قال أبو نواس:
وخيمة ناطور برأس منيفةٍ تهم يدا من رامها بزليل
وضعنا بها الأثقال قبل هجيرةٍ عبورية تُذكى بغير فتيلِ
حلبتُ لأصحابي بها دُرة الصبا بصفراء من ماء الكروم شكولِ
إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى دعا همهُ من صدره برحيل
فلما توفى الشمس جنحٌ من الدُّجى تصابيت واستجهلتُ غير جهول
وأنزلت حاجاتي بحقوي مساعدٍ وإم كان أدنى صاحبٍ ودخيلِ
وعاطيت من أهوى الحديث كما بداوذللتُ صعبًا كان غيرَ ذليلِ
فغنى وقد وسدت يسراي خدَّه ألا ربما طالبتُ غير مُنيل
كفى حزنًا أن الجواد مقترٌ عليه ولا معروف عند بخيلِ
وقال:
يا رب صاحب حانةٍ قد رُعتُهُ فبعثته من نومه المتزمل
ولها دبيب في العظام كانه قبض النعاس وأخذه بالمفصل
مما تخيره التجار، ترى لها قرصًا إذا ذيقت كطعم الفُلفُلِ
عبقت كفوفهم بها فكأنما يتنازعون بها سِخاب قرنفلِ
تسقيكها كفُّ إليك حبيبةٌ لا بدَّ، إن بخلت وإن لم تبخلِ
وقال:
كان الشبابُ مطيةَ الجهل ومحسن الضحكات والهزلِ
كان الجميل إذا ارتديت به ومررت أخطر صيَّت النعلِ
كان الفصيحَ إذا نطقتُ به وأصاخت الآذان للمُمْلي
كان المشفع في مآربه عند الفتاة ومدرك التبلِ
والباعثي والناس قد رقدوا حتى أبيت خليفة البعلِ
والكأس أهواها وإن رزأت وفر المعاش وقللت فضلي
صفراء مجدها مرازبُها جلَّت عن النظراء والمثلِ
ذخرت لآدم قبل خلقته فتقدمته بخطوةِ القبل
فأتاك شيءٌ لا تلامسه إلا بلطفِ غريزة العقل
فإذا علاها الماءُ ألبسها حببًا شبيه خلاخل الحجلِ
حتى إذا سكنت جوامحها كتبت بمثل أكارع النملِ
خطين من شتى ومجتمع غفل من الإعجام والشكل
فاعذر أخاك فإنه رجلٌ مرنت مسامعه على العذل
وقال:
لا تُعرِّج بدارس الأطلالِ واسقنيها رقيقة السِّربال
مات أربابها وبادت قُراها وبراها الزمان بري الخلال
فهي بكر كأنها كلُّ شيءٍ حسنٍ طيِّبٍ لذيذٍ زلالِ
عتقت في الدِّنان حتى استعارت نور شمس الضحى وبرد الظلالِ
[ ١٤٩ ]
ولعمرُ المدام إن قلت فيها إن فيها لمسرحًا للمقال
وقال:
وخمرٍ سباها التجر من أرض بابلٍ كرفةِ ماء الحسن في الأعين النُّجل
إذا مزجت بالماءِ خلتَ حبابها عيون الدبا من تحت أجنحة النمل
إذا ما تحساها النديم رأيته خليًا من الأحزان مجتمع الشملِ
وقال:
وخندريس باكرتُ حانتها فودجوا خصرها بمبزالِ
فدرَّ عِرقٌ على ترائبها كأن مجراه فتلُ خلخالِ
وبتُّ أسقى ومن كلفتُ به سلافةً صُفِّقت بسلسالِ
وقال ابن وكيع:
أعفِ قلبي من العتاب وسمعي من العذل
فبه عن جميع من لام في لذة ثَقِل
واسقني أو ترى خضاب دجى الليل قد نصل
من سلافٍ كأنها هي في كأسها زُحل
ليس إلا بها يتم السرور منها لِمن عقل
دولة للسرور ناهيك عن سائر الدول
فاجلها في مورداتٍ وصفرٍ من الحُلل
إنما العيش فرصة فانتهز فرصة الأمل
وقال:
اسقني الراح برغم العاذلِ قهوة تفسدُ عقل العاقل
اسقني حتى تراني جاهلًا إن أحلى العيش عيش الجاهل
مسلك الحق شديد فازوني عنه واسلك بي طريق الباطل
وقال:
علل فؤادك فالدنيا تعاليل لايشغلنك عن اللهو الأباطيلُ
ولا يصدَّنك عن أمرٍ هممت به من العواذل لا قالٌ ولا قيلُ
قم فاسقني النص مما حرموه ولا تعرِض لما كثرت فيه الأقاويل
عروس كرم أتت تختال في حُللٍ صفرٍ على رأسها للمزج إكليل
كأنها بأكف القوم إذ جليت ذوب من الذهب الإبريز محلول
في فتيةٍ جعلوا للهو طاعتهم فما لهم عن طريق اللهو معدول
وقال:
لا تقبلن من الرشيد كلامه وإذا دعاك أخو الغواية فاقبلِ
ودع التزهد والتجمل للورى فالعيش ليس يطيب للمتجمل
وقال ابن المعتز:
ألا عللاني قبل أغبر مظلمٍ بعيدٍ من الخلان من هو نازله
رأيت الفتى إن مات يورث مالُهُ وتنكح أزواجًا سواه حلائله
ذراني أنعم في الحياة معيشتي وآكل مالي قبل من هو آكله
وقال تميم:
سقِّياني فلست أُصغي لعذلٍ ليس إلا تعلة انفس شغلي
أأطيع العذول في ضدِّ ما أهوى كأني اتهمت رأيي وعقلي
عللاني بها فقد أقبل الليل كلون الصدود من بعد وصلِ
وانجلى الغيم بعدما أضحك الروض بكاء السحاب فيه بوبلِ
عن هلالٍ كصولجان نُضارٍ في سماء كأنها جام ذبلِ
وقال ابن المعتز:
سقى الله في " غُمى " بقية منزلٍ ترامت به أيدي جنوبٍ وشمأل
ألا رب يوم فيه قصر طوله دم الزِّقِّ منزوفا بهات وعجلِ
معي كل مجرور الرِّداء سميذعٍ جوادٍ بما يحويه غير مُبخلِ
فإن تطلبنه تقتنصه بحانةٍ وإلا ببستان وكرمٍ مُظلل
فلست تراه سائلًا عن خليفةٍ ولا قابلًا من يعزِلون ومن يلي
ولا صائحًا كالعير في يوم لذةٍ يناظر في تفضيل عثمان أو علي
ولكنه فيما عناه وسرَّه وعن غير ما يعنيه، ناءٍ بمعزل
آدم بن عمر بن عبد العزيز:
هاك فاشربها خليلي في دجى الليل الطويل
قهوةً في ظل كرمٍ سبئت من نهر " بيل "
عتِّقت حولًا وحولًا بين كرم ونخيل
في لسان المرءِ منها مثلب طعم الزنجبيل
قل لمن يلحاك فيها من نصوحٍ أو عذول
إن تدعها، ترجُ أُخرى من رحيق السلسبيل
تبق بين الباب والدار على نعت الطلولِ
ابن أبي سلمة:
يا صاحبي ارتعا قليلًا فقد شجت قلبي الطلولُ
أرى عِراصًا معطلاتٍ فأين سكانها حلول
[ ١٥٠ ]
ما طرد الهمَّ مثل كاسٍ ترقص [في] قعرها الشُمولُ
جوهرة طُوِّقت ببدرٍ فهي رحيقٌ وسلسبيلُ
وقال ابن المعتز:
لا تقف بي في دارس الأطلال شُغل فعلي بها وشغل مقالي
إن دمعي لضائعٌ في رسومٍ وسؤالي محيلةً من محالِ
فاسقني القهوة التي تصف العِتق بلونٍ صافٍ وطعمٍ زلال
طعنت نحرها الأكفُّ ولكن تأخذ الثأر من عقولِ الرجال
حلف العلجُ أنهم طبخوها فرضينا ولو بعُود خلالِ
فأدرنا رَحَى السرور عليها بحرام مشبه بحلالِ
وقال:
أحسن من وقفةٍ على طللِ ومن بكائي في إثر مُحتملِ
كأسَ صبوحٍ أعطتك فضلتها كفّ حبيب والنقلُ من قُبَلِ
في مجلسٍ جالت الكئوس به فالقوم من مائلٍ ومنجدل
يطوف بالراح بينهم رشأٌ محكَّمٌ في القلوب والمقلِ
يكاد لحظُ العيون حين بدا يسفِك من خدِّه دم الخجل
وقال:
لا تلمني يا عذوليفي هوى الخمر الشَّمول
قهوة تذهبُ عنا بهمومٍ وعقولِ
خدِّرت من بعد نارِ الشمس في ظلِّ ظليلِ
بين أنهار وجناتٍ وكرمٍ ونخيل
فاستعن بالراح يا صاح على الليل الطويل
ويح نفسي من حبيبٍ خائن العهد ملولِ
وقال آخر:
وكأسٍ كمعسول الأكاني شربتُها ولكنها أجلت وقد شربت عقلي
إذا عوتبت بالماء كان اعتذارها لهيبًا كوقع النار في الحطب الجزل
إذا [هي] دبَّت في الفتى خال جسمه لما دبَّ فيه قريةً من قُرى النملِ
إذا ذاقها وهي الحياة رأيته يعبِّسُتعبيس المقدم للقتل
إذا اليد نالتها بوترٍ توقرت على ضعفها ثم استقادت من الرجل
وقال ابن الرومي:
وقهوةٍ صهباءَ مشمولةٍ إحدى السبايا من قرى بابل
ما نزلت بالهمِّ إلا دعا للآهل الويل من النازِلِ
وقال ابن وكيع:
نادم مدامك دون الناس كلهم فردًا وحيدًا ففيها عنهم شُغُلُ
مات الذين إذا حدثتهم فرحوا بما تقول وإن خاطبتهم عقلوا
لم يبق إلا أُناسٌ فاض عيبُهُم فجملة الأمر فيهم أنهم سَفَلُ
إن حدثوا كذبوا أو حُدثوا عرضوا أو مُوزحوا سخُفوا أو جُولسوا ثقلوا
وقال كشاجم:
حيِّ الربيع تحية المستقبِل أهدى السرور لنا بغيث مسبَل
جاءت بعزل الجدب فيه فبشرت بالخصب أنواءُ السِّماك الأعزلِ
فاعرف له حقَّ القدوم بقهوةٍ عذراء تُمزج بالزلال السَّلْسَلِ
صفراء تُجلى في الزجاج ويُتقى منها أليم القتلِ إن لم تُقتلِ
كالخد لاقته العيون فعصفرت مبيض وجنته بلحظٍ مخجلِ
من كف ميَّاس القوام كأنه ريحانة ريَّانة لم تذبُلِ
وقال ابن المعتز:
قم فاسقني يا خليلي من المُدام الشَّمولِ
أولى الشهور بقصفٍ شعبان في أيلول
قد زاد في الليل ليلٌ وطاب بردُ المقيلِ