قال الشاعر:
إنْ يكُ لاساَء فقد ساءني تركُ أبينيكَ إلى غيرِ راعْ
لا يخلو قولهم: أبينون، في تحقير، أبناء، من أن يكون مقصورًا من أفعال، أو تحقير أفعل، أو يكون اسمًا صيغ في التحقير.
فلا يجوز أن يكون مقصورًا من أفعال؛ لأن أفعال لم يقصر في موضع غير هذا، فلا يستقيم أن تدعى فيه شيئًا لا نظير له، وقد خولف فيه، ولم يجيء في شيء، كما جاء أسد وأسد، ونحوه.
[ ١٣٦ ]
ولا يستقيم أيضًا أن يكون تحقير أفعل، وإن كان أفعل مثل أفعال؛ في أن كل واحد منهما للعدد القليل.
فإن قلت: أوليس قد قالوا: صبي، وصبية، وغلام، وغلمة، وقالوا في التصغير: أصبية، قال:
فارحمْ أصيبيتي الذين كأنَّهم
وفي الحديث: كل يلطح أغيلمة بني عبد المطلب، وأفعله من فعله، كأفعل من أفعال؛ في أن كل واحد جمع أدنى العدد، وجاء التكثير على أحدهما، ووقع التحقير على الآخر، فكذلك أبينون، وإلى هذا ل [القول] يذهب بعض البغداديين، ومما يقوى ذلك انهما قد يتعاقبان على الكلمة الواحدة، كأفرخ وأفراخ.
[ ١٣٧ ]
قيل: لا يستقيم أن يكون هذا على أفعل، وإن كان ما ذكرته من أدنى العدد، يقوم كل واحد مقام الآخر؛ لدخول الواو والنون، وهما في أنه للعدد القليل، مثل البناء المبنى له، فلا يستقيم إذا إلحاق الواو النون له، كما لايجتمع الحرفان لمعنى واحد في الكلمة؛ ألا ترى أنك إذا جمعت اسمًا فيه علامة التأنيث، بالألف والتاء، أزلتها بالحذف، أو القلب، فكما أزلت العلامة، فلم تجمع بينهما، كذلك لا يستقيم أن تجمع بين الواو والنون، وبين بناء أدنى العدد؛ لاجتماع شيئين بمعنى واحد، في الكلمة.
فإذا لم يستقم ذلك، علمت أنه اسم صيغ في التحقير، كما قال، كأنك حقرت أبنًا، مثل أعمى.
فإن قلت: فمن أبيات الكتاب:
قد شربتْ إلاَّ دهيدهينا قليِّصاتٍ وأبيكرينا
فالقول في ذلك أنه ضرورة، وكأن الذي استهواه أن أفعل جمع من أبنية الجموع القليلة، وقد جاء ضربان منه بالتاء، وهو أفعلة، وفعلة، فلما وافقتهما أفعل في القلة، وكان تأنيث الجمع قائمًا فيه، قدر أن التاء تلزم، فقدر فيها التأنيث، كما جاء [منه] في البناءين
[ ١٣٨ ]
الآخرين، فلما لم تثبت عوض منها، كما عوض من العلامة التي ينبغي أن تثبت فيها، فقال: أبيكرين، كما قيل: أرضون.
فإذا كان كذلك، لم تجتمع علامتان لمعنى، ألا ترى أن الياء كأنها عوض من علامة التأنيث، كما أنها في أرضين كذلك.
وأما أبينون، فإذا لم تكن فيه ضرورة، وكان التصغير قد يصاغ فيه الأسماء التي لا تكون في التكبير، نحو عشيشية، وأنيسيان، وكذلك يحمل أبنا، على هذا النحو، دون افعل، فيلزم فيه اجتماع شيئين لمعنى.
والدليل على أن الواو والنون لأدنى العدد، أنهما كالألف والتاء، وهما جميعًا بعد التثنية، فهما وإن وقع للعدد الكثير، فأصلهما للقليل، فلم يدع وقوع ذلك على العدد
الكثير، انه في الأصل للقلة، كما أن وقوع شسوع على العدد القليل، لم يرفع عنه حكم الكثرة، فيسوغ فيه التحقير، وكما أن أرسان لما وقع على الكثير، لم يمتنع فيه ما يجوز في العدد القليل، وما هو الأصل.
وأما الدهيدهينا، فيشبه أن يكون لما حذف حرف اللين، الذي كان يجب
[ ١٣٩ ]
إثباته، شبه ذلك بعلامة التأنيث؛ من حيث الحذف، والحذف يجعل الواو والنون عوضًا من ذلك، كما جعلهما عوضًا من علامة التأنيث.
فإن قال قائل: إذا زعمتم أن تاء التأنيث لما لم تدخل في أرضين، فعوض منها الواو والنون، فصار لذلك بمنزلة ثبة وثبون، لما حذفت منها اللام جمع بالواو والنون؛ ليكون ذلك عوضًا من المحذوف، الذي هو اللام، فما بالهم قالوا: غحرون، وإوزة، وإوزون، وقال الشاعر:
لاخمسَ إلاَّ جندلُ إلا حرِّينْ والخمسُ قد يجشِّمك الأمرِّينْ
[ ١٤٠ ]
وقال الآخر:
تلقى الإوزُّونَ في أكناف دارتها فوضى وبينَ يديها التَّينُ منثورُ
فجمعوا بالواو والنون، وهو على أربعة أحرف، وما كان على أربعة أحرف، لم ترد تاء التأنيث في تحقيره، وكذلك لاينبغي أن يجمع بالواو والنون أيضًا، كما لم يجمع ما ثبت فيه العلامة بهما.
قيل: [إن قولك] إحلاون وإوزون، فيه حرف مضاعف، والتضعيف اعتلال، ألا ترى أنه قد يحذف في القوافي، في نحو: من سر وضر، ونحو: من إنس ولا جان، ويبدل منه حرف العلة، كقولك: تشاففت ما في
[ ١٤١ ]
الإناء، وتشافيته.
فلما كان الحرف بهذا الوصف أشبه اأرضًا؛ في أنه كأنه على ثلاثة أحرف، فعوضت، كما عوض أرض الجمع بالواو والنون.
ونظير ذلك إدخالهم همزة الوصل، في امرئ وامرأة، ألحقوهما كما الحقوا ابنا
واسمًا، ونحو ذلك، من المحذوف اللام، حيث كانت اللام همزة وحرف إعلال، والهمزة قد تحذف حذفًا، في مثل:
يا با المغيرةِ ربِّ أمرٍ معضلٍ فرَّجته بالنُّكرِ منَّى والدَّها
وقد يسكن ما قبلها في المرء فيحذف، فلما لم تلزم الهمزة الكلمة، متحركًا ما قبلها، أشبه واو سوير ونحو ذلك.
فكما نزلوا امرءًا منزلة المحذوف منه؛ حيث ألحقت همزة الوصل أوله، كذلك نزل إوزة، وإحرون، منزلة أرض، التي على ثلاثة أحرف، فجمعا بالواو والنون، كما جمعت.
[ ١٤٢ ]
وإن شئت قلت: إن هذا في الشذوذ، كشذوذ وراء، وقدام حيث قالوا: وريئة، وقديديمة، فكما أثبتوا التاء في تحقيرهما، وإن كانا على أربعة، كذلك جمعوا الإوزون، بالواو والنون، وإن كان على أربعة أحرف.
وإن شئت قلت: إن الهمزة لما لنم تثبت في واحد إحرون، وإنما لحقت في الجمع في حرة، لم يكن لازمًا، ولما لم يلزم لم يجب الاعتداد بها، كحروف كثيرة، لما لم تلزم، لم يجب الاعتداد بها، وإذا كان كذلك، فكأنك جمعت ما هو على ثلاثة أحرف، ثالثه حرف معتل،
فصار بمنزلة ما هو على حرفين، وكذلك إوز، لما قيل: الوز.
وإن شئت قلت: إن هذه الهمزة إنما لحقت لتغير الجمع عليه الواحد في حرة، فصار بمنزلة الحركة في سنين وثبون، التي غيرت بها سنة وثبة، فصار الحرف بمنزلة الحركة؛ من حيث اجتمعا فيما ذكرت لك، كما أن الحرف قام مقام الحركة في غير هذا.
[ ١٤٣ ]
باب آخر