قال يحيى بن ماسويه: نبيذ الزبيب في جميع الأشربة المتخذة من الكرم يغدو غذاءً محمودًا. كما قال " أبقراط "؛ الشراب ينفع من الأوجاع الحادَّة التي تكون من الدم الغليظ لأنه يقوِّي الأعضاء ويقوي الحرارة الغريزية ويهضم الطعام ويسخِّن المعدة ويحسِّن اللون بتوليده دمًا صحيحًا محمودًا، فإن شئت النبيذ بالماء البارد برِّده لإيصاله إلى الأعضاء الداخلية بلطف حرارته، ولذلك قال جالينوس: النبيذ يغدو غذاءً محمودًا إذا شُرب منه بمقدار تنقيته الأوساخ من البدن وتحليله بلطافته الأخلاط الغليظة وفتحه ما في العروق من السُّدد، ولا يدع خلطًا ينعقد في البدن. والأحمر منه يولِّد دمًا كثيرًا، وكلما اشتدت حمرته وغلظ كان توليده للدم أكثر فعلًا، وما كان منه عفصًا، كان توليده للدم أقل من توليده إياه، وأقل الشراب غذاءً ما كان في بياضه يشبه الماء، وكان لطيفًا فلا يغذو ولكنه يدرُّ البول. والنبيذ العتيق الذي قد أتت عليه السنون يا بس في آخر الدَّرجة الثانية حار في الدرجة الثالثة. فإذا ما أتت عليه سنة فهو حارٌ في الدرجة الأُولى يابسٌ ويُبسه أقلّ. والطريُّ منه يولد نُفَّاخًا وهو عسير الانهضام مدرٌّ للبول. وما أفرط عتقه أضرَّ بالعصب والحواسِّ لحرارته ويُبسه ويضرُّ بالمحرورين وإقلالٌ منه أصلح من الإكثار. وأحمدُ الشراب لكل الناس وفي جميع الأوقات ما توسطت حاله بين العتيق والحديث. وينبغي أن يُمنع منه الأطفال لضعف أدمغتهم وعصبهم. والأبيض اللطيف منه سريع النفوذ في البدن مدرٌ للبول محلِّلٌ للبخار الذي ليس بمحسوس، والأسود من النبيذ بطيء في المعدة عسير الانهضام سريع الإسكار لغلظه وكثرة تبخيره إلى الرأس، إلا أنه إذا انهضم انهضامًا جيدًا غدا غذاءً كثيرًا. والحلو منه كثير النفخ بطيءُ الانهضام يولد قراقر ونفخًا في المعدة والمِعاء، مُليِّنٌ للطبيعة، دافع للفضول المنحدرة إلى المعدة.
[ ٥٥ ]
ومن كتاب روفس في الشراب ترجمة قسطا بن لوقا قال: إن النبيذ يهضم الطعام هضمًا جيدًا ويزيد في جوهره، وهذا الفعل إنما يكون بالحرارة، وليس يوجد شيءٌ يُعين الحرارة ويوقدها غيره إذا كان ملائمًا لها خاصيًا بالطبيعة، وإن أنت غذيت رجلين غذاءً واحدًا، وجعلت شراب أحدهما الماءَ والآخر النبيذ، وجدتَ بينهما من الاختلاف في مقدار الحرارة بونًا بعيدًا. وإذا انهضم الطعام في المعدة وسائر أعضاء البدن انهضامًا جيدًا كان ذلك معينًا على دولم صحة البدن بقوة وزيادة. ولما كان النبيذ يزيد في الحرارة الغريزية والدَّم جميعًا، زاد لون البدن عند شربه إشراقًا وحسنًا.
ويرى أن تقوية النبيذ وتغذيته ليست تخص البدن دون النفس لأنا قد نجد من شرِب سريع الحركة إلى الأعمال بسهولة من غير أن ينالُه تعب ولا إعياء، وكذلك [من] أصاب منه عند الحرب كان في نفسه حربًا وفي أعضائه قويًا.
[ ٥٦ ]
وأما ما يفعله النبيذ في النفس من الطرب والفرح والسرور والنشاط وتنسية الأحزان، وتسلية الهموم، فليس إلى ذكره حاجةٌ لأن أحدًا لا يجهله. ومن فضائله العجيبة أنه موافق للناس جميعًا في الأسنان والأزمان والبلدان كلها. وينبغي أن يعطى منه الأطفال والصبيان بقدر احتمالهم وفوق ذلك، للأحداث والشباب والكهول، فأما الشيوخ فليس يوجد شيءٌ أعونُ على سلامتهم وصحة أبدانهم منه، إذ كانت حاجتهم إلى ما يسخنهم شديدة. وأما الصبيان فيحتاجون إلى ما يفيدهم حرارته إذ كانت الحرارة لم تبلغ فيهم نهايتها. فأما من كان في نهاية الشباب فإن النبيذ يُلائمه بمشابهته إياه وزيادته بجوهره في جوهره. ومثل هذا القول، في الأزمان، لأنا لم نر طبيبًا يطلق شربه في الصيف ويمنع منه في الشتاء، ويأمر باستعماله في الخريف ويأباه في الربيع إلا أن يكون ذلك في الزيادة والنقصان والكثرة والقلة على سبيل الاستظهار والتوقي. والمواضع الباردة يحتاج أهلها إليه ليسخنهم. [و] المواضع الحارة يحتاج [أهلها] إليه ليرطبهم إذ كانت شدة حرارة البدن تيبسهم، والنبيذ يقوم مقام الطعام لمن كانت له الشهوة الكلبية فإنه يأكل دائمًا ولا يشبع، فإن سُقي النبيذ أعان على شبعه وذهب بجوعه. وأما العطش الشديد المفرط الذي لا يقطعه الماء، فإن النبيذ الممزوج بالماء يقطعه ويذهب بغلظ الماء وكذلك إن كان الماء رديئًا لم يوجد شيءٌ يصلح رداءَته وفساده أقوى فعلًا من النبيذ. وكذلك من يسكن السِّباخ والمواضع اللثقة العفنة الرديئة المياه، ليس لهم أنفع من أن يمزجوا مياههم بالنبيذ ويشربوه، وكذلك الذين مياههم مالحة أو فيها آفات تفسدها. فأما المياه الباردة ومياه الثلوج فإنها مضرة، شديدة إن هي شُربت مفردة من غير أن تُمزج بالنبيذ لأنها تولد انفجار عروق الصدر ونفث الدم ووجع البطن وتشنجًا وضيق نَفَس [و] فالجًا، فإذا خالطتها حرارة النبيذ مع ما تفيدها من الذلة، مُنع أذاها وضُرُّها. والإكثار في النبيذ يجاوز الرجل فيه مقدار طاقته يلزمه الخطأ في رأيه والضعف في بدنه فتقبح أفعاله ولا يحمده جميع من يحضره. والشرب الكثير للنبيذ والتمادي عليه يورث في الجسم أمراضًا كثيرة منها الداء المعروف ب (الماخوليا)، والوساوس السوداوية، ويخفق منه القلب ويذهب بالمروءة ويتلف المال. فإذا شرب بقصدٍ بين القلة والكثرة كان محمودًا. وينبغي لشارب النبيذ أن يفتقد نفسه وبدنه فمتى أنكر رأيه وفكره وحركات بدنِهِ وقوته أمسك عن شربه ولم يتماد فيه حتى يبلغ السُّكر، لأن السكر إنما يكون من بخاراتٍ نيةٍ غير نضجة ترتفع إلى الدماغ فتستره كما يستر السَّحاب الشمس فتحول بينه وبين عقله. وكانت الفرس تشرب عند المناظرات والمشاورات والمفاوضات في الرأي والتدبير. أما اليونانيون فإنه يستعملونه عند ضرب العيدان والغناء وإنشاد الأشعار ليعلموا مبلغهم من الفكر والتمييز وقوة البدن، لأن من شربه منهم لا يحمل نفسه على ذهاب عقله ونهك بدنِهِ بل يشربه بمقدار ما يقطع العطش ويولِّد الطرب والسرور وينفي الهموم ويُنسي الأحزان، فإذا جرى النبيذ هذا المجرى انتفع به البدن منفعةً كبيرةً لأنه على هذه الحال ينقي المثانة ويجلو العروق وينضج ما كان نِيًا فَجًا فيهضمه ويحلله إلى خلطٍ جيِّد محمود. وينبغي أن يتوقى شربه في حالٍ يبلغ خطل (الرأي) والمنع من القيام بحق الله في فرائضه. وأن يُريد منزلة فلا تهتدي إليه مع سوء العاقبة في العلل المزمنة والأمراض المردية. ويجب أن يستعمل الاستحمام بالماء الحار ويتوقى طول المكث في الحمام لأنه يُخِل البدن ويضر بالرأس، وكثير من الناس يرى أن طول المكث في الحمام وإخراج الكثير من العرق يجلي العروق فيعين ذلك على الإكثار من الشراب، وذلك أضر الأشياء لمن شرب النبيذ. ويجب ألا يكون شربُهُ بالمبادرة والسرعة، بل بتؤدةٍ وأمانٍ وأناةٍ من غير تعبٍ بتصرف أو مشيٍ وغير ذلك. ويجب لأصحاب النبيذ ألا يأكلوا طعامهم في أكلة واحدةٍ، فإنهم يكثرون من الطعام، وإذا خفف أحدهم في غدائه وجعل تمامه في عشائه كان ذلك عونًا له على الشرب وزائدًا فيه وأما النقل فإنه يبقى في المعدة غير منهضم ويُولد رياحًا وصداعًا فإن نال منه القليل كان مستدعيًا لشرب النبيذ، فاتحًا للشهوة.
[ ٥٧ ]
وقال جالينوس: أوفق الشراب كله لتوليد الدم ما كان أحمر غليظًا فإذا مزج يسيرًا ينقلب فيصير دمًا. وأما الشراب الأسود الغليظ فيولد دمًا غليظًا، وأقل أنواع الشراب كلها غذاءً ما كان لونه أبيضَ وقوامه رقيقًا وكان شبيهًا بالماء. والشراب الغليظ أكثر غذاءً من الرقيق. والشراب الحلو أسرع انهضامًا في المعدة من الشراب القابض وأسرع نفوذًا إلى الكبد وإلى سائر الأعضاء لأن قوته أسخن. وما غلظ من الشراب كثيرًا فهو أبطأ انهضامًا ونفوذًا إلى الكبد وإلى الأعضاء إلا أنه إن صادف معدةً لها فضل قوةٍ حتى ينهضم على ما ينبغي، غذيّ البدن غذاءً كثيرًا.
وقال إسحق بن عمران في النبيذ المطبوخ من الزبيب، إنه دواء. وقال في النبيذ النقيع إنه يغذي البَدَن كاللبن للمولود وبخاصةٍ للشباب والصفراويين، وغذاءُ كل شراب بمقدار غلظه، وأوفق الأغذية للبدن الضعيف الشرابُ الحلوُ، ولا سيما لمن لم يكن في كبده ولا طحاله ولا كلاه آفةٌ وأوفقها لما كان في عروقه خلطٌ. وما كان من الشراب طيبَ الرائحة فالدم الذي يتولد منه أجودُ. والشراب اللطيف أعون على إدرار البول. وينبغي أن يجتنب من الشراب ما كان غليظًا كريه الطعم قابضًا لأنه أردى غذاءً. والأشربة القابضة لا تولد دمًا محمودًا وإن كانت قد تقوي المعدة إذا استرخت وضعفت، وكذلك البطن لا سيما إذا كانت علة البطن والمعدة من مزاجٍ حار، وإنما تستعمل الأشربة القابضة عند الحاجة إلى حبس البطن المنطلق، وأما في غير ذلك فلا ينبغي لأنه ليس بجيدٍ لنفوذ الغذاء ولا لتوليد الدم ولا لجودة الغذاء ولا لدرور البول وخروجه، ولا لإطلاق البطن. وما كان من الشراب أصفر يضرب إلى الحلاوة طيِّب الرائحة، فلا ينبغي أن يشربه من كان الغالب عليه المرار ولا من أصابه حرٌّ أو تعب أو اغتم، ولا في الأوقات الحارة والبلدان الحارَّة. وهذا الشراب الأصفر جيِّد التسخين لمن كان الغالب عليه البرد والبلغم والمزاج البارد، ولمن في بدنه أخلاطٌ نِيَّة ولِمَن شأنه السكون والخفض في البلاد الباردة، وفي الشتاء والهوى البارد. وينبغي أن يجتنب من الشراب ما عتق حتى صار مُرًا فإنه يسخن أكثر مما ينبغي، والشراب الحديث جدًا لأنه يسخن ولا يُمري الطعام، وهو بطيئ الانحدار، بطيء النفوذ، وليس يُدرُّ البول ولا يعين على توليد الدم ولا يغذي البدن لبقائه في المعدة مدةً طويلةً طافيًا في أعلاها مثل الماء. فإن شرب منه قليلًا أسرعت إليه الحموضة، ومن كان مزاج بدنه مفرط الحرارة، فشرب الماء أوفق له من شرب الشراب، فإن احتاج إلى الشراب شرب منه ما كان رقيقًا معتدلًا فيه قبض. وما كان من الشراب الحلو صافيًا وكان لونه إلى الصفرة والحمرة الناصعة، ولَّد دمًا متوسطًا بين اللطيف والغليظ. وأما الغليظ الأسود فيملأ العروق دمًا غليظًا، والشراب الأبيض اللطيف يقطع الأخلاط الغليظة وينقي الدم ويخرج فضله في البول. والشراب الغليظ الحلو إذا خلط بشيءٍ من الأدوية المطلقة نفع أصحاب العِلل التي في الصدر والرئة إذا لم يكن فيه قبضٌ.
وقال أبقراط: إن الخمر الحديثة أغذى وأعون على تليين البطن من العتيق. والشراب العطري الطيِّب الرائحة أغذى وألطف وأنفذ مما لا رائحة له.
وأما دياسقوريدس فإنه قال: إن الشراب العتيق يضر بالعصب وسائر الحواس فينبغي أن يحذره من كان به شيءٌ في هذه الأعضاء، وأما الأصحاء، فإن شربوا منه المكسور بالماء لم يضرهم. وأما الحديث فنافخ عَسِرُ الانهضام يولّد أخلاطًا رديئة ويكثر البول. والمتوسط بين العتيق والحديث أفضل إذ لا مضرة فيه. وأما الشراب الأبيض الرقيق فإنه سريع الانهضام والنفوذ. وأما الشراب الأسود فإنه أبطأ انهضامًا ونفوذًا. وما يعرض منه في السُّكر أشد وغذاؤه أكثر ويزيد في اللحم. والأحمر الناصع متوسط بينهما. والشراب الحلو الغليط نافع للمعدة والأمعاء، مطلقٌ للبطن، وسكره أقلّ وهو نافع للكلى والمثانة. والشراب العَفِص يشُدُّ البطن ويدر البول ويصدِّعُ الرأس ويسكره. والشراب الذي فيه قبض هو معتدل سريعثالنفوذ مقوٍّ للمعدة مُهيج لشهوة الطعام صالح للغذاء، للغذاء، جالبٌ للنوم محلِّلٌ للنفخ ويحبس الاختلاف ويقطعُ العرقَ الذي يكون من ضعف القوة.
[ ٥٨ ]
وقال هيوفراطيس: الشراب دواءٌ من الأوجاع الحادة التي تكون من الدم الغليظ لأنه يقوي الأعضاء ويحيي الحرارة الغريزية ويهضم الطعام ويسخِّن المعدة ويحسن اللون بتوليده الدم الصحيح المحمود، فإن شرب النبيذ بالماء برد لإيصاله إياه إلى الأعضاء الداخلية بلطف حرارته.
وقال جالينوس: إن الشراب يغدو غذاءً محمودًا إذا شرب بمقدار، لتنقية الأوساخ من البدن وتحليله بلطافته أخلاطهُ الغليظة، وفتحه ما في العروق فإن النبيذ لا يدع خِلطًا غليظًا ينعقد في البدن، والأحمر منه يولِّد دمًا كثيرًا، وكلما اشتدت حمرته كان في توليده الدم أثر فعلًا. وأما شراب العسل فيغذو ويهضم ولا سيما إذا كان حلوًا ولا يفعل ذلك إذا كان عفصًا أو مرًا. وأَحْمَدُ الشراب لكل الناس وفي كل الأوقات ما توسطت حالته بين الحديث والعتيق، وهو نافع لصاحب المِرةالصفراء، لأن الشراب يزداد حرًا ويبسًا على مرور الدهر وليلق [صاحب الصفراء في شرابه التفاح والسفرجل والورد وليُكثر مزاجه، وليلق صاحب البلغم] في نبيذه المصطكي والحلبة ويتجنب الأشربة الحلوة الغليظة التي ليست بصافيةٍ ولا رقيقة فإنها تورث السَّدد. ونبيذ الزبيب المتخذ مع العَسَل يجفف المعدة والأمعاء، وفعله كفعل المطبوخ فيه صلاحٌ للرطوبات العارضة للبدن، فإن عتَّق المطبوخ كان أقوى فعلًا. ونبيذ الزبيب المطبوخ أخفُّ وأقل رطوبةً من النقيع وأَنفع لأصحاب البلغم. والنبيذ النقيع أنفع لأصحاب الصفراء من المطبوخ لرطوبة الماء الذي معه. وينبغي لمن أراد الإكثار من النبيذ أن يأكل من الطعام ما خفَّ وليُقللْ. فإن كان محرورًا أكل السَّمك الطَّري، وإن كان صاحب بلغم فيأكل اللحم المتَّخذ بالكرنب، والكرنب نفسه معينٌ على الإكثار من شراب النبيذ وليس بمحمودٍ لتوليده السوداء. وكلما انتقل على النبيذ ولَّد على الكبد والعروق والمفاصل سُددًا إلا أن المحرور يمصُّ الرمَّان الحلو. ومصُّ الرمّان نافع من الالتهاب الذي يكون في الكبد من شرب النبيذ. وعصير ماءِ الرمان بقشرِهِ الداخل يسهل المُرَّة الصفراء ويقوي المعدة ويشد الثّات. ومصّ السفرجل العذب والتفاح المرّ والأجاص اليابس ينقيّ جسمه. ومص السفرجل يمنع من بخار النبيذ أن يترقى إلى الدماغ. وليس ينبغي أن يكثر من مصِّه لئلا يُخرج ما في المعدة قبل هضمه، لأن السفرجل مسهل للطبيعة بعصره، وإن أراد عقل طبيعته فليأكله قبل طعامه وليؤخر أكل الطعام إلى أن يتمكن فعل السفرجل من معدته. وأحمدُ النَّقل لأصحاب البلغم اللوز المرّ والسفرجل والفستق المملح ولا سيما إذا أراد تفتيح السُّدد وجلاء ما في المعدة والكبد.
قال محمد بن زكريا الرازي: منافع الشراب عظيمة منها إمداده الحراة الغريزية ونشره لها في أقطار البدن بأوفق وأصلح من جميع الأغذية وذلك أنه يبعث إلى المغشي عليه الغذاء بسرعة فيرد قوته وينعشه ويدفع ضرر السموم التي خاصيتها تجميد الدم وإطفاؤه للحرارة الغريزية كالأفيون والسيكران ونهش الأفاعي ولدغ الحيات وما أشبه ذلك لأن مادته موافقة لاغتذاء الحرارة الغريزية التي بها قوام الحياة وله مع ذلم ما ليس لشيء من الأغذية من طرد الفكرة الباطلة وبسط النفس وشرحها، حتى أنه من أعظم علاج [المالخوليا] إذا استعمل على ما ينبغي، وهو سبب لجلب النوم اللذيذ فيصير ذلك سببًا لجودة الهضم وتوليده للدم الغريزي الكثير وإخصابه البدن وتحسينه اللون والذبول والهرم والإبطاء به، وهو يفتح السُّدد والمجاري وينفِّذ الفضول حتى يبرز من البدن بسهولة النجو والبول والعرق ويقوِّي جرم المعدة وتسخينها، ويسخِّن الكبد ويمنع عظام الطحال ويلطف. وكثيرًا ما يدفع المِرار الأصفر في البول، ولا سيما إذا كان في جنسه رقيق القوام وأكثر مزاجه فيكسر عاديته في البطن والكبد حتى لا تكون له حِدَّة ورداءة.
[ ٥٩ ]
قد ذكرنا من منافعه هذه الجملة فينبغي أن نذكر جملةً من مضاره لئلاَّ يحملَ الجاهلُ على الانهماك به. ومن مضارِّه العِظام الإضرار بالدماغ والعصَب إذا أدمَنَ [شاربه]، ولا سيَّما إذا كان الشارب ضعيف العصب أو متهيئًا للأمراض الكائنة من ضعف العصب والدماغ، فإن إدمان الشرب يوقعه في الفالج والرعشة سريعًا، وقد يوقع بعضهم في الهذيان والوسواس، ويجلب أيضًا إحماء الكبد وورمها والحمَّيات الحارة والصداع والرمد والأورام والجرب والخوانيق والشوصه ونحو ذلك من الأمراض التي تحدث من حدَّة الدم أو من كثرته. وذلك أن الشراب في الجملة يزيد في الدم وفي سخونته وحدته لا سيَّما إذا كان المزاج متهئيًا لذل.
وقال: يحتاج إلى شرب الشراب ضرورة من إذاا لم يشربه أبطأ هضمه وتجشأ جُشاءً حامضًا وقلت شهوتُهُ للغذاء. وإذا شرب الماء ثقل عليه، وثقل الطعام في جوفه وكثر النفخ والقراقر في بطنه، فإذا أمسك هؤلاء عن الشراب وقعوا في الأمراض الباردة. ويحتاج إلى تركه ضرورة من إذا شرب وحمي جسده أصابه صداعٌ أو عطش شديد وتجشأ جُشاء دخانيًا وخمر عليها خُمارارً شديدًا وأصابه الغشي وسقوط الشهوة وفساد الطعام في معدته، فأما شربُه للسُّكر فلا خير فيه فإنه لم يعقب قط إلا مضَّرة أو علة عظيمة كالسكتة والاختناق وفساد الكبد والرعشة والفالج ونحو ذلك، فأما السَّكرة، تقع في الأيام الكثيرة ولا تكون مع ذلك مفرطة جدًا، فإنها تنفع في الأكثر لأنها تفتح مجاري الدم وتذيب خلطًا منعقدًا أو جامدًا وتنشر الحرارة الغريزية وتدفع الفضول غاية الدفع فيكون ذلك سببًا لدفع الأمراض الباردة ولانفتاح المجاري والمسام وذلك ينفع في حفظ الصحة. وأحوج الأسنان إلى استعمال الشراب المشائخ، وذلك أن أبدانهم تبرد وتجف والشراب يسخنها ويرطِّبها، ونومهم قليل فالشراب يُعينهم ويذهب عنهم الحكة التي تعتري المشايخ في أجسادهم لترصيقة لجلودهم وتوسيعه مسامهم وتجويد هضمهم. ويمنع سرعة الهرم ويدفع عنهم النزلة والزكام والسُّعال الذي لا يزال يعتريهم ويبسط من أنفسهم. وهم بالجملة أحوج الأسنان إليه وأكثرهم عليه سلامة من الكهول والشيوخ ولا سيمَّا من كان منهم حارَّ المزاج ملتهبًا فإنه يُحمي كبده ويكثر صُداعه ويسقط شهوته، فالماء لهم أوفق من الشراب، فأما الصبيان فغير محتاجين إلى الشراب.
[ ٦٠ ]
فأمّا الصيف كلّه فليشرب فيه رقيقه ويكثر مزاجه ويتنقل الفواكه الحامضة ويشرب السَّكنجبين الساذج الحامض بعد الإفاقة منه، ويُتوقى السُّكر في هذا الزمان فإنه يجلب الأمراض الحادة. وأما في الخريف فيستعمل العتيق منه بمزاجٍ كثيرٍ، وإن كان حديثًا فليختر أرقه. فإذا برد أول النهار وآخره، فأصلح الشراب له ما يطيب نفسه، فإن ذلك أمانٌ من التسكير والقشعريرة. وإذا جاء الشتاء فليكن الشراب أقوى وأكث مقدارًا مما يستعمل في سائر الأزمان، فإن الأبدان تحتمل في هذا الزمان ما لا تحتمل في غيره. ليس للخُمار فيه سورة، والخمار في الصيف داءٌ، وفي الشتاء دواءٌ. وأما استعمال الشراب بحسب مزاج الأبدان، فالبدن النحيف أحوج الأبدان إليه، ولكن يكثر المزاج ويجدد القُوى، واللحيم من الأبدان، أقلها حاجةً إلى الشراب، فقد يعتريها منه حمأٌ وأمراض حادة، وأما الشحمية فتحتاج إلى المقدار اليسير من الشراب القويّ الصِّرف منه ويضرهم المزاج الكثير ويؤديهم إلى الأمراض البلغمية. وينبغي أن يُجتنب الشراب بعقب الخروج من الحمّام سريعًا، وبعقب التعب إلا بعد ساعتين وأكثر، وبعقب الصُّداع والرَّمد والزكام والتثاؤب والتمطِّي، وعند الغضب وهمِّ النفس المفرط، وبعقب كثرة الجماع وطول السهر وإسهالٍ عنيف ولا يُكثر حين يَسْكر، وبعقب أخذ الغَسْل أو الرُّطب أو الدواء أو غذاءٍ حادٍّ حريف ووجع لا يُعرف سببه. وأوفق الأحوال له إذا كان البدن هادئًا ساكنًا في حركاته الجسدانية وهمومه النفسانية، وفي حال نشاط النفس وانشراحها وشوقها إلى الطعام الذي يتقدم الشراب، وينبغي أن يشرب المحرورون والشباب، في الأزمان الحارة، على الأطعمة الباردة الحامضة، مثل ما أُتخذ من ماء الحِصرم وماء الرمان والسِّكباج ونحو ذلك. ولا ينبغي أن يخلو هذا الطعام من لدونة أو دهن، وليكن الطعام في الشتاء للمبرودين، الأغذية التي معها أدنى حرارة كاللفتية والكرنبية والمغمومة الكثيرة البصل والمطجنات والمالح ونحو هذا. ولا يشرب على طعام ليس فيه دسم كمن يقتصر على الخبز والزيتون والكوامخ والسمك المالح فإن ذلك رديء جدًا يودع العروق أخلاطًا رديئة تفسد الدم، وأضر ما يكون ذلك بالأبدان النحيفة. والنقل لأصحاب الأبدان النحيفة، السفرجل المز والرمّان الحامض والأُترج، وأما الحصرم فيفسد الشراب في المعدة ويمنعه من النفوذ إلاّ أن يُقل منه، وأما أصحاب الأبدان المعتدلة فالرمّان والسُّكر الطبرزد الأبيض واللوز المقشَّر. وأما المشايخ والمبردون، فالفستق وحبّ الصنوبر وبزر الكتان والسمسم المقلو والجوز والكعك. وأما العشاء على الشراب فإنه في أكثر الأمر مضر إلا أن يكون الطعام قبله قليل المقدار أو رقيق القوام سريع النفوذ. ولكن لا ينبغي أن يشرب بعد الأكل والعشاء البتة. فإن كان، وحدث في البطن قراقر ونفخ وغثى فليبادر إلى القيء وطول النوم والإمساك عن الطعام ثم الاستحمام بعد ذلك وتلطيف الغداء وترك الشراب. وأما الطيب على الشراب فمن كان محرورًا وافقه اشتمام الصندل والكافور وماء الورد. والبخور ليس بموافق لمن يُسرع إليه الصداع، ومن كانت به الرعشة نفعه شم الغالية والمسك على الشراب، وذلك أضر الأشياء لمن يتأذى بالشراب، والبخور بالجملة يملأ الرأس ويسرع السِّكر ويسقط شهوة الطعام، وأما الجِماع فمضرٌ في أكثر الأوقات وعظم ضرره بمن يعتريه النِّقرس وأوجاع المفاصل وضعف العصب فإنه يجلب التشنج، وبحسب بطء إنزالهم وجَهدهم أنفسهم في ذلك، يكون قد ضررهم ولا سيما إن كان في نهاية السُّكر، والبطن ممتلئ يتخضخض فيه الشراب. وأما إذا كان على تناول شيءٍ من الشراب مع خفةٍ في البطن فليس بضارٍّ إلا أصحاب الأبدان النحيفة، لأن الجماع يضر بهم ليبس أبدانهم، فإن فعل فبعد مداعبةٍ طويلة ليسرع إنزاله وليستلق بعده على قفاه ساعة ثم يتطهر بالماء البارد إن لم يكن في زمانٍ بارد، وإلا فالماء الفاتر.
[ ٦١ ]
وأما المُغرى بالسكر، المسرف فيه الذي إذا صحا اغتَّم ولزمته كآبة وحزن حتى يبادر إلى الشراب، فينبغي أن يشتغل بأشغال اضطرارية تمنعه من الشراب، ويتدرَّج في ذلك لأنه لا يطيق الإقلاع عنه ضربةً [واحدة] وتعرض له على ذلك أعراض قوية صعبة تؤدي إلى أمراض رديئة، والموت فجأة، والاختناق والسعلة، فإذا رأيت السكران قد اربدَّ وجهُهُ ودرَّت أوداجه واحمرَّت عيناه وضاق نفسه بعد الشرب بأقداح كبارٍ فاعلم أنه مشرف على الاختناق، فليُقطَع عنه الشراب، فإن نقصت الأعراض دلَّ على خير، وليمتنع من النوم ليلته تلك إلى [أن] تسكن الأعراض. فإن تزيَّدت فليفصد في كلتا يديه، وليخرج من الدم إلى أن يغشى عليه، وليمتنع أيضًا من النوم ليلته تلك، فإنه بذلك يسلم من الاختناق. وأما إذا رأيت السكران قد قلَّت شهوته للطعام، فليدرج على تقليل الشراب وأكل الأغذية الرطبة في كل ساعةٍ حتى ينال منها الكثير إلى أن يعتدل ويعود إلى حالته الطبيعية، وإلا فقد وقع في الدِّق والذبول والسهر والوسواس، ومتى رأيت السكران قد بدت به عند الصحو بلادة أو ثقل لسانٍ أو رعشة أو اختلاج في البدن، فليقطع الشراب البتة وليتجنب الحمام وليشرب الماء البارد ويغتسل به، ويلزم الأغذية التي تُسخن وتجفف كالقلايا بالزيت والتوابل فبذلك يسلم من السكتة والفالج ونحوهما من أمراض الدماغ والعصب. والعرق من الشراب أنفع للبطن وأضر بالرأس والممزوج أوفق لمن يسرع إليه الصداع. والصِّرف في الأبدان والأزمان الباردة الشديدة البرد والكثيرة الرطوبة أنفع من الممزوج ومضرة الصِّرف في الصيف أشد، ومضرة الممزوج في الشتاءِ أشد، لنفع الصِّرف في الشتاء والكثير المزاج في الصيف. ولا ينبغي أن يتعرَّض للصِّرف من به صداع أو ضعف دماغ في العصب والعين أو حدة في الكبد، ومن تسرع إليه الحميات والخراجات. ومن لم يجد عند الطواعين وكثرة العفونة في الهواء فإن الصرف في هذه الأحوال شيءٌ قاتل. والصِّرف نافع لمن يحتاج إلى ترطيب بدنه كالناقهين والمسلولين، والكثير المزاج ضارٌ لأصحاب القولنج والطحال وتقطير البول وما أشبه ذلك. ويحتاج إلى إدمان الشراب من لا يستمرئ طعامه إلا عليه، وإذا فارقه تجشأ جُشاء حامضًا وكثرت به القراقر والنفخ والرياح فإن هؤلاء متى لم يدمنوا الشراب نما هضمهم وانطلقت طبائعهم انطلاقًا رطبًا وأداهم ذلك إلى فساد المزاج. وأما الذين تحمى أكبادهم إذا شربوا وإذا امتنعوا منه أيامًا كثيرة لم يجدوا في هضمهم نقصًا ولا اعتراهم النفخ والقراقر ويجدون عند تركهم، أبدنهم أقوى، وحركاتهم أخف فاغتيابهم عنه أفضل، ويؤمر بعد اليوم الذي يشرب فيه الشراب بشرب الماء. ويُسرع بالسكر قلة الطعام وقرب العهد بالحمام وبالتعب وبالمشي المفرط أو شربه على أغذية كثيرة التبخير إلى الرأس كالباقلاء والبصل والثوم أو طعام يكثر فيه الزعفران أو سائر الأفاويه الحارَّة أو البخور العودي الذي يملأ الرأس كالعود والندّ وريح القار أو الكبريت. ومما يُسكر السُّكر القويَّ، الشراب الذي نُقع فيه العود الهندي والسَّعدي والقرنفل، ومن أحبَّ أن يبطئ بالسكر ويستكثر من الشراب فليكن عهده بالنوم الطويل قريبًا، وليأكل من الأغذية اللدنة مقدارًا معتدلًا وما يضادّ الشراب كالكرنب وما اتخذ من الطعام بالحصرم وبحماض الأُترج، ويتنقل باللوز المُرّ. ويشتم الصندل والكافور وماء الورد، ويشرب من الماءِ البارد بين الأقداح إن لم تنضر معدته.
[ ٦٢ ]
ومما يُفيق من السكر تجرُّع الخلّ والشرب منه وصبّ الماء البارد على الرأس والشرب منه. ومما يقطع ريح النبيذ هو السعدى إذا مضغ وابتلع ماؤه والكسفرة الرطبة واليابسة والباقلا والكبابة وشرب الخل والأخذ من حب المسك ومصّ الكرفس والتمضمض بماء الورد وشرب السكنجبين، والشراب المطبوخ أشد إسخانًا وتخفيفًا للبدن، فهو موافق لمن احتاج إلى هذا وكذلك المشمش، إلا أنه ضارٌ لأصحاب الأبدان الملتهبة، يسرع إليهم بالحميَّات ويُسرع بالدم إلى العفونة ويصدِّع بسورته، لكنه نافع من الرياح والنفخ والقراقر وتبلغ حرارته إلى الأعضاء البعيدة بغوصه ولطفه. ويطيب ريح العرق والبول والنجو ولا يضر بالنكهة كالشراب. وأما نبيذ الزبيب فهو أشد لتقوية المعدة وأقل إسخانًا وأكثر غذاء من الشراب. والدم المتولد منه أغلظ وأفرط في الاستحالة إلى السوداء، وأنفع لأصحاب الذرب وضعف المعدة. ومن يلتهب من الشراب فالمطبوخ والعسل يزيده إسخانًا وقوةً وصعودًا إلى الرأس، وهو يُدر البول ويسخن الكُلى والمثانة ويخرج منها الفضول والحجارة ويصلح الصدر والرئة، وأما نبيذ العسل فقويّ الإسخان سريع الاستحالة إلى المرار الأصفر، ضارٌ بصاحب المزاج الحارّ ويصلح للمشايخ والمبلغمين وهو أوفق الأنبذة للذين بهم ضعف العصب، وأضرُّها بأصحاب المعدة والأكباد الحارَّة. وأما النبيذ الذي يطرح فيه اللوز المرّ فإنه يزيده إسخانًا ولطافة ونفوذًا جيدًا لأصحاب السُّدَد في الكبد وعظم الطحال. غير أنه سريع الاستحالة إلى المرار مصدع مورِّث للرمد وأما الرادي فإنه مصدع ليس يجيد للمعدة ويصلح لأصحاب البواسير، وأما ألأفاويه فإنها تزيد النبيذ إسخانًا وتصديعًا وتقوي المعدة وتخففها كالسعدى والمسك والمصطكي والزعفران إلا أنه يصدع وإن كان أكثر في بسط النفس وتفريحها، وإذا أكثر منه حدثت بسببه الرعونة. وأما نبيذ التمر والدوشاب فوخمٌ ثقيل قريب من الماءِ، يولد النفخ والقراقر ويضر بالمعدة والأمعاء، وخيره العتيق وأرداه الطريّ وهو يزيد في أعصاب البدن وإسمانه لحلاوته وكثرة غذائه، وأما نبيذ التين فجيد للصدر والرئة والكلى والمثانة، مسمِّنٌ مخصب للبدن بدفعه للفضول. يولد جربًا وحكةً ويقمّل.
ومن الشراب أبيض وأصفر وأحمر، وبين الصفرة والحمرة، وهو الزيتي، فأبردها الأبيض، وأكثرها إدرارًا للبول وأوفقها للمحرورين وأسخنها الأصفر الناريّ. وأما الأحمر فمعتدلٌ بينهما. وأما الأسود فإنه دون الأصفر في حرارته، وهو أكثر في إخضاب البدن. وأما الشراب الأحمر اللون الطيِّب الريح الذي إلى الحلاوة فأعدل الأشربة وأوفقها للأصحاء والمعتدلي المزاج. [و] العتيق أوفق لمن يحتاج إلى تخفيف بدنه، وأنفع لأصحاب المرة الصفراء من مطبوخه لرطوبة الماء الذي معه. ونبيذ القَنَدْ والعسل ألين وأسهل للطبيعة وأنفع للمرة الصفراء ومن كانت به علةٌ في صدره وكلاه ومثانته فالزبيب والدوشاب غير محمودٍ، وهو يسهل الطبيعة لرطوبته التي خصَّ بها من الماءِ. والزبيب والتمر أكثر فسادًا، وأرادوا ما فيه التمر، والمطبوخ، إذا كان صافيًا تقرب أحواله من أحوال الخَمر، يولد دمًا صحيحًا، فأما العسل المطبوخ بالماءِ فنافع من برد المعدة، ومن الورم البارد فيها، ومن وجعه المتولد من البلغم المانع من شهوة الطعام، نافع من الرطوبة واللقوة وهو لأصحاب الفالج أنفع من النبيذ لقلة تبخره إلى الرأس، ويغدو غذاءًا حسنًا هاضمًا يدر البول، ويجلو الأخلاط الغليظة الرديئة.
وقال حنين بن إسحق في كتاب " الكرمة ": إن عددت ما فيها من الأدوية والأغذية لم أجد في سواها من سائر الشجر ما يشبهها.
[ ٦٣ ]
وقال أرسطاطاليس: إن الذي استخرج القوة التي غيرت ماءَ الكرم حتى صيرته خمرًا يتولد عنها لشرابها الفرح والسرور، قد أتى بشيءٍ تقصر عنه عقول المستنبطين، وقد أتى بما فاق وعلا كلَّ قوة شجرية، ولقد أشرقت الأرض بفعله، وأزهرت بصنيعه لأن نور الخمرة لا يعدله نور من الأنوار الأرضية، وإذا عدَّت المحاسن كلها وجدتها قد كملت فيها فصارت غاية المحبوب ونهاية المطلوب. وكما أنها ملكة الأشجار، صار من يشربها مَلِكًا بها. ومن فضائلها أنها لا تدع الشارب لها من الطرب والفرح والسرور [يكتم] ما يحسن من الملاهي والموسيقى والنغم التي في الخمرة إلاَّ أبداه وأَخرجه، ولو أنه كان زاهدًا من الزهاد، أو عابدًا من العبَّاد. ومن فضائلها أن الذي يميل إليها ويهواها لا يصبر عنها ولا يلهو عن ذكرها ولا يقبل فيها لوم لائم ولا عدل عادل ولا يجد في ملاذ الدنيا ما يكون له عوضًا عنها.
وقال أفلاطون: كم غدرة لأصحاب الشراب إذا ذكروها رجعوا إليها، وكم حلف يمين حنث أصحابها، وكم عهد نُقِض بسببها، وكم كفارة أُديت عنها، لأنه لا صبرَ دونها ولا احتمال على تركها.
وقال اصطفن الرهاوي: على أي شيءٍ نشكر رب الكل ومبدع الأشياءِ، أعلى اصطناعه الخمرة أم على أنه ملكنا إياها وأباحها لنا مع ما أباح من الذهب والفضة، فمن بيم محروم وبين مرزوق، لأن هذه الثلاث معادن بها قوام هذا العالم، والخمرة أفضل الثلاثة لأن الاثنين جوهرٌ للبدن، والخمرة جوهر الروح لأن النفس تتربى بالخمر وتسرُّ بها وتفرح لها، والبدن يتربى بالآخرين ويشربهما ويفرح لهما، والخمرة تستعمل من داخل والجوهر من خارج، والداخل أفضل.
وقال الحكيم في شعره: الخمرة جوهر ذائب، والجوهر خمرة جامدة.
وقال أرسطاطاليس، في كتاب " الكرمة " أيضًا: كلها منافع، لد جاءت الحكمة في أمرها، ودقت العظمة والقدرة في خلقها محضة المنافع، وإن أحدثت مضرة، فإنما ذلك بسوء تدبير من يستعملها بالخروج عن التقدير.
وقال بيلسون: عجبت لمن يأكل ثمرتها إذا بلغت بقصدٍ، ويشرب من خمرتها بقصدٍ كيف يمرض مرضًا عرضيًا أو يألم بأحد الآلام إلا أن يقع في الأمر إفراطٌ في شيء من الأشياء.
واليونانيون يسمون هذه القوة التي تعيد ماء الكرمة خمرًا، القوة المتقدمة في الشرف على جميع الأنوار لأنها أشرف الشجر، وماؤها أشرف المياه لأنها تولد السرور والفرح، ففي خيرها أكون باقي حياتي.
وقال شاعر آخر وذكر الشراب: هو أخو إخوانٍ ونديم ندمانٍ، يشربه أقوامٌ كرام يشاكلونه في الأفعال، يتصاحبون وينزاورون ويتحابون ويتآلفون، لا كأقوامٍ يرون الحسنات مساوئ والمساوئ حسناتٍ، غفران الذنوب طبعٌ لهم، وترك الأحقاد سنةً لهم، لا يتجاوزون طبعهم ولا يتركون سنَّتهم، الحسنة الصغيرة عندهم عظيمة، والسيئة العظيمة عندهم صغيرة مغفورة. وهذا بكلام اليونانيين شعر موزون.
وقال لبيروس: يُنتقد بالخمرة الناس، فيعرف الزائف منهم والمغشوش كالحجر اليذ يُحلُّ به الذهب فيعرف خالصُهُ من مغشوشه، كذلك الخمر في الأشربة إن عُدَّت فيما يطرب النفس وينشر السرور والفرح ويسليّ الأفكار الرديئة كانت حقيقة بذلك، وإن عُدَّت فيما يُزيل الهموم ويذهب الغموم اجتمع ذلك فيها، وإن قلنا إنها تنشط الكسلان وتروي العطشان وتشجع الجبان وتسخِّي البخيل، فيعطي الجزيل ويراه نزرًا قليلًا، وتعزِّي عن المصائب وتسلي عن العشق المبرح، ولولاها لم تعمل الملاهي، ولكانت الأحزان والهموم دائمة لا تبرح، لكنها تزيلها وتذهب بها وتبدلها بأضدادها.
وقالت فيها طريطاوس الشاعرة: الشراب معدن اللذات وجالب المسرات، يُطيب النفوس ويصرف البوس ويُعفي على النحوس، ويُولد طرب الجليس ويشد القلب ويُزيل الكرب، ويُذكي الأذهان ويغسل الأدران، ويُنير البصر ويُصفي الكبد ويغرس العلوم ويُوفر الحلوم إذا كان بقصدٍ واعتدالٍ، وإذا جتاوز الحد، وزاد، عادت أفعاله إلى الأضداد.
وقال جالينوس: لولاه لما تمازجت الأدوية المختلفات، ولولا وقوعه في الدرياق الكبير لما صار الرئيس على سائر المعجونات.
[ ٦٤ ]
وأما منافع الكرمة على مذاهب الأطباء فإن الغالب على عروقها التي في الأرض طبائع البرودة واليبوسة فمتى جُففت في الظل وسحقت ونثرت على المواضع العميقات من الخراجات، أنبتت فيها اللحم بسرعة، وهي تنشف الرطوبات التي في الجراحات العظام وتلحم قطع السيف والسكين، ومتى نثرت على المواقع التي فيها الشوك من البدن جذبته وأخرجته. ومن منافعها الكبرى أنها إذا نثرت على الإحليل المختون أبرأته في الوقت ولم تقلع إلا بالبرء، وقشور هذه العروق إذا طرحت مع أدوية الحقنة وطبخت معها وحُقن بها أسهلت للوقت وأبرأت من القولنج، وإذا شربت نفعت من المغس الشديد، وإذا احتملت مسحوقة بدهن الورد حبست الدم من المقعدة، وأما حطب الكرم فإنه إذا أحرق وسحق من رماده درهم في كل يوم مع درهم خل خمرٍ سبعة أيام نفع منفعة عظيمة في تفتيته الحصى الكائنة في المثانة ونفع من المغس وسكَّنه، وإذا أخذ عوده الرقيق الملتف وشُرب منه كلَّ يوم خمسة دراهم سبعة أيام نفع نفث الدم من الصدر، وإن كان من الرئة لم ينفعه، وبه يفرق بينهما، وإذا دُقَّ بعد جفافه وسحق وعجن بماءِ الورد وطلي على الأورام وبخاصة في الأرنبتين وتحت الإبطين حللهما وأبراهما وإن كانت رياحية لم يعمل فيها، وإذا أخذت أطراف ورقة الغصن وجففت وسُحقت وأُخذ منها وزن ثلاثة دراهم في كل يوم مع مثلها سكر نفع من القروح الكائنة في الصدر منفعة عظيمة، ومتى دُقَّ واستخرج ماؤه بالعسل وخل الخمر وطُلي منه بالحمام فتَّح المسام وسمَّن البدن وقوَّاه ومنع من البثور والقروح التي تخرج من الجلد، وأما ورقه اليابس فإذا دقَّ وسحق وغُسل به الرأس مع الخطمي وخل الخمر أذهب الإبرية والحزاز من الشعر وقوىّ أُصوله وإذا دق ونُثر على السعفة بعد أن يندَّى بالخمر العتيق مرارًا سكن ضربانها ومنعها من التزيُّد والترقي،. وإذا نثر على السعفة وقطع عنها بالكليَّة بعد ذلك نزيدت السَّعْفة وعظمت فصار داءً بعد أن كان دواءً، ومضرةً بعد أن كان منفعة. وأما الحصرم فإذا دُقَّ وعُصر ماؤه وطبخ إلى أن يبقى منه النصف وجفف في إناء في الظل وقُرِّص وجُفف أيضًا ورُفع فيحك منه على المسن بماءٍ وتكحل بع العين الجربة فإنه يذهب الجرب في مدة قريبة. وإذا عجن بمائه الأُشنان الأبيض، كانت المنفعة فيه سريعة. وإذا جعل منه جزءٌ في التوتيا جلا البصر وقواه قوة عجيبة.
قال أبقراط: ومما يخص به الشراب من المسامع أنه يذكي الذهن تذكية عجيبة إذا شرب بمقدار ويسدّد الرأي ويدل على الصواب ويغسل الأدران والأوساخ التي في بطون الدماغ ويقوي المسامع ويفتح السُّدد ويصفي الكدر الذي يحدث في العصبتين المجوفتين اللتين يخرج منهما النور من الدماغ إلى العينين ويقويّ البصر ويحفظه ويجوّد النظر ويبقيه مدة طويلة لا يتغير، ويظف ما بين الدماغ والأنف حتى يشُمَّ الأشياء بسرعةٍ وجودة ويقوي اللسان وعصَبَه، ويغسلُ اللهوات فيذوق الإنسان الأشياء بجودةٍ ويميز بينها وبين غيرها، فهو يحفظ البصر والشمَّ والسمع والمذاق. ومنها أنه يقوي سائر الأعضاء ويشدها ويقويِّ الحفظ ويذهب بالنسيان ويغسل الأوساخ الرطبة والأدران اللزجة التي قد سدَّت أوعية المنيّ ومنعته من الخروج إلى الأُنثيين فيمتنع الرجل من الجماع فيقول من لا بصر له، إنه مربوط من السحر، وإذا انفتحت الطرق المسدودة جرى المنيُّ وعاد الجماع إلى حاله. وإذا استعمل الرجل في كل يوم ثلاث أواقٍ منه مع ثلاثة أمثاله لبن حليب غنميّ شهرًا عمل له منيًا كثيرًا غزيرًا، والمولود الذي يتولد من هذا المنيِّ يخرج جميلًا نقي البياض حسن اللون رطب البدن حسن الصورة تام القد.
[ ٦٥ ]
ومن منافعه أنه يسلس اللسان الثقيل من البلغم إذا شرب منه كل يوم أوقيتين على الرِّيق بوزن درهم دار صيني مسحوق، سبعة أيام، ويُقطع عنه أربعة عشر يومًا، يفعل ذلك إلى أن يبرأ، وإذا أدمن الاستنجاء به أصحاب البواسير نفعها ودملها وذهب الصفار من وجوه أصحابها. ومن منافعه أنه يقوي المعدة، ويسُدُّ خَمَلها ويحفظ القوى الأربع التي فيها: الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة، ويجلو الرطوبات الراكدة المفسدة من سائر البدن، وإذا غسلت به الجراحات، أذهبت الأدران والأوساخ منها، وإذا نام الإنسان عليه من غير سكر نعم البدن وسمَّنه وحسنَّ اللون. ويجلو الطحال من الأخلاط العكِرة، ويغسل الأمعاء من بقايا الأدوية المسهلة إذا شُرب مفتَّرًا ممزوجًا.
ومنها أن البدن يغتذي به غذاءً محمودًا ويزيد في أفكاره وقوته، ومنها أنه يبرئ الأسقام الطويلة المزمنة، ويُحسِّنُ الخلقَ السيِّئ الشديد. ومنها أنه ينفع من الحمى الرِّبع الطويلة إذا شُرب منه في كل يوم الشيء اليسير الخفيف مقدار خمسة دراهم بالماء، وهو مع ذلك يسهّل سلوك الماء ويُنفذه إلى الأعضاء التي قد جفَّت من الحمّى، ويرطبها إذا كُسر بالماء، تكون واحدة شرابًا وخمسة ماءً، [فإنه] ينفع صاحب حمّى يومين الحادثة من الأرق والسهرِ، يرطبه ويصيره إلى النوم، وكذلك الحمّى المتولدة من الحرِّ والغضب لأنه يصير إلى الرضى والسرور، وينفع من الغثيان الدائم إذا شُرب بالماء الحار وألقي فيه شيء من الخل الخمر، لأنه إن كان من مرار أحدره إلى أسفل، وإن كان من بلغم أثاره إلى فوق، وأصحاب الوسواس السوداوية إذا سُقوا منه وأُسمعوا الألحان والملاهي، ويكون ممزوجًا، فإن ذلك يرطب من يبس أدمغتهم ويسكِّن من كثرة كلامهم وينومهم. ومنها أنه يثير الرارة الغريزية وينبهها حتى تدور في البدن، ومنها أنه يشدُّ القوى انفسانية التي بها تقوى الحواس والأعضاء، وتحدث النشاط، وجملة الأمر في الشراب، أنه إذا شرب على هدوءٍ وسكون ومع من يُحب أن يشرب معه وبمقدار كان الدواء أقرب منه إلى الداء.
[ ٦٦ ]
وأما أبو بكر محمد بن زكريا الرازي فإنه قال: منافع الشراب المتخذ من العنب كثيرة، منها أنه يمد الحرارة الغريزية وينميها وينشرها ي جميع أقطار البدن بأوفق وأنفذ وأسرع وأصلح من جميع ما يعرف من الأغذية، ومنها أنه يدفع ضرر السموم التي حاصتها تجميد الدم وإطفاء الحرارة الغريزية كنَهَش الأفاعي ولدغ العقارب وأكل الأفيون وما أشبه ذلك، فهو كأنه مادة متهيئة موافقة لإنماء الحرارة الغريزية التي بها قوام الحيوان وله مع ذلك ما ليس لشيءٍ من الأغذية من طرد الفِكر الباطنة وبسط النفس وانشراحها حتى أنه من أعظم علاج للماليخوليا إذا استعمل ما ينبغي، وهو سبب لجلب النوم وجودة الهضم وتوليد الدم الغريزي وإخصابه البدن وتحسينه اللون ورفع اليبس والذبول والهرم، ومع ذلك يفتح السُّدد والمجاري وينفذ الفضول حتى يبرز من البدن بسهولة النجو والبول والعرق، ويقوي المعدة ويسخنها ويسخِّن الكبد ويمنع من عظم الطحال ويلطفه ويدفع المرار الأصفر في البول ويكسر عادية ما تبقى منه في البطن والكبد وحتى لا تكون له حدة ولا رداءة مفرطة، وذلك إذا أكثر مزاجه وأغب شربه، وأعظم منافعه في شرب القدر من غير إفراط فيه، فإن الإسراف منه يضر بالدماغ والعصب ويوقع السكتة والفالج والرعشة وربما وقع في الهذيان والوسواس، وإدمانه ربما أحمى الكبد وللد فيها الورم وأورث الحميّات الحادَّة والصُّداع والرمد والخراجات والأورام والشوصة ونحو ذلك من الأمراض التي تحدث من حِدَّة الدم أو كثرته، وذلك أن الشراب بالجملة يزيد في الدم وحِدَّته لا سيما إذا كان المزاج متهيئًا لذلك؛ ويحتاج إلى الشراب ضرورة من إذا لم يشربه أبطأ هضمه وتجشأ جُشاءً حامضًا وقلَّت شهوته للغذاء، ومن إذا شرب الماء ثقل عليه بدنه وثقل الطعام في معدته وكثر النفخ والقراقر في بطنه، فمثل هذا متى أمسك عن الشراب وقع في الأمراض الباردة. وأحوج الناس إلى استعمال الشراب الشيوخُ، وذلك أن أبدانهم تبرد وتجفّ، فالشراب يسخنها ويرطبها، ونومهم قليل، فالشراب ينعشهم ويذهب الحكة التي تعتري الشيوخ في أجسادهم بتوسيعه مسامهم وترقيقه لجلودهم ويجود هضمهم ويُمسك الهَرَم أن يسرع إليهم ويدفع عنهم النزلة والبحوحة والزكان والسعال الذي لا يزال يعتريهم، وينشطهم ويبسط من أنفسهم وهم بالجملة أحوج الناس إليه وأكثرهم سلامة عليه، ويتلوهم في الحاجة إلى الشراب الكهول. فأما الشباب فأقل حاجةً إلى الشراب لا سيما من كان منهم حار المزاج ملتهبًا فإنه يزيد في سخونة بدنه ويحمي كبده ويسقط قوته، والماء أوفق لهؤلاء من الشراب.
[ ٦٧ ]
وأما الصبيان فليس يحتاجون إليه وخاصةً من كان منهم حسن اللحم سريع النمو وقد يحتاج إليه منهم من كان بضدِّ ما وصفنا فيُسقي المائي القليل السِّورة. فأما الحاجة إلى الشراب بحسب الأزمان فإنه ينبغي أن يكون شرب الشراب في آخر الربيع والصيف كلّه على أقل ما يمكن وليختر رقيقه وليكثر مزاجه في صميم الحرارة وشدة الصيف وليتنقل عليه الفواكه الحامضة ويستعمل السكنجبين الساذج الحامض بعد الإفاقة منه، وينبغي إلا يسكر في هذا الزمان فإن ذلك مخوفٌ جالبٌ للأمراض الحارة، وبقدر كثرة شربه في الصيف والتعرض للشمس يقع في الحميّات، فإذا جاء الخريف فينبغي أن يستعمل العتيق منه ممزوجًا، ويختار من الحديث أرقه، فإذا جاء الشتاء فليكن الشراب أقوى ويُستعمل صرفًا ويكون أكثر مقدارارً وأطول زمانًا مما يستعمل في أكثر الأزمان، فإن الأبدان تحتمل منه في ذلك الزمان ما لا تحتمل في غيره، وليس للخمار فيه سورة عظيمة، بل كثيرًا ما ينتفع به لأن الخمار في الشتاء دواءٌ وفي الصيف داءٌ، والبدن النحيف أحوج الأبدان إليه إذا أكثروا المزاج ويجتنبون القويَّ والصِّرف من الشراب، وينبغي أن يُجتنب الشراب بعد الخروج من الحمام وبعد التعب بساعتين وأكثر، وبعقب كثرة الجماع وطول السهر وإفراط الإسهال، فإن احتاج إليه فليكن القليل منه ولا يبلغ السكر، ويستعمل بعقب الإمتلاء من العسل والرطب أو غذاءٍ حادٍّ حريّف يُسرع النفوذ إلى الكبد، وأوفق أحواله إذا كان البدن ساكنًا هادئًا في حركاته الجسدانية وهمومه النفسانية، وفي حال نشاط النفس وانشراحها وتشوقها إليه، وينبغي أن يشرب المحرورون والشباب في الأزمنة الحارة على الأطعمة الباردة الحامضة كالتي تتخذ من ماء الحصرم وماء الرمان والكباجة ونحوها، مع لدونة ودسمٍ، وأما في الشتاء للمبرودين، فالأغذية التي فيها أدنى حرارة كالمغمومة الكثيرة البصل، والمطجنات بالزيت والمريّ ونحوه، [و] لا ينبغي أن يشرب على طعام عديم الدَّسم، كمن يقتصر على الخبز والزيتون والكوامخ والسمك المالح ونحوها فإن ذلك رديء يودع العروق أخلاطًا مفسدة وأضر ما يكون هذا بأصحاب الأبدان النحيفة، وأنفع النَّقل للمحرورين السفرجل والتفاح المزّ، وإن كان حار الكبد فالرّمان الحامض وحُماض الأُترج، وأما أصحاب الأبدان المعتدلة الخصيبة فالرمان الحلو والسكر الطبرزد باللوز المقشر، وأما الشيوخ والمبرودون فالفستق والصنوبر وبذر الكتان والسمسم المقلو وما أشبه ذلك.
[ ٦٨ ]
والجماع على الشراب مؤذٍ في أكثر الأحوال، وأعظم ضرره أن يعتريه النقرس وأوجاع المفاصل والظهر والكلى. ومن كان ضعيف العصب جلب عليه التشنج، وقد ضرره بقدر بطء إنزاله وإجهاده نفه. وهو أقل ضررًا بالقويِّ العصب، الصلب اللحم إذا لم يكن إنزاله بحركةٍ شديدةٍ أو طويلة، ولم ولم يكن في نهاية السكر، والبطن يتخضخض بما فيه، والجماع في تناول شيءٍ من الشراب وخفةٍ من البطن ليس بضائر، وأما الزبيب فطبعه الحرارة واليبوسة لأن الزمان قد أفنى أكثر رطوبته ولم يترك منها إلا الشيء القليل وفيه عشر منافع تغذو البدن غذاءً أجود من غذاء سائر الأشياء الحلوة ويقويّ المعدة ويشدها وينشف الرطوبات من المعدة، المنحدرة إليها من الرأس، ويمنع من سرعة الشيب ومن اجتماع البلغم في موضعٍ من البدن وإذا أُكل بحبه أسمن البدن وإذا أُكل بغير حبه عدل الطبيعة وأصلح مزاج البدن لأنه يحدث الرطوبات المفرطة فيه ويحمي البرودة الزائدة التي فيه، والمدمن عليه لا تناله الأمراض بسرعة بل تندفع أبدًا عنه وهو يعدّ في الأغذية الدوابية والأدوية الغذائية، وهو أوفق من العسل في كثير من المعجونات إذا أخرج حبُّهُ، والشراب الذي يتخذ منه فيه منافع كثيرة، وأما العنب فهو على الجملة خير من الفاكهة كلها، لا مضرة فيه ولا أذى إذا بلغ في شجرة وهو يغذي البدن غذاءً محمودًا ويزيد في لحمه وشحمه لا سيما ما كان منه صادق الحلاوة يعدِّلُ الطبيعة ويبيض اللون ويوَرِّده ويزيد في المنّي ويُنهض إلى الجماع بقوة، ويزيد في شحوم النساء ولحومهن وينعِّم أبدانهن ويصفيها من الأدران ويذهب النمش والكلف من وجوههن، وإن أكلته الحوامل وأدمن عليه خرج الولد في نهاية ما يكون من السِّمن والبياض، ويكون قليل الأمراض قليل البكاء قليل الجدري والحصباء ويحفظ الصحة على الأصحاء. وهو غذاءٌ موافق للناس كلهم ومن أدمن على أكله قام له مقام الخبز واللحم وهو أجود كل غذاء يخرجه الشجر لأنه وحده الراكب والشجر بين يديه يمشون رجاله حفاةً كعلو الإنسان على سائر الحيوان، وليست على الجملة، فيه مضرة إلا أن خرج من الإكثار منه عن الحد.
قد أَثبتُّ لك أعزك الله من قول الفلاسفة والحكماء بعض ما شرطته لك في أول هذا الكتاب وقصد الصواب إن شاء الله تعالى.