قال الله ﷿: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق. وقال: وذروا ظاهر الإثم وباطنه، إن الذين يكسون الإثم سيُجْزون بما كانوا يفترون. ثم قال في موضع آخر: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثمٌ كبير ومنافع. فدخلت الخمر في اباب ما حرَّمه القرآن، لأنه أخبر بتحريم الإثم وجعله في الخمر كبيرًا.
فأما شدة النهي فقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون. فقالوا انتهينا، فصَّح في العقل أنَّ كلَّ ما خُمِّر من عنبٍ وزبيب وتمرٍ وعسلٍ وحنطة وغير ذلك، فاذهب العقل، وأوقع العداوة والبغضاء، وصدَّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وثبتت فيه هذه المعاني فهو خمرٌ محرَّمٌ.
ويروى عن أنس بن مالك أنه قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبا طلحة وأُبيَّ لن كعب شرابًا من تمر فضيخ، فأتاهم آتٍ فقال: إن الخمر قد حُرِّمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراسٍ لنا فضربته بأسفله حتى تكسر. وروي عن أبي مالِك الأشعري أن رسول الله (ص) قال: ليشربن ناسٌ من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، ويُضرب على رؤوسهم بالمعازف، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم قردةً وخنازير. رواه سحنون قال: لأنهم يسمونعها نبيذًا واستحلوها فأخبر الله بذلك نبيَّه أنه سيكون في أُمته فحذَّرهم منه.
ولم يروِ من قال بإحلال النبيذ الشديد عن رسول الله (ص) حديثًا واحدًا مكشوف المعنى مشروحًا يُثبت مثله أهل المعرفة بالحديث. وروا في ذلك أحاديث لا تقوم بها حجة. ومن الناس من يشرب المسكر ويعلم أنه حرام فإذا عوقبوا على ذلك قالوا: نشربه، ونعلم أنه ذنب، ونستغفر الله منه، أحب إلينا من أن نشربه مستحلين له غير مستغفرين منه ويحتجون بقول المأمون:
سأشربها وأزعَمُها حرامًا وأرجو عفو ربٍّ ذي امتنانا
ويشربها ويزعمها حلالًا وتلك على الشقيِّ خطيئتان
وهذه جرأة على الله وطمع في المغفرة، وأنى لهم المغفرة وهم مصرون، لا ينصرم عنهم يوم إلا عقدوا النية على شربه في الغد وبعد الغد وإنما يغفر الله بالاستغفار للمُقلعين.
وماذا يقولون في رجل زنى وهو لا يعلم أن الله حرم الزنى وآخر زنى وهو يعلم أن الزنى من الكبائر التي تسخط الله وتوجب النار، أيهما أقرب إلى السلامة وأولى من الله بالعفو؟ الذي لا يعلم، لا حدَّ عليه ولا رجم، وعلى الآخر حدّ البكر أو الرجم إن كان مُحصنًا.
وروي عن أبي هرريرة أنه قال: صنعت لرسول الله (ص) نبيذًا في الدُّباء وكان صاعًا فجئت به عند إفطاره، فقال: أدنِهِ، فأدنيته منه فإذا هو ينشُّ، فقال: اضرب به الحائط فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر. وقال ﷺ: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن. وقال الله تعالى فاجتنبوا الرجسَ من الأوثان واجتنبوا قول الزور، فجعل الأوثان رجسًا وجعل الخمر رجسًا.
[ ١١٣ ]
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص) كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، مع أحاديث كثيرة، هذا أشدُّها إفصاحًا وأبعدها من حيلة التناول. والشاهد على ذلك من النظر، أن الخمر إنما حرمت لإسكارها وجرائرها على شاربها، وسائر هذه الأنبذة تفعل كما تفعل. ويوروى عن رسول الله (ص) أنه قال: أكبر الكبائر قتل النفس التي حرَّم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين وقذف المحصنات، والرار من الزحف، وترك الصلاة متعمدًا، فمن فعل منها شيئًا فهو بريء من الإيمان. وعن أبي موسى الأشعري أنه قال: والله ما كنت أُبالي شربت قدح خمر أو عبدت هذه السارية من دون الله، سمعت رسول الله (ص) يقول: لا يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه ما لم يشرب خمرًا أو يهرق دمًا. وعن عائشة ﵂: سئل عن البتع، وهو نبيذ العسل فقا: كل شراب أسكر فهو حرام، [و] قال: ما أسكر كثيره فقليله حرام. وقال (ص) من شرب شرابًا حتى يذهب بعقله الذي أعطاه الله فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر. وعن مسروق بن الأجدع قال: شارب الخمر كعابد وثن. ومدمن الخمر كعابد الات والعُزى. وعن شعيب بن حرب قال: قال الله ﷿: لأن يسرق أَحبُّ إليَّ من أن يسكر لأنهإذا سكر لم يعرفني. وعن أبي سعيد الخدري أن النبي (ص) قال: إن المؤمن إذا تناول الخمر ليشربها قال الله تعالى، عبدي راقِبني في شربها، فوعزتي وجلالي لئِن شربتها لأسقينك من طينة الخبال. فمن شربها صباحًا أمسى وهوكافر بالله، ومن شربها مساءً أصبح كعابد اللات والعزى وإنه لبريء من الإيمان والإيمان بريءٌ منه، وإن مات على ذلك مات ميتة جاهلية وحشر يوم القيامة مع عبدة الأوثان والأصنام إلى النار.
وعن جعفر بن محمد قال: قا رسول الله (ص): من أدخل عِرقًا من عروقه قليل ما أسكر كثيره، عذَّب الله ذلك العرق بثلاثمائة وستين لونًا من العذاب. وعنه أن رسول الله (ص) قال: لا أشفع لمن تهاون بطلاءٍ ولا أشفع لمن شرب مسكرًا. وقال (ص): من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاةً أربعين يومًا فإن عاد لم يقبل [له] الله صلاة ثمانين يومًا، فإن عاد كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال، قيل: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: صديد أهل النار وقيحهم. قال: وسمعت رسول الله (ص) يقول: لُعن شارب الخمر وساقيها وعاصرها وبائعها وشاريها وحاملها والمحمولة إله وآكل ثمنها. وقال سمعته (ص) يقول: من قعد على مائدة فيها شراب فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. قال: وسمعته (ص) يقول: من مات والخمر في جوفه قبض ملك الموت روحه وهو سكران، ودُليَّ في قبر هـ وهو سكران وأُمر لبه إلى النار وهو سكران. قال، وسمعته يقول: من شرب من الخمر شربةً لم يشربها وإن دخل الجنة، يسلبه الله ذكرها وشهوتها ولا يدعو بها في الجنة. وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (ص): من شرب الخمر فاجلدوه، وإن عاد فاجلدوه، وإن عاد فاجلدوه، وإن عاد الرابعة فاقتلوه، قال، فأتي رسول الله (ص) برجل من الأنصار يقال له نُعيمان، شرب الخمر فجلده، ثم عاد فجلده ثم عاد فجلده، ثم عاد الرابعة جلده، فرأى المسلمون أنَّ الحد قد ثبت وأن القتل قد رفع، وكان لا يزال يؤتى به شاربًا فيقول: اضربوه فيضربونه بالجريد والنعال، فقال رجل من القوم، إلعنه، ما أكثر ما ؤتى به، فقال رسول الله (ص) لا تسبه فإنه يحب الله ورسوله.
وقيل لعدي بن حاتم: ما لك لا تشرب النبيذ؟ قال: لئلا أُصبح حليم قومي واُمسي سفيههم. وقيل لعثمان بن عفان (رض) ما منعك من شرب الخمر، ولا حرج عليك في شربها؟ قال: لأني رأيتها تذهب العقل جملةً، وما رأيت شيئًا ذهب جملةً فعاد جملةً. وقال عبد العزيز بن مروان لنُصيب: هل لك فيما يُحسن المجالسة وينتج المؤانسة، فقال: أصلح الله الأمير، الشعر مفلفل، واللون مُرمد ولم أقرب إليك بكلام عنصر ولا حسن منظر وإنما هو عقلي ولساني، فإن رأيت ألا تفرق بيني وبينهما فأفعل. وقال النعمان العبدي لابنه ساعدة: يا بني إن كثررة الشراب تفسد القلب وتغير اللب، واعلم أن الظمأ الذابح خير من الرِّيِّ الفاضح؛ وقال بعض الحكماء: الشراب أول الخراب ومفتاح كل باب، يمحق الأموال ويذهب الجمال ويهدم المروءة ويوهن القوة ويضع الشريف ويهين الظريف ويُذل العزيز ويبيح الخريز ويفلس التجارة ويهتك الأستار، وقال الشاعر:
[ ١١٤ ]
تركتُ الخمور لأربابها وأقبلت أرشب ماءً قَراحا
ود كنت حينًا بها معجبًا كحبِّ الغلام الفتاة الرَّداحا
وما كان تركي لها أنني يخاف نديمي علي افتضاحا
ولكنَّ قولي له مرحبًا وأهلًا مع السهل وانعم صباحًا
وكان رجل من الأزد يكنى أبا شملة قد تتابع في الخمر وغلبت عليه، فأُتي به رسول الله (ص) وهو سكران فخلّى سبيله، ثم أُتي به وهو سكران، فأخذ رسول الله (ص) قبضة من تراب فضربه بها، وقال: اضربوا الخبيث فضربه الناس بأيديهم وبالنعال وأطراف النخل، فلما وُلِّي أبو بكر، أُتي بسكران فسأل: كم ضرب رسول الله (ص) أبا شملة، قالوا: ما ندري، قال: كم كنتم؟ قالوا: عشرين رجلًا، قال: فكم ضربه كل واحد منكم؟ قالوا: الضربة والضربتين، فضربه أربعين، فلما ولي عمر كتب إليه أبو عبيدة بن الجراح من الشام، إن الناس قد تتابعوا في شرب الخمرة، وقد ضربت فيها الأربعين فلم تغن شيئًا، فجمع عمر رجالًا من أصحاب رسول الله (ص) فشاورهم، فقال عليّ: إني لا أرى أحدًا أشبه بحدِّ الفِرية منه لأن الرجل إذا سكر هذىوإذا هدى افترى، فقال عمر للرسول: قد سمعت ما قال، فمر رأبا عبيدة أن يضربها فإنا ضاربوها، فضرب أبو عبيدة ثمانين، وضربها عمر بالمدينة.
وقال الضحاك بن مزاحم لبعض أصحابه: مالك ولشرب النبيذ؟ قال: يهضم طعامي، قال: والله لما يهضم من عقلك ودينك أكثر. وسُئل شريك بن عبد الله عن النبيذ قال: إشرب منه ما لا يشرب عقلك. ويُروى أن عثمان بن عفان (رض) خطب الناس يومًا فقال: أيها الناس، اجتنبوا الخمر فإنها أُم الخبائث، ومفتاح كل شر، وإني سمعت رسول الله (ص) يقول: من شرب الخمر في الدنيا حرَّمها الله عليه في الآخرة، أيها الناس اتقوا الخمر فإنها من أجل الذنوب وأكبر الكبائر، ومن شرب الخمر وقع على أمه وأخته وهو لا يعلم، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يشرب الخمر ولا يقعد على مائدة يُشرب عليها الخمر فإنَّ اللعنة تنزل عليهم ما داموا في مجلسهم ذلك.
ومن عيوب الشراب أن صاحبه يتكرهه عند شربه ويكلحُ عند شمِّه ويغتم أن يفضل منه شيءٌ في قدحه، ويكثر عتاب ساقيه ويمزجه ليغيِّر طعمه ويتجرعه ولا يكاد يسيغه ويستعين بالنقل من بعده ليغيِّر طعمه ويلقى من الدوار والخمارما لا قوام له، مما يكدر كل لذة وينغص كل طيبة، كما قال بعض الحكماء: اولا أن المخمور يعلم علته لأوصى وصيته، وقد رأيت كثيرًا من الناس خدعوا أنفسهم بقول الأعشى:
وكأسٍ شربت على لذةٍ وأُخرى تداويت منها بها
وقولهم الخمر علاج الخمار، فأتبعوا السكر سكرًا فعرضت لهم أمراض صعبة منها الفالج والسكتة. وإن فعل ذلك قوم وسلموا من الأمراض لصحة أبدانهم وقوة أعضائهم فإن ذلك ليس بمخرجهم من الخطأ في فعلهم ولا يُحتج بهم على غيرهم.
وذكروا أن رجلًا شرب عند خمار نصراني أيامًا فأصبح ميتًا فاجتمع الناس عليه وقالوا: قتلته، فقال: لا والله ما قتله إلا استعماله ما كان يغني فيه من هذا الشعر:
داوِ الخُمار بخمرة الكأس المعتقة العُقار
لو خامرت عقل العزير لزلَّ عن ظهر الحمار
وقوله:
وكأس شربت على لذةٍ وأُخرى تداويت منها بها
وإكثاره منها على قلة الطعام فصار إلى ما ترون.
وقال عبد الملك بن مروان وذكر الخمر: إن أولها لمُرّ، وآخرها لسُكر وإنها لتُذهب العقل وتكسب الجهل وتسقط المروءة وتفسد الفتوة، وتدعو إلى عشرة الوضيع وتحط درجة الرفيع، ولهي أسرع في عِرض الرجل وماله من النار في يبس العرفج.
قال الزبير بن بكار، ذكر أبو الزناد، أن رجلًا من ثقيف جُلد في الشراب في خلافة عثمان بن عفّان (رض) وكان لذلك الرجل مكان من عثمان ومجلس في خلوته فلما جُلد أراد ذلك المجلس فمنعه عثمان إياه وقال له: لا تعود إلى مجلسك أبدًا إلا ومعنا ثالث. وعمل محمد بن عبد الملك الزيَّات أبياتًا، وكتبها في كتاب وعنونه إلى إبراهيم بن رياح وختمه ودسَّ رجلًا فدفعه إليه وهو متولي ديوان الضياع، فلما فضَّه إبراهيم تغير لونه وأمر فطلب الرجل فلم يوجد، وإذا في الكتاب أبيات منها:
يا أبا إسحق إن الراح ضدٌّ للفلاح
؟ خدمة الواثق والطاسات في أيدي الملاحِ
[ ١١٥ ]
ليس يلتامان فاختر خدمةً أو شرب راح
فرفع صاحب الخبر ذلك إلى محمد بن عبد المك الزيات فضحك وقام من وقته إلى الواثق فعرَّفه وأنشده الأبيات فقدح ذلك في قلب الواثق فصرف إبراهيم بن رياح ونكبه وأخذ ماله وضياعه.
وقال النميري:
خلا بين ندمانيّ موضع مجلس ووقرني بعد الشباب مشيب
ورُدَّت على الساقي تفيض وربَّما رددتُ إليه الكأس وهي سليبُ
وما اشتهر اللذاتِ والنشوة الفتى فكان له في المكرمات نصيبُ وعن عبد الله بن عمر، أنه قال: والذي نفسي بيده لقد أُنزل تحريم الخمر بالمدينة وما بها زبيبة واحدة.
عروة عن عائشة أنها كانت تقول: من تداوى بالخمر فلا شفاه الله. وقيل لعائشة: إن النساء يمتشطن بالخمر، فنهت عن ذلك وقالت: إنها رجس. وقال (ص): ثلاثة حرم الله عليهم الجنة؛ مدمن الخمر، وقاطع الرحم، والشيخ الزاني؛ وولى عمر (رض) النعمان بن نضلة العدوي بميسان فأراد رحيل امرأته معه، فكرهت، فلما وصل إلى ميسان أراد أن يُغيرها فترحل إليه فكتب إليها:
ألا هل أتى الحسناءَ أن حليلها بميسان يُسقى في زُجاج وحنتم
إذا شئتُ غنتني دهاقين قريةٍ وصناجة تجثو على كل مِيسمِ
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلمِ
لعل أمير المؤمنين يسوؤه منادمنا في الجوسقِ المتهدم
فبلغت عمر، فقال: أي وأبيك، إنه ليسوؤني، يا غلام، اكتب بعزله، فلما قدم على عمر بكتَهُ بها، فقال: يا أمير المؤمنين، ما شربتها قط، ولا قلت الأبيات إلا لسبب كذا، فقال عمر: أظنُّ ذاك، ولكن لا تعمل لي أبدًا.
وقال أبو نواس:
أيها الرائحان باللوم لوما لا أذوق المدام إلا شميما
نالني بالملام فيه إمامٌ لا أرى لي خلافه مستقيما
فاصرفاها إلى سواي فإني لست إلا على الحديث نديما
كبر حظِّي منها إذا هي دارت أن أراها وأن أشم النسيما
فكأني وما أزيِّنُ منها قَعَديٌّ يزيِّن التحكيما
كلَّ عن حمله السلاح إلى الحرب فأوصى المطيق ألا يقيما
وما سبقه أحد إلى هذا المعنى وزعم بعض بني نوبخت أن آخر ما سمع من أبي نواس قوله:
شعر ميت أتاك من لفظ حيٍّ صار بين الحياة والموت وقفًا
قد برت جسمه الحوادث حتى كاد عن أعين الحوادث يخفى
لو تأملتني لتثبت وجهي لم تَبِن من كتاب وجهي حرفا
ولكرَّرت طرف عينك في جسمٍ برته الهموم حتى تعفى
ثم التفت إلى من حوله وقال: لا تشربوا الخمر صرفًا فإنها أحرقت كبدي ومات.
وسأل رجل شريكًا عن النبيذ فقال: حلال، قال: قليله خير أم كثيره؟ قال: قليله، قال الرجل: ما رأيت خيرًا إلا وكثيره خير من قليله إلا هذا.
وقيل لابن شبرمة: لِم تركت النبيذ؟ فقال: إن كان حلالًا فحظي تركت، وإن كان حرامًا فبالحزم أخذتُ.
وقيل لأعرابي: ما لك لا تشرب النبيذ؟ قال: لثلاث خصال فيه: مَتلفة للمال مَذهبة للعقل مسفهة للحلم.
قال عبد الله بن إبراهيم: لو كان العقل يُشترى ما كان عِلقٌ أنفس منه، والعجبُ العجبُ لمن يشتري ذهابه بماله فيدخله رأسه فيقيء في جيبه، ويسلح في ذيله ويمسي عديمًا ويصبح فضيحة.
وقال عيسى بن مريم (ع): الهوى رأس كل خطيئة، والنساء حِبالة الشيطان والخمر داعية كل سوء.
ويروى عن أُم سَلَمة أنها قالت: اشتكت ابنة لي فنبذت لها في كوز فدخل عليَّ النبيُّ (ص) وهو يغلي فقال: ما هذا؟ فقلت: ابنة لي اشتكت فنبذت لها هذا النبيذ فقال: إن الله ﵎ لم يجعل شفاءَكم حرامًا.
وقال بعض العلماء: رخَّص الله للمضطر في الميتة والدم ولحم الخنزير ويم يرخِّص في الخمر لمضطر ولا غيره، وقال رجل من قريش:
ومن تقرع الكأسُ اللئيمة سِنهُ فلا بد يومًا أن يسيء ويجهلا
ولم أرَ مشروبًا أشد سفاهةً وأوضع للأشراف منها وأخملا
[ ١١٦ ]
أجمع الناس على أن الخمر المحرمة في كتاب الله، عصير العنب، وهو ما غلا وقذف الزبد من عصير العنب من غير أن تمسه النار ولا يزال خمرًا حتى يصير خلًا، وذلك إذا غلبت عليه الحموضة وفارقته النشوة، لأن الخمر ليست محرمة العين كما حُرِّم عين الخنزير، وإنما حُرِّمت لعرضٍ دخلها فإذا زايلها ذلك العرض عادت حلالًا كما كانت قبل الغليان حلالًا، وعينها في كل واحدة قائمة، وإنما انتقلت أعراضها من حلاوة إلى مرارة ومن مرارة إلى حموضة كما ينتقل طعم الثمرة إذا أينعت من حموضة إلى حلاوة والعين قائمة، وكما ينتقل طعم الماء، بطول المكث، فيتغير طعمه وريحه والعين قائمة، وكذلكسبيل المِسك، الذي هو دمٌ غليظ حرمٌ، ثم يجف فيصير طيبًا حلالًا.