قال الشماخ:
وحلأَّها عن ذى الأراكةِ عامرٌ أخو الخضرِ يرمى حيث تكون النَّواحزُ
القول في حيث أن موضعه نصب بأنه مفعول به، ألا ترى أنه ليس يريد أنه يرمى في ذلك المكان، وإنما يريد أنه يرميه، فهو مفعول به، وإذا كان مفعولًا به، كان اسمًا، ولم يكن ظرفًا، ويبين ذلك قوله:
وأعلا حيثُ ركِّبنَ أعجفُ
فالإضافة يخرج بها المضاف إليه عن أن يكون ظرفًا، فيكون اسمًا، وأنشد بعض البغداديين:
يهزُ الهرانعَ همُّه عقدُ الخصىَ بأذلِّ حيث يكونُ منْ يتذلَّلُ
[ ١٧٨ ]
فزعم أن حيث يكون اسمًا. والقول في ذلك أن أفعل لا يضاف إلا إلى ما هو بعضه، فإذا كان كذا فإنه يراد به الموضع؛ لأنه مضاف إلى مواضع.
وجاز أن يراد بحيث الكثرة؛ لإبهامها، كما تقول: أفضل رجل، فكذلك لما أضاف أذل صار كأنه قال: بأذل موضع.
فحيث: موضع، ولا يجوز مع الإضافة إليها أن تكون ظرفًا، كقولك:
يا سارق الليلة أهل الدار.
وقد حكى قطرب فيها الإعراب. ومما جاء فيه حيث مفعولًا به قوله: (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) ألا ترى أن حيث لا تخلو من أن تكون جرًا أو نصبًا؛
[ ١٧٩ ]
فلا يجوز أن تكون جرًا؛ لأنه يلزم أن يضاف إليه أفعل، وأفعل إنما يضاف إلى ما هو بعض له، وهذا لا يجوز في هذا الموضع، فلا يجوز أن يكون جرًا، وإذا لم يكنه، كان نصبًا بشيء دل عليه، يعلم أنه فعول به، والمعنى: الله يعلم مكان
رسالاته، وأهل رسالته، فهو إذًا اسم أيضًا، وقد أنشد بعض البغدايين:
كأنَّ منها حيثُ تلوى المنطقا حقفاَ نقًا مالًا على حقفىْ نقا
هذا أنشدوه، وقال: جعل حيث اسمًا.
فإن قلت: إن حيث إنما جاء اسمًا في الشعر، وقد يجوز أن تجعل الظروف أسماء في الشعر.
فالقول: أن ذلك قد جاء اسمًا في غير شعر، نحو ما حكيناه عن قطرب، وقد حكى أحمد بن يحيى، عن بعض أصحابه، أنهم قالوا: هي أحسن الناس حيث نظر ناظر يعنى الوجه، فهذا قد جاء في الكلام، وقد أنشد الكسائى:
أما ترى حيثُ سهيلٍ طالعا
[ ١٨٠ ]
فجعله اسمًا.
فإن قال قائل: إذا كان اسمًا، فلم لا يعرب، لزواله عن أن يكون ظرفًا؟
قيل: كونه اسمًا لا يوجب خروجه عن البناء؛ ألا ترى أن منذ حرف، فإذا استعلمت اسمًا، في نحو، مذيومان لم تخرج عن البناء، وكذلك على، وعن إذا قلت: من عن يمين الخط، وكذلك قول:
غدت من عليه
كذلك كم بنيت في الاستعهام، فإذا صارت خبرًا بقيت على بنائها، وكذلك حيث إذا صاؤت اسمًا.
فأما موضع يكون
في قول:
بأذلِّ حيثُ يكونُ من يتذلَّل
فجر، بأنه صفة حيث، كأنه: بأذل موضع يكونه، أي يكون فيه، فحذف الحرف، وأوصل الفعل، وليس يجر لإضافة حيث إليه؛ لأن حيث إنما تضاف إلى الفعل،
إذا كان ظرفًا، فإذا لم يكن ظرفًا لم ينبغ أن يضاف إلى الفعل، وليس حيث في البيت بظرف.
وإنما لم يعرب من لم يعربه؛ لأنه جعله بمنزلة ما ومن في أنهما لم يعربا إذا وصفا، وكانا نكرتين، وذاك أن الإضافة في حيث كانت للتخصيص، كما أن الصفة كذلك، فلما جعل اسمًا، ولم يضف، وصار لزوم الصفة له للتخصيص، بمنزلة لزوم الصلة للتخصيص، فضارع حال الوصف حال الإضافة.
[ ١٨١ ]
وقد زعم أبو الحسن أن حيث قد يكون اسمًا للزمان، وأنشد:
للفتى عقلٌ يعيشُ بهِ حيثُ تهدى ساقه قدمهْ
فجعل حيث حينًا.
فإن قلت: فهل يجوز هذا أن تكون موضع الجملة بعد حيث جرًا لإضافة حيث إليه، كما تضاف أسماء الزمان إلى الجمل؟
فإن ذلك لا يمتنع فيه، إذا كان زمانًا، ولو جعلت حيث في قوله: بأذل حيث يكون زمانًا، لم يسهل؛ لأن أفعل هذا بعض ما يضاف إليه، وإذا قلت: هذا أذل رجل، فالمعنى: هذا رجل ذليل، ولا يكاد يقال: زمان ليل، كما يقال: موضع ذليل ألا ترى أن الأماكن قد وصفت بالعز، فإذا جاز وصفها بالعز، جاز وصفها بخلاقه، فمما جاء مما وصف بالعز، قولهم: تمرد ما رد وعز الأبلق. ويدلك على أن الأبلق موضع، قول الأعشى:
بالأبلقِ الفردِ من تيماَء منزلهُ حصنٌ حصينٌ وجارٌ غيرُ غدَّارِ
وقال:
أنوفهمُ أذلُّ من السِّراطِ
[ ١٨٢ ]
وقال:
ترى الأكمَ فيها سجَّدًا للحوافرِ
ولا تكاد تسمع وصف الزمان بالذل، كما تسمعه في المكان.
فلا يجوز إذًا أن يكون موضع يكون جرًا بأنه صفة حيث، ويجعل حيث اسم زمان.
فأما قوله تعالى: (هُوَ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا)، فالمعنى فيه خلاف الصعوبة، كقوله: (وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا)، وقوله: (الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا).
فإن قلت: حين ذليل، على معنى أن الذي فيه ذليل، كما قلت: ليل نائم، تريد: الذي فيه نائم، فهو قياس.
فأما قول المحدث: ذل الزمان لهم، فليس ذلك من الذل الذي هو الهوان،
[ ١٨٣ ]
ولكن انقياد ما يريدونه لهم [فيه]، وانتقاء اعتياصه عليهم، وما في التنزيل من قوله سبحانه: (أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) فهو ذل التواضع، الذي يقتضيه الدين، وترك الباو والنخوة، لا ذل الهوان، وفي الحديث: مثل المؤمن كمثل الجمل الأنف أي المنقاد.
[ ١٨٤ ]
وأما قوله:
همُ أنشبوا زرق القنا في نحورهم وبيضًا تقيضُ البيضَ من حيثُ طائرهْ
فالمعنى: من حيث فرخه، والدماغ يقال له: الفرخ، فوضع الفرخ لأنه هو في المعنى، وحرف لإقامة القافية، كما حرفوا لإقامة الوزن، في نحو قوله:
ربَّ مسقىَّ بغيلى أسدٍ قد تقدَّمت بفَّراط السَّبا
فوضع الغيلين موضع الذراعين وأنشدنا على بن سليمان:
كأنَّ نزو فراخ الهام بينهمُ نزوُ القلاتِ زهاها قالُ قالينا
ومما حرف قوله:
وقاَء عليه الليثُ أفلاذَ كبدهِ وكهَّلهُ قلدٌ من البطنِ مردمُ
وأنشدنا أبو الحسن علي بن سليمان:
[ ١٨٥ ]
بني ربَّ الجوادِ فلا تفيلوا فما أنتمْ فنعذركم لفيل
قال: يريد ربيعة الفرس.
وقال: طائره فأضاف الطائر إلى ضمير البيض، لأنه ملتبس به، كما أضاف الإناء إلى الشارب منه، لا لتباسه به، من أجل سربه منه، في قوله:
إذا قال قدنى قلتُ بالله حلفةً لتعنى عنَّى ذا إنائكَ أجمعا
[ ١٨٦ ]
هكذا أنشدوه أبو الحسن، وانشده احمد بن يحيى: لتغنن عني.
وحيث في الأمر الشائع يضاف إلى جملة، فإذا كان كذلك، فيخبر المبتدأ محذوف، كأنه [قال]: بحيث طائره حال، أو ثابت.
ومثل قوله: من حيث طائره في التحريف، ووضع الطائر موضع الفرخ، قول الآخر:
حدوا بأبي أمَّ الرَّئالِ فأجفلت نعامتهُ عن عارضٍ متلهَّبِ
أبو أم الرئال: أراد قطريا، وكنيته أبو نعامة، فوضع أم الرئال موضع نعامة.
فأما قوله: فاجفلت نعامته فقال: أجفلت، وقل ما يستعمل: أجفلت، ولكن قد قال الآخر:
دعاهُ ضاحباهُ حين خفَّتْ نعامتهمْ وقد حفزَ القلوبُ
وقال آخر:
وقلت لنفسي بعدما زفَّ رألها رويدكِ لمَّا تشفقى حينَ مشفق
[ ١٨٧ ]
وقال آخر:
تلقى خصاصه بيننا أرماحنا شالتْ نعامةُ أيَّنا لم يفعلِ
وقد قيل في قوله: خفت نعامتهم أي تفرقوا، فمشوا على أقدامهم، وعلى هذا قوله:
وابنا نعامة عند ذلك مركبي
وقيل: إن باطن القدم يسمى النعامة، وقيل أيضًا: شالت نعامتهم: أي أجفلوا، كما أجفلت النعامة، وقالوا: طار طير فلان: إذا غضب وخف، قال:
[ ١٨٨ ]
فلما أتانى ما يقول تطايرتْ عصافيرُ رأسي وانتشيتُ من الخمرِ
وأما قول البعيث:
أبوك عطاءٌ ألأمُ الناسِ كلَّهم
فإنه يجوز أن يكون حرف عطية، وقال فيه: عطاء، وقد قيل: إن عمه كان اسمه عطاء، فيجوز أن يكون جعل العم أبًا، كما روى عن النبي ﵌، في العباس، رضوان الله عليه: ردوا على أبي وفي التنزيل: (إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا) وإسحاق عم.
[ ١٨٩ ]
وقوله:
همُ أنشبوا زرقَ القنا
تقديره: زرق أسنة القنا، ألا ترى أن الزرقة [إنما] توصف بها الأسنة دون الرماح، لأن الرماح توصف بالسمرة، كقوله:
وأسمرَ خطَّياَّ كانَّ كعوبه نوى القسبِ قد أربى ذراعًا على العشرِ
وقال:
وفي صدره أظمى كانَّ كعوبه نوى القسب عرَّاصُ المهزَّةِ أزبرُ
أظمى: أسمر، رجلٌ أظمى، وامرأة ظمياءُ: إذا كانا أسمرين.
ومما وصف فيه السنان بالزرقة قوله:
وزرقٍ كستهنَّ الأسنَّةُ هبوةً أرقٌّ من الماءِ الزُّلالِ كليلها
واحد الأسنة: سنان، وهي المسان التي توقع بها الأسنة، مثل قوله: كستهن الأسنة هبوة قول الآخر:
دلفتُ لها بأبيضَ مشرفىَّ كأنَّ على مواقعهِ غبارا
[ ١٩٠ ]
وكذلك كل أبيض شديد البياض، يوصف بالزرقة، وعلى هذا قال في صفة الماء:
فلمَّا وردنَ الماَء زرقًا جمامهُ وضعنَ عصىَّ الحاضرِ المتخَّيمِ
وقد يجوز أن يكون قوله:
همُ أنشبوا زرق القنا
على إقامة الصفة مقام الموصوف، أراد الزججة الزرق، فحذف الموصوف، وأضافها إلى القنا، كما يضيف إليها الموصوف.
[ ١٩١ ]
باب من