كما أن كلا اسم مفرد دال على الجمع
قال جرير:
ولو شاءت أمامهُ قد نفعنا بعذبٍ باردٍ يشفي الأواما
كلا يومىْ أمامةَ يومُ صدٍّ وإن لم نأتها إلاَّ لماما
فكلا يرتفع بالابتداء، ويوم خبره، وهو مفرد، فيدل [ذلك] على أن المبتدأ أيضًا كذلك.
ومن ذهب إلى أنه تثنية، لم يستقم قوله، بدلالة السماع والقياس، فأما السماع: فإن ما جاء منه في كلامهم يدل على غير التثنية، كبيت جرير، وكقول الآخر:
فكلاهما في كفَّه يزنيَّةٌ فيها سنانٌ كالمنارةِ أصلعُ
[ ١٢٦ ]
وقوله:
وكلاهما قد عاش عيشةَ ماجدٍ وحوى العلى لو أنّ شيئًا ينفعُ
وكقول الأعشى:
كلا أبويكمْ كان فرعًا دعامةً ولكنَّهم زادوا وأصبحتَ ناقصًا
وقوله:
أكاشره وأعلمُ أن كلانا على ما ساَء صاحبه حريصُ
ونحو ذلك، ولو كان تثنية لم يستقم هذا؛ ألا ترى أنه لايستقيم: الرجلان قام، والغلامان في كفه.
ولو جاء شيء من ذلك مثنى، لم يكن في تثنيته دلالة؛ لأن ما جاء من الإفراد،
[ ١٢٧ ]
على ما ذكرنا، قد ثبت به أنه اسم مفرد، فإذا جاء شيء من ذلك على التثنية، كان محمولًا على المعنى، دون اللفظ، [وذلك] كقول الفرزدق، أنشده أبو زيد:
كلاهما حينَ جدَّ الجريُ بينهما قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي
فحمل مرة على اللفظ، ومرة على المعنى، كما أن قوله سبحانه: (إِن كُلّ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلاّ آتِي الرّحْمَنِ عَبْدًا) وقوله ﷿: (وَكُلّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) كذلك، وما أقل ما يجيء على المعنى، وفي التنزيل: (كِلْتَا الْجَنّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا).
ومما يدل على فساد كونها تثنية أنها قد جاءت مضافة إلى التثنية، فلو كانت تثنية لم يجز إضافتها إلى التثنية؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ألا ترى أنهم يقولوا:
[ ١٢٨ ]
مررت بهما اثنيهما، ولا مررت به واحده، كما قالوا: مررت بهم ثلاثتهم، لما كان الاثنان هو الضمير المضاف إليه.
ففي إجازتهم لإضافة كلا مع امتناعهم من إضافة اثنيهما وواحده، دلالة على مخالفة كلا لهما، في باب التثنية.
ووما يدلك على رفضهم إضافة الشيء إلى نفسه، أنهم لما قالوا: مررت بهم
ثلاثتهم، أو ثلاثتهم، وأربعتهم، وأربعتهم، فتركوا الجمع للكثرة، وأضافوا الثلاثة ونحوها إليه، ولم يجز ذلك في التثنية؛ لأن التثنية في الضمير لا يجوز أن يراد به أكثر من الاثنين، فيحصل فيه إضافة الشيء إلى نفسه، رفضوا ذلك، وصيغ كلا مفردًا دالًا على التثنية، كما كان كل دالًا على الجمع، وأضافوا هذا المفرد إلى ضمير التثنية؛ لأنه لا يمتنع إضافة المفرد إلى الاثنين، نحو قولك: أحدهما، وهذا أفضلهما، وأيهما أخوك، فلو كان كلا لفظه التثنية لرفض إضافته إلى التثنية، كما رفض إضافة الاثنين إليه، في قوله: اثنيهما، وكما رفضوا أن يقولوا: مررت به واحده؛ من حيث كان الواحد الضمير المضاف إليه، فقالوا في هذا المعنى: مررت به وحده؛ لتقع إضافة المصدر إلى ضمير المفرد، وليس المصدر بالضمير، في هذا المعنى.
فهذا مما يتبين منه أن كلا مفرد اللفظ، وإن كان يدل على التثنية.
فإن قيل: ما تنكر أن تجوز إضافته، كما جاز إضافة كل؟
قيل: إنما يكون بمنزلة كل إذا كان مفردًا؛ ألا ترى أن كلا مفرد أيضًا،
[ ١٢٩ ]
فإذا كان مثنى، كان بمنزلة الاثنين سواء، ألا ترى أنه ليس غير المضاف إليه، كما أن اثنين [ليسلا] غير المضاف إليهما، وليس كل كذلك؛ ألا ترى أن كلا عبارة عن أجزاء الشيء المضاف إليه، والأجزاء غير المجزأة. فكلا إذا كان تثنية، لا يكون بمنزلة كل.
ويدل أيضًا على أن كلا ليس بتثنية، أن الحرف المنقلب منه، لايخلو من أن يكون للتثنية، كالذي في رجلان ورجلين، أو يكون لام الفعل، فالدلالة على أنه لام الفعل، وليس بحرف تثنية، أن حرف التثنية لم تبدل منه التاء في شيء من كلامهم، وقد أبدلت من اللامات، في نحو بنت، وأخت، فلما أبدلوا من هذه الحرف أيضًا، فقالوا: كلتا، ثبت أنه لام، وليس بحرف تثنية.
فإن قلت: لم لا تكون التاء زائدة، والحرف الذي بعدها حرف التثنية، كما يقوله أبو عمر؟ قيل: إن قول أبي عمر في ذلك، لا دلالة عليه، والأصول تدفعه؛ ألا ترى أن التاء لم تزد في هذا النحو، ولم يقل أحد في التاء، في نحو: بلتع: إنها زائدة، وقد ثبت البدل من الحرف الذي هو لام قبل ألف [التأنيث]، نحو: شروى، وتقوى، ورعوى، وكذلك الألف في كلتا تكون على هذا الحد، وزلا تكون زائدة، كما لم تكن زائدة في غير هذه الكلمة، في هذا الموضع.
فإن قال: لو كانت للتأنيث لم تنقلب في نحو: كلتهما، ألا ترى أن ألف التأنيث لم تنقلب في هذا النحو، وقد انقلبت اللامات، فإذا انقلبت انقلاب اللامات، ثبت أنها لام، وليست ألف تأنيث.
[ ١٣٠ ]
قيل: إن ألف التأنيث، وما أشبهها، مما ليس بلام، قد انقلبت، ألا ترى أن من قال: أفعى، وأفعو، يفعل ذلك في حبلى، كما قالوا: حبلأا، ورأيت حبلأ وقد انقلبت حروف التثنية والجمع، وهي زوائد، كما أن ألف التأنيث كذلك، فلانقلاب فيها لا يمنعها أن تكون ألف تأنيث.
وأيضًا فإنها لما كانت آخرًا، وقد انقلبت الألف التي هي لام آخرًا، انقلبت الزائدة أيضًا؛ لئلا يختلف الآخر، والمعنى الذي وجب الانقلاب في الآخر من المذكر، موجود في المؤنث، وهو لزوم الإضافة لها، ومشابهتها بذلك على، ولدى.
فأما ما يدل على أنها في حال دخول التاء، مفرد، كالحال قبل دخول التاء، قوله تعالى: (كِلْتَا الْجَنّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا): وقول الشاعر:
فكلتاهما خرَّتْ وأسجدَ رأسها كما سجدتْ نصرانةٌ لم تحنَّف
[ ١٣١ ]
باب من