قال أبو نواس:
ومدامة تحيا النفوس بها جلت مآثرها عن الوصفِ
قد عُتِّقت في دنها حقبًا حتى إذا آلت إلى النصف
سلبوا قناع الدنِّ عن رمقٍ حيِّ الحياة، مشارف الحتف
فتنفست في البيت إذ مزجت كتنفس الريحان في الأنف
من كف ساقيةٍ مقرطقةٍ ناهيك من حسن ومن ظرفِ
نظرت بعيني جؤذرٍ خرقٍ وتلفتت بسوالف الخشفِ
فشربت من يدها ومن فمها ورشفت منه أطيب الرشف
قالت وقد جعلت تمايلُ لي كتمايل الماشي على الدف
وجهي إذا أقبلت يشفع لي وبلاءُ قلبك حسنُ ما خلفي
وقال علي بن وكيع:
أما ترى الليل كيف قد خَرِفا وستر نور الصباح قد كشفا
وأقبل الفجر في عساكره وظل والي الظلام قد صُرفا
فقم بنا نصطبح مشعشعةً تُشرِّدُ الهمِّ أينما ثقفا
إذا علت في اللبيب سورتها أنكر من حكمه الذي عرفا
كأنها في الكئوس إذ جُليت من عسجدٍ رقَّ لونُهُ وصفا
أغضبها الماءُ حين خالطها فأزبدت في كئوسها أنفا
در حبابٍ يود مبصره لو كان يومًا لأُذنه شنفا
وإن سرت والظلام معتكرٌ كان من الشمس نورُها خلفا
[ ١٤٤ ]
مع رشإٍ تمَّ في ملاحته تخاله من رشاقةٍ ألفا
يهزُّ قلبي اهتزازه حذرًا أخاف ينقدّ من رشاقةٍ ألفا
يهز قلبي اهتزازه حذرًا أخاف ينقد قدُّه قصفا
يزينه في قوامه هَيَفٌ خادع قلبي على النهى فهفا
خاف احتراقًا بنار وجنته عذاره حين ظل منعطفا
لا أشرب الراح حين تحضرني حسبي خمرٌ بطرفِهِ وكفا
وقال تميم:
وساقٍ يدير على إلفه لهيبًا من النار في كفه
عُقارًا كخديه محمرها وإسكارها كظبا طرفه
تحملت من حبه فوق ما تحمل خصراهمن ردفه
وصيرت نُقلي على كاسه شِفاءَ شفاهي في رشفهِ
وقال ابن المعتز:
عاطِ المدامة إخوانًا تُسرُّ بهم فما لهذين إن فاتاك من خلفِ
وسامح القوم، واشرب ما سقوك فإن سقوك صرفًا فقد قالوا لك انصرف
وقال:
وندمان سقيت الراح صرفًا وأُفق الليل مرتفع السجوف
صفت وصفت زجاجتها فجاءت كمعني دقَّ في ذهنٍ لطيفِ
وقال:
بشَّر بالصبح طائرٌ هتفا مستعليًا للجدار مشترفا
مذكرا بالصبوح صاح بنا كخاطبٍ فوق منبرٍ هتفا
صفَّق إما ارتياحه لسنا الفجر وإما على الدجى أسفا
فاشرب عُقارًا كأنها قبسٌ قد سبك الدهرُ تبرها فصفا
يدمى لِثامُ الإبريق من دمها كأنه راعفٌ وما رعفا
وقال:
بنفسي مستسلمٌ للرُّقاد يكلمني السُّكرُ من طرفه
سريعٌ إلى الأرض من جنبه بطيءٌ إلى الكأس من كفه
قال تميم:
هزني للصبوح صبحٌ تبدى من خلال الدجى كغرة طرف
ونسيمٌ مُضَمَّخٌ بعبير الروض يُحيي من الخمار ويشفي
خذلته القوى وحركه الحرُّ بلين من الهواءِ ولُطفُ
هو برد على جوى كل قلبٍ وعبيرٌ يفوح في كل أنفِ
كلما هبَّ هبَّ فينا نشاطٌ وارتياح لكل عزفٍ وقصفِ
[و] كأن الهلال في الغرب يحكي متوفىً دعا به المتوفي
وكأن السحاب إذ نثر القطر محبٌ يبكي على بين إلفِ
فأديرا المدام صرفًا وإلاَّ فاسقياني إن شئتما غير صرفِ
في كئوسٍ تكاد تخطئها الأعين لحظًا من رِقّةِ المستشف
وقال كشاجم:
بات يعاطيني على حسنه خمرًا بعينيه ومن كفه
وكان فيما بين دار بها أدنيت خلخاليه من شنفه
وقال:
ألا سقِّنيها قد مشى الصبح في الدجى عقارًا كلون النار حمراء قرقفا
فناولني كأسًا أضاءَت بنانه تدفق ياقوتًا ودرًا مجوفا
ولما أريناها المزاج تسعرت فخلت سناها بارقًا قد تكشفا
يطوف بها ساقٍ من الإنس شادنٌ يقلب طرفًا فاتر اللحظ مُدنفا
عليمٌ بألحاظ المحبين حاذقٌ بتسليم عينيه إذا ما تخوفا
فظل يناجيني بتقليب طرفه بأطيب من نجوى الضمير وألطفا
وقال:
سقى الله نهر الكرخ ما شاء ديمةً فإني بها حتى الممات مُكلفُ
منازل لهوٍ لا " كجرّ سويقةٍ وعرفان " لا زالت بها الجن تعزف
تدور علينا الراح من كف شادن له لحظ عينٍ يشتكي السقم مُدنفُ
كأن سُلاف الخمر من ماءِ خده وعنقودها من شعره الجعد يُقطفُ
أتعذلني في يوسف وهو من ترى ويوسف أبلاني ويوسف يوسُف
وقال الخليع:
ونديم حلو الشمائل كالدينار محض الخدود عذب مصفى
لم أزل بالخداع منّي أفديه وقد قام مائلًا يتكفى
قلت عبد العزيز يا بأبي أنت، فلبى، فقلت: لبيك ألفا
هاكها قال: هاتها قلت: خذها فثنى كفه إليها وأغفى
وقال ابن وكيع:
[ ١٤٥ ]
هتك الفجر عن سنا الصبح سجفا يا نديمي فسقني الراح صِرفا
في رياض إن هبَّ منها نسيمٌ رشفته القلوب بالسم رشفا
تستفيد القلوب إن هبَّ يومًا قوة منه كلما ازداد ضعفا
آخر:
إذا ما تسلفنا من الكرم لذةً تقاضى الكرى منا الذي نتسلف
وصرعة مخمورٍ رفعت بقرقفٍ وقد صرعتني قبل ذلك قرقف
نموت ونحيا تارةً بعد تارةٍ فتخلفنا أيدي المدام ونتلف
وقال أبو نواس:
غاد المدام بكفِّ ظبيٍ أهيف يسقيكها صِرفًا وغير مصرف
مشت العُقار بوجنتيه فأبدتا للعين ورد حديقةٍ لم تقطف
ثقلت عجيرته وأُرهف خصره لا بالرقيق ولا السمين المسرف
فالق الحرام إذا التقيت بمثله وامزج سلافة ريقه بالقرقف
وارتك مقال الناس عنك بمعزل وإذا مررت بربع قصف فاقصف
وقال:
وربَّ ندامى أوردتني أكفُّهم حياض سرورٍ من معتقةٍ صرف
بحمراء قبل المزج صفراء بعده رقاق حواشيها تجل عن الوصف
فلما تقضى الليل إلا حُشاشةً وضوء نهارٍ في بقاياه مستخفي
وصلنا صبوحًا بالغبوق تحثنا على الشرب أنواع اللذاذة والقصف
وقال ديك الجن:
أما ترى راهب الأسحار قد هتفا وحث تغريده لما علا الشعفا
أوفى بصبغِ أبي قابوس مفرقه لوجهه التاج لما عوليت شرفا
مُشنفًا بعقيق حول مذبحه هل كنت في غير أُذن تعقد الشنفا
كأنما التف في هُداب راهبةٍ يستوحش الأُنس إلا بيعه أنفا
لما أراحت رعاة الليل عارية من الكواكب كانت ترتعي السدفا
هز اللواء على ما كان من سنةٍ واهتز ثم علا، وارتج ثم هفا
ثم استمر كما غنى على طربٍ مرنحٌ قد علا تطريبه وصفا
إذا استهل استهلت حوله عُصبٌ كالحي صيح صياحًا فيه فاختلفا
فاصرف بصرفك وجه الماء يومك ذا حتى ترى نائمًا منهم ومنصرفا
فقام ملتحفًا كالبدر مطلعًا والظبي ملتفتًا والغصن منعطفا
رقت غلالةُ خديه فلو رميا باللحظ أو بالمنى هما بأن يكِفا
كأن قافًا أُديرت فوق وجنته واختط كاتبها من فوقها ألفا
فاستل راحًا كبيض وافقت حجنا خلالنا أو كنارٍ صادفت سعفا
فكان في ضوئها، إذ قام مصطبحا، وضوءِ وجنته ما عمنا وكفى
صفراء أو قل ما اصفرت فأنت ترى ذوبًا من الدر رصوا فوقه صدفا
فلم يزل في ثلاث واثنتين وفي خمسٍ وعشرٍ وما استعلى وما لطفا
حتى حسبت أنوشروان من خولي وخلت أن نديمي عاشِر الخُلفا
الصنوبري:
وجه الصِّرف في وجوه الصروف آلفًا من صباك خير أليف
إنها دولة الرياحين والراح ومستقبل الزمان اللطيف
ما قضى في الربيع حق الفتوات مضيعٌ لها أوان الخريف
نحن منه على تلقي شتاءٍ يوجب القصف أو وداع مصيف
في قميصٍ من الزمان رقيقٍ ورداء من الهواء خفيفِ
يرعد الماء منه خوفًا إذا ما لمسته يد النسيم الضعيف
سكنت فورة الهواجر عنا وكفتنا جور الزمان العنيف
في ليالٍ نجومها كالعذارى يتراءَين من خلال السجوف
أيهذا الصاحي من الوجد والناظرُ من غنجه بعين النزيف
ما لأقداحنا كرحل حيارى وأباريقنا كركبٍ وقوف
أوفِ كاساتنا ألست ترى العود يلوم السقاة في التطفيف
بركٌ توصف الجواشن فيها وسواقٍ تُسلُّ سلَّ السيوف
[ ١٤٦ ]
وغصونٍ يخفقن فوق رياضٍ خفقان الأعلام فوق الصفوف
عبد الله بن ذكوان:
وعذراء بكرٍ في الصباح افتضضتها وحادي الدُّجى ينعي الظلام ويهتف
وقلت لأصحابي اشربوها فإنني بأمثالها رحب اليدين مكلفُ
فما نور الإصباح حتى رأيتهم سكارى وبعضٌ بعضهم ليس يعرفُ
فلما أفاقوا قلتُ عودوا لمثلها فعادوا فظلت كأسهم تتلقف
سرت فيهم راحٌ عقارٌ سلافةٌ يظلُّ أخوها بالأنامل يزحف
إذا صدمته الكأس ظلَّ كأنه أميرٌ على أعواده يتشرَّفُ