قالوا: اشتقاقُ النديم من النَّدم لأنه يُندم على فراقه، وقد فخر امرؤ القيس مع شرفه وملكه فقال:
ونادمت " قيصر " في ملكِهِ فأوجهني وركبت البريدا
وقالت الخِرنِق بنت بدر التغلبية ترثي بشرَ بن عمرو زوجها وبنيها، وكانت العرب لا ترثي إلاَّ بأفضل الأشياءِ وأرفعها:
فكم بعُلاه من أوصالِ خرقٍ أخي ثقةٍ وجمجمةٍ فليق
ندامى للملوك إذا لقوهم حُبوا وسُقوا بكاسات الرحيقِ
وقوالوا: لسان الملك كاتبه، ووجهه حاجبه، وجليسه كلّه، وقالوا: إذا وليت عملًا فانظر من كاتبك، فإنما يعلم مقدارك من بعد عنك بكاتبك، وأنظر حاجبك، فإنما يقضي عليك الوفود قبل الوصول إليك بحاجبك، واستكرم نديمك وجليسك، فإنما يزنك الداخل عليك بمثقال من يراه معك، وقال رسول الله (ص): المرءُ على دين خليله فلينظر أحدٌ من يخالِل.
وقال طرفة:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرينٍ بالمقارنِ مقتدي
وفاخر كاتبٌ نديمًا، فقال الكاتب: أنا معونة وأنت مئونة، وأنا للجد وأنت للهزل، وأنا للشدة وأنت للذَّة، وأنا للحرب وأنت للسلم، فقال النديم: أنا للنعمة وأنت للخدمة، وأنا للحضرة وأنت للمهنة، تقوم وأنا جالس، وتحتشم وأنا مؤانس، تدأب لراحتي وتشقى لما فيه سعادتي، وأنا شريك وأنت مُعين، كما أنك تابع وأنا قرين. وقال بعضهم في فضل النديم:
أرى للكأس حقًا لا أراه لغير الكأْس إلا للنديم
هو القطب الذي دارت عليه رحى اللذات في الزمن القديم
ولم تفتتح أبيات في مدحِ نديمٍ بأحسن مما ابتدأ به أبو مسهرٍ الطائي:
وندمانٍ يزيد الكأس طيبًا سَقيْتُ وقد تغوَّرتِ النجومُ
رفعت برأسه وكشفت عنه بمعرفةٍ ملامة من يلومُ
فلما أن تنشَّا قام خرق من الفتيان مختلقٌ هضيم
إلى وجناء ناجيةٍ فكاست وهي العرقوب منها والصميم
فأشبع شربه وجرى عليهم بإبريقين كأسهما ردُوم
تراها في الإناء لها حميّا كُميتًا مثل ما فقع الأديمُ
فنشرب ما شربنا ثم نصحو وليس بجانبي أحدٍ كُلُوم
فبتنا بين ذاك وبين مسكٍ فيا عجبًا لعيشٍ لو يدوم
نطوِّف ما نطوِّف ثم يأوي ذوو الإكثار منا والعديمُ
إلى حفرٍ أسافلهن جوفٌ وأعلاهنَّ صُفاحٌ مُقيمُ
[ ٧١ ]
معنى قوله: فنشرب ما شربنا، البيت، وصفهم بطهارة الأخلاق وأنه لا يخرج أحدٌ منهم إلى أن يطلق يده، ولا لسانه على جليسه، وهذا حسن وأمدح من قول حسان:
نوليها الملامة إن ألِمنا إذا ما كان مغث أو لِحاءُ
وللعطوي أشعار كثيرة في النِّدام كلُّها مختارة، فمنها قوله:
يقولون قبل الدار جارٌ موافق وقبل الطريق النهج أُنسُ رفيقِ
فقلت وندمان الفتى قبل كأسِه فما حثَّ كأسَ المرءِ مثل صديقِ
وقال أيضًا:
ما حثَّ كأسك كالصديق الوامِقِ ونفى همومك كالشراب العاتِقش
الكأسُ والندمان أحسن منظرًا من كل ملتف الحدائق رائِقِ
فإذا جمعت صفاءَها وصفاءَه فاقذف بكل ملَّمةٍ من حالِقِ
ومثله قول الآخر:
ورضيع راضعت في كبر السنِّ أخًا لديَّ مُطاعا
لم يكن بيننا رِضاعٌ ولكن صيَّرت بيننا الكئوس رِضاعا
قالوا: وليس أحد من أصحاب الملوك ولا من خلطائهم هو أولى باجتماع محاسِنِ الأخلاق وأفاضل الآداب وطرائف الملح وغرائب النتف من النديم، حتى إنه يحتاج أن تكون فيه أشياء متضادة، فيكون فيه مع شرف الملوك تواضعُ العبيد، ومع عفاف النسَّاك، مجون الفُتَّا، ومع وقار الشيوخ مزاح الأحداث وكل واحدةٍ من هذه الخلال هو مضطر إليها في حالٍ لا يحسن أن يُخِلَّ بها، ووقتٍ لا يسعه العدول فيه عنها، وإلى أن يجتمع له من قوة الخاطر ما يفهم به ضمير الرئيس الذي ينادمه على حسب ما يتلوه من خلائقه، ويعلم من معاني لحظه وإشارته ما يغنيه عن تكلف عبارته فيسبقه إلى إرادته ويبدُرُهُ إلى شهوته كما قال بعض الكتاب:
ونديم حلو الحديث يجاريك بما تشتهيه في ميدانِك
ألمعيٌّ كأنَّ قلبَكَ في أضلاعه أو كلامه بلسانِك
وكما قيل: إن غلامًا كان يحضر مجلس الواثق، قائمًا برسم نديم، وكان صغير السنّ، فلم يكن لهذه العلة، يُلحقه في الجلوس بمراتب الشيوخ والأكابر، وكان مع ذلك قد أُذن له في المفاوضة معهم في كل ما يخوضون فيه، والتكلم بما اعتلج في صدره، من مثلٍ سائرٍ، أو بيتٍ نادرٍ، وحديثٍ ممتعٍ وجواب مُسرعٍ، فقال الواثق: وكان من شدة الشهوة للطعام على الحال المشهورة، ما تختارون في النقل؟ فبعض قالوا: نبات، وقال بعض: رمّان، وقال بعض: تفاح، وقال بعض: قصب سكر في ماء ورد، ويعضٌ تناعص فقال: ملح يعطى تحففًا بمذاههب النبيذيين، فقال: ما صنعتم شيئًا، فما تقول أنت يا غلام، فقال: خشكنانِك مُتَنَّر، فوافق بذلك إرادته وأصاب به ما كان في نفسه، فقال له: أصبت وأحسنت، اجلس بارك الله عليك، فكان ذلك أول جلوسه. وكما فعل بعض ندماء بشر بن مروان بحسن قريحته ولطف حيلته، وكان عبد الملك بن مروان ولَّى بشرًا الكوفة ووجَّه معه روح بن زنباع الجذامي وقال له: يا بنيَّ، روحٌ عمُّك، فلا تقطع أمرًا دونه لصدقه وعفافه ومحبته لنا أهل البيت، وقال لروح أخرج مع ابن أخيك فخرج معه حتى قدم الكوفة، وكان بشرٌ أديبًا ظريفًا أريبًا يحب الشعر والسَّمر والسَّماع والنِّدام، فراقب روحًا، واحتشم منه وقال لندمانه: أخاف أن يكتب هذا إلى أبي بأخبارنا فيقبل منه، وإني لأُحب من الأُنس والاجتماع ما يحبه الشباب، ولكني أجتنب ذلك لمكانه، فضمن له بعض ندمائه أن يكفيه أمره، ويردَّه إلى عبد الملك، من غير سخط ولا لائمة، فسرَّ بذلك ووعده المكافأة عليه بأعظم الحِباء، وكان روحٌ غيورًا، إذا خرج من منزله أقفله ثم ختمه بخاتمه حتى يعود إليه فيفضّه بيده، فأخذ الفتى دواةً وقلمًا ثم أتى باب روحٍ ممسيًا فقعد بالقرب منه مستخفيًا، وخرج روحٌ للصلاة، فتوصل الفتى إلى أن دخل الدهليز وكمَنَ تحت درجةٍ فيه، وعاد روحٌ ففتح الباب ثم أغلقه على نفسه ودخل، فعمد الفتى إلى الحائط فكتب في أقرب المواضع من مَمَرِّ روح:
يا روح من لُبنَيَّاتٍ وأرملةٍ إذا نعاك لأهلِ المشرقِ الناعي
إن ابن مروان قد حانت منيَّتُهُ فاحتل لنفسِك يا روح بن زنباع
ولا يغرك أمرٌ قد ظفرت به واسمع هُديت مقال الناصح الداعي
[ ٧٢ ]
ثم رجع إلى مكانه من الدهليز فبات به، فلما أصبح روحٌ خرج في الغلس للصلاة ومعه غلمانه فاختلط الفتى في جملتهم، فلما عاد روح وأسفر الصبح تأمل الكتاب وقرأه فراعه وأنكره، وقال: ما هذا، والله ما يدخل حجرتي إنسيٌ سواي، ولاحظَّ لي بالمقام بالعراق، ثم نهض من ساعته فدخل على بشر فقال له: يا ابن أخي وصِّني بما أحببت من حجةٍ أو سببٍ عند أمير المؤمنين فقال: ولِمَ يا عم، هل سمعت شيئًا كرهته، أو رأيت أمرًا أنكرته فلم يسعك المقام معه، فقال: لا والله بل جزاك الله عن نفسك وعن سلطانك خيرًا، ولكن، أمرٌ حدثَ لا بدَّ من الشخوص له، فأقسم عليه أن يخبره، فقال: إن أمير المؤمنين قد مات، أو هو ميتٌ إلى أيام، فقال له بشر: ومن أين علمت ذلك؟ فأخبره بخبر الكتاب، وقال: ليس يدخل أحدٌ حجرتي غيري وغير جاريتي فلانة فمن كتب ذلك إلاَّ الجنّ أو الملائكة، فقال له بشر: أقم، فأرجو ألاَّ يكون لهذا حقيقة، فلم يثنه ذلك عن الخروج، فسار إلى الشام، وأقبل بشرٌ على الشراب واللهو والطرب، فلما وافى روحٌ عبد الملك أنكر أمره، قال: ما أقدمك، الحادثة حدثت على بشر، أم لأمر كرهته، فشكر حسن سيرته، ووصف سلامته في نفسه، وقال: بل جئتُ لأمرٍ لا يمكنني ذكره حتى تخلو، فقال عبد الملك لمن حضر: إذا شئتم، وخلا بروحٍ فأخبره بقصته، وأنشده الأبيتات، فضحك عبد الملك حتى استغرب، وقال: ثقلت على بشرٍ وأصحابه حتى احتالوا لك ما رأيت فلا تُرع لذلك، ووفى بشر لنديمه بما وعده وأجزل جائزته.
وكان محمد بن يزيد المبرِّد يقول: لم أرَ في أهل زماننا من الرؤساء وأصحاب السلطان أشدَّ رغبةً في الأدب ولا في مواظبةٍ عليه ومحبة له من محمد بن عبد الله بن طاهر والفتح بن خاقان، فأما الفتح فبلغ من شهوته للأدب أنه كان يذهب من مجلس المتوكل إلى علماء المذهب فيغنم زمان تلك الخلوة اليسيرة فلا يقطع مسيره بادئًا ولا راجعًا إلا بالنظر في كتاب، فعلمت أنه لم يكن لينال تلك المنزلة في النِّدام إلا بهذه القريحة، وأما العبث والمزاح، فله من المنادم موقع لطيف وموضع خصيص إذا تبين النديم منه نشاطًا لذلك.
وقال قائل للمأمون: أيأذن أمير المؤمنين في المداعبة، فقال: وهل العيش إلا فيها.
واجتمع على مائدة أبو عيسى بن الرشيد وطاهر بن الحسين، فأخذ أبو عيسى ورقة من الهندباء فغمسها في الخل وضرب بها عين طاهر الصحيحة، فغضب طاهر وقال: يا أمير المؤمنين، إحدى عينيَّ ذاهبة والأخرى على يديْ عدل، ويُفعلُ في هذا بين يديك، فقال: يا أبا الطيب: إنه والله ليعبث معي أكثر من هذا العبث فاضحك له.
وروي عن إسحق الموصلي أنه قال: مكثت أيام الرشيد أغدو إلى هشام ووكيع فأسمع منهما وآتي إلى عاتكة بنت شهدة فتطارحني صوتين، ثم إلى زلزل فيلقي عليَّ من الضروب طريقين، ثم أوجِّه إلى الأصمعي وأبي عبيدة فلا يزالان عندي إلى الظهر، ثم أروح إلى أمير المؤمنين.
وقال إبراهيم بن المدبر لمحمد بن يزيد المبرِّد: أُحبُّ أن تنظر لي جليسًا يجتمع مع إيناسي ومنادمتي، فناديت ولدي فبعث إليه علي بن سليمان النحوي، وكتب إليه معه هذا: أنفذت إليك أعزَّك الله فلانًا وجملة أمره كما قال الشاعر:
إذا زرتُ الملوكَ فإنَّ حسبي شفيعًا عندهم أن يخبروني
ومما يزيد النديم في المحل تقدمًا، وعند نفسه تمكنًا أن يكون عالمًا.
وقيل لأعرابي: كم تشرب من النبيذ، قال: على قدر النديم، وقالوا: من شرط المنادمة قلة الخلاف، والمعاملة بالإنصاف، وترك الجواب، والمسامحة في الشراب، وإسقاط التحيَّات واجتناب اقتراح الأصوات وإدمان الرضى واطراح ما مضى وإحضار ما تيسر، وأكل ما حضر وستر العيب وحفظ الغيب. ومن صفات الندامى قول أبي عبد الرحمن العطوي:
اخطب لكاسِك ندمانًا تسرُّ به أولا فنادم عليها حكمة الكتب
اخطبه حرًا كريمًا ذا محافظة يرى نِدامَكها من أقرب النسب
فإن لم يكن حلبَ الأيام أشطرَها وقومته وراضته يد الأدبِ
فقد ملأتَ به كفيك من رجل يرعى ذمامك رعيَ الواصل الحَدِب
وقال أيضًا: جَدِّدا مجلسًا لعهد الشباب واسقياني على الهوى والتصابي
في كهولٍ إذا استدرت حمَّيا الكأس لم ينطقوا بغير الصواب
[ ٧٣ ]
نظروا في الكلام والنحو والشعر فهم حجَّة على الألباب
وإذا ما هفا النديم أقالوه وردوا الأحلام دون الوثاب
وقال آخر:
وما خير ندمانٍ صموتٍ كأنما يدور عليه الكأس وهو كئيبُ
إذا ما نفوس القوم طابت فنفسه أبت، لا تراها عند ذاك تطيبُ
وقال آخر:
لا تشرب الراح إلا مع أخي ثقةٍ إن سيل أعطى، وإن غنَّيته طَرِبا
تزيده الكأسحلمًا، والغنا طربًا والسكرُ تقوى، وما سقيته شُربا
فاشدد يديك عليه، إن ظفرت به واكثر مودته، لا تكثر الذَّهبا
وقال ابن المعتز:
وما أنا للندمان في الشرب مكرهًا على الكأس، يأبا [ها]، ولا قائلًا هُجرا
وإن ردَّ فضلًا في الإناء شربتُه ولم أسقِهِ كَرهًا لأصرعه سكرا
أُفديه أحيانًا بنفسي ووالدي وأجعل ما يهوى لما رابه سِترا
وإن نام لم يوقظ، وإن قام لم يُرَع وإن قال لي: يا صاح، لبيته عشرا
أرى ذلك حقًا للنديم، وإنني لأحفظه سِرًا، وأحفظه جهرا
وقال آخر:
وبالشام فاطلبني إذا ما فقدتني وداوِ همومي بالتي تطرد الهَما
وفتيان صدقٍ لا ضغائن بينهم إذا شربوا زادهم شربُها حلما
إذا جلسوا، جاؤوا بكلِّ غريبةٍ فيزداد بعض القوم من بعضهم علما
وقال أبو عبد الرحمن العطوي:
حقوق الكأسِ والندمان خمس فأولها التزيُّن بالوَقارِ
وثانيها مسامحةُ الندامى فكم حَمَت السماحةُ من ذِمارِ
وثالثها، ولو كنت ابن خيرِ البرية محتدًا، تركُ الفخارِ
ورابعها وللندمان حقٌّ سوى حقَّ القرابة والجوارِ
إذا حدثته، فاكسُ الحديث الذي يصغي له، ثوبَ اختصارِ
فما حُثَّ النبيذُ بمثل حسن الأغاني والأحاديث القصارِ
وخامسةٌ يدُلُّ بها أخوها على كرم الخليقةِ والنِّجار
حديثُ الأمسِ ننساهُ جميعًا فإن الذنب فيه للعقار
ألم تر أن شرب الراحِ صِرفًا ومزجًا بالصغارِ وبالكبارِ
يرد الشيخ ذا الستين غِرًا غلامًا، ما يُفيق من الخُمار
فمن حكمت كأسك فيه فاحكم له بإقالة عند العثارِ
وقال آخر:
لعهدي بالنبيذ وشاربيه إذا شربوا زادهُم سكونا
وحيَّا بعضُهم بعضًا عليه ولم يُلفوا عليه مُعربدينا
فما بال النبيذ أحال عهدي وأورث من يعاقره جنونا
أم الندماء قد رَذَلوا فليسوا كما كان النَّدامى الأولونا
وقال العطوي:
طيب النديم يفوق طيبَ الرَّاحِ ويحثُّ شاربها على الأقداحِ
تصفوا الزجاجة بالنديم إذا صفا ويكدِّرُ النَّدمان صفو الراحِ
وفي مراضعة الكأس يقول بعضهم، وقيل إنه لابن الزيَّات:
اذكر أبا جعفرٍ حقًا أَمُتُّ به إني وإياكَ مشغوفان بالأدبِ
وأننا ضد رضعنا الكأس درَّتها والكأس درَتَها أولى من النسب
وقال آخر:
ونديمٍ نادمتُ في كِبَرِ السِّنِّ فأضحى [فيه] أخًا لي مُطاعا
لم يكن بيننا رضاع ولكن ولدت بيننا المُدامُ رضاعا
وقال آخر:
ألم تعلمي يا سلم أني موكَّلٌ بما سرَّ ندماني في العُسر واليُسرِ
وإني لم أبسط لساني ولا يدي لوجه نديمي حين خالطني سُكري
وقال آخر:
وندامى تفردوا بالرحيق واصلوا من صبوحِها بالغَبُوقِ
كلما دارت الكئوس عليهم ملكوا للعلوم كلَّ طريق
وتعاطوا على المُدام حديثًا مونِقَ النصِّ مُحكَمَ التنميقِ
سبقوا كل سابقٍ للمعالي واستبدوا بكل فهمٍ دقيق
[ ٧٤ ]
فهم بين لذةٍ كجَنَى اللثمِ وشِعرٍ كلذةِ التعنيقِ
وقال آخر:
ولي أملٌ بعيدٌ ليس أثثني على شيءٍ سواه وهو سُوْلي
أخٌ يلقي نحفظه إذا ما خلت بشمائلي شيَمُ الشَّمولِ
فأما هيبة نديم السلطان فإنه يلزمه أن يحضر في الزي الذي يُعرف به من غير أن يتفضل أو يشتهر، فإن شاء الرئيس أن يغيِّر زيَّهُ بشيءٍ من ثيابه حَسُن أن يلبس ذلك في وقته حتى ينقضي المجلس ولم يَحْسُن أن يظهر به في مجلسٍ ثانٍ لأنه شيءٌ اختاره الرئيس في شاعةِ طربِهِ وتبذُّلهِ لا في كلِّ أوقاته. وأما العمامة والخفّ فلا يُخَلُّ بهما، وإنما الغرض في ذلك إجلال السلطان عن مشاركته فيما اتسع له من التبذل، وتخيُّر الزِّي الذي لا يثقل عليه، والانفراد به عمَّن هو دونه، وهذا إنما سلك به مسلك الأعاجم، وكانوا قد رسموا لكل طبقةٍ من طبقات أهل مملكتهم برسمٍ من الزِّي ليتميزوا، ولا يتشبه سوقةٌ بملكٍ ولا دنيء بشريف ولا تابع برئيس. ومما يأخذ به نفسه الإسراع في الخطو إذا كان يراه الرئيس، ولهذا، وما أشبهه صار نِدامُ الرؤساء أنعَمَ وأترف، وإن كان ندامُ العظماء أجلَّ وأشرف.
وخُبِّرت عن الطبقة العالية من ندامى الخلفاء الماضين أنهم كانوا يجتمعون في منزل أحدهم، فإذا مشى بعضهم في ذلك الموضع مشى مسرعًا وسُئل أحدهم عن السبب في ذلك فذكر أنه إنما يفعله في كل موضعٍ، وإن كان لا يلزمه إلاَّ في موضع الخلافة حذرًا من أن يخل بالعادة فينساها في موضعها، وهذه رياضةٌ حسنةٌ، ومما يلزمه أيضًا أن يتحفظ منه ويروض نفسه به، أن لا يصبِّحه ولا يُمسيه ولا يشتمه ولا يستخبره، وإنما ترك ذلك كله لما فيه من تكلف الجواب. وليس من حق ذي الرياسة والسلطان إذا تبين لنديمه منه لينُ الخلوة [و] وِطاء الكتف وخلع ثوب الكبر، أن يستعمل معه من الدالة ما يُنقصه به حقَّ الرئاسة ويقدح في سلطانه.
وقالوا: ينبغي لمن خُصَّ بالسلطان أن يكون آنسَ ما يكون به وأوحش ما يكون منه.
وقال عبد الله بن جعفر: من أعظم الخَرَق الدالة على السلطان والوثبة قبل الإمكان.
وبينما المأمون ينادم إبراهيم بن المهدي، بعد رضاه عنه، وتعمده ما كان منه، تبيَّن منه دالة أذكرته ما تقدم من ذنبه فنهض وأمر بإقراره ومن كان معه على حالتهم، ثم صار إلى مجلسِ جده وتزيَّا بِزِّيِ الخلافة، واستوى على سريره وأذن للجيوش في السَّوادِ والأسلحة، ومُدَّ السماطان وشهرت السيوف، ثم أحضر إبراهيم مغتبقًا مَعْسوفًا، فلما مَثَل بين يديه أطرق عنه مَليًا، ثم رفع طرفه وإبراهيم يُرعد، فقال: يا إبراهيم، من حملك على ما كان، فقال: قد سبق [من] عهد أمير المؤمنين ما لا أخاف عليه التغيير، واعتذر بعذرٍ قبله منه، وردَّه إلى مكانه، وعاد المأمون من وقته إلى مجلس النَّدام.
وكان يزيد بن معاوية ينادم الأخطل النصراني. وهجا الأخطل النصرانيُّ الأنصار كثيرًا اعتدَّ به على بني أُمية في قوله:
بني أُميَّة، قد ناضلتُ دونكُمُ أبناء قومٍ، هُمُ، آووا، وهم نَصَروا
فأجازه، وكان يُسوي بينه وبينه في أكثر المواضع من مجلسه.
وحُكي عن الشريد من كرم المجالسة وحسن البرِّ والمؤانسة ما يجاوز هذا كله وهو أن الفَزازي قال: دخلت عليه بالرقة، ولم يكن معنا ثالث، فتحادثنا مليًا ثم أومأ إلى خادم له فجاء بطبق كبير مغطى بمنديل فوضعه بين يديه فاستخرج من تحت المنديل رطبةً فأكلها ثم استخرج أُخرى فأومأ بها نحوي، فقمت وتناولتها وقبَّلتُ يده وأكلتها، ثم رفع المنديل ولم أرَ في الطبق شيئًا، فقال: أُهدي لنا من العراق هاتانِ الرُّطبتان ولاتَ حينَ الرُّطب، قال: فعلمت أنه أمر بتغطيته لئلا أرى ما فيه فأمتنع من الأكل.
وقد رأينا جماعة من جلَّة الرؤساءِ يَتَبدلون أتباعهم ويمتهنونهم من الخدمة فيما يرفعون عن مثله بعض مماليكهم، فإذا خلوا معهم للعشرة والمنادمة استوت بهم العشرة وأوسعوهم من البرِّ والتكرمة حتى إنهم ربما خدموهم أو أخدموهم فلا يقدح ذلك في رئاستهم ولا يحطّ من منزلتهم بل يسترقُّ لهم قلوبهم وتخلص به نياتهم. قال الشاعر:
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا وما فيَّ إلا تلك من شيم العبد
وقال العطوي:
نبيذان في مجلس واحد لإيثار مُثرٍ على مُعسرِ
[ ٧٥ ]
فلو كنت تفعل ذا في الطَّعا م لزمت قياسَك في المسكرِ
وكان بعض الكرماءِ يأخذ نفسه بإحضار الدَّنِّ بطينه وينصبه بحيث يراه إخوانه ومنادموه فتُملأ منه الآنية بين أيديهم حتى يتبينوا أن الشراب واحد لا خلط فيه. ومن أكثر الإنصاف في هذا أن يُفرد كل نديم بآلته ومزاجه ويُحكمه على نفسه ويُقلده سقيها على حسب طاقته واحتماله إلا أن من كان غير متسع في الآلة والآنية، فما أعجزه وتعذر عليه منها، فإن العدل في السقي يُمكنه ولا يُعجزه، ويستحسن لأبي نواسٍ قوله:
ولست بمستعفٍ من السكر صاحيًا إذا كان يهوى أن أصير إلى السكر
ولكنني أسعى إلى السكر واثقًا بما فيه إت أخطأت من سعةِ الصدر
فأما طلب الحاجة على النبيذ، فقبيح بالنديم أن يستميح رئيسه على سكره ويُرى ذلك منه يجري مجرى الخديعة ويدخل في باب الحيلة. وكان بعض الأجواد لا يُعطي على الشراب شيئًا حتى يصحو إشفاقًا أن يقال أن السكر جرَّأه على ذلك. فأما إن عدل عن المسألة لنفسه واستماح لغيره فإن ذلك يدخل في باب حسن المحضر، وإذا رفعت الضرورة إلى المسألة فالأحسن في ذلك أن يتوخى له في الأحاديث والمعاريض ما يتدرج السؤال في أثنائِه على ألطف ما يمكن في ذلك وأقربه من النادرة والفكاهة، كما فعل المفضل الضبِّي، وقد رأيت المهدي فلم يزل يحدثه ويناشده حتى جرى ذكر حمَّاد الراوية، فقال له المهدي: ما فعل عياله؟ من أين يعيشون؟ قال: من ليلةٍ مثل هذه كانت له مع الوليد بن يزيد.