قال الهذلي:
ولكنْ فتىً لم تخشَ منه فجيعةً حديثًا ولا فيما مضى أنت وامقُ
تقديره: ولكن فتى وأنت وامق، لم تخش منه فجيعة؛ حديثًا، ولا فيما مضى، فحذف الضمير العائد إلى الموصوف من اسم الفاعل، كما يحذف من الصلة، والحذف من الفعل أكثر.
وقال الفرزدق:
وما أحدٌ في غيرهم بطريقهمْ من الناس إلاَّ فيهمُ بمقيمِ
تقديره: وما أحد من الناس في غيرهم بطريقهم إلا فيهم.
وقال النابغة:
يثرنَ الثَّرى حتى يباشرونَ برده إذا الشَّمسُ مجَّتْ ريقها بالكلاكلِ
المعنى: يثرن الثرى حتى يباشرون برده بالكلاكل، إذا الشمس مجت ريقها.
[ ٩٨ ]
وقال:
إذا تغنَّى الورقُ هيَّجنيِ ولو تعزَّيتُ عنها أمَّ عمَّارِ
هيجني دل على ذكرني، فكأنه أم عمار، ولو تعزيت عنها. هذا رواية الكتاب، وتفسير الخليل، وقد روى: ذكرني.
وقال الشماخ:
تخامصُ عن بردِ الوشاح إذا مشتْ تخامصَ حافي الخيل في الأمعزِ الوجى
التقدير: حافي الخيل الوجى في الأمعز، ومثل ذلك في المعنى:
إذا تجافينَ عن النَّسائجِ تجافىَ البيضِ عن الدَّمالجِ
وقال ذو الرمة:
حتى إذا زلجتْ عن كلِّ حنجرةٍ إلى الغليل ولم يقصعنهُ نغبُ
يريد: زلجت نغب عن كل حنجرة إلى موضع الغليل، فأما قوله:
كأنّها إبلٌ ينجو بها نفرٌ من آخرين أغاروا غارةً جلبُ
يريد: كأنها إبل جلب، أي تجلب لسوق، ينجو بها نفر، أغاروا من آخرين، فهم ينجون بهذه الإبل، فكذلك هذا الحمار، ينجو بهذه الحمير.
[ ٩٩ ]
فهذا كلام على وجهه، إنما قدم فيه بعض الصفة على بعض، ومثل ذلك، في تقديم الجملة على المفرد، في الصفة ﷿: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ)، فأما قوله:
عينًا مطحلبةَ الأرجاءِ طاميةً فيها الضفَّادعُ والحيتانُ تصطخبُ
فالتقدير: فيها الضفادع مصطخبة، والحيتان، فموضع تصطخب نصب، والخبر مضمر، مثل: فيها زيد قائمًا وعمرو.
ومن رواه: تصطحب، بالحاء، فنراه خفى هذا المعنى عليه، مع وضوحه.
وقال أبو الحسن، في قوله ﷿: (وَالّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نّسَآئِهِمْ ثُمّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) المعنى: والذين يظاهرون من نسائهم، فتحرير رقبة لما قالوا، ثم يعودون إلى نسائهم.
فإن قلت: كيف جاز أن تقدر تقديم (لِمَا قَالُواْ)، وهو متعلق بالمصدر، وقد تقدم؟
[ ١٠٠ ]
قيل: لا يمتنع أن يتقدم، على وجه التبيين، ليس على أنه متعلق بالصلة، كقوله:
أبعلى هذا بالرحى المتقاعس
وقوله:
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
[ ١٠١ ]
[وقوله تعالى]: (وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ).
لم يجعلوا بالعصا متعلقًا بالجزاء، ولكن جعلوه تبيينًا للجلد، فكذلك ما تأوله أبو الحسن.
فأما ما قدره من التقديم والتأخير، فكقوله: (اذْهَب بّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمّ تَوَلّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) التقدير: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم.
وقد تؤولت على أن يكون التقدير: (وَالّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نّسَآئِهِمْ ثُمّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ) أي ثم يعودون للقول، والقول في المعنى هو المقول فيه، مثل ضرب الأمير، ونسج اليمن، وقاله الخلق، وقال: (وَهُوَ الّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمّ يُعِيدُهُ) فالخلق هو
[ ١٠٢ ]
المخلوق؛ ألا ترى أن الذي يعاد، هو الأجسام، وأنه مثل قوله: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)، ومثل ذلك: العائد في هبته، أي في موهوبه، ألا ترى أن العود لا يكون إلى الهبة، التي هي العقد الموجب للتمليك، إذا انضم إليه القبض، فإذا كان كذلك، كان المراد الموهوب، فكذلك قوله ﷿: (ثُمّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ).
فإن قلت: فكيف وقعت اللام موقع إلى في قوله: عدت إلى كذا؟
فإن ذلك لايمتنع؛ ألا ترى أنه قد جاء: (قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقّ)، (وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ) و(بِأَنّ رَبّكَ أَوْحَىَ لَهَا)، (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ).
وقال: (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنّ كَأَن لّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدّةٌ).
قيل: إن التقدير: ليقولن يا ليتني كنت معهم كأن لم يكن بينكم وبينه مودة.
وهذه الجمل التي يقع فيها التقديم والتأخير، على ضربين: منها ما هو تقديم جملة على جملة، كنحو ما ذكرنا، ومنها ما هو اعتراض.
[ ١٠٣ ]
فمن الاعتراض قوله تعالى: (وَلاَ تُؤْمِنُوَاْ إِلاّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنّ الْهُدَىَ هُدَى اللهِ أَن يُؤْتَىَ أَحَدٌ مّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ) تقديره: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم. وقوله: (إِنّ الْهُدَىَ هُدَى اللهِ) اعتراض.
وكذلك قوله: (إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ إِنّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) فالخبر (أُوْلَئِكَ لَهُمْ)، وأبو الحسن يقول: إن التقدير: أجر من أحسن عملًا
منهم، وقد يكون على قول له آخر: إنا لا نضيع أجرهم؛ لأن من أحسن عملًا، هم الذين آمنوا في المعنى.
وأما قوله:
شختُ الجزارةِ مثلُ البيتِ سائرهُ منَ المسوحِ خدبٌّ شوقبٌ خشبُ
فإن سائره يرتفع بمثل، ولا يكون ابتداء مؤخرًا؛ لأنك حينئذ تفصل بين الحال وذي الحال بالأجنبي منهما، وهذا النحو من الفصل الأجنبي، وإن كان قد جاء.
في الشعر، فإذا أمكن حمله على غيره، لم يحمل على الفصل.
[ ١٠٤ ]
باب