قيل لبعض الحكماء: لِم صار الرجل الثقيل أثقل من الحمل الثقيل؟ قال: لأن الحمل الثقيل يشارك البدن الروح في حمله، والرجل الثقيل تنفرد الروحُ وحدها بحمله.
وقال بعض الأطباء لبعض الملوك: لا تكثرن شرب الدواء فإن أثر الدواء في البدن كأثر الصابون في الثوب ينفقه ويخلقه، فإن كنت لا بدَّ فاعلًا، فاجتنب رؤية الثقلاء إذا شربته، فإن مشاهدة الثقيل حمّى الروح، قال الشاعر:
شخصُك في مقلة النديم أثقل من رعيةٍ النجوم
يا رجلًا ظلُّه علينا أثقل من مَنَّة اللئيم
إني لأرجو بما أُلاقي منك خلاصًا من الجحيم
وقيل: ثلاثة تشتدُّ مئونتهم: النديم المعربد، والجليس الثقيل، والمغني البارد.
وقال إبراهيم النظام: إذا علم الثقيل أنه ثقيل فليس بثقيل وكان يقال: من خاف أن يثقل لم يثقل.
وقال الحسن البصري: ذكر الله الثقلاء في كتابه فقال: وإذا طمعتم فانتشروا، الآية؛ وكان أبو هريرة إذا استثقل أحدًا قال: اللهم اغفر له وأرحنا منه. وكان الأعمش قد نقش على خاتمه، وكان حرجًا ضيِّق الأخلاق: أبرمت فقُم، فكان إذا جلس إليه ثقيل ناوله إياه، وقال بعضهم:
ونديم جليسه في سياقٍ ساعةٌ منه مثل يوم الفراقِ
ليته مثل ما أراه يراني ليلاقي من الأذى ما أُلاقي
ودخل أبو الهندي بيت خمار، فوجد فيه الأخطل وقد سكر فلما رأى أبا الهندي استثقله ولم يعرفه، فقال:
ألا فاسقياني وانفيا عنكما القذى فليس القذى بالعودِ يسقط الخمرِ
ولكن قذاها زائرٌ لا تريده رمتنا به الأقدار من حيث لا ندري
فقال أبو الهندي:
إن كنت ندماني أبا مالك فاسقِ أبا الهندي بالكُندره
من قهوةٍ صهباء كرخيَّةٍ تأخذ بالرأس وبالحنجرة
تُسكب من زقٍّ لنا مسندٍ أسحم رشاشٍ له قرقرة
كأنما أكرعُهُ، إذ بدت، أيدي لصوصٍ، قُطعت، مُنكرة
فقام إليه الأخطل فاعتنقه ورحب به، وأقاما متنادمين أيامًا كثيرة.
وقال أبو المستهل:
مشتمل بالبغض لا تنثني إليه طوعًا لحظةُ الوامق
يظلُّ في مجلسنا مُبغضًا أثقل من واشٍ على عاشقِ
وقال آخر:
أيا من ضجَّت الأرض إلى الرحمن من ثقلِهْ
ويا غضب الله على آدم من أجله
[ ٨٦ ]
وما كان له ذنبٌ سوى أنك من نسله
وجلس إلى أبي عبد الرحمن العُتبي رجل ثقيل فلم يحدِّث العتبي حديثًا إلاَّ عارضه بجهلٍ وقلة معرفة، فلما أبرمه أنشده:
أما والذي نادى من الطور عبده وأنزل فرقانًا وأوحى إلى النحل
لقد ولدت حواءُ فيك بليَّةً عليَّ أُقاسيها، وثقلًا من الثقلِ
وكان رجلٌ من التجار له ولدٌ ثقيل يتقعَّر في كلامه، فجفاه أبوه استثقالًا له وتبرمًا به، فاعتَّل الأبُ عِلَّة شديدة أشفى منها على الموت، فاجتمع إليه ولده وقالوا: ندعو بفلانٍ أخينا، فقال: والله هو يقتلني بكلامه، قالوا: ضد ضَمِنا ألاَّ يتكلم بشيءٍ تكرهه، فأذِن لهم، فلما دخل عليه قال: السلامُ عليك يا أبتِ، قل لا إله إلا الله وإن شئت قلتَ لا إله إلا الله، فقد قال الفرَّاء: كلاهما جائز، والأول أحبّ إليَّ، لأنه أخفهما، والله يا أبتِ ما شغلني عنك غير أبي عليٍّ، فإنه دعاني بالأمس فأهرس وأعدسَ وسبدجَ وسكبَج وزرنج وطبهج وأمصل وأمضر وأفرخ ودجج ولوزج وأفلوذج فصاح العليل: السلاحَ اسلاحَ، غمِّضوني فقد سبق ابنُ الزانية ملِكَ الموت إلى قبض روحي.
وقال أحمد بن الحسين الكوفي: علامة الثقيل أنه يطيل الجلوس ويصدِّع الرؤوس ويوجس النفوس.
وقال أبو العيناء: رب وحشةٍ أمتع من جليس، ووحدةٍ أنفع من أنيس.
وقال الأعمش: النظر إلى الثقيل يمييت القلب ويذهل العقل ويسقم البدن.
وجلس ثقيل إلى بشار فأطال فضرط بشار، فقال الثقيل لبشار: ما هذا؟ قال: وما هو، أرأيت أم سمعت؟ قال: بل سَمِعتُ صوتًا منكرًا، قال: فلا تصدق حتى ترى.
وقال ابن وكيع:
وبغيض كتب البغض إليه من علامه
لست أسطيع من المقت له ردَّ سلامه
ما له عاجله الله سريعًا بحمامه
وقال الأعمش: من فاتته ركعتا الفجر فليلعن الثقلاء، وكان إذا حضر مجلسه ثقيل قال:
فما الفيل تحمله ميِّتًا بأثقل من بعض جُلاسِنا
وأتى أبو حنيفة الأعمش عائدًا في مرضه فقال: لولا أن أُثقل عليك أبا محمد لعُدتك في كل يوم، فقال له الأعمش: والله إنك لتثقل عليَّ وأنت في بيتك فكيف لو جئتني في كل يوم.
وقال بشار:
ربَّما يثقل الجليس وإن كان خفيفًا في كِفَّةِ الميزانِ
ولقد قلت حين وَتَّدَ في البيت ثقيل يُربي على ثهلان
كيف لا تحمل الأمانة أرض حملت فوقها أبا سفيان
وقال حبيب بن أوس الطائي:
يا من تبرمت الدنيا بطلعتِهِ كما تبرَّمت الأجفان بالرَّمد
يمشي على الأرض مختالًا فأحسبُهُ من ثقل طلعته يمشي على كبدي
لو أن في الخلق جزءًا من سماجته لم يقدم الموتُ إشفاقًا على أحدِ
وقال أيضًا:
وصاحبٍ لي مللتُ صحبته أفقدني الله شخصهُ عجلا
سرقت سكينه وخاتَمَهُ ليقطعا بيننا فما فعلا
وقال الصنوبير:
أثقلُ من حُمى إذا ما بَدَت ترعَدُ بالنافض والصالبِ
لو مَرَّ من ميل توهَّمتَهُ قد مرَّ بين العين والحاجب
ولو مشى في جانب الأرض من ثقلٍ إذن مالت إلى جانب