يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: من دخل على غير دعوةً دخل سارقًا، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله. وعنه " ص " أنه قال: إذا دُعيَ أحدكم فجاء مع رسولٍ فإن ذلك له إذنٌ. ودعا رجل عليَّ بن أبي طالب " رض " إلى طعامٍ فقال: نأتيك على ألاَّ تتكلف لنا ما ليس عندك، ولا تدَّخِر عنا ما عندك. وكان يقول: شرٌ الإخوان من تُكُلِّفَ له. وقال ابن عباس (رض): من نقل قدمه إلي فله الفضل عليَّ، وكان بعضهم يقول: بليَّةٌ تضني البدنن؛ رسولٌ بطيء، وسراج لا يضيء، وانتظار من لا يجيء. وقال ابن عباس (رض): دعاني رجل إلى وليمة يوم جمعة، فبكَّرت إلى المسجد، فلم أنصرف إلى العشيِّ، فلقيني الرجل فقال: عصَيْتَ الله في هذا اليوم ثلاث مرات؛ قال الله ﷿: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله، فسعيت قبل النداء، وقال: إذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض، فتركت الانتشار إلى العشي، ووعدتني فأخلفت، فلم يكن لي جواب إلاَّ أن قلتُ: لا أعود.
وكتب العدوي إلى صديق له:
كنتَ المُعَزِّي بفقدي وعِشْتَ ما عِشت بعدي
أَهدي إليَّ أخٌ لي سُلَيْلَ مِسْكٍ وورد
أرقَّ من دمع صَبٍّ يشكو صبابة وجدِ
فاخلع عليَّ سرورًا بكونك اليوم عندي
وكتب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى صديق له:
[ ٨٣ ]
صباحٌ مطيرٌ، ووجهٌ نَضيرُ وقدرٌ تفور، وكأسٌ تدورُ
وبيني وبينك ما قد علمت ببيتٍ يَسُرُّ وشعرٍ يَسيرُ
فقم نصطبح قبل فوت الزمانِ فإن زمان التلاقي قصير
وكتب البحتري إلى المبرِّد:
يوم سبتٍ، وعندنا ما كفى الحُرَّ، طعامٌ، والوردُ منّا قريبُ
ولنا مجلس على النهر فيَّاح فسيحٌ، ترتاح فيه القلوبُ
ودوامُ المُدام يدنيكَ مِمَّن كنت تهوى، وإن جفاك الحبيب
فأْتِنا يا محمدُ بن يزيدٍ في استتارٍ كي لا يراك الرقيب
تطرد الهمَّ باصطباح ثلاثٍ مُترَعاتٍ، تُنفي بِهِنَ الكروبُ
إن في الراح راحةً من جوى الحب وقلبي إلى الأديب طَروبُ
لا يرعك المشيب منِّي فإني ما ثناني عن التصابي المشيب
إبراهيم بن إسماعيل:
صباح مطيرٌ، وعيش نضيرُ وقدرٌ تفور، وكأس تدور
وفينا مساعدة جمَّةٌ يتمُّ بها لي فيك السرورُ
فإن كان هذا كما قد وصفت فإنَّالتفرُّقَ خطبٌ كبيرُ
فقم نصطبح قبل فوت الزمان فإن زمان التلاقي قصير
قال إسحق: وكتب إلي العباس بن جرير: لو لم يكن في الاجتماع عندنا إلاَّ طرح الحشمة، وتأكيد المودَّة، لكان كافيًا، فكيف وفيها من مفارقة الأحزان ما أنت عارف والسلام.
وقال آخر:
اليوم يوم كتابِ ويوم إغلاق بابِ
ويوم ناي وعودٍ ونرجس وشرابِ
وقال آخر:
يومنا طيب ولو شاء ربي زادني فيه باقترابك طيبا
ليس يصفو إلاَّ بقربك لي عيشٌ، ومن لي بأن تكون قريبا
ولعمري لو شئت زرتَ، ولو زرت، لما كان ذاك منك عجيبا
وكتب ذيك الجن، إلى بعض إخوانه:
لك عندي من طِّيب الورد أطباق ملاحٌ تدني بعيد سرورِكْ
وشرابٌ كطِيب نشرك يلقي فوق أيدي السقاة نورًا كنورِك
فبحقي، أهدِ السرور إلى من لا يلذُّ الدنيا بغير حضورك
وكتب ابن مكرم إلى أبي العيناء: عندي سكباج يرغب [فيه] المحبون، وحديث يطرب المحزون، وإخوانك المحبُّون فلا تعلُ عليَّ وأأتونْ. فكتب إليه أبو العيناء: اخسأُوا فيها ولا تكلِّمون.
وكتب كُشاجم إلى بعض إخوانه في يوم شك:
هو يوم شكٍّ يا عليُّ وأَمرُهُ قد كان يُحذَرْ
والجوُّ حُلَّتُه مُمسكةٌ ومُطرَفُهُ مُعنبرْ
ولنا فضيلات تكون ليومنا قوتًا مُقدَّرْ
ومدامة صفراءَ أدرك عمرَها كسرى وقيصر
فانشط بنا لنَحُثَّ من كاساتنا ما كان أكبر
أو لا فإنك جاهل إن قلت إنك سوف تُعْذَرْ
وكتب العباس بن جرير: يومنا طاب أولُه ودجا آخرُهُ، مستقبلٌ ذو سماءٍ قد أقشعت بعد أن أروت، وأنت تُكثِّر القليل، ونشفي الغليلَ، فلا توحشنا بتخلفك عنا، ولا تستوحش بتفردك منا فإنك إن تأتنا نشكرُ وإن تخلفت عنا لا نعذر.
الفضل بن جعفر: يومنا يوم رقيق الحواشي، ليِّن النواحي وأنت موضع السُّرور، ونظام العيش والحبور، فأقبل إلينا وكن جواب رقعتنا، نَسْعد بك وتسعد بنا.
وكتب آخر: يومنا قد أشرق نوره، وكمل سروره، ذو سماءٍ قد هطلت، وجادت بوبلها وأسبلت، وبك تمام كل لذة، فأجمع شملنا بقربك.
وكتب آخر: رؤيتك أحسن من العافية وأزين من المال والولد، وقد اشتقت إلى نِعَمِكَ العذاب، فبحف العشرة وعظيم حق الخدمة، إلا مننت برد الجواب فكنته.
وكتب آخر: أنا ظمآنٌ إلى رؤيتك، صادٍ إلى تكرار الطرف في غُرَّتك، فإن رأيت أن تبرِّد غليل أخيك، وتبهج وجهه بماءِ وجهك، وتؤنس وحشته بقربك، وتؤثره على كل شغلك، وتدفع همومه بمحاضرتك.
سعيد بن حميد: قد جعلك الله للشمل نظامًا، وللسرور تمامًا، وجعل مشاهد الأُنس إذا خلت منك رثة المنظر، وجعلها بك محمودة الأُر، فرأيك في إيجاب المنة على أخيك، االزيارة موفقًا.
علي بن عبده: الإبطاء ينتج القطيعة، وإدمان العهد ينمي المودة، وعلى حسب تشاكل الأخلاق يدوم التواصل، والحديث يبهج القلوب ويزيد في الأُنس، كما أن المنظر المُونق متنزَّه الأبصار.
الصنوبري:
[ ٨٤ ]
تعالَ، عندي مجلسٌ مونِقٌ يزيد أضعافًا على المونقِ
ونرجسٌ أبلقُ والنفس لا تمَلُّ قرب النرجس الأبلق
وكلنا من نمطٍ واحدٍ في الرأي والمذهب والمنطق
وكتب كشاجم:
عندي معتَّقة كودِّك صافية ونديمك الدَّمِث الرقيق الحاشية
وإذا طربتَ إلى السماعِ ترنَّمت بيضاء زاهية تسمىَّ زاهية
وتجيبها سوداء تُعمِلُ نايَها فتريك كافورًا يقاوم غالية
٣ف - احضُر فقد حضر السرور ولا تدع يومًا يفوتك، فهي دنيا فانية وقد آثر الظرفاء في إسقاط التصنع في هذا الباب ما هو أليق بالمؤانسة وأنفى للانقباض والحشمة، ولو لم يكن في الاحتفال من النقيصة، و[في] الاقتضاب من الفضيلة إلاَّ أن المحتفل قد ضيَّق على نفسه العذر في تقصير كان منه، والمقتضب مُغتفرٌ له ذلك، وكفى ذلك.
وكتب محمد بن الحسين إلى صديق له:
قم بنا نقتضب صبوحلً مليحًا يُسعِدُ الله فيه لي بك جَدِّي
لم أُبيتْ له اعتزامًا من الليل ولا قلت كُنْ فديتك عندي
فهو طيبًا وموقعًا كحبيبٍ جاءَني زائرًا على غير وَعْدِ
وكان محمد بن نصر بن بسَّام يقول: قبَّح الله عليًا - يعني ابنه - فما أخوفنا من هجائه، وأَنشَد قوله:
خبيصةٌ تُعقد من سُكرة وبرمة تطبخ من قُبرَّة
وليس ذا في كل أيَّامِهِ لكنه في الدعوة المنكرة
فأما الأول فإنه يدل على ظرف الطبَّاخ، وظرف يده لأنه من مدحه أن يوصف بأنه يطبخ من الطائر ألوانًا، وأما الدعوة المنكرة فإنه جعلني متصنعًا محتفلًا، ولعلَّ نعمتي وهمتي تشهدان بغير ذلك.
وكان آخر لا يسرع في شيءٍ من الدعوة حتى يحضر إخوانه ويأمنَ تخلّفهم فحينئذ يأمر بإصلاح ما يقدره لمن حصل منهم، فلا يلحقُ طعامهم حتى يتصرم يومُهم وتضطرم نار الجوع في أحشائهم. وقال فيه بعضهم:
خاف الضياع على شيءٍ يعجله من المطاعم إن إخوانُه ثقلوا
فليس تعلو على الكانون برُمته حتى يرى أنهم في البيت قد حَصَلوا
قال: حدثني من أثق به عن بعض البخلاءِ أنه دعا قومًا فابتاع لهم جديًا وأشفق أن يذبحه ولا يحضرُه كهيئة المسموط وإن تأخروا استحياه وكفله وربَّاه، وانتهى إليهم الخبر من جهةٍ لطيفةٍ فدعوه إلى منزل بعضهم واحتالوا عليه حتى ظفروا بالجدي فجاؤوه به مُنورًا، فأخجلوه، وفضحوه، وقال بعضهم فيه:
ومستظهر مفرط الاحتياط بخيل بمذهبه مغتبطْ
دعا مرَّة بعض إخوانه على غير عمدٍ ولكن غَلطْ
فجاء بجديٍ كبعض الجداء أعظم من جسمِهِ جسمُ قِط
فقال لغلمانهِ نَوِّروه على أنه أجردٌ ممتعط
فإن جاء من نتقي أن يجيء رأى أَنَّه ذابحٌ قد سُمِط
وإلا أَمِنا على جدينا وكان حقيقًا بأن يرتبط
وليس هؤلاء بإفراطهم في الاستظهار القبيح والنظر الدقيق بأَذَمَّ ممَّن يدعى فيجيب، ويوثق منه بالوفاءِ ثم يتثاقل عن الداعي الملهوف حتى يجيعه ويجيع إخوانه وينغص عليهم يومَهم ويبرد طعامهم، ويرد غلامه، ويطيل التشوف إليه، ويوغر بذلك الصدور عليه فجزاء هذا عندي بعد الاستظهار بالحجة، وإعادة الغلام إليه بالرسالة، أن يستأثر إخوانه بالمؤاكلة متعمدين بذلك الاستخفاف به ليؤدبوه بذلك إن كانت به مسكة، وينبهوه إن كانت له فطنة.
وكان بدمشق شاعران يتشاعران فكان أحدهما يكثر [الجلوس] عند الآخر، ولا يدعوه ذلك إلى منزله، فكتب إليه:
أبدًا تحصلُ عندي ثم لا أحصل عندك
إن تناصفنا وإلاَّ بت يا طائيُّ وحدك
فبلغ بعض الأدباء فقال:
أرى الدعوات قد صارت قروضًا وأمرًا في البرية مستفيضا
وحالي ربما نهضت وحينا تضيق فلا أرى فيها نهوضا
وأكره أن أجيب فتىً دعاني ولا أدعوه، أن أُلفى بغيضا
وقال العطوي:
قِدران عندي ما للمسك طعمهما ونشوةٌ لهما من طبخ بيضاء
[ ٨٥ ]
ودرهم بين ريحانٍ ومنتقلٍ جهدُ المقلّ، ولا كفرٌ بنعماء
وكتب بعضهم:
أنا في البيت وحيد واشتياقيك شديد
ولدينا الراح والريحان والعيش الحميد
فأْتِ من يبدا بذكراك اشتياقًا ويعيد
وكتب كشاجم إلى آخر وقد دعاه فتثاقل عليه:
جُعلت فداءك ماذا الجفاء قل لي متى كنت عنِّي صبورا
رددت الرسول بذلّ الحجاب فحجبتَ عن مرسليه السُّرورا
وقد حضروا كلُّهم كالنجوم ولو قد رأوك لصاروا بدورا
وقد أحكم الطبخَ طبَّاخُنا وأعجله واستتم القدورا
وفاحت بمثل ثناء العفاةِ غداة انتحوا لِنداك الغزيرا
وبُلَّ لنا الخَيْشُ في قبَّةٍ تعيد الشتاء وتنفي الحرورا
وحبلٌ تساقَطَ قطرُ المياه عنه إلى الأرض درًاّ نثيرا
فلو أنها نُصبت في الجحيم لغادرها بردُها زمهريرا
وعندي ثلجٌ توهَّمتُه بياض أيادٍ أصابت شكورا
يريك بياض ثغور القيان رأين برأس محبٍّ قتيرا
ويعدل عن شاربيه المزاج ويعدل صفراءَهم أن تثورا
وساقٍ أغنّ ومشمولةٌ غدا المسكُ من ريحها مستعيرا
ومسمعةٍ تطرب السامعين برنَّات طفل يشوق الكبيرا
وتُهدي إلى القلب زور السرور إذا حركت منه مثنىً وزيرا
فلا تُخلِنا منك يا سيدي وكُنْ بالمسير إلينا جديرا