مما حذف فيه ياء النسب وكان حقه أن يتثبتا فيه
أنشد أبو زيد:
تهددنا وأوعدنا رويدًا متى كنّا لأمك مقتوينا
قالوا: رجل مقتوى، وقالوا في الجمع: مقتوون، كما قالوا: أشعريٌّ وأشعرون، فحذفوا ياء النسب، مع الجمع بالواو، في هذين الموضعين، ونحوهما.
فأما تصحيحهم الواو؛ فإن شئت قلت: صححوها في الجمع الذي على حد التثنية، كما صححوها في جمع التكسير، حيث قالوا: مقاتوةٌ، كما أنهم لما حذفوا ياء النسب من الجمع، على حد التثنية، حذفوهما في التكسير، فقالوا: المهالبة.
وإن شئت قلت: بنوا مقتوون على الجمع، كما بنوا مذروان على حد التثنية، ألا ترى أنهم لم يفردوا الواحد منه بغير حرف النسبة، كما لم يفردوا واحد مذروان، وإنما استعمل واحده بحرف النسب: مقتويٌّ.
وفيه قول آخر، وهو أن الواو صحت لما كانت النسبة مرادة في الكلمة،
[ ١٥٢ ]
فصححت الواو مع الحذف، كما كانت تصح مع الإثبات، ليكون تصحيحها دلالةً على إرادة النسب، كما صحت الواو والياء في عور، وصيد، ليعلم أن الفعل بمعنى يلزم تصحيح الواو فيه، وكذلك ازدوجوا، واعتوروا، ألا ترى أنك لو بنيت منه افتعلوا، لا تريد فيه معنى تفاعلوا، لأعللت.
فأما النون فقد فتحت كما فتحت في مسلمون وقد جعلت حرف الإعراب، كما جعلت في سنين ونحوه، حرف الإعراب، حكى ذلك عن أبي عبيدة، وحكاه أبو زيد، إلا أن أبا زيدٍ حكى الفتح والكسر، في الواو، وفيما قبل الياء، فيمن جعل النون حرف الإعراب، وحكيا جميعًا: رجل مقتوين، ورجلان مقتوين، ورجال
مقتوين، قال أبو زيد: وكذلك المرأة والنساء.
فأما ما انفرد أبو زيد، بحكايته من كسر الواو، التي قبل الياء وفتحها، فالأصل فيه الكسر، ألا ترى أنك لو أثبتت ياء النسب، لقلت: مقتويون، فإذا حذفتهما وأنت تريدها، وجب تقرير الكسرة، كما كانت تقرر مع الياءين، لو أثبتتهما، فالذي فتح إنما أبدل من كسرة الواو، الفتحة، كما أبدل الكسرة من الفتحة، في قوله:
[ ١٥٣ ]
فلا أعني بذلك أسفليكم ولكني أريدُ به الذّوينا
فأبدل من الفتحة في الواو، الكسرة، يدلك على أن الأصل فيها الفتحة، قوله تعالى: (ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ) و(ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ) وكما أبدل الكسرة من الفتحة، في قوله:
وبالعذواتِ منبتنا نضارٌ ونبعٌ لا فصافص في كبينا
والواحد: الكبا، فلم يفتح العين من الكبين، كما لم يفتحهما من الذوين وإنما جاز ذلك في الفتحة والكسرة، لأنهما كالمثلين، ألا ترى أنهم قد حركوا بالفتح مكان الكسر، في جميع ما لا ينصرف، وجعلوا النصب والجر على لفظ واحد، في التثنية، وضربي الجمع المسلّم، في التأنيث والتذكير، وقالوا: مررت بإبراهيم بن زيد، فوقعت الفتحة موضع الكسرة، وكان ينبغي أن يكسر، لأن تحريك الميم بمنزلة تحريك الراء، من امرئ، إذا أقرت الهمزة، وبمنزلة تحريك الميم بالكسر، فيمن قال: بالمرء، فكما كانت كل واحدة من الكسرة والفتحة، في هذه المواضع، بمنزلة الأخرى، كذلك جاز أن تفتح الواو وتكسر، من مقتوين، فيما رواه أبو زيد.
[ ١٥٤ ]
فأما إجراؤه الكلمة، وهو جمع، على الواحد، مما اجتمع أبو زيد، وأبو عبيدة، في حكايته، فوجهه أنه قد جاء: (هُنّ أُمّ الْكِتَابِ)، ولم تكن: أمهات.
فكما أجرى الواحد على الجميع، كذلك في مقتوين؛ وصف الواحد بالجميع، وكأن الذي حسن ذلك أنه في الأصل مصدر، ألا ترى أنه مفعلٌ من القتو، والمصدر يكون للواحد والجميع، على لفظ واحد، فلما دخله الواو والنون، وكانا معاقبين لياء
النسب، صارتا كأنهما لغير معنى الجمع، كما كانتا في ثبةٍ وبرةٍ، لما كانتا عوضًا من اللام المحذوفة، لم يكونا على حالهما، في غير ماهما فيه عوضٌ؛ ألا ترى أن نحو طلحة لا يجمع بالواو والنون. فجرى مقتوون على الواحد والجميع، كما كان يجري المصدر عليهما.
وهذا الاعتلال يستمر في قول من لم يجعل النون حرف إعراب، وفي قول من جعلها حرف إعراب؛ ألا ترى أن من قال: سنين، فجعل النون حرف إعراب، فهو في إرادته الجمع كالذي لم يجعلها حرف إعراب، ومن هذا الباب إنشاد من أنشد:
قدنى من نصرِ الخبيبينِ قدى
[ ١٥٥ ]
من أنشده على الجمع، أراد الخبيبين، ونسب إلى أبي خبيب، يرده ويريد شيعته، وعلى هذا قراءة من قرأ: (سَلاَمٌ عَلَىَ إِلْ يَاسِينَ) أراد النسب إلى إلياس، وزعموا أن في بعض القراءات: (سَلاَمٌ عَلَىَ إِدْ اسِينَ) كأن الواحد إدريس، وإدراس.
ومن أنشد الخبيبين على التثنية، أراد: عبد الله ومصعبًا، فثناهما، كما قالوا: العجاجان، وسنة العمرين، ونحو ذلك.
وكما جمع هذا النحو على حد الثنية، كذلك جمع على التكسير، في نحو: المهالبة، والمناذرة، والسبابحة، ومن هذا الباب: الأعجمون، في قوله تعالى: (وَلَوْ نَزّلْنَاهُ عَلَىَ بَعْضِ الأعْجَمِينَ)، ومن زعم أن أعجمون جمع أعجم، فقد غلط، لأن نحو أعجم لا يجمع بالواو والنون، كما أن عجماء لا تجمع بالألف والتاء، إذا كانت صفة، فإنما أعجمون جمع أعجمي، وحذف ياء النسب، وإنما أعجم وأعجمي، كأحمر وأحمري، ودوار، ودواري، يراد بكل واحدٍ منهما ما يراد بالآخر، إلا أن حكم اللفظ مختلف.
[ ١٥٦ ]
فأما الألف في قوله: مقتوينا فيتحمل ضربين: من قال: مقتوِين أو مقتوَين، فالألف
في قوله: بدلٌ من التنوين، كالتي في: رأيت رجلا، ومن قال: هؤلاء مقتوون، وبمقتوين، فالألف على قوله للإطلاق، كقوله: أقلي علي اللومَ عاذل والعتابا
ومن هذا الباب إنشاد من أنشد.
[ ١٥٧ ]
باب