قال الشاعر:
وكأنّها بالجزع جزعِ نبايعٍ وألاتِ ذي العرجاء نهبٌ مجمعُ
قال أبو عبيدة: ألاتٌ: واحدها ذاتٌ.
إن سأل سائل عن وزن أُلات.
فالقول فيه أنّ العين منها لا تخلو من أن تكون ساكنةً أو متحركةً.
فإن قلت: لم لا تقول إنها ساكنةٌ، لأن السكون الأصل، والحركة زائدةٌ، فلا يحكم بها إلا بدلالةٍ، ولا دلالة هنا؛ ألا ترى أنه يجوز أن تكون مثل ثباتٍ، وقلاتٍ، وتكون اللام محذوفةً.
فالقول أن الدلالة على أن العين متحركةٌ، أن آخرها ألفٌ، وإذا كان الآخر ألفًا، ثبت أن العين متحركةٌ؛ لأن اللام لم تنقلب ألفًا إلا لتحرك ما قبلها.
[ ١٦٣ ]
والدلالة على أن تحرّك العين هنا يوجبُ انقلابَ اللام ألفًا، كما يجب ذلك فيما تمكن في الأسماء، مثل هدىً، ولغىً، فلما وقعت على الصورة الموجبة للقلب في هذه الأسماء المنقلبة، انقلبت، كما لما وقعت الواو، في ذات مالٍ، متحركة بين متحركين، انقلبت، فاللام من أُلاتٍ، كالعين في ذاتٍ، في انقلابهما.
والدلالة على أن الآخر من قولنا: ألاتٌ، ألفٌ، وأنها قد حذفت: أنها بمنزلة نظيرها الذي هو ذواتٌ، فكما حذفت اللام هنا، كذلك حذفت من ألات، لأنها بمعناها، كما أجرى يذر مجرى يدع. وقد اتفقا في لزوم الإضافة إليهما، فجريا لذلك مجرى ما لم يتمكن، مثل هيهات، فيمن كسر التاء، ألا ترى أن من فتح التاء، فقال: هيهاة، فقياس قولهم أن الكلمة من مضاعف الياء، وأن اللام المنقلبة عن الياء، قد حذفت مع ألف الجمع في هيهات، فكذلك حذفت من ألات وذواتٍ.
فإن قال قائل: إذا كان أُلاتٌ، على ما ذكرته، فهو فعلق، فما باله إذا جمع بالواو
[ ١٦٤ ]
والنون، قالوا في جمعه: ألون، و(نَحْنُ أُوْلُو قُوّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ)، ولو كان كما وصفت لوجب أن يكون مثل مثنون، ومعلون.
فالقول في ذلك: أنه لما جُمع جمع المؤنث، فأجرى مجرى الجمع الذي بمعناه، فيما ذكرنا، كذلك أجرى جمع المذكر مجرى جمع المذكر، في أن كسر العين فيها، فقيل: ألين، كما قيل: ذوين، وقال:
فلا أعنى بذلك أسفليكم ولكنّي أريد به الذّوينا
فكما كسر العينُ من الذوينَ، وكان حقها أن تفتح؛ لأن ذوينا جمع ذوًا، وقد ثبت ب (ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ) أن العين مفتوحة، كذلك كسرت العين من ألين وكان حقها الفتح في نحو قوله:
ظعائن من بني الحلاّف تأوي إلى خرسٍ نواطق كالفتينا
وكما قال:
لا فصافصُ في كبينا
[ ١٦٥ ]
وكما كسروا المفتوح في هذه المواضع، كذلك فتحوا المكسور، فيما حكاه أبو زيد، في قوله: مقتوينٌ، وإنما ذلك لتقارب الحركتين، كما تقدم.
وقد يجوز في ألاتٍ، وهو أن يكون الآخر من أُل ياء، وحذفت الياء مع الألف والتاء، كما حذفت الياء من الذي، مع ألف التثنية، في قولهم: اللذان.
فإن قلت: فإنّ هذا يلزم منه أن يكون الاسم على فعل، وفعلٌ ليس في أبنية الأسماء، مفردها ولا جمعها.
فالقول: أنه يجوز أن يكون كثن، وموقٍ، لا أن أصل البناء الكسر، فانفتحت اللام، التي هي عينٌ، لمجاورة الألف، لا لأنه في الأصل كانت مفتوحةً، ويقوي ذلك قولهم: أُلون، ولو كان على الوجه الأول، لكانت العين التي هي لامٌ مفتوحة.
ويجوز في كسر العين من الذّوينا وجه آخر، وهو أن تكون العين منه أتبع اللام، كما أتبع الفاء العين، ألا ترى أنك تقول: ذو مالٍ، فتتبع الفاء العين، وكذلك ذات مالٍ، فتتبع الفاء الحركة التي كانت تجب للألف، وكذلك تتبع العين التي هي واو، الحركة
[ ١٦٦ ]
التي كانت تجب للياء التي حذفتها في ذوين كما حذفتها من عمين.
ونظير ذلك قولهم: كسرت فيّ، أتبعت الفاء التي هي فاءٌ، الحركة التي كانت تجب للياء المنقلبة عن الواو، التي هي عين فمٍ.
فإن قلت: أفتجد شيئًا من هذه الأشياء التي يسميها قومٌ، المعربة من مكانين قد أتبع
في موضعين، مرة أتبع الفاء العين، ومرة أتبع العين اللام، حتى يجوز ما قدرته من هذا التقدير، في الذوينا.
قلنا: قد أرينا ذلك في امرئ، والمرء قد اتبعا من موضعين أيضًا. وفي هذا الجمع شيء آخر، وهو أن عامة هذه الجموع، إذا جاء من غير ألفاظ أحادها، لم يجمع نحو رجل وقوم، وامرأة ونساء، وشاةٍ وشاء، وجمل وجامل، وألو وألات، جمع ذا وذوات، على هذا الحد وقد جمع بالألف والتاء والواو والنون، وقد قالوا: نسوة ونساء، فكأنهم لما استجازوا تكسيره في نساء، كذلك استجازوا جمعه بالواو والنون، والألف والتاء.
وحكى بعض البغداديين، أن من الناس من يعيب على الكميت قوله: الذوينا، ووجه العيب عندي أنه أفرد ما قد لزمته الإضافة ولم يفرد، وكأنه أفرده، لأن الإضافة لما كانت قد لزمته، علم أنه وإن أفرد، كان المراد به الإضافة، كما أن كلا كذلك، والقياس
[ ١٦٧ ]
فيه ألا يفرد ولا يوصف، كما لم يوصف كل إذا أفرد، ولم يوصف به، كما لم يوصف بكل محذوفًا وهذا يدل على جواز دخول الألف واللام، في كل.
وإنما يريد بالذوينا، ملوك اليمن، كذي يزن، وذي رعين، ونحو أسمائهم هذه.
[ ١٦٨ ]