان جوابُهُ أن ليس صبحٌ ولا ضوءٌ سوى ضوءِ العُقارِ
وقام إلى الدِّنان فسدَّ فاها فعاد الليلُ مسدولَ الإزارِ
فودَّجَ خصرَها في قعر كأسٍ محفرةِ الجوانب والقرارِ
وجال الفرس حول ركاب كسرى بأعمدةٍ وأقبيةٍ قصارِ
وقال ابن المعتز:
وراحٍ من الشمس مخلوقةٍ بدت لك في قدحٍ من نهارِ
هواءٌ ولكنه جامدٌ وماءٌ ولكنه غير جارِ
فهذا النهاية في الابيضاضِ وهذا النهايةُ في الاحمرارِ
كأن المدير لها باليمين، إذا قام للسقي، أو باليسار
تدرع ثوبًا من الياسمين له فردُ كمٍّ من الجُلنارِ
وقال أيضًا:
وليلٍ بتُّ أُسقاها سُلافًا معتَّقةُ كلون الجُلنارِ
نعمت بشربها طربًا وعندي بناتُ اللهوِ تعبثُ بالوقار
ونجم الليل يركض في الدياجي كأن الصبح يطلبه بثارِ
قال ابن وكيع:
وحديثٍ كأنه أوبةٌ من مسافرِ
كان أشهى من الرُّقادِ إلى طرف ساهر
بتُّ ألهو بطيبه في رياضٍ زواهرِ
بين ساقٍ وسامرِ ومُغنٍّ، وزامر
ليلة غاب شخصها عن عيون الدوائر
كان ذهن الزمان [عندها] غير حاضرِ
وقال أيضًا:
وليلة ساهرتها إلى طلوع السَّحرِ
سهرتها من طربٍ يا طيب طعم السَّهرِ
رأيت فيها منظرًا يجلو القذى عن بصري
شمسًا بكفَّي قمرٍ يديرها في قمرِ
وقال أيضًا:
حملت كفُّه إلى شفتيه كأسه والظلامُ مُرخى الإزار
فالتقى لؤلؤًا حبابٍ وثغرِ وعقيقانِ من فمٍ وعقار
وقال أيضًا:
رأيت الدهر حالًا بعد حال كأنَّ صروفه فينا قمارُ
فلا تسخط على ذنبٍ أتاه فليس له من الذنب اعتذار
وخذ كأس العُقار فربَّ جرمٍ له عقبٌ مفاتحه العقار
إذا ضاع السرور سلكت منها إليه مسلكًا فيه اختصار
[ ١٣٣ ]
وقال أيضًا:
وليلةٍ بتُّ في ظلماتها طربًا يسعى إلي بشمس القهوة القمرُ
سهرتها سهرًا من طيب لذته وددت لو أن عمري كله سهرُ
وقال أيضًا:
ليهنكَ نيروزًا أتاك كأنهُ رسول حبيب بالأمان من الهجرِ
فبادر إلى لذات يوم كأنه من الحُسن قرط لاح في أُفق الدهر
وخذها على رغم الحسود مُدامةً أرق من الشكوى وأحلى من النصر
لها صورةٌ في الكأسِ عند اجتلائها حكت صورة الإقبال في فسحة العُمر
وقال أيضًا:
وحانةٍ خمارٍ أنخت مطيتي إليه وقد أرخى الظلام له سترا
وقد زهرت وسط السماء نجومُها كديباجةٍ زرقاء قد نقطت تبرا
فأبرز لي صهباء يهدي نسيمها إليَّ إذا ما فاح فائحها عصرا
ودارت لنا كاساتها بمدامة ترى دُهم خيلٍ صرن من نورها غُرا
تُشتِّت شملَ الهم حتى كأنها إذا نزلت بالهم، طالبةٌ وترا
إذا التقيا في القلب ولَّت جيوشه بخذلان مهزوم وأُعطيت النصرا
إذا ضاق صدر المرء بالهمِّ وانثنى إلى كأسها ألفيته يحمد الدهرا
فما زال يسقيني ويشرب مسعدا عليها غزالٌ طوفُهُ ينفث السِّحرا
إلى أن رأيت الشمس قد خلعت لنا على الأُفق من أنوارها خلعًا خضرا
وقال أيضًا:
اشرب فقد طابت العُقارُ وابتسم الورد والبهارُ
لها جيوشٌ من الملاهي للهمِّ قدمها فرار
لألاؤها في الدُّجى نهارُ يُظلم من نوره النهار
إذا استقرت حشى وقورٍ رأيته ما له وقار
فالحزن عن أهلها مُطارُ والحلمُ في إثره مُطار
يسعى بها جؤذرٌ غريرٌ في لحظ أجفانه احورار
أغار منيّ عليه حتى عليه من نفسه أغار
كلَّ جمالٍ ترى فمنه إذا تأملت مستعارُ
وقال أيضًا:
قم فاسقني كأسًا كأنَّ نسيمها مِسكٌ تضوعه يدا عطار
أحكامها في العقل إن هي حُكمت أحكام صرف الدهر في الأحرار
يرضى عن الأقدار شاربها الذي ما زال ذا سخطٍ على الأقدار
وكأنها والكأس ساطعةٌ بها ذوبٌ تحلل من عقيق جارِ
لا سيما من كفٍّ أغيد شادِنٍ يسبي العقول بطرفِهِ السَّحارِ
فضل الغصون لأنها من غرسنا عند التأملوهو غرسُ الباري
وقال أيضًا:
يا لائمًا يعذلني في طربي حسبُك قد أكثرت من هذا الهذرْ
أعرف فضل العقل إلا أنه بدلّ طعم العيش صفوًا بالكدر
الجهلُ ينبوع مسراتِ الفتى والعقل ينبوع الهموم والفِكر
فاجسر على ما تشتهي جهالةً ما فاز باللذة إلا من جَسَرْ
واشرب عقارًا لو أصابت حجرًا لطار من خفته ذاك الحجر
عدوةُ الحزن الذي ما ظفرت قط به إلا أساءت في الظفر
لو رام أن يجيره من كيدها صرف القضاء الحتم يومًا ما قدر
أرقها الدهر إلى أن شاكلت من رقةٍ شعر جميلٍ وعُمر
خفية الحيلة في جسم الفتى تحدث في الجسم دبيبًا وخدر
كأنما الأوطار فيها جمعت فليس في العيش لجافيها وطر
لا سيما من كف ظبي لم يُشن بفرط طولٍ لا ولا فرط قِصر
له سهام من لحاظٍ صُيَّبٍ كأنما يرمين عن قوس القدر
لو لم يكن زناره في وسطه يُمسك ضعف الخصر منه لانبتر
وبان منه نصفه عن نصفه لكنه جاء له على قدر
يا لك منه منظرًا أشهى إلى قلبي من جنةِ عدنِ وأسرّْ
[ ١٣٤ ]
يا طيب ذي الدنيا لنا منزلةً لو لم نكن نُزعجُ منها بسفَر
وقال أيضًا:
ظفرتُ بقبلةٍ منه اختلاسًا وكنت من الرقيب على حذار
ألذ من الصبوح على غمامٍ ومن برد النسيم على خُمار
وقال تميم:
إذا رحت من سكرٍ غدوت إلى سكرٍ وأنفقت في لهوي وفي لذتي عُمري
ولم لا أَجرُّ الذيل في ساحة الصبا وشرخ شبابي قائمٌ لي بالغدر
ومهتزة الأعطاف، تهتز للصبا كما اهتز غصن البان في الورق الخُضر
مهفهفة صفراء، إلا لآلئًا إذا ابتسمت بيضًا يلحن من الثغر
قطعتُ بها ليل التمام وبدرُهُ إذا ما رآها ظنَّها غرَّة البدر
وقال:
وقهوة في كأسها تزهرُ يفوحُ منها المسك والعنبرُ
وردية يحتثها أحورٌ كأنها من خدِّهِ تُعصر
مهفهف لم يبتسم ضاحكًا مذ كان، إلا كسد الجوهرُ
وقال أبو العتاهية:
لهفي على الزمن القصير بين الخورنق والسدير
إذ نحن في غُرف الجنان نعوم في بحر السرور
في فتيةٍ ملكوا عنان الدهر أمثال الصقور
يتعاورون مدامةً صهباءَ من حلب العصير
عذراء ربَّاها شعاع الشمس في حرِّ الهجير
ومقرطقٍ يمشي أمام القوم كالرشأ الغرير
بزجاجةٍ تستخرج السرَّ الدفين من الضمير
زهراء مثل الكوكب الدِّري في كف المدير
وقال ايضًا:
أحلَّ العراقي النبيذ وشربه وقال: الحرامان المدامة والسكر
وقال الحجازي الشرابان واحد فحلَّت لنا بين اختلافهما الخمرُ
سآخذ من قوليهما طرفيهما وأشربها، لا فارق الوازر الوِزرُ
وقال تميم:
السكر في أسكر عندي وقارْ فاخلع بها للهو عنك العِذار
ولا تطع في نشوةٍ لائمًا إن قبول اللوم في السكر عار
وهاكها تسلب عقل الفتى وحُلْمه في لطف واختصار
حمراء في الكأس فإن شعشعت ولد قرع الماء فيها اصفرار
في قدحٍ ليس له مشبهٌ إلا صفا الماء وضوء النهار
كأنما الساقي إذا مجه في صفوها يجمع ثلجًا ونار
فرُح صريع الكأس إن كنت من أبنائها واغدُ خليع العذار
أما ترى النيل وريح الصبا تنظم فيه زردات صغار
لا سيما إن غرد النايُ أو ناولك الكأس صموتُ السُّوار
وبتَّ تجني لعسًا أشنبا مستعذب الظلم برود القطار
ومقلة مضمرة فتكةً ووجنة منبتة جُلنار
كأن لامَ الصُّدغ في عاجها ليلٌ تبدى جنحُه في نهار
وقال أيضًا:
ربَّ صفراءَ عللتني بصفراء وجنح الظلام مُرخى الإزارِ
بين ماءٍ وروضة وكرومٍ وروابٍ أنيقة الأزهار
تثنى بها الغصونُ علينا ويجيب القيان فيها القُماري
وكأن الدُّجى غدائر شعرٍ وكأن النجوم فيها مداري
وانجلى الغيم عن هلال تبدى في يد الأُفق مثل نصف سوار
فأسقياني فأنني أطلب المجد بثأرٍ والحادثات بثار
وندامى لو لم يكونوا من الإنس لما ناسبوا سوى الأقمار
بتُّ أسقيهم ويسقونني الراح على طيب رَنة الأوتار
وبساطٍ من الحديث شهيٍّ كنبات النسرين بين البهار
لم نزل نلثُم الكئوس إلى أن دُفن الليل في فؤاد النهار
وقال عبد الله بن المعتز:
وقد يباكرني بالراح صافيةً كأنها قبسٌ بالكف مشهور
يريق في كأسها من صوب غادية فالخمر ياقوتةٌ والماءُ بلور
وقال صريع:
وبنت يهودي حضرت زفافها وقد حُليت درًا تزين به النحرا
[ ١٣٥ ]
بعثت إلى خطابها فأتوا بها وسقت لها عنهم إلى ربها المهرا
فجاءتهم بكرًا [بخاتم] ربِّها محجبةً قد عتقت حججًا عشرا
أناخ عليها أغبر اللون أجوفٌ فصارت له قلبًا وصار لها صدرا
أبت أن ينال الدنُّ مسَّ أديمها فحاك لها الإزباد من دونها سترا
قلوب الندامى في يديها أسيرةٌ يصيدونها مكرًا وتقتلهم قهرا
إذا ما تحسَّاها النديم أخو الهوى أسرَّ بها تيهًا وأبدى بها كبرا
أخص الندامى عندها وأحبُّهم إليها الذي لا يعرف الظُهر والعصرا
إذا مسَّها الساقي أعارت بنانهُ جلابيب كالجادي في لونها صُفرا
إذا ما أدار الكأس ثنى بطرفه فعاطاهم خمرًا وعاطاهم سِحرا
وقال:
ومشمولةٍ مما تُعتق بابلٌ كأن شعاع الشمس في كأسها انتشر
سلافة كرمٍ بنت خمسين حجةً إذا ما علاها الماء تقذف بالشرر
يطوف بها ساقٍ أغنُّ متوجٌ بوجنته خالٌ، وفي طرفه حور
عليه أكاليلٌ من الآسِ رصِّعت بأصناف ألوان الشقائق والزَّهر
فبت أُسقاها بأنعم ليلةٍ معتقةً حتى بدت غرَّةُ السَحر
وقال ابن المعتز:
وجاءني في قميص الليل مستترًا يستعجل الخطو من خوف ومن حذر
ولاح ضوء هلالِ كاد يفضحُهُ مثل القلامة قد قُدَّت من الظفر
وكان ما كان مما لست أذكره فظنَّ خيرًا ولا تسأل عن الخبر
ومغرم باصطباح الراح نادمني لم تبق لذته وفرًا ولم تذرِ
ما زلت أسقيه من حمراء صافيةٍ عجوز دسكرةٍ شابت من الكبر
راح الفرات على أغصان كرمتها بجدولٍ من زلال الماء منفجر
حتى إذا حرُّ آب جاش مرجلهُ بفائرٍ من هجير الشمس مستعر
ظلت عناقيدها يخرجن من ورقٍ كما احتبى الزنج في خضر من الأُزر
وكان قاطفها يسعى فأسلمها إلى خوابي قد عُمِّمن بالمدر
وقال:
خطبنا إلى الدهقان إحدى بناته فزوجنا منهن في خدرها الكبرى
فبينا نراها في الندامى أسيرةً لهم إذ مشت فيهم، فصاروا لها أسرى
وقال:
تذكر الصبح في غُمى فما صبراوارتاح لما رأى الإصباح قد نُشرا
وقال قوموا فكم من مسعدٍ عجلٍ أجاب دعوته الأولى فما انتظرا
ثم ابتدرنا نبيح الأرض مركبنا على قوارح خيل تنفض العُذرا
حتى أتينا على علياء يضربها برد النسيم فيضحي ماؤها خَصرا
وفوقها من دنانٍ فُرغ شُرفٌ كالرازقي أقاموا فوقه الدُررا
كانت غنى العلج أحياءً مملأةً فما جزاهن أمواتًا ولا شكرا
وكان خدرها حينًا فصلبها على الجدار تقاسي الريح والمطرا
وسقيا واشربا راحًا معتقةً تستأصل الهمَّ والأحزان والفكرا
لما وجاها بدت حمراء قانيةً كأنما ملئت من نفسها سكرا
وقال:
أشكو إلى الله خوانًا سلافجا وحوَّل الوصل والأرسال والنظرا
يحرك القدُّ في أثوابه غُصنًا ويُطلعُ الحسنُ من أزراره قمرا
وقال:
حننتُ إلى الندامى والعُقار وشربٍ بالصغار وبالكبارِ
وساقي حانةٍ يغدو علينا بزُنارٍ وأقبية صغار
أما وفتور مقلةِ بابليٍّ بديع القدّ ذي صُدُغٍ مُدارِ
لقد فضحت دموع العين سِري وأحرقني هواه بغير نار
ويخجل حين يلقاني كأني انقط خدَّه بالجلنار
وبيضاء الختام إذا اجتلتها عيونُ الشَّربِ حمراء الإزار
[ ١٣٦ ]
جموح في عنان الماء تنزو إذا ما راضها نزو المهاري
فضضت ختامها عن روح راحِ لها جسدان من خزف وقار
تنقاها لكسرى رب كرمٍ يعد من الفلاسفة الكبار
وسقفها العريش فحمَّلتهُ عناقيدًا كأثداء الجواري
نواعم لا تذلُّ بوطء رجلٍ وتعصر نفسها قبل اعتصار
فأودعها الدِّنانَ مصففاتٍ وأسلمها إلى شمس النهار
وألبسها فلانس معلماتٍ وصاحبها بصبرٍ وانتظار
فلما جاوز عشرين عامًا مخدرةً وقرت في قرار
أُتيح لها من الفتيان سمحٌ جوادٌ لا يشح على العُقار
فأبرزها تحدث عن زمانٍ كمثل الآل في البلد القفار
وقال: وكرخيَّة الأنساب أو بابليةٍ ثوت حقبًا في ظلمة القار لا تسري
أرقت صفاء الماء فوق صفائها فخلتهما سُلاَّ من الشمس والبدرِ
وكم ليلةٍ باللهو قصَّرت طولها بساقية العينين والكف للخمر
وإني وإن كان التصابي يحثني لأبلغ حاجاتي وأجري على قدر
ظللت بملهى خير يومٍ وليلةٍ تدور علينا الكأسُ في فتيةٍ زهر
بكف غزالٍ ذي دلالٍ وطُرةٍ وصُدغين كالقافين في طرفي سطر
لدى نرجسٍ غصن وسروٍ كأنه قدود جوارٍ ملن في أُزر خضر
انتهى السفر الأول من كتاب قطب السرور في أوصاف الخمور والحمد لله رب العالمين على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم.
كتابنا هذا له رونقٌ كرونق الحبات في عقدها
كادت تواليف الورى عنده تموت بالخجلة في جلدها
هذا كتاب نفيس لكشف همي ادخرتهُ
إلا برهنٍ وثيقٍ لصاحبٍ قد عرفته
فمن أراد كتابي فالشرط ما قد ذكرته
السفر الثاني من كتاب قطب السرور في وصف الخمور تصنيف العلاَّمة الأديب أبي إسحق إبراهيم المعروف بالرقيق النديم رحمه الله تعالى آمين
هذا كتاب لو يباع بوزنه ذهبًا لكان البائعُ المغبونا
أو ما من الخسران أنك آخذٌ ذهبًا، وتارك جوهرًا مكنونًا
بسم الله الرحمن الرحيم
وقال ابن المعتز أيضًا:
يا رب يوم سرورٍ بالماردين قصيرِ
لو بعته بسنينٍ واعصر ودهور
وكلها في نعيم ما كنت بالمغدور
بكِّر عليَّ بكأسٍ فالخير في التبكير
أما ترى النجم ولى وهمَّ بالتغوير
[اليوم قصف وبسط فسقني بالكبير]
من كف ظبيٍ مليحٍ ساجي الجفون غرير
يزهى بوردة خدٍّ قد خُدشت بعبيرِ
وشعره من ظلامٍ ووجهه من نور
وقال أيضًا:
ذُرى شجرٍ للطير فيه تشاجرُ كأن سقيط الطل فيه جواهر
كأن القماري والبلابل فوقه قيانٌ وأوراق الغصون ستائرُ
شربنا على ذاك الترنم قهوة كأن على حافاتها الدُرَّ دائر
كأن نسيم الروض في جنباتها لخالخُ، فيما بيننا، وذرائرِ
وقال:
سقِّني الراحَ في شباب النهار وانف همِّي بالخندريس العقارِ
قد تولت زُهرُ النجوم وقد بَشَّر بالصبح طائر الأشجار
ما ترى نعمة السماءِ على الأرض وشكر الرِّياض للأمطار
وغناءَ الأطيار في فلق الصبح وحَلْيَ الأشجار بالنُّوار
وكأن الربيع يجلو عروسًا وكأنا من قطره في نثار
وقال:
أقولُ لساقي القوم لا تعقرنها بماءٍ وأحزاني بصرفك فاعقر
ولا تسقنيها بنت عامٍ فإنها كما هي في عنقودها لم تغير
قريبة عهد بالغصون وبالثرى وبالشرب من ماءِ الرفات المفجر
[ ١٣٧ ]
ولكن عقارًا أم دهر تقادمت فلم يبق منها [غير] ريح ومنظرِ
على دنِّها وسمٌ لعادٍ وتُبَّعٍ وفيه علامات لكسرى وقيصر
وقال:
ومختضب بحناء العُقارِ سقتني كفُّه والليل ساري
وفي يمناه إبريق وماءٌ وكأس الخمر في يده اليسار
وقال كشاجم:
وندمانٍ أخىٍ ثقةٍ كأنَّ حديثه حبره
يسرك حسن منظره وتحمدُ منه مُختبره
ويستر عيب صاحبه ويسترُ أنه ستره
ابن المعتز:
شربنا بالصغير وبالكبير ولم نحفل بأحداث الدهور
وقد ركضت بنا خيل الملاهي وقد طرنا بأجنحة السرور
وقال:
ونديمٍ قمرَتهُ عقله الكاسُ العُقارُ
لم يزل ليلته في فلكِ السّكر يُدار
قهوة سِرُّ الفتى فيها لعينيك جهار
فترى كأساتها يُقدحُ فيهن الشرارُ
وكساها الماءُ شيبًا لم يكن فيه وقار
وقال أيضًا:
نمُجُّ من أقداحنا قهوةً تضوع بالمِسك وبالعنبر
كأنما أقداحنا فضةٌ قط بطنت بالذهب الأحمر
وقال:
ثم فاسقني من سُلاف ما يُعصرْ كالشمس عند السعود في المنظر
عروس خِدرٍ، يزفها قدحُ، مجلوةٌ في غلائل العنبر
تعمل بالهم في الضمير كما يعمل في الفتك صاحب الخنجر
وقال:
من لامني اليوم في سكرٍ فلا عذرا هاتِ الكبير وغيري سقِّ ما صغُرا
غدت منكرة للمزن فاحتجت شمس النهار ولم نعرف لها خبرا
واغرورقت بانسكاب الماء مقلتها جاءت بثلجٍ كوردٍ أبيضٍ نثرا
وقال:
وزعفرانيةٍ في الكأسِ تحسبُها إذا تأملتها في ثوب كافور
كأن حبّ سقيط لاالطلّ بينهما دمع تحدَّر من أجفان مهجور
وقال:
قم فاسقني من عقار حمراء كالجُلنار
واركض إلى السكر ركضًا قبل انتصاف النهار
فالسكر أوطأ فراشٍ والسكر أدفا دثار
وشرب رطلٍ وثانٍ درياق كل خُمار
زفت إليك عروسٌ من حانة الخمّار
وتاجها من طينٍ ودرعها من قار
وكأسها ملء كفٍ وريحها ملء دار
وقال الصنوبري:
نار راحٍ، ونار خدٍّ، ونارُ لحشا الصبِّ بينهن استعارُ
ما أُبالي، ما كان ذا الضيف عندي كيف كان الشتاء والإمطارُ
وقال:
ضحك الورد في قفا المنثور واسترحنا من رعدة المقرور
واستطيب المقيل في " برد " ظلٍ وشممنا الريحان بالكافور
فالرحيل الرحيلَ يا عسكر اللهو إلى كل روضةٍ وغدير
واهجر البيت، وامزج الراح بالثلج وأطفئ بالخمر حرَّ الهجير
وقال:
اشرب الراح بكرةً بالكبير واصطحبها غداة يومٍ مطير
من عُقارٍ ألذ من نكهة الورد وأصفى من دمعة المهجور
أشبهت في ضيائها بهجة الشمس وفي لونها دم اليعفور
قُرعت بالمزاج في صحن كأسٍ فارتدت كأسها بحلة نور
فاغتنم غفلة الزمان وخذها بنشاطٍ من كف ظبيٍ غرير
ربَّ يوم قصرت فيه عن اللهو ببيضاء ذات طرفٍ سحور
لم أعرج على طول بتيماء ولم أسرِ في الدجى بالعير
إنما عِيرنا الكئوس تراها سائراتٍ تُحدى ببمٍّ وزير
في رياضٍ إذا بدا القطر أبدت عن شموسٍ طوالعٍ وبدور
فإذا هبت الصِّبا في رباها خلتَ ريا الصَّبا نسيم عبير
وقال تميم:
أما ترى حركات الريح مخبرةً أن الغمام يجود الأرض بالمطر
والجو ملتحف قُمصًا مفوَّفةً زُرَّت عليه من القوهي والحبر
[ ١٣٨ ]
كأن برد نسيم الأرض حين بدا بردا ارتشاف حبيب زار في السحر
فأجر فيه حقوق الكأس دائرةً ما بين رجع حنين الناي والوترِ
واعلم بأن الليالي غير باقيةٍ فلا تبقِّ على وفرٍ ولا تذرِ
وقال:
يا ربَّ ليل بتُّهُ ناعمًا بين ربا المختار والجسرِ
أخرج فيه لصِبا من صِبا واستحث الخمرَ بالخمرِ
وعذبةِ الألفاظ معشوقةٍ طوع الصِّبا مرهفةِ الخصر
كأنما البدران في وجهها فهي سماءُ الشمسِ والبدر
فلم أزل أشرب من كفها واجتني الشهد من الثغر
حتى تضجَّعت وبي مثلما بلحظ عينيها من السحر
والبدر قد مدَّ على نيله منطقةً من خالص التبرِ
وقال ابن المعتز:
قد سقتني خمرًا، وريقًا كخمرِ بنت عشرٍ في كفِّها بنت عشرِ
ذرَّ في وجهها الملاحة ذرًا خالقٌ هزَّ غصنها تحت بدرِ
وقال:
ومغرمٍ باصطباح الراح نادمن لم تُبقِ لذته وفرًا ولم تذر
ما زلت أسقيه من حمراء صافيةٍ عروس دسكرة شابت من الكِبر
راح الفرات على أغصان كرمتها بجدولٍ من زلال الماء منفجر
حتى إذا حرُّ آبٍ جاش مرجله بفائرٍ من هجير الشمس مُستعر
ظلت عناقيدها يخرجن من مدرٍ كما احتبى الزنج في خضرٍ من الأُزر
وطاف قاطفها يسعى فأسلمها إلى خوابي قد عُمِّمن بالمدرِ
وقال:
من معيني على السهر وعلى الغم والفكر
وابلائي من شادنٍ كبُر الحبُّ إذ كبر
قام كالغصن في النقا يمزج الشمس بالقمر
غافلًا عن بليتي قاتلًا لي وما شَعَر
صاح إن أمكنتك لذةُ عيشٍ فلا تذر
وتقدم ولا تخف فاز بالوصل من جسر
كم عذول على الخطيئة واللهُ قد غَفَرْ
فسقاني المُدام والليلُ بالصُّبح مؤتزر
والثريا كنور غصنٍ على الغرب قد نُثر
وقال أبو الشيص:
نهى عن خلَّة الخمر بياض لاح في الشعر
وقد أغدو وعين الشمس في أثوابها الصفر
على صهباء كالشمس وكالكافور في النشر
وظبيٌ يعطف الأرداف من متنيه والخصر
على ألطف ما شدَّت عليه عُقد الأُزر
رهيفٌ يرتمي الألباب عن قوسٍ من السِّحر
له طرف يشوب الخمرَ للنُّدمان بالخمرِ
عجوزٌ نسج الماءُ لها طوقًا من الشذر
كأن الذهب الأحمر من حافاتها يجري
وقال آخر:
وليلةٍ من حسنات الدهر
ما يمَّحى موضعها من ذكري
ولا تسلاَّها بنات صدي
سريت فيها بخيول شقِر
سياطها ماء السحاب الغُرِّ
فلم تزل تحت الظلام تجري
محثوثةً حتى بلغت سُكري
في روضا مقمرة بالزهرِ
وشادنٍ ضعيف عقد الخصرِ
يمضي بموجٍ ويجي ببدرِ
مكحولة أجفانه بسحر
في خده عقارب لا تسري
من سبح قد قيدت بعطرِ
تلسع أحشائي وليس تدري
يا ليلة سرقتها من دهري
ما كنت إلا غرة في عمري
أما وريقٍ باردٍ وثغر
ما الموت إلا الهجر أو كالهجر
وقال:
قم فاسقني قبل أصوات العصافير أما ترى الصبح قد أبدى بتنوير
حمراء من خمر بيروتٍ معتقة ترمي الندامى بتخدير وتفتير
يسعى بها ساحرُ الألحاظ زينهُ ثوبان قد قُلصا عنه بتشمير
إذا تناول كأسًا ثم قام بها حيًا وجوها كأمثال الدنانير
وقال:
وشرابٍ أرقَّ من دمعة الشكوى على خدِّ عاشقٍ مهجور
خلتها في كئوسها إذا أُديرت زعفرانًا جرى على كافورِ
وقال في نبيذ الدوشاب: أخي رُدَّ كأسَ الخمر عني فلا خمرا تبدلت منها أسودًا حالكًا مُرا
كأن الندامى حين عاطوا كئوسه محابر وراقين قد مُلئت حِبرلاا
وقال:
[ ١٣٩ ]
ولقد تعدى على همِّ نفسي من بنات الكرم عذراء بكرُ
بيدي ريمٍ بقلب طرفًا فيه للعشاق موت ونشرُ
ومغنٍّ ملحق كلَّ نفسٍ بهواها، فهو للسكر عُذْرُ
الأخطل:
نازعته طيِّب [الراح] الشمول وقد صاح الدجاج وحانت وقعةُ الساري
من خمر عانة، ينصاع الفراتُ لها بجدولٍ صخبِ الآذيِّ موارِ
كنت ثلاثة أحوالٍ بطينتها حتى إذا سكنت من بعد تهدار
آلت إلى النصف من كلفاء أنزعها علجٌ ولثمها بالجص والقار
صهباء قد عنست من طول ما حُبست في مخدع بين جناتٍ وأنهار
عذراء لم يجتل الخُطاب بهجتها حتى اجتلاها عبادي بدينار
الصنوبري:
ومدامة بُزلت فاشبه فتلها فتل السوار
لي من زجاجتها ومنها لمحتا نورٍ ونارِ
قصرتُ أيامي بها واهًا لأيامي القِصارِ
وقال آخر:
عَدِّ عن لومي فلست أرى في اصطباح الراح من ذكر
فلئن أصبحت مصطبرًا ما أنا عنها بمصطبر
قهوة في الكأس مطرقةٌ كهدوِّ الحية الذكر
إن يومًا لست أشربها ليس ذاك اليوم من عُمري
فإذا قرَّ القرارُ بها أخذت بالسمع والبصر
وهو أذكى في تنفسها من نسيم الروض في السحر
علنيها شادنٌ غَنَجٌ كُحلت عيناه بالحورِ
وكأن الراحَ في يده قمر في راحة القمرِ
ابن الرومي:
سُقي الشباب وإن عفا آثار معهده القتير
تشدو لنا ريا البنان كأنها قمرٌ منيرُ
وشرابنا وردية لكئوسها شررٌ يطير
[واهًا لقولي للمدير، وقد سقيناها المديرُ]
أعصير خمرك هذه من ماءِ خدك أم عصيرُ
وقال أبو الهندي:
حبذا العيش بدارين وقد بتُّ أُسقاها وقد لاح القمرُ
عندنا شاديةٌ رقاصةٌ وغلامٌ كلما شئنا زمر
وإذا قلنا له [قم] فاسقنا قام يمشي مشي غصنٍ قد مُطر
وترى الإبريق فيما بيننا ماثلًا كالظبي ملثومًا أغر
أو كفرخ الماء في غيضته حذر الصقر فأقعى ونظر
وقال:
وقهوةٍ كالعقيق صافيةٍ يطير في كأسها لها شررُ
زوجتها الماء كي تذل له فامتعضت حين مسَّها الذكرُ
كذلك البكر عند خلوتها يظهر منها الحياء والخفر
وقال صريع:
ويوم كأن الشمس فيه مريضةٌ من الدجن مطلول الضُّحى والظهائر
ظللنا، وما تنفك فينا ذبيحةً، نمج نجيعًا من دماء المعاصر
رحيقًا، تعالى في المزاج، كأنه شهاب غضى في كف ساعٍ مبادر
إذا دبَّ فيها الماء قارن صعةً جنوحًا عليه سهلة في الحناجر
وقال الراضي:
يا لك من ليلةٍ محسدةٍ تُعد في الدهر غرَّة الدهر
سعدت فيها بذي مساعدة اقبض بالوصل مهجة الهجر
واجتلى الخمر في غلائلها حتى تعرت غلالة الفجر
وقال العطوي:
قم سيدي قد تنفس السَحَرُ والماءُ من برد ريحه خَصرُ
والراح قد صفِّفت أبارقها موقوفة والسقاة تنتظر
وزهرة أشرقت مصابحها لولا الندى طار حولها شررُ
دنا إليها في الليل مقتبسٌ لما رآها كالنار تستعرُ
رعت نجوم السماء باهتةً والليل داجي القناع معتكر
بعين يقظى وجيد ناعسةٍ دام عليها الوقوف والسهرُ
وقال ابن المعتز:
اشرب وسقِّ ابن بشر من مشعشعة كأن في كأسها نارًا بلا نار
قامت ثمانين حولًا في معاصرها تسامر الدهر في ليلٍ من القار
وقال البحتري:
[ ١٤٠ ]
نزلنا منزل الحسن بن وهب وقد درست مغانيه القِفارُ
تلقينا الشتاء به وزرنا بنات اللهو إذ قرب المزار
تنازعنا المدامة وهي صرفٌ وأعجلنا الطبائخ وهي نار
ولم يك ذاك سخفًا غير أني رأيت الشرب سخفهم الوقار
وقال الأمير تميم:
قد اجتمع البستان والروض والخمرُ وحُركت الأوتار وارتفع الزمرُ
فما لك لا تعدو على الراح عدوة يبيحُك فيها كل كا تشتهي السكر
هل العيش إلا قينةٌ ومدامةٌ وساقٍ مليحٌ ليس يُعصى له أمرُ
فبادر بقايا العمر ما دمت قادرًا وما جرَّ أرسان البقاء لك العمر
وقال:
ومودعةٍ بطن مغبرةٍ تحدث عن عهد سابورها
حججنا إلى بيت خمارها لنشربها في معاصيرها
سلاف تسلف منها الزمان قواها وأبقى على خيرها
يقبل منها النديمُ الصباح ويصبغ كميه من نورها
فلا تعذر النفس في تركها فلست عليه بمعذورها
وشاطرة الزِيّ مخطوفة إذا برزت في زنانيرها
أدارت علينا كئوس المدام وتأثيرها فوق تأثيرها
كأن لبانة الحاظها تحاول بسط معاذيرها
[و] لا خير في الراح إن لم تُعَنْ بسقم الجفون وتفتيرها
وقال كشاجم:
أتلفت مالي في العُقار وخرجت فيها عن عقاري
قالوا الشهادة بالعشيّ ونحن في صدر النهار
فاجبتهم ردوا الكتاب ولا تُعنوا بانتظاري
لو كنت أخرج بالعشي لما سمحتُ ببيع داري
صريع: سقِّني من معتقات الخمور إن يوم الأثنين يومُ سرور
عاطنيها حمراء، مثل دم الخش ف عليها كاللؤلؤ المنثور
لا تُطل حبسها عليَّ وخذها واسقني واسق صاحبي بالكبير
قد جعلنا الإثنين عيدًا جديدًا واتخذناه جنَّة للدهور
ديك الجن:
بها غير معدول فداوِ خُمارها وصل بعشيات، الغبوق ابتكارها
ونل من عظيم الردف كل عظيمة إذا ذكرت خاف الحفيظان نارها
وقم أنت فاحثث كأسها غير صاغرٍ ولا تسق إلا خمرها وعُقارها
فقام تكاد الراح تخضب كفَّهُ وتحسبه من وجنتيه استعارها
ظللنا بأيدينا نتعتعُ روحها وتأخذ من أقدامنا الراح ثارها
موردة من كف ظبي كأنما تناولها من خده فأدارها
وقال حاتم الطائي:
أماوي إما مِتُّ فاسعي بنطفةٍ من الخمر ريَّا فانضحن بها قبري
فلو أن عين الخمر في رأس شارف من الأسد وردٍ لاعتلجنا على الخمر
إسماعيل بن صالح بن علي:
ما ترى في اصطباحنا من عقار ونعيم بوجه شمس النهار
وسجود إلى جبين هلالٍ طالع من سحائب الأزرارِ
وصلاة على صريع مدام صعقٍ بين ألسن الأوتار
وسماء منهلة بكباءٍ في رياض من نرجس وبهارِ
وقال الأمير تميم:
وراح تخضب الراحات ورسًا وتفتق طيلسان الليل نورا
كأن الماء يطربها فتبدي إذا مزجت به درًا نثيرا
بدت في الكأس للندماء شمسًا وفاحت في أُنوفهم عبيرا
وكانت قهوةً صِرفًا فلما أداروها شربنا [ها] سرورا
فلم أر مثلها أنفى لهم إذا شربت ولا أحلى سُدورا
وقال نفطويه:
قمر طالع وكأسٌ تدور ونعيم ولذة وسرور
فأقلوا المزاج، واستعملوا الصرف، وهاتوا الكبير، هذا صغيرُ
قد مضى الليل والعقول صحاحٌ وزقا الديك والكلام كثير
أفقدونا عقولنا ساعة إذ في افتقاد العقول عيش غرير