ثُمامة؟ قال: إي والله، قال: سكران؟ قال: لا والله، قال: أفتعرفني؟ قال: إي والله، قال: فمن أنا. قال: لا أدري والله، قال: عليك لعنة الله، قال: تترى إن شاء الله، فضحك ثم أمر بتشييعه إلى منزله.
وقال الرَّقاشي: حدُّ السكر أن يُعزِبَ عنك الهموم ويظهر منك المكتوم.
قال البلاذري: كان ابن هرمة، مغرىً بالنبيذ، فمرَّ يومًا على جيرانه، وهو شديد السكر حتى دخل منزله، فلما كان من الغد، دخلوا عليه فعاتبوه على الحالة التي رأوه عليها، فقال: أما علمتم أني في طلب مثلها منذ دهرٍ، فما قدرت عليها، أما سمعتم قولي:
أسأل الله سكرة قبل موتي وصياح الصبيان يا سكران
قال: فنفضوا ثيابهم وخرجوا وقالوا: ليس يفلح هذا أبدًا.
[ ٩٣ ]
قال سهل بن هرون: ثلاثة من المجانين: الغضبان والسكران والغيران، فقال رجل: والمنعِظ، فضحك وقال:
وما شر الثلاثة أُمَّ عمرٍو بصاحبك الذي لا تصبحينا
وقال المنخل اليشكري:
ولقد شربت من المدامة بالصغير ولالكبيرِ
ولقد شربت الخمر بالخيل الإناث وبالذكور
فإذا سكرت فإنني رب الخورنق والسديرِ
وإذا صحوت فإنني رب الشُّوَيْهة والبعير
يا رب يومٍ، للمنخل قد لَهَى فيه، قصيرِ
وفي السُّكر يقول الآخر:
ولقد شربت الخمر حتى خلتُني لما خرجتُ أجرُّ فضل المئزرِ
قابوس أو عمرو بن هندٍ قاعدًا بحاليه ما دون دارةِ قيصرِ وقال الفلاسفة: ينبغي لشارب النبيذ ألاَّ يتجاوز فيه مقدار طاقته، وأن يتفقد نفسه تفقدًا شديدًا فمتى أنكر رأيه وفكره وحركات بدنه وقوتِّه أمسك عن شربه ولم يمعن فيه حتى يختلط لأن السكر إنما يكون مع بخاراتٍ غليظة نِيَّة غير نضيجة ترتفع إلى الدماغ فتستره كما يستر السحاب الشمس فيحول ذلك البخار بين العقل وبين ما يشرقُ عليه من قوةِ النفس والطبيعة فتسترخي لذلك الأعضاء والأعصاب كلها، وتضعف الحواس ويفسد الفكر ويغشى النُّعاس.
وروي الواقدي أن عبد الله بن عُمر قال: خرجت أنا وأخي عبد الرحمن وعقبة بن الحارث غُزاة، ونحن نريد الإسكندرية، فلّما قدِمنا مصر، شرب أخي وعقبة فسكرا فلما أصبحنا انطلقنا إلى عمرو بن العاص وهو يليها لعُمر فقالا له: طهِّرنا، فإنا قد سكرنا من شراب شربناه؛ فجلدهما الحدَّ في صحن داره، وبلغ ذلك عمر فكتب إلى عمرو بن العاص: أن أبعث إليَّ عبد الرحمن بن عوف، وقال: يا أمير المؤمنين قد أُقيم عليه الحدُّ، وما لك أن نقيمه عليه ثانية، فلم يلتفت عمر إلى قوله وجعل عبد الرحمن يصيح: إني مريض، وأنت قاتلي، فضربه الحد ثانية، فما زال مريضًا حتى مات، وقال له في مرضه هذا: يا أبتِ، قتلتني، فقال له: يا بنيَّ، إذا لقيت ربَّك فقال لك: فيمَ قتلك أبوك، فقل: أيْ ربِّ فيك.
قال بعض الحكماء: لا فضيلة في السكر سوى فقدان الهموم وذلك عندنا لا يفي بفقدان العقول. وقالت الفلاسفة: في السكر الشديد أنواع من العلل أقلُّها أنه يورث الارتعاش في اليدين حتى لا يُمسك بهما شيئًا، وقد أكثروا ذلك في أشعارهم، وربَّما أورث السكتة والفالج واللقوة، وقد حمد قوم السكر من الشراب، وقالوا: إنما اللذة كلها فيه لأنه يستطيب من السماع ما لم يكن يستطيبه صاحيًا، ويستحسن حديث ندمائه ويخفون على قلبه ويهون عليه ما أنفقه وإن كان جليلًا وتسخو نفسه عنه وإن كان بخيلًا وتنبسط آماله وتذهب غمومه وهمومه وتكثر أفراحه وسروره، وذلك كله قبل الاختلاط وعدم الحِسِّ.
وكان السُّرادِقُ الدِّهلي مولعًا بالشراب فمرَّ بمجلسٍ من مجلس الأزد وهو سكران ورِجلاه تضطربان من السكر فتغامزوا عليه، وقال شاب منهم: سكران، سكران، فأقبل عليه السُّرادِق وقال:
معاذ إلهي، لست سكرانَ يا فتى وما اختلفت رجلاي إلا من الكِبر
ومن يك نهبًا لليالي ومُرها تدعه قليل القلب والسمع والبصر
وكان الأُقيشر الأسدي مولعًا بالشراب، فأخذه الأهوان بالكوفة وقالوا: سكران شارب خمرٍ، فأنشأ يقول:
يقولون لي أن قد شربت مدامة فقلت لهم: لا بل أكلتُ سَفَرجلا
وسأل بعض الملوك حكيمًا عن السكر وما يُحدثه، فقال: أيها الملك، مسكن العقل في الدماغ، وهو للإنسان كالمرآة يريه محاسنه ومساويه، فإذا شرب الرجل الخمر صعد من بخارها إلى الدماغ ما يحول بينه وبين عقله كما تحول الغمامة بين العيون وبين الشمس المضيئة فيكون مقدار ما يغشى مرآة العقل من الصدأ بقدر إكثاره من الشراب وإقلاله منه، فإذا نام على ذلك ذهب الصدأ شيئًا فشيئًا حتى يصحو، قال: فهل يعود العقل بكمالِهِ، قال: وما أنكر نقصانه، لأنَّا ما رأينا شيئًا ذهب جملةً فعاد جملةً.
ولم يصف أحدٌ السكران كما وصف الأخطل فإنه قال:
صريع مدام يرفع الشرب رأسه ليُحنى وقد ماتت عظامٌ ومفصلُ
تهاديه أحيانًا، وحينًا تجرُّهُ وما كان إلا بالحشاشةِ يعقِلُ
إذا رفعوا عظمًا، تحامل صدرُهُ وآخر مما نال منها مُخبَّلُ
[ ٩٤ ]
وأخذ الوالي في الليل رجلًا سكران، فقال له: من أنت؟ قال:
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدرُهُ وإن نزلت يومًا فسوف تعود
ترى الناس أفواجًا إلى ضوءِ ناره فمنهم قيام تارةً وقعود
فقال: قد جاء عن النبي ﷺ: تجاوزوا عن ذوي الهَنَات، خلّوا سبيله، فلما أُطلق قال له أصحابه إنه ابن باقلاَّني، فقال: إن لم يترك لنسبه تُرك لأدبه.
وكان بالبصرة خياط أحدب مولع بالشراب، فشرب ليلةً فوق سطح فمشى وهو سكران فوقع على حدبته فذهبت وصارت به أَدُرة عظيمة، فدخل إليه جيرانه يهنِّئونه، فقال لهم: جئتموني للتهنئة، ولم تعلموا أن الذي جاءَ شرٌ من الذي ذهب.
وقال رجل لسعيد العامري: لقد حظيت بكثرة المال، قال: فإني بعتك مالي كله بحبة من عقل عفان الموسوس، قال: وأي شيءٍ رأيت من عقله؟ قال: رأيته يومًا وقد وقف عليه رجلان أحدهما سكران، فجعل السكران يفتري عليه وهو يفتري على الصاحي، فقلت له: ألا تشتم الذي يشتمك؟ قال: لا، لأن معه شيطانًا لا أقوى عليه، فالتفت إليَّ السكران وقال: يا ابن الزانية، تحرضه على شتمي، ورفع حجرًا من الأرض فشجَّني به، ومرَّ يعدو، فقال عفّان: من هذا فررتُ.
وزار عباديًا رجلٌ من إخوانه فأجلسه على مصلى نظيف وغدَّاه وسقاه، فسكر الضيف وسَلَح على المصَلَّى، فأخذ العبادي بيده وأدخله الكنيف فنام فيه، فقال: فديتك يا سيدي، أنت تخري حيث ينام الناس، وتنام حيث يخرون.
وحكي عن ابن أحمد البصري أنه دخل على قومٍ يشربون فرأى فيهم رجلًا سكران، فأقبل يكبِّر ويهلِّل، فقيل له: ما بالك؟ قال: لم أر سكران قبل هذا، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: كنتُ أسكر قبل الناس فلا أراهم إذا سكروا.
وذكر حمدون النديم أن إبراهيم بن المهدي دعا جماعة من أصحابه بحيث يصطبحون عنده، فجاء مخارقُ سكران لا فَضْلَ فيه، فعاتبه إبراهيم، فقال: لا والله أيها الأمير، ما كانت آفتي إلا أن سُليم بن سلام مرَّ بي فغنى صوتًا له، صنعه قريبًا فشربت عليه إلى السحر، قال: وما هو، أنشده وغناه:
إذا كنت ندماني فباكر مدامةً معتَّقةً زُفت إلى خير خاطب
تردَّت رداءَ الحسن في غير ناظرٍ ومُدَّ لها عمر فطابت لشارب
قال المدائني: لقي طائف من أهل خراسان سكران بالكوفة فأخذه، وقال: أنت سكران، فأنكر ذلك، فقال: إقرأ حتى أسمع، قال: نعم ثم قال:
ذكر القلبُ الرَّبابا بعدما شابت وشابا
إن دين الحب فرضٌ لا نرى فيه ارتيابا
فخلاَّه، وقال: قاتلكم الله ما أقرأكم للقرآن سُكارى وصُحاة.
وقال محمد بن زياد الثقفي: مررت ذات ليلة بباب الشام، والقمر يزهو، فإذا شيخ سكران، متوشِّح في إزارٍ أحمر وبين يديه قنينة، وهو يخاطبها ويقول:
عشرون ألف فتىً، ما بينهم رجلٌ إلاَّ كألفِ فتىً مقادمةٍ بطل
كانت عيابُهُم مملوءةً ذهبًا ففرَّغوها وأوكوها على الإبل
فقلت له: أحسنت لله أنت، أبو من؟ أعزك الله، قال: أبو عيشونة الخياط، قلت: ومن هؤلاء الصعاليك الذين وصفت في شعرك، قال: فتيان الوغى وفرسان الهيجاء، شهدت بهم حروب الأمين وصليت معهم نيران فتنة المستعين ولولا [ما] خامر قلبي من الجوى وأخرس لساني عن الشكوى لحدثتك عن حروبنا يومًا فيومًا وساعةً فساعة، فقد حاربت صعاليك الفتيان وسابقتهم إلى غاية كل ميدان، واعترف إليَّ كل فاتكٍ وأذعن لي كل شاطرٍ، ونزلتُ هذه الدار ثلاثين سنة، وأشار إلى السجن ببغداد، ثم تنفس الصعداء، فقلت: ومن عشيقك هذا الذي همت به حتى أذهل لبَّك وخامر هواه قلبك، قال: حبيب لي بالبصرة، عُلِّقته وهو ابن سبع عشرة سنة، ثم غبت ثلاثًا وأربعين سنة، فلما عيل به صبري، خرجت إلى البصرة فطفت في أزقتها وشوارعها حتى رأيته وقد خضب الشيبُ عارِضَهُ، فما كدت أعرفه إلا بسحر عينيه ورفيف ثِنْيَيه وأنا الذي أقول فيه:
لي فؤاد مستهامُ وجفون لا تنامُ
ودموع مثل صوب القطر في خَدِّي سجامُ
وحبيب كلما خاطبتُه قال: سلامُ
فإذا ما قلتُ صِلني قال لي: ذاك حرامُ
وكان فراغ قنينته بفراغه من إنشاد هذه الأبيات، ثم نام فانصرفت متعجبًا منه.
[ ٩٥ ]
وأُتي عليُّ بن أبي طالب (رض) بالنجاشي وهو سكران في شهر رمضان فجلده ثمانين لشربه، وجلده عشرين بعدها، فقال: ما هذه العلاوة يا أبا الحسن، قال: لإفطارك في شهر رمضان وولداننا صيام.
وإذا أكثر الإنسان من الشراب وأفرط فيه سدَّ مجاري الروح المنحدرة من الدماغ إلى سائر البدن، فامتنعت الروح من النفوذ إلى الأعضاء فعُدمت عند ذلك الحركة بالحس والنبض والتنفس، وإذا كان كذلك بطل الحيوان لأن الحيوان مشتقٌ من الحياة بالحركة، وإذا لم تكن حركة صار في عِداد الميتة والحجارة والتراب.
مثال ذلك؛ إن الماء الكثير يميت النبات ويذهب به، وكان القصد منه حياته وكل مفرط قاتل، وكذلك الدهن إذا كثر حتى يغمر السِّراج أطفأه، وقد رأينا الإكثار من الشراب يولِّد السكتة والفالج وموت الفجأة والأمراض الحادة مثل البرسام والذبحة وآفات كثيرة وبليات عظيمة؛ زونجد الذي يشرب الشراب بهدوء وقرار وسكون وبمقدار معتدل، ويكون إلى النقصان عن الحد أقرب منه إلى الزيادة، كيف يزهر وجهه ويظهر فرحه وسروره مع قلة كلام بل بعقل ورزانة من غير تخليط ولا عيب ولا سوء خلق وشيمة، فكأنه ملك، والذين معه ممن تجاوزوا الحدَّ شياطين، فهو يعجب من أفعالهم ويحصيها عليهم لأنهم خرجوا من حدّ الإنسانية وصاروا في حدِّ القرود فيُكثر الواحد منهم حتى يذهب عقله، ويرمي بنفسه كالميت، هذا إن لم يصارع ويواثب ويقاتل وربما خرج إلى الطرقات وتعرَّض للآفات؛ فأي علةٍ مستعجلة لا تحل بهذا وأي خلط لا يجتمع في بدنه، أم أي مرضٍ لا يحدث به، فإذا انتبه من سكرته، وأفاق من علته، رأيته منكسر اليدين مخمورًا مصدَّع الرأس، فإن دخل الحمام على ذلك الامتلاء فأي شيء [مانع] للسكتة أن تناله، والآفات أن تحل به، ثم إنه يعود بعد ساعةٍ إلى شر مما كان فيه، ويوقل: ما دواء الخمار إلا الخمر، فيشرب ولا يقتصد، وقد ضعفت القوى، وكلت الأعضاء فتنحدر إليها المواد لسرعتها إلى العضو الضعيف، فليس نعجب لمن كان هذه حالته أن تكثر أمراضه وتعظم أوصابه، ويقل عمره، وتنصرم ليلته.
وسئل بعض حكمائهم عن السكر فقال: مجلبة للبلايا والآفات وسائر الأسقام والعاهات، ومفرِّق بين الأرواح والأبدان، وكل ذلك من الامتلاء والكثرة، وأنشد أبو عبادة النمري قول ابن ميَّادة:
حُبِسَتْ ثلاثة أحرسٍ في دارةٍ قوراء بين جوازلٍ ودجاج
تدع الغويَّ كأنه في نفسه ملك يُعصِّب رأسه بالتاج
ويظل يحسب كل شيءٍ حوله تحت العراق يُشَدُّ بالأحداج
فحين سمع أبو عبادة البيت قال: لو وجدت حمراء ياقوتية ذهبية أصفى من عين الغراب وعين الديك وماء المفاصل ولعاب الجندب، وأحسن حمرة من النار ومن نجيع غزالٍ وقوة الصباغ لما استطبتها حتى أعلم أنها من عصير الأرجل وأنها من نبات القرى وأن العنكبوت قد نسج عليها وفي قرية سوادية وحولها دجاج وفراريج وإن لم تكن رقطاء ولم تتم كما أُريد، وأعجب من هذا أني لا أنتفع بشربها حتى يكون صاحبها على غير الإسلام ويكون شيخًا لا يفصح بالعربية، ويكون قميصه منقعًا بالقار، فإن كان مجوسيًا كان اسمه شهريار، ومازيار، وما أشبه ذلك، وإن كان يهوديًا فاسمه مانشا وشكوما، وإن كان نصرانيًا فاسمه يوشع وشمويل وما أشبه ذلك. وقال عطارد الففزاري:
شربنا شربة من بيت راسٍ بأطراف الزجاج من العصير
وأخرى بالمروق ثم رحنا نرى العصفور أعظم من بعير
وحتى خلتُ ديكَ أبي نُميرٍ أمير المؤمنين على السرير
كأن دجاجهم في الدار قُطا بنات الروم ترقص في الحرير
فبت أرى الكواكب دانيات يَفلن أنامل الرجل القصير
أُدافعهن بالكفين عني وأمسحُ جبهة القمر المنير
وقيل لبعضهم: لم تركت النبيذ؟ قال: رأيت صاحبه لا يروي منه، ورأيت بعضه يدعو إلى بعض، فتركت قليله لكثيره، قال الشاعر:
من عاقر الراح يرجو أن يغالبها ثنته عنها بحدٍّ غير مفلول
حتى تراه صريعًا لا حراك به لايعرف الحد بين لعرض والطول
وقال آخر:
أسقني بالكبير يا سعد حتى أحسب الناس كلَّهم لي عبيدا
[ ٩٦ ]
وتراني إذا انتشيت كأني أعمر الأرض خيفةً أن تميدا
لو رأى الناسُ في المدامة رأيي لم يبيعوا بدرهم عنقودا
وقال أعرابي:
كأن أباريق المدام عليهم ظباءٌ بأعلى الرقمتين قيام
وقد شربوا حتى كأن رقابهم من اللين لم يُخلق لهنَّ عظام
وقال آخر:
بكروا عليَّ بسُحرة فصبحتهم من عاتقٍ كدم الذبيح مُشعشع
يتبطحون عى الكثيب كأنهم يبكون حل جنازة لم تُرفع
وأنشد لأعرابي:
ولقد شربت الخمر حتى خلتني لما خرجت أجر فضل المئزر
قابوس أو عمرو بن هند ماثلًا بحياله، ما دون دارة قيصر
وأنشد لحسان:
نوليها الملامة إن المنا إذا ما كان مغث أو لحاء
ونشربها فتتركنا ملوكًا وأُسدًا ما ينهنهنا اللقاءُ
وأنشد للعباس بن الأحنف:
أراني سأُبدي عند أول سكرة هوايَ إليها في خفاءٍ وفي ستر
فإن رضيت كان الرضى سبب الهوى وإن غضبت منه أحلت على السكر
وأنشد لآخر:
شربت على تذكر آل كسرى شرابًا لونه كالأُرجوان
ورحت كأنيي كسرى إذا ما علاه التاجُ يومَ المهرجان
وقال الصنوبري:
شربنا في بغادينِ على تلك الميادينِ
على ضحك الهزارات على نوح الشَّنانينِ
شربنا فتعال أنظر إلى شرب المجانين
إلى شرب العفاريتِ إلى شرب المجانين
فطورًا بالهواوين وطورًا بالأجاجين
فلما أن مشى السكر بنا مشيَ الفرازين
وملنا فتلوَّينا تلوي الثعابين
تدافعنا إلى البرك ةِمن فوق الدكاكين
فرحنا في الخلوقين من الخلوق والطين
أبو نواس:
ومُترَّفٍ عقد الشراب لسانه فكلامه بالوحي والإيماءِ
حركته بيدي وقلت له انتبه يا سيد الكتَّاب والأُمراء
فأجابني والسكر يخفض صوتَهُ والصبحُ يدفع في قفا الظلماءِ
إني لأفهم ما تقول وإنَّما غلبت عليَّ سلافةُ الصهباء
وأنشد إسحق بن إبراهيم الموصلي:
وصافية تغشى العيون رقيقةٍ رهينةِ عام في الدِّنانِ وعامِ
أدرنا بها الكأس الرويَّة موهنًا من الليل حتى إنجاب كل ظلام
فما ذرَّ قرن الشمس حتى رأيتنا من الغيّ نحكي أحمد بن هشام