قال أبو نواس:
أسقني يا ابن أذين من شراب الزَّرجون
أسقني حتى ترى بي جِنة غير جنونِ
قهوةً عُميَ عنها ناظرا ريب المنون
عُتقت في الدن حتى هي في رقة ديني
ثم شجت فأدارت فوقها مثل العيون
حدقًا ترنو إلينا لم تُحدق بجفون
ذهبًا يُثمر درًا كل إبانٍ وحين
بيدي ساقٍ عليه حلةٌ من ياسمين
وعلى الأُذنين منه وردتا آذريونِ
غاية في الظرف والشكل، وفردٌ في المجون
غني يا ابن أذين [ولها بالماطرون]
وقال:
قد تعزيتُ بصرفٍ عقارٍ نشأت في حجر أُم الزمان
فهي سِنُّ الدهر إن هي فرت نشأا وارتضعا من لبان
وتناساهما الجديدان حتى هي أنصاف شطورِ الدِّنان
فافترعنا مُزة الطعم فيها نزقُ البكرِ ولينُ العوان
لم يجُفها مبزلُ القوم حتى نجمت مثل نجوم السِّنان
أو كقرن الشمس ينشق عنه شُعبٌ مثل انفراج البنان
فلي الصهباء أبكي عليها والمغاني لبكاة المغاني
وقال الخليع:
أنا لولا الخمر والوجهُ الحسن لم أكن والله مخلوع الرَّسن
ذقت هذين وجربتهما فإذا هذان أسباب الفِتن
لم أقل يومًا لذنبٍ منهُما ليت هذا الذنب مني لم يكن
وقال أبو نواس:
قد هجرت المُدام والنُّدمانا وتمتعت ما كفاني زمانا
وأبى لي خليفةُ الله إلا العزف عنها، وقد عزفت أوانا
ولقد طال ما أبيت عليه في أُمور خلعت فيها العنانا
وغزالٍ عاطيته الراح حتى فترت منه، مقلة وجنانا
قال: لا تسكرنني بحياتي قلتُ: لا بد أن تُرى سكرانا
إن ل حاجة إليك إذا نمت وإن شئت فاقضها يقظانا
فتلكا تلكؤًا في انخناثٍ ثم أصغى لما أردت، فكانا
وقال أيضًا:
ألا دارِها بالماء حتى تُلينها فلن تكرم الصهباء حتى تُهينها
أُغالي بها حتى إذا ما ملكتها أهنتُ لإكرام الخليل مصونها
وحمراء قبل المزج صفراء بعده كأن شعاع الشمس يلقاك دونها
ترى العين تستعفيك من لمعانها وتحسر حتى ما تُقلُّ جفونها
كأن يواقيتًا بصحن إنائها وزُرقَ سنانيرٍ تدير عيونها
وشمطاء حلَّ الدَّهرُ منها بنجوةٍ دنوت إليها فاستللت جنينها
كأنا حلولٌ بين أكناف روضةٍ إذا ما سلبناها مع الليل طينها
وقال:
أربعة مذهبةٌ لكل همٍّ وحزنْ
الماءُ والقهوة والبستان والوجه الحسن
وقال:
غننا بالطلول كيف بلينا واسقنا نعطِك الثناء الثمينا
من سُلافٍ كأنها كل شيء يتمنى مخيرٌ أن يكونا
أكل الدهر ما تجسم منها وتبقى لُبابها المكنونا
فإذا ما اجتليتها فهباءٌ يمنع الكفّ ما تبيحُ العيونا
ثم شجت فاستضحكت عن لآلٍ لو تجمعن في يدٍ لاقتُنينا
في كئوسٍ كأنهن نجومٌ جارياتٌ بروجها أيدينا
[ ١٥٦ ]
طالعاتٌ مع السقاةِ علينا فإذا ما غربن يغربن فينا
لو ترى الشرب حولها من بعيدٍ قلت قومٌ من قُرةٍ يصطلونا
وغزالٍ يديرها ببنانٍ ناعماتٍ يزيدها العمرُ لينا
كلما شئتُ علني برضابٍ يترك القلب للسرور قرينا
ذاك عيشٌ لو دام لي غير أني عفتُهُ مُكرها وخفت " الأمينا "
وقال: وبكر سلافةٍ من بيت حانٍ لها درعان من قارٍ وطين
تحكم علجها إذ قلتُ سُمني على غير البخيل ولا الضنين
فضضت ختامها والليل داجٍ فدرَّت درة الودج الطعين
بكفِّ أغن مختضب بنانًا مُذال الصدغ مضفور القرون
لنا من بعينيه عِداتٌ يخاطبنا بها كسر الجفون
كأن الشمس مقبلةٌ علينا تمشى في غلائل ياسمينِ
وقال:
وخرقٍ يجل الكأس عن منطق الخنا وينزلها منه بكل مكان
تراه كما شاء الندامى ابن علةٍ وللشيء لذوه رضيع لبان
إذا هو لقى الكأس يمناه خانها أماويت منها وارتعاش بنان
تمتعتُ منه ثم أقصر باطلي وصممت كالجاري بغير عِنان
وقال:
لا تبك للذاهبين في الظعنِ ولا تقف بالمطيِّ في الدمن
وعج بنا نصطبح معتقةً من كف ظبي يسقيكها فطنِ
ما تبصر العين منه ناحيةً إلا أقامت منه على حسن
قال له الله كن على قدرٍ في الحسن بين الهزال والسِّمنِ
تخبر عن طرفه محاسنه مكتحل الناظرين بالفتن
تعقد زناره أنامله في الخصر بين الكثيب والغُصنِ
نازعته الراح وهي مثل دم الشادن تنفي طوارق الحزن
قلتُ له والكرى يجشمه هل لك في النوم، قال: لم يحنِ
حتى إذا ما النعاس أقصده نام فنلت المأمول من سكني
كأننا والعناق يجمعنا تحت الدجى، طائران في غُصن
فلم أقل بعد ما ظفرت به يا ليت ما كان منه لم يكنِ
لا تركبن اللذات مختفيًا وامضِ إليهن خالعَ الرَّسَنِ
وقال:
ذراني أُبادر ما هويت ذراني فقد ملكت أيدي المجون عِناني
وشأنكما والرشد فاعتصما به ولا تعذلاني، فالغواية شاني
فما العيش إلا في مُدام تحثها مثالث يهدمن الأسى ومثاني
عقار كعين الديك في فرط نورها وإغشائها العينين باللمعان
لها حببٌ يحكي رؤوس أسنةٍ تجمعن في بحرٍ من الدم قان
تراها حذار الماء حين يشوبها كقلب محبٍّ دائم الخفقان
وقال تميم بن المعز:
ومعشوق اللمى خنث الجفون كذوب الوعد معتل اليمين
أتاني والدجى حلك الخوافي كأن نجومه زرقُ العيون
فلما توج اليُسرى بكأسٍ وصار الرطل قرطًا لليمين
سقاني مثل خديه مدامًا تُلين جوانب الدهر الحرون
كأن الراح وردة جلنارٍ تبدلت في غلالةِ ياسمين
وقال بعض إخوانه وقد تنزه في البستان المعشوق فكتب بها إليه:
قل للأمير ابن الإمام الذي أمننا من نائبات الزمان
لو صورت أخلاقُك الغُرُّ ما أصبحن إلا أوجُها للحِسان
نحن من " المعشوق " في لذةٍ زادت على لذةِ طيب الأمان
فأي شيءٍ ابتدي وصفه منه وقد أفرط في كل شان
نلقى الصِّبا فيه بحرِّ الصِّبا ونطرد الهمَّ ببنت الدنان
صفراء لولا طيبُ أنفاسها غابت عن الحس ولطف العِيان
نشربها صرفًا ومزجًا وما لنا سوى المثلث من تُرجمان
فأجابه:
لا تقتل الأحزان إلا بما أودعه الإبريق دمع الدِّنان
[ ١٥٧ ]
صفراء في الكأْس خلوقيَّةٌ مخلوقة من قبل خلق الزمان
أدقُّ محسوسًا إذا صُفِّقت من رقةِ الفهم وسحر البيان
كأنما الكأسُ بها ثلجةٌ يكتال ساقيها بها زعفران
أو درةٌ ضُمت على عسجدٍ أو عسجدٌ قد ذاب في أُقحوان
دونكموها فاشربوا صِرفها هناكم القصفُ وطيب المكان
وإن أغِب عنكم فإني كمن يراكم في القُرب رأيُ العيان
آخر:
رهبان ديرٍ سقوني الخمر صافيةً مثل الشياطين في دير الشياطين
راحوا إلى الراحِ مشيَ الرخِ وانصرفوا والراح تمشي بهم مشي الرفازين
لله درهُمُ من فتيةٍ قعدوا مثل القضاة وعادوا كالمجانين
ابن المعتز:
قد مضى آبُ صاغرًا لعنةُ الله عليه ولعنةُ اللاعنينا
وأتانا أيلول وهو ينادي الصبوح الصبوح يا غافلينا
ديك الجن:
أفديكما من حاملي قدحين قمرين في غصنين في دعصين
رود مهفهفةٌ ومهضوم الحشا للعالمين منىً وقرَّة عينِ
فإلى كأسكما على ما خُيِّلت كالتبر ممزوجًا بماءِ لُجين
ابن المعتز:
يا نديمي اشربا واسقِيانا قد بدا الصبح لنا واستبانا
واقتلا هميّ بصرفٍ عُقارٍ واتركا الدهر فما شاء كانا
إن للمكروه لذعةَ همٍّ فإذا دام على المرءِ هانا
وامزجا كأسي بريقةِ شِرٍّ طاب للعطشان وردًا وحانا
من فمٍ قد غُرس الدُّرُّ فيه ناصِح الريق، إذا الريقُ خانا
ونديمٍ أمرض السكرُ منه مقلة فاترة ولسانا
قد فديناه من الكأس حتى هشَّ للسَّاقي ومدَّ البنانا
لم يزل يركض وهو مخلىْ ثم علَّقنا عليه العِنانا
وقال:
دعني فما طاعة العذال من ديني ما سالم القلب في الدنيا كمفتون
أقررت أني مجنون بحبكم وليس لي عندكم عذرُ المجانين
وصاحبٍ بعد مسِّ النوم مقلته دعوته ولسان الصبح يدعوني
نبهته ونجوم الليل راكعةٌ في حالكٍ من بقايا ليلها الجونِ
ركوع رهبان دير في صلاتهم سودٍ مدارعهم شمط العثانين
فقام يمسح عن عينيه وسنته بعُقدة النوم من فيه يلبيني
وطاف بالدنِّ ساقٍ وجهه قمرٌ فشكَّهُ بسريع الحدّ مسنون
ذو طرةٍ نظمت في عاج جبهته من شعره حلقًا سودَ الزرافين
كأن خط عذارٍ شقَّ عارضه ميدان آسٍ على وردٍ ونسرين
مستودعٌ ذيله معلاق منطقةٍ يضمُّ غصنَ نقًا يهتز من لِين
وخُط فوق حجاب الدُّر شاربُهُ كنصف صادٍ ودار الصُدغ كالنون
فجاء بالراح تحكي ورد وجنته مُقرطقٌ من بني كِسرىوشيرين
عليه إكليل آسٍ فوق مفرقه قد رصعوه بأنواع الرياحين
وقال:
صحوتُ ولكن بعد أيّ فنون فلا تسأليني سلوةً ودعيني
وخمارةٍ يُعنى المسيحُ بدينها طرقت وضوء الصبح غير مبين
فلما رأتني أيقنت بمعذلٍ قليل بقاء الوفر غير ضنين
فقامت وفي أجفانها سِنة الكرى تفضُّ بكفيها خواتم طين
فلما رآها الليل حثَّ جناحه مخافة صبحٍ في الدِّنان كمينِ
فجاءت بها في كأسها ذهبيةً لها حدقٌ لم تتصل بجفونِ
مخدرةٌ تُقصي الهجير ظلالها ببيت إذا فار النهار كنين
تجاورُ أترابًا وقوفًا صوافنا حملن ولم تعلم بحمل جنينِ
فما زلت أسقاها بكف مقرطقٍ كغصن ثنته الريح بين غصون
لوى صُدغه كالنون من تحت طُرَّةٍ ممسكةٍ تُزهى بعاج جبين
[ ١٥٨ ]
وقال الصنوبري:
يا صاحبيَّ اسقياني لا عدمتكما جزاكم الله بالإحسان إحسانا
هُبا فقد هبت الأطيار تخبرنا من الغصون بأن الصبح قد حانا
وعاطياني كُميت الراح صافيةً مما تخيره كِسرى بن ساسانا
بكف ساقٍ رخيم الدلّ تحسَبُهُ لِما حوى من فتور الطرف وسنانا
إذا رأت مقلتي بستان وجنتِهِ فحسبها أن ترى ما عشتُ بُستانا
لا تسكراني من الصهباء ها أنا ذا من لوعة الحب قد أصبحت سُكرانا
وقال:
أيهذا العزيز قد مسَّنا الضُّرُّ وعاينت مذ هجرت المنونا
جُد بنزرٍ من الرقاد لطرفٍ أنت فجرت فيه ماءً مَعينا
طاف في قُرطقٍ وقد عقد الزنار من فوق خصره تسعينا
بعقارٍ تنفي الهموم وتستخرج شوقًا من الفؤاد دفينا
غاص فيها ماءُ المِزاج فأبدت لؤلؤًا من عيونها مكنونا
ثم جالت فيها فصارت حداقًا غير أن لا ترى لهنَّ جفونا
قام يسعى بها فخلتُ طلوع الشمس ليلًا والبدر مما يلينا
ولقد راع ذاك قومًا على بعدٍ فصاحوا: الصلاة يا غافلينا
وقال:
أيا ساقي الخمر لا تنسنا ويا ربة العود حُثِّي الغِنا
فقد نشر الدَّجنُ بين السماء والأرض مُطرَفَهُ الأدكنا
وقال:
ربَّ يومٍ قطعته بسرورٍ شرطه السُّكر وانعقاد اللسانِ
وحبيب مساعدٍ فيه أحياني ببعض الريحان، إذ حياني
وعروسٍ حجابها بطنُ دنٍّ عُمرت في دساكر الرُّهبان
لبسها من عناكب بغُزُولٍ خلتُها قد تجسمت من دخانِ
دوحة للفرات من زعفرانٍ تلد الدرَّ في رؤوس القِيان
وعليها غلائلٌ من زجاجٍ واضحاتٍ قليلةِ الكتمان
ظلتُ يومي أنفي بها الحزن عني فهي ترياقُ لاعج الأحزان
مع فتيان لذةٍ صحبوها كلُّهم مسعدٌ مطيعُ العنان
وعلى هامهم أكاليل آسٍ في مكان اللُّجين والعِقيان
وقال أبو تمام:
أفيكم فتىً حرٌّ فيخبرني عني بما شربت مشروبة الراح من ذهني
غدت وهي أولى من فؤادي بعزمتي ورحت بما في الدنِّ أولى من الدنِّ
هي اختدعتني والغمامُ ولم أكن بأول من أعطى المقادة للدَّجن
تقلب روح المرء في كل وجهةٍ وتدخل منه حيث شاءت بلا إذن
ومُسمعًا طفل البنان وعنده لنا كل نوعٍ من قرى العين والإذن
لنا وترٌ منه، إذا ما استحثهُ فصيحٌ، ولحنٌ في أمانٍ من اللحن
البحتري:
أُغادي أُرجوان الراح صرفًا على تفاح خدّ أُرجواني
إذا مالت يدي بالكأس رُدت بكف خضيب أطراف البنان
تأمل من خلال السِّجف فانظر بعينك ما شربتُ ومن سقاني
تجد شمس الضُّحى تدنو بشمسٍ إلى من الرحيق الخُسرواني
وقال:
كلُّ ماضٍ أنساه غير ليالٍ ماضيات لنا بتلِّ (بونا)
مغرم بالمدام يترع كأسًا ساطعًا ضوءُها ويبزل دنا
حيث لا أرهب الزمان ولا أُصغي إلى العاذل المكثر إذنا
وقال:
شبيبة لهوٍ تلقيتها فسايرت بالراح ريعانها
ولا أريحية حتى تُرى طروب العشية نشوانها
وليست مُدامًا إذا أنت لم تواصل مع الشرب إدمانها
وقال أبو نواس:
ما لذة العيش إلا شرب صافيةٍ في بيت خمارةٍ أو ظل بستان
صهباء صفراء كالعيقان إن مزجت كأنها وجلٌ يعلوه لونان
من كفِّ أغيد مرتجٍّ روادفه كالبدر أو في على غصنٍ من البانِ
فتارةً هو ميدان نروضُ به ضوامرًا قُرحًا ليست بثنيان
وتارة هو ساقينا ونرجسنا يا حبذا ذاك من ساقٍ وندمان
[ ١٥٩ ]
وقال عليُّ بن محمد:
بارزة في يوم قربانها بين نصاراها ورهبانها
سارقتها اللحظ وقد أقبلت ترشقُ أحشائي بأجفانها
فانبتت عينايَ في خدِّها شقيقةً في غير إيانها
والراحُ لا يعجبني شربُها إلا لإعجابي بندمانها
شأني صلاح العِرض منها إذا أضحى فسادُ المال من شانِها
ما أحسن الدنيا ولكنها دانيةٌ في كلِّ ولدانها
والدهر لا يبقى فلا تُبقِ في تمزيق دنيا عند إمكانها
شبيبةٌ تمضي فلا تنسني وروني من ماء ريعانها
ابن وكيع:
خليا عنكما عتاب الزمان وذراني من لومه واعفياني
إن لوم الزمان فيما جناه هو عندي ضرب من الهذيان
هو سلطاننا المحكمُ فينا أيُّ معدٍ يُعدي على السلطان
ما أرى لي عونًا عليه سوى الراح فحُثا كئوسها واسقياني
آخر:
رب نديمٍ صريع سكر مُرنح مُرعش اليدين
كأن أجفانه احمرارًا ناظرةٌ من شقيقتين
ناديته للصبوح فجرًا فهبَّ يهتز كالرُّديني
ناولته قهوةً سناها يحول ما بينه وبيني
أخدع للعقلِ من أمانٍ ووعد وصل بلحظ عين
وقال آخر:
قم فاسقني من قبل وقتِ الأذانِ سلافةً تُحكمُ عقد اللسانِ
أسر من عودةِ وصل الصِّبا إلى فتىً مشتهرٍ بالغواني
البحتري:
وفي القهوة أشكالٌ من الساقي وألوانُ
حبابٌ مثل ما يضحك عنه وهو جذلان
وسكر مثل ما يسكر طرفٌ وهو وسنانُ
وطعم الرِّيق إذ جاد به والصبُّ هيمان
لنا من كفِّه راح ومن ريَّاه ريحان
وقال:
ما أُبالي إذا شربت ثلاثًا من غدا راضيًا ولا من جفاني
من سُلاف عتيقةٍ سلسبيلٍ بنت عشرٍ تجيد عقد اللسان
تركتني على فصاحة نطقي وأنا مُحوجٌ إلى ترجمان
كلما ساءَني شكوت إليها فتغطِّي القبيح بالإحسان
هي نعم الرفيقُ لي إن دهتني نائبات الزمان والأحزان
لو أماني الأيام صُورن شخصًا ما عدا جميع الأماني
وإذا ما الزمان أفسد شأنًا كان فيها صلاحُ ذاك الشان
لائمي في السرور دع عنك لومي إنني قد خلعت فيه عناني
إنما العيش قهوةٌ وسماعٌ ساعدته مثالث ومثاني
فإذا ما أردت رشدي فخذلي من صروف الردى كتاب أمان
وقال:
يا ليلة جمعت لي طيب أربعة ونبهت فرحتي والدهر وسنان
الريحُ شرقيةٌ والراح مشرقةٌ والبدر مبتدرٌ والروحُ ريحان
وله:
قومي امزجي الدرَّ باللجين واحملي الرطل باليدين
واغتنمي غفلة الليالي فربما أُوقظت لحيني
فقد لعمري أقرَّ منا هلالُ شوالَ كل عين
ذات الخلاخيل أبصته كنصف خلخالها اللجيني
أبو الشيص:
وصهباء لم تفترعها السقاةُ ولا استامها الشرب في بيت حانِ
ولا احتبلت درَّها أرجلٌ ولا وسمتها بنارٍ يدان
ولكن غذتها بألبانها ضروعٌ يحف بها جدولان
إلى أن ترحل عنها الصبا وأهدى الفطام لها المرضعان
فأحسبها وهي مكروعةٌ تمج سلافتها في الأواني
عناقيد أخلافها حُفلٌ تدر بمثل الدماء القواني
يطوف علينا بها أحورٌ يداه من الكأس مخضوبتان
ابن المعت:
سلط على الأحزان بنت الدنان وارحل إلى السكر برطلٍ وثان
ومتع النفس بما تشتهي ما دمت في غفلة صرف الزُّمان
[ ١٦٠ ]
أتلف وأخلف وأفد، واستفد وأنزل المال بدار الهوان
وهاتها بنت يهودية سحَّارة تُحكم عقد اللسان
يكتب فيها ماؤها أسطرا حروفها من شعر الزعفران
نعم قِرى السمع على شربها نفخ المزامير وعزف القيان
وقال:
مالي وللباكيات في الظعُن ومقفرات الطلول والدمن
شغلي عنها بالراح في غلس ووضع ريحانة على الأُذن
وشرب كأسٍ في مجلس بهجٍ لم أر هما به ولم يرني
من كف ظبي مقرطق غنجٍ يعذرني من عليه يعذلني
تلوحُ صلبانه بلبتهِ كنور خيرية على غصن
جاء بها كالسِّراج صافيةً سلافة لم تُدس ولم تهن
من ماء كرمٍ قد عُتقت حقبا في بطن أحوى الضمير مختزن
ميتٌ وفيه الحياة كامنةٌ يدرجه العنكبوت في الكفنِ