لم يُرو أن أحدًا من الملوك والسراة المتقدمين والجلة الأولين والآخرين حث على التغليس بالطعام ولا اللِّباس ولا شيء مما يلتذونه غير الشراب فإنهم رأوا الجاشرية وهي شرب السحر عُنمًا حاضرًا والصبوح حظًا وافرًا وأقروا بذلك، واستظرفوا أصحابه ونسبوا مستعمله إلى المروءة ووصفوه بالمروءة، قال شاعرهم:
وأبيض، لا وانٍ، ولا واهنُ القوى سقيتُ، إذا أُولى العصافير غَنَّتِ
وقال آخر:
قم فاسقني قبل أصوات العصافير أما ترى الصبح ق
نادى بتنوير وقال إسحق الموصلي:
خليليَّ هيَّا، نصطبح بسواد ونَروِ قلوبًا هامُهنَّ صَوادِ
وقد استقصينا كثيرًا مما قيل في الصبوح عند ذكرنا الأشعار التي أوردناها على حروف المعجم في آخر هذا الكتاب.
وسأل قيصر ملك الروم قُسَّ بن ساعدة الإيادي: ما أصلح أوقات الشراب، قال: أول النهار، ألا ترى الدواء يبكر به والمسافر يدلج لحاجته، لأن العقول أول النهار أذكى والفِطن أصح. قال والبة بن الحباب:
قم يا نديمي ق قضيت لبانةً من طول ليلِك في رقادك فاقعُدِ
وتداوَ من مرض الخمار بشربه تنفي الخُمار وإن بدا لك فارقدِ
قال: الصبوح، فقلت: هعات، فقال: خذ منِّ، فقلت: أبتْ تطاوعني يدي
فرددت منه الروح فيه بشربةٍ درياقةٍ تشفي سليم الأسود
وقال آخر:
اشرب الراحَ على روحِ السِّحرْ وأرِح قلبَكَ من حوكِ الفِكرْ
واسقينا قهوةً مشمولة ليس للهمِّ لديها مُستقَرٌّ
حاجة الروح فإن قضيتها فنجاح الأمر يُرجى في البُكرْ
أي شيءٍ حسنٍ لم تَرَهُ في عروس القُفص تُجلى في القمر
وهي عذراءُ ولمَّا تُفتَرع عذرة العذراء في مثل السحر
واغتنم فيه الهواءَ المُرتدي برداءِ الصفوِ من قبل الكدر
وارتضع في السَّحرِ الأكبر ما ما يترك العَيْنَ من الهمِّ أثَر
وقال كُشاجِم:
هذا الصباحُ فما الذي بصبوح صحبك تنتظرْ
خذ من زمانك ما صفا ودَع الذي فيه الكَدَرْ
فالعمر يقصر عن معاتبة الزمان على الغيرْ
وقال:
ألذُّ العيشِ إتيان القبيح وعصيان النصيحة والنصيح
وإصغاءٌ إلى وترٍ ونايٍ إذا ناحا على دنٍّ جريح
غداةَ دُجنةٍ زطفاء تبكي إلى ضحك من الزَّهَر المليح
وكان عبد الله بن المعتز ربما كَرِهَ الصبوح فكتب إليه النميري:
قبَّح الله شرب كل نبيذٍ يُتوخى في وقت شُرب التجار
إنما يشربُ الملوك مع الفجر وفي الروح قبل نصف النهار
[ ٧٩ ]
قد تأذت بنا الشياطين والجنُّ جميعًا وصالح العُمَّار
ودعوا ربَّهم علينا وقد أمن أيضًا غلمانُ هذي الدار
حيث يحيا ليلُ التمامِ إلى الصبح ويهوي في ساعةِ الانتشار
وشُربُ الصَّبوح سمِّي بطلوع الصُّبح، وكل شرب في أول النهار قبل انتصافه فهو صبوح، وإنما أكثر الشعراء في الصَّبوح دون غيره من أوقات الشرب وحَثوا عليه ليسبقوا من يعذلهم قبل أن يعدُو عليهم لأن من شأن العاذِل أن يعدو على من يريد عذله على ما فعل في أمسه لأن ذلك في وقت صحوِهِ وإفاقته من سكره فيعظه عن معاودة مثله ويقرِّعه بزَلَّةٍ إن كانت منه في سُكره، فاستعملوا مسابقة عُذَّالهم بمباكرة صبوحهم في الجاهلية والإسلام.
وقال طرفة بن العبد:
ولولا ثلاث هُنَّ من لذةِ الفتى وجدِّك لم أحفل متى قام عُوَّدي
فمنهن سبقي العاذلات بشربةٍ كُمَيتٍ متى ما تُعلَ بالماء تُزيدِ
وقال القطاميُّ:
أفِرُّ أصبحتُ من كل عاذلٍ وأُمسي وقد هانت علي العواذلُ
وقال ابن الرُّقيات:
بكر العواذل في الصباح يلُمنَني وألومُهُنهْ
ويقُلن شيبٌ قد عَلاكَ وقد كبرت فقلتُ إنَّهْ
إنه: بمعنى نَعَم وقال كشاجم:
إذا ما اصطبحت وعندي الكباب وكان الطباهج في جانبي
وكانت رياحيننا غضة وصفراء من صنعةِ الراهب
فليس الخليفة في ملكه بأنعم مني ومن صاحبي
وقد استحسن أكثرهم الصبوح على الرياض المونقة والأزهار المشرقة والصباح المغيِّم. قال الصنوبري:
يومُ دَجنٍ فما انتظاري ويومُ الدَّجن يومٌ إلى القلوب حبيبُ
ولزهر الرياض ضحكٌ وللغيم بكاءٌ على الثرى ونحيبُ
فالصبوحُ، الصبوحَ، يا سيد النَّاس فمستعملُ الصبوح مصيبُ
وقال أبو عبد الرحمن العطوي:
قبَّح الله أولَ الناس سَنَّ الشُّرب ظهرًا ماذا أتى من خَسارِ
مجلس مُونقٌ وكأس وندمانٌ وتأخيرها إلى الأظهارِ
نكتةٌ في السرور بادية الشَّيْنِ لأهل العقول والأبصار
إن شرب المدام سيرٌ إلى اللهو وخير المسير صدرَ النهار
ما رأينا الكواكب الصبح شكلًا كنديم مساعِدٍ وعُقار
وغناءٍ يفتُّ في عضدِ الحُلم ويزرى على النهار الوقار
وأحاديث في خلال الأغاني كابتسام الرياض غِبَّ القطار
وقال عبد الله بن المعتز:
لي صاحب قد لامني وزادا
في تركي الصبوح ثم عادا
قال: ألا تشرب في النهارِ
وفي ضياء الفجر والأسحار
إذا وشى بالليل صبح فافتضح
وذكر الطائر شجوٌ فصدحْ
والنجم في حوض الغروب واردُ
والفجر في إثر الظلام طاردُ
ونفض الليلُ على الأرض النَّدا
وحركت أغصانه ريح الصَّبا
وقد بدت فوق الهلال كرَتُهْ
كهامة الأسود شابت لِحيته
فحسَّن الدار ببعض نورِهِ
والليل قد رقَّع من سُتورِهِ
أما ترى البستان كيف نورا
ونشر المنثور بُردًا أصفرا
وضحك الورد إلى الشقائِق
واغتبق القطر اغتباق وامق
في روضةٍ كحلل العَروسِ
وخُرَّمٍ كهامة الطاووس
وياسمين في ذُرا الأغصان
منتظمًا كقطع العِقيان
والسَّرو مثل قُضُب الزبرجدِ
قد استمد الماء من تربٍ نَدِ
على رياض وثرى ثَرِيِّ
وجدول كالبَرَد المَجلِيِّ
وفَرَّخَ الخشخاش جيبًا وفتق
كأنه مصاحِفٌ بيضُ الورق
أو مثل أقداحٍ من البلورِ
كأنما تجسمت من نور
وبعضه عُريان من أثوابهِ
قد خجل البائس من أصحابهِ
تبصره بعد انتشار الورد
مثل الدبابيس بأيدي الجندِ
والسوسنُ الآزرُ منشور الحِللْ
كغصن قد مسَّهُ بعض البللْ
وقد بدت فيه ثمار الكنكرِ
كأنها جماجم من عنبرِ
وجلنارٍ كاحمرار الخدِّ
أو مثل أعراف ديوك الهندِ
والأُقحوان كالثنايا الغُرِّ
قد صقلت أنيابه بقطرِ
قل لي أهذا حسنٌ بالليل
ويلي مما تشتهي وعَولي
بتْ عندنا حتى إذا الصبح سَفَر
كأنه جدول ماءٍ ينفجر
[ ٨٠ ]
قمنا إلى زادٍ لنا مُعَدِّ
وقهوةٍ صرَّاعة للجِدِّ
كأنما حبابها المنشور
كواكب في فلكٍ تدور
ومسمعٍ يلعب بالأوتارِ
أرقّ من نائحة القماري