فأمَّا كثرة عدد الشَّرب وقِلتهم فإنهم يسمّون الإثنين مِنشارًا ويكرهونهما، وكأن الثلاثة أتمُّ مجلسًا، لأن الإثنين ينهض أحدُهما لبعض شأنه فيبقى الآخر واجمًا منفردًا، فتعرض له الفِكر إذ لم يكن لجليسه من يخلفه في مؤانسته، وليس كذلك أمر الثلاثة، وعندي أن الأربعة أحسن لأن أحد الثلاثة إذا اشتغل الإثنان بحديث لم يعرف الثالث ابتداءه وسببه، احتشم، لا محالة، فمقت نفسه كما قال الشاعر:
خِلاَّنِ لي أَمرُهما عجيبُ كلاهُما لِخلِهِ حبيبُ
ما لي من نجواُهما نصيبُ كأنني بينهما غريبُ
والأربعة متكافئون وهم أركان المجلس وفيهم [قال] الراجز:
إذا عددت صاحبي ونفسي
فنحن والشربُ معًا كالنفس
وفي الأربعة يقول بعض الكتاب:
ثلاثة منحتهم صفائي
كأنهم كواكب الجوزاءِ
فأراد ثلاثة هو رابعهم.
وقال آخر في الثثة:
إخالك تدعونا إذا ما دعوتنا دعاء يهود مُسْنتين على نهرِ
فلا خير في الندمان إلاَّ ثلاثة سواء كأمثالِ الأثافي من القدرِ
ولمنصور الفقيه إلى بعض إخوانه في ذكر الخمسة:
ثم ادعُ منّا خمسةً مُتخيرين ولا تزدْ
فَدُوَيْنَ هذا وحشةٌ وفوَيقَهُ سوقُ الأحدْ
وقال آخر في وصفه الندامى من وحدٍ إلى سبعةٍ:
إن المعاقر كأسه متفردًا من صحبه نكِسٌ لئيمٌ أرجَسُ
واثنان يشتد النِّدام عليهما وثلاثةٌ بهم يطيبُ المجلسُ
ولقد يلَذُّ حديث أربعةٍ لهم فيطيبُ مجلسُهم معًا والأنفسُ
والغاية القصوى أراها، خمسة في دورهم نفسٌ لمن يتنفسُ
فإذا هم كثروا فصاروا ستةً عطشوا لِحبسِ الكاس [إماّ تُحْبَسُ]
وإذا تجمع سبعة في مجلسٍ سنحت لهم دون السعود الأنحسُ
فظللتَ في سوق المِراء معسكرًا وترى حلومهم بجهل تُخلسُ
وكان رجل من جِلَّةِ الكتاب إذا أصاب أهلَ بلدِهِ شدةٌ رفع الحُوَّارَى عن خُوانه وأكل الكُشكار، ورأى أن يساويهم في أكثر ما يقدرون عليه إذ لم يمكن أن يَعُمَّهم، وهذه مكرمة سبق إليها السابق بالخيرات أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رض) فإنه عامَ الرَّمادة لم يذق لحمًا ولا سمنًا حتى أحيا الناس، وإنماكان غذاؤه الخبز والزيت حتى وصف لونَهُ بالأُدمة من كان يصفه بالبياض.
وذمَّ رجل رجلًا فقال: أَمّا فلانٌ فدعواته ولائم وأقداحه محاجم.
[ ٧٦ ]
وقال إسحق الموصلي وذكر النُّدماء: الواحد غمٌّ، والإثنان همّ، وثلاثةٌ قِوامٌ، وأربعةٌ تمامٌ، وخمسةٌ زحامٌ، وسبعةٌ جيشٌ لُهام.
وأنشد البريدي: وخير الندامى ستَّة من ذوي الحِجى فخمسة إخوانٍ وآخرُ مُسمعُ
ويبقى لديهم جاهل ومعربدٌ ومبدٍ لأسرار الندامى مُضيِّعُ
وقال دعبل، ورويت للفرزدق:
إذا ما جاوز الندماء كَفِّي بربِّ البيت والساقي الأديبِ
فأيري في حِرِ أُمِّ فتىً دعانا وأيري في حِرِ أمِّ فتىً مُجيبِ
وقال محمد بن أحمد الكاتب:
ثلاثةٌ في مجلسٍ طيِّب وصاحب المنزل والضاربُ
فإن تجاوزتَ إلى ستةٍ أتاك منهم شغب شاغِبُ
وقال ابن الطليق الثقفي:
ولا خير في الندمان إلا ثلاثةٌ سواءٌ كأمثال الأثافيّ في القدر
فإن كان فيهم رابعٌ كان مُسمِعًا يُسلي بأصوات له شجنَ الصدر