قال أبو نواس:
يا شقيق النفسِ من حكمِ نمت عن ليلي ولم أنمِ
فاسقني البكر التي اعتجرت بخمار الشيب في الرحم
عُتِّقت حتى لو اتصلت بلسانٍ ناطقٍ وفمِ
لاحتبت في القوم ماثلةً ثم قَصَّت قِصَّة الأُممِ
قرعتها بالمزاج يدٌ خلقت للسيف والقلمِ
في ندامة سادةٍ زهرٍ أخذوا اللذات من أممِ
فتمشت في مفاصلهم كتمشي البُرءِ في السقم
فعلت في البيت إذ مُزجت مثل فعل الصبح في الظلمِ
[ ١٥١ ]
فاهتدى ساري الظلام بها كاهتداء السَّفر بالعَلَمِ
وقال صريع:
إذا شئتما أن تسقياني مدامة فلا تقتلاها؛ كل ميتٍ محرَّمُ
خلطنا دمًا من كرمةٍ بدمائنا فأظهر في الألوان منا الدَّمَ الدَّمُ
وقال أبو نواس:
صفة الطلول بلاغة الفدمِ فاجعل صفاتك لابنة الكرم
لا تُخدعن عن التي جُعلت سُقم الصحيح وصحة السُّقمِ
وصديقة النفس التي حُجبت عن ناظريك، وقيم الجسمِ
شجت فعالت فوقها حببًا متراصفًا كتراصُفِ النظم
ثم انبرت لك عن مدب دبا عجلان صعَّدَ في ذرا أكمِ
فكأن عقبي طعمها صَبِرٌ وعلى البديهة مُزة الطعم
فعلام تذهل عنمشعشعةٍ وتهيم في طللٍ وفي رسمِ
وإذا وصفت الشيءَ متبعًا لم تخلُ من سقطٍ ومن وهمِ
وقال أيضًا:
اسقني يا ابن أدهما واتخذني لك ابنما
اسقنيها سلافةً سبقت خلق آدما
فهي كانت ولم يكن ما خلا الأرض والسَّما
وهي روح مخلِّصٌ فارق اللحم والدما
وقال أيضًا:
وكأس كعين الديك باتت تروقني على وجه معبود الجمال رخيم
إذا قلت عللني بريقك أقبلت مراشفه حتى يصبن صميمي
بنينا على كسرى سماءَ مدامة مكللةٍ حافاتها بنجوم
فلو رد في يحيى بن ساسان روحُهُ إذن لاصطفاني دون كل نديم
وقال:
وشرابٍ ألذ من نظر المعشوق في وجه عاشقٍ بابتسامِ
لا غليظ تنبو الطبيعة عنه نبوة السمع عن شنيع الكلام
بنت عشرٍ صفت فلو صُبَّت على الليللا راح كل ظلام
في رياض ربعيةٍ بكر الروض عليها بمستهلِّ الغمام
فتوشت بكل نورٍ أنيقٍ من فرادى نباته وتُؤامِ
فترى الشرب كالأهلة فيه يتحسون خُسروي المُدام
وقال:
أتدري من تلوم على المدام فتىً فيها أصمَّ عن الملام
فتىً لا يأخذ النشوات إلاَّ بإبريق وطاسات وجام
أنا ابن الكأس أرضعها ومالي إلى يوم القيامة من فطام
وأشربها مع الفتيان مثلي فتمتزج الكريمة بالكرام
أجلُّ عن اللئيم الكأس حتى كأن الخمر تعصرُ من عظامي
وقال ابن وكيع:
أسقني من قهوةٍ مشمولةٍ تخلص النفس بها من همِّها
لا تذقها الماءَ في كاساتها حسبها ما شربت في كرمها
وقال أيضًا:
إشرب فقد طابت المُدام وافترَّ عن ثغره الغمامُ
من قهوةٍ حُرِّمت علينا فالصبر عن مثلها حرامُ
إذا استذم الأسى إليها فما له عندها ذمام
طوَّقها الماءُ طوق دُرٍّ ليس لمنثوره نظام
كأنها تحته كُميت عليه من فضة لجام
إذا بدت للهموم ظلت وهي لإعظامها قيامُ
تلوذ منها فلا لياذٌ ينفع منها ولا اعتصامُ
في فتيةٍ كلهم كريم وخير من يصحب الكرامُ
تكسد سوق الفتاة فيهم ظرفًا ولا يكسدُ الغلامُ
أئمة كلهم عليمٌ بكلِّ ما فعله أثام
لكنني فيهم على ما وصفت من فعلهم إمامُ
وعندنا شادنٌ غريرٌ في لحظ أجفانه سقامُ
للحسنِ قدَّامَهُ جيوشٌ للصبر قدامها انهزامُ
يخف في حبه التصابي كمثل ما يثقل الملامُ
ذا العيش فافطن له وبادرمن قبل أن يفطُن الحمامُ
فانعم فيومُ السرور عندي يومٌ، ويومُ الهمومِ عامُ
الأمير تميم:
مزاجكما الخمرَ بالماءِ لُومُ دعاها كما ولدتها الكروم
[ ١٥٢ ]
وحُا ولا تخشيا نشوتي فغيري المُسيءُ عليها الملومُ
لأني يَسُرُّ ارتياحي المدا مَ ويرضى خصالي عليها النديمُ
خليليَّ أسبل ثوبُ الدُّجى وطاب الهواءُ ورقَّ النسيمُ
فإن لم يكن فيكما مُسعِدٌ فإني بإسعاد نفسي زعيمُ
الحسيم بن الضحاك:
ليت نجوم السماءِ واقفةٌ على دجى ليلنا فلم ترِمِ
ما لسروري بالشك ممتزجًا حتى كأني أراه في الحلم
أمسح عيني مستتبعًا نظري إخالني نائمًا ولم أنم
سقيًا لليل أفنيتُ مدته ببارد الرِّيق طيب النسم
أبيض مرتجةٌ روادفه ما عيب من قرنه إلى القدم
إذ عاكفات الظلام تسترنا حتى تجلت أواخر الظُّلم
أباحني نفسه ووسدني يُمنى يديه وبات ملتزمي
حتى إذا نفس المقدس في سحره أحوى أحم كالحُمم
عدنا إلى مسند بحانته كأنه مُقعدٌ من الهرم
عودته حكمه فأسرع بالبزل كعاداته ولم يسم
فاستلها كالشهاب ضاحكةً عن بارقٍ في الإناء مبتسمِ
في كل لونٍ من لونها شبهٌ إن أفردته العيون لم يقمِ
صفراء زيتية مُلمعةٌ بأُرجوان مُلمع ضرِم
عفو سلاف الربا بأكثرها مرّ الليالي ونكهة العدم
فالنشر عطرٌ والجسم رقرقة كالآل بين العيان والعدم
فلو ترانا في الفجر نأخذها لخلتنا عُكفًا على صنمِ
فتلك ريحانة أراحُ لها دبَّ فتوني بها مدب دمي
فراجع العذر إن بدا لك في الغدر وإن عدت لائمًا فلُمِ
وقال:
كأن أباريق اللجين لديهم ظباءٌ بأعلى الرقمتين قيامُ
وقد شربوا حتى كأن رقابهم من اللين لم تخلق لهن عظام
وقال أيضًا:
من لصبٍّ لا يرعوي لِملام نضو سُكرين من هوى ومُدام
عاذَ من لوعة الصبابة بالكا سِ وخلىّ الملامَ للوامِ
يا نديميَّ لا تناما عن الراح ولا ترقبا سُفور الظلام
هاجني للصَّبوح نقرُ النواقيس ونجوى حمامةٍ وحمامِ
فاصبحاني قبل الصباح مُدامًا قهوةً مرَّة بماءِ غَمام
وألمًا على المنازل بالقُفص فنوحا نِياحة المستهام
وقال أيضًا:
باكر الصبحة هذا يوم عودٍ ومدام
ما ترى بالله أحسن آداب الغمام
بدأ الطلُّ بليلٍ ثم ثنى برهامِ
وانجلى مثل انجلاء الغمدِ عن متنِ الحُسام
فاشرب الراح بأرطالٍ وطاسات وجام
إنما الدنيا كوهمٍ أو كأحلام منام
كل شيءٍ يتوفى نقصه عند التمام
كشاجم:
يا ريم كم أدنو وأنت تريم وتنام عن ليلي ولست تُنيم
قم غير مذموم النِّدام فإنها ستقوم سوق اللهو حين تقوم
هذا الصباح فأضحك الإبريق عن شمس عليها في الزجاج نجوم
فأدارها والصبح في خلل الدجى كالجيش زنجيًا غزته الرُّوم
فشربتها من طرفه وإناؤها في كفه، ورحيقها مختوم
راحٌ كأنَّ نسيمها متولدٌ من نشره، ومزاجها تنسيمُ
جاءت بنكهته وجاء بلونها في خدِّه فصبا إليه حليمُ
وكأن كسرى في الزجاجة سابحٌ في الماء يغرق تارةً ويعومُ
أُسقى على تمثاله برحيقه فكأنه لي صاحب ونديم
في مجلسٍ حبس الزمانُ صروفه عنا فظل العيش وهو نعيم
ابن المعتز بالله: إذا شئت غادتني السُّقاة بكاسها وقد فتح الإصباح في ليلةٍ فما
فخلت الدجى، والفجر قد مدَّ خيطه، رداءً موشىًبالكواكب مُعلما
وقال:
[ ١٥٣ ]
قد أظلم الليل يا نديمي فاقدح لنا النار بالمُدام
كأنني، والورى رقودٌ أُقبل الشمس في الظلام
وقال:
مولايَ أجدرُ من حكم صبرًا عليه وإن ظَلَمْ
لعب القِلى بعهوده وكأنها كانت حُلُم
ومصرعين من الخُما رِ على السواعد واللمم
قتلتهُمُ خمَّارةٌ عمدًا ولم تؤخذ بدم
وسقتهم مشمولةً ظلت تحدث عن إرم
لما أرتهم كأسها شربوا، وما قالوا بكم
ولو أنها قالت لهم صلوا لها، قالوا: نعم
هم عاكفون على الهوى لا يعرفون سوى الكرم
وقال:
يا ربِّ ليللٍ سحرٌ كلهُ مفتضحُ البدر عليلُ النسيم
يلتقط الأنفاس بردُ الندى فيه فيهديه لحرّ الهموم
لم أعرف الإصباح في ضوئه لما بدا إلا بسكر النديم
لبست فيه بالتذاذ الهوى ولذة الراح ثياب النعيم
وقال أيضًا:
قم فاسقني والظلامُ منهزم والصبح بادٍ في كفِّه عَلَمُ
والطير قد صفرت وأفصحت الألحان منها وكلها عُجمُ
وميلت رأسها الثريا إلى الغرب بأسوار وهي تحتشمُ
في الشرق كأسٌ وعند مغربها قرطٌ، وفي أوسط السما قدمُ وقال ابن الرومي:
ويتيمةٍ من كرمها ونديمها لم يُبق منها الدهر غير صميمها
لطفت فكادت أن تكون مُشاعة في الجو، مثل شعاعها ونسيمها
صفراء تنتحل الزجاجةُ لونها فتخال ذوب التبر حشو أديمها
ريحانةٌ لنديمها، درياقةٌ لسليمها، تنفي سقام سقيمها
الأمير تميم:
إشرب فما لؤم الزمان، وإنما أبناؤه مسخوا المكارم لُوما
ظهروا فكانوا للعيون مدامعًا وخفوا فكانوا للنفوس هموما
فلذاك آثرت التفرد والنوى وغدوت للراحِ المُدام نديما
وقال:
سقياني على العناقيد مما عصرته الأكف منها قديما
ما ترى الكرم كيف نضد ياقوتًا وأبدى زُمردًا منظوما
فهو يبدي للعين حبًا ويخفي عسلًا في ظروفه مختوما
كنواصي القيان نظمًا وكالشهد مذاقًا وكالعبير نسيما
غلطوا حين سموا الكرم كرمًا لو أصابوا القياس قالواالكريما
فاسقني يا نديم واشرب بكاسي واقسم اللهو بيننا والنعيما
لا شربتُ المدام إن لم أُعظمْ فوق نفسي، على المدام النديما
ابن المعتز:
لم ينم ليلي ولم أنم نهب كفِّ الوجد والسقم
في سبيل العاشقين هوى لم أنل منه سوى التُّهم
ولقد أغدو على طربٍ والحيا راضٍ عن الديم
فاسقياني الراح صافيةً تُظهر الإصباح في الظلم
لا تلم عقلي ولُم طربي إن عقلي غير متَّهم
وقال:
يا حسدي للكئوس في يده تنال ما تشتهيه من فمه
يا ليتني نلتُ ما ظفرن به كئوسه من لذيذ مثلمه
شرابه مثل لون وجنته حبابه مثل دُرِّ مبسمه
وقال:
الآن تمَّ، فأهدى مقلةَ الرِّيم واهتز كالغصن في ميل وتقويم
قد بتُّ ألثمه والليل حارسُنا حتى بدا الصبحُ مُبيض المقاديم
وقام ناعي الدجي فوق الجدار كما نادى على مرقبٍ شارٍ بتحكيم
والبدرُ يأخذه غيم ويتركه كأنه سافر عن خدِّ ملطوم
فظن ما شئت من حاجات ذي طربٍ مقتضيةٍ وسؤالٍ غير محروم
إثنان كالفرد من طول اعتناقهما باتا بعيشٍ حميدٍ غير مذمومِ
يا ليلة الوصل ليت الصبح يهجرنا يا ليلة الوصل دومي هكذا دومي
باتت أباريقنا حمرًا عصائبها بيضًا ذوائبُها غُصَّ الحلاقيم
[ ١٥٤ ]
رواكعًا كلما حثَّ السقاةُ بها تلقى الكئوس بتكبيرٍ وتعظيم
فلم نزل ليلنا نُسقى مشعشعة كأنما الماءُ يغريها بتضريم
أبقى الجديدان من موجودها [عجبًا] ورائحةً في غير تجسيم
حمراء، أو قلما أحمرَّت، موردة طافت علينا فسرَّت كل مهموم
كأن في كاسِها والماءُ يقرعُها أكارع النمل أو نقش الخواتيم
لا صاحبتني يدٌ لم تُغنِ ألف يدٍ ولم ترد القنا حُمرَ الخياشيم
بادر بجودك بادِرْ قبل عائقةٍ فإن مطل الفتى عندي، من اللوم
وقال:
أخذت من شبابي الأيام وتولى الصِّبا ﵇
وارعوى باطلي وبرَّ حديث النفسُ مني وعفت الأحلام
ونهاني الإمام عن سفه الكاس فرُدت على السقاة المُدام
ولقد حثَّ بالمدامة كفِّي غصن بانٍ عليه بدرُ تمام
عجبٌ يبهت العيون ويشتا قُ إليه التقبيل والالتزام
وندامايَ في شباب وحسنٍ أتلفت ما لهم نفوسٌ كرامُ
بين أقداحهم حديثٌ قصيرٌ هو سحرٌ وما سواه كلام
وغناءٌ يستعجل الراح بالراح كما ناح في الغصونِ الحمامُ
وكأن السقاة بين الندامى ألفاتٌ على السطور قيامُ
وقال:
قد نعى الديكُ الظلاما فاسقني الراح المُداما
قهوة بنت دنان عتقت خمسين عاما
خلتها في البيت جندًا صُفِّفوا حولي قياما
جعل العِلجُ لها من مدراتِ الطينِ هاما
معلماتٍ بمدادٍ خلته فيهن شاما
وتراها، وهي صرعى فرغٌ بين الندامى
مثل أبطال حروبٍ قُتلوا فيها كراما
وقال:
ألا عُج على دار السرور فسلم وقل: أين لذاتي وإن لم تكلم
وقل ما حلت بالعين بعدك لذة سواك فإن لم تعلمي ذاك فاعلمي
وصفراء من صبغ الهجير لرأسها إذا مزجت، إكليلُ درٍّ منظم
وقال:
يا رب يومٍ قد مضى بالقادسية لو يدوم
في ظل كرمٍ لا يطوف به الهجير ولا السمومُ
وسماؤه الورق الجديد وأرضه الوق الهشيم
ويحثني بالكاسِ ساقٍ لحظُ مقلتِهِ سقيمُ
أغرى بقبلته كما يُغرى بمرضعة فطيم
يا من يلوم على الهوى دعني فذا داءٌ قديم
وقال أبو نواس:
شُققتُ من الصِّبا واشتُقَّ مني كما اشتُقَّت من الركم الكروم
فلست أُسوفُ اللذات نفسي وأدفعها كما دفع الغريمُ
وندمان دعوت فهبَّ وهنًا وقد أخذت مطالعها النجوم
أجر الزقَّ وهو يجر رجلًا يجوزُ بها النعاس، ويستقيم
إسحق الموصلي:
وصافية تغشى العيون رقيقةً رهينة عامٍ في الدنان وعام
أدرنا بها الكأس الروية موهنًا من الليل حتى إنجاب كل ظلام
فما ذر قرن الشمس حتى رأيتها من العين تحكي أحمد بن هشام
الصنوبري:
وليلةٍ كالزخرف المُعلم محفوفة الظلماءِ بالأنجمِ
تعلق الصبحُ بأرجائها تعلق الأشقر بالأدهم
عدلتُ فيها بين خمرين من خمر العناقيد وخمر الفم
تناولُ الجام يدي من يدي موشية الراحة والمعصم
شبهتُ ذُوب الراح في جامها بذوبِ دينارٍ علىدرهم
وقال ابن المعتز:
يا خليليَّ هُبا واسقيانا المُداما
قد لبسنا صباحًا وخلعنا الظلاما
وتروم الثريا في الغروب المراما
كانكباب طمرٍ كاد يُلقي اللجاما
أبو محمد التيمي:
هلاَّ استعنت على الهموم صفراء من حلب الكروم
ووهبتَ للعيشِ الحميد بقية العيش الذميم
[ ١٥٥ ]
وحسبت أيام الشبا ب على النواعمِ والنعيم
أقداحها وسُقاتُها مثل الأهلةِ والنُّجوم
يُهدي التحية بينهم نظرُ النديم إلى النديم
فانعم بذاك فليس يكرم نفسه فير الكريم
ابن المعتز:
لا يطيب العيش إلاَّ بمدامٍ ونديم
فاسقني قبل طلوع الشمسِ من ماءِ الكرومِ
صِلْ بنور الكأس نور الشمس يا خير حميم
فهما شمسان في الصبح وفي الليل البهيم