أنشد الأصمعي، لعلي بن الغدير الغنوى:
وإذا رأيتَ المرَء يبشعبُ أمره شعبَ العصا ويلجُّ في العصيانِ
فاعمدْ لما تعلو فما لكَ بالَّذي لاتستطيعُ من الأمور يدانِ
لم يرد بقوله: يدان التثنية التي هبي من أنقص من ثلاثة، ولكن بالغ في نفي القوة [عنه]، وأخبر عن اعتياصه عليه، وقلة انقياده له، وعلى هذا قولهم: لايدين بها لك.
وكأن هذا المعنى في التثنية، يشبه اللفظ في مذروان، وثنايين، ألا ترى أن ذلك لم يكن في الواحد، وإنما حدث في التثنية، كما أن التصحيح لم يكن في الواحد، إنما اعترض في التثنية؛ لبناء التثنية عليه، ومن هذا الباب على مذهب الخليل قولهم: لبيظك، ألا ترى انه يريد ملازمة بعد ملازمة، ومن سعديك متابعة بعد متابعة،
[ ١٣٢ ]
وليس يريد الاثنين، الزائد على الواحد، ومن ذلك قولهم: نعم الرجلان أخواك، فهذا في أن المراد فيه الكثرة يشبه قولهم: هذان خير اثنين في الناس، ومن ذلك قول الفرزدق:
وما قمتُ حتَّى كادَ من كان مسلمًا ليلبسَ مسودَّىْ ثيابِ الأعاجمِ
التثنية مراد بها الكثرة، ألا ترى أن ثياب الأعاجم ليس لها مسودان اثنان، إنما يريد [به] الكثرة، والمراد ما يلبسه الرهخبان من سود الثياب، ومما يبين ذلك في قوله:
وكلُّ رفيقيْ كلِّ رحلٍ وإن هما تعاطى القنا قومًا هما أخوانِ
[ ١٣٣ ]
فأما قوله:
لو أنَّ عصمَ عمايتينِ ويذبلٍ سمعا حديثكِ أنزلا الأوعالا
فالمعنى: عصم عمامتين، و[عصم] يذبل، وقال: سمعا، وهما كثرة، كما قال: جملان، وإبلان، وفي التنزيل: (أَنّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا
[ ١٣٤ ]
فَفَتَقْنَاهُمَا)،
والأرض ليس يراد بها الواحد، إنما يراد بها الأرضون، يدلك على ذلك قوله: (خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنّ)، فالأرض كالإبل، والسموات كجمالين. فقد علمت أن المراد بكل واحد من المثنى الجمع، وإن اختلفا فيما رأيت.
[ ١٣٥ ]
باب من