قال الشاعر:
كأنّه خارجًا من جنب صفحته سفودُ شربٍ نسوه هند مفتادِ
العاملُ في الحال ما في كأنّ من معنى الفعل.
فإن قلتَ: لم لايكون العاملُ ما في الكلام، من معنى التشبيه، دون ما ذكرتَ، مما في كأنّ من معنى الفعل؟
فإن قلتَ: لم لا يكونُ العاملُ ما في الكلام، من معنى التشبيه، دونَ ما ذكرتَ، مما في كأنّ من معنى الفعل؟
فالقول: أنّ معنى التشبيه لا يمتنعُ انتصاب الحالِ عنه، نحو: زيدُ كعمروٍ مقبلًا، ويدُ عمروُ مقبلًا، إلاّ أنّ إعمال ذلك في البيت لا يستقيم، لتقدّم الحال، وهى لا تتقدّم على ما يعملُ فيها من المعانى.
فإن قلت: لمَ لمَ يعملْ في نحو: أزيدُ أبوكَ؟ وما هندُ أمّكَ، ونحو هذا، فتعمل في
الحالِ معنى الفعل، الذي هو: أستفهمُ، أو أنفى، ونحو ذلك، كما أعملتَ ما في كأنّ من معنى الفعل.
[ ٦٢ ]
فالقولُ: أنّ هذه الحروف كأنّها وضعت اختصارًا، لتنوبَ عن هذه المعانى، وتدّل عليها، ألا ترى أن الهمزة في الاستفهام قد أغنتْ عن أستفهمُ، وكذلك ما عن أنفى، فلو أعملتْ معانى الفعل في هذه المواضع، كما أعمل المعنى في كأنّ، والظّروف، لأدّى ذلك إلى نقضِ الفرض الذي وصفنا، من إرادة الاختصار، ألا ترى أن هذه الحروف لو أعملتْ، لكانت الأفعالُ كالمرادة، كما أنّها لمّا أعملتْ في الظّروف كانت مرادةً، إذا كانت مرادةً كأنّها مذكورة، وإذا كانت مذكورةً كان ذلك نقضَ الفرضِ الذي أريد من الاختصار.
فإن قلت: فهلاّ يعملُ ما في كأنّ من معنى الفعل، وفى ليتَ ولعلّ؟
فهذا كان القياس فيها، ولكنْ لمّا جئنَ على لفظ الأفعال، أعملتْ إعمالها، وإن كانت لو لم تجئ على ألفاظها لم تعملْ، ألا ترى أنّ المعنى الواحد قد تجده في كلامهم لا حكم له، فإذا انضمّ إليه معنىً آخرُ، قوّى المعنى، فحدث باجتماعها حكمُ لم يكن في الانفراد، فكذلك هذه الحروف، لمّا انضمّ إلى المعنى لفظ الفعل، عملَ بعضَ عملهِ، كما صار أحمدُ كأذهبُ.
من ذلك امّا في قولهم: أمّا زيدُ فمنطلقُ، فالذى يدلّ على تضمنّه معنى الفعل، دخول الفاءِ في جوابه.
والذى يدلّ على أنّ الفاءَ جوابُ، أنّها لا تخلو من أن تكونَ للعطفِ أو للجزاء، فلا يجوز أن تكون للعطف، لأنّها لو كانت له لم تخلُ من أن تعطف مفردًا على مفرد، أو جملةً على جملةَ، وليس في هذا الكلام واحدُ منهما، فإذا لم يكن ثبت أنّها ليست عاطفةً.
وإذا لم تكن عاطفةً، كانت للجزاء، والجزاءُ لا يكون إلاّ بفعل، أو بمعنى فعلٍ،
وليس ها هنا فعلُ، فثبتَ أنّه هنا معناه، وذلك المعنى تتضمّنه أمّا، ولم يذكرِ الفعلُ بعدها،
[ ٦٣ ]
لتضمّنها معناه، وإغنائها عنه، كما لم يذكرَ بعد يا في النداء، ومن هنا أجازوا: أمّا يومَ الجمهة فإنّى خارجُ، ولم يجيزوا: أمّا زيدًا فإنّى ضاربُ، لأنّ الحالَ والظّرف يعمل فيهما المعنى، ولا يعملُ في المفعول به، فصار العاملُ في الحال معنى الفعل، كما صار العاملُ بعد كأنّ معناه.
فأمّا تقديمهم ما يتعلق بما بعد الفاء، نحو: أما زيدُ فمنطلق، فلتحسين اللفظ، وإجرائهم إيّاه على ما سائرِ الكلام، ألا ترى أنّ العاطفة والمجازيةَ لا تليان إلاّ الأسماءَ المفردةَ، والجملَ، ولا تلى واحدةُ منهما الحرفَ، فقّدمَ ما قدّمَ، ممّا فصلَ بين أمّا والجزاء، لتحسين اللّفظ، كما أكّد الضّمير في نحو: (إنّه يراكمْ هو وقبيلهُ) لذلك،
فإذا كان كذلك، علمت أن الفاءَ محذوفة في قول الشاعر:
فأمّا القتالُ لا قتال لديكم ولكّن سيرًا في عراضِ المواكبِ
فأمّا قوله تعالى: (وأمّا إن كان من أصحاب اليمين. فسلامُ لكَ من أصحاب اليمين)، فالفاءُ جواب أمّا، ولا تكون جوابَ الجزاء، ألا ترى أن
[ ٦٤ ]
جواب أمّا لا يحذف في حال السّعة والاختيار، وجواب إنْ قد يحذف في الكلام، في نحو: أنت ظالمُ إن فعلتَ، إلاّ أنّ أمّا وجوابها استغنى بهما عن جواب الجزاء، كما استغنى عن جواب الجزاء في قولهم: أنت ظالمِ، عن جواب: إن فعلت،
ومثلُ سدّ الفاءِ، وما هو جوابُ له، مسدّ الجوابين، قوله عزّوجلّ: (ولولا رجالُ مؤمنون ونساءُ مؤمناتُ لم تعلموهمْ أنْ تطؤوهمْ فتصيبكمْ منهمْ معرّةُ بغيرِ علمٍ ليدخلَ اللهُ في رحمتهِ من يشاءُ لو تزيّلوا لعذّبنا الذّينَ كفروا)، قوله: (لعذّبنا) قد سدّ مسدّ الجوابين، كما كان الجواب في الآية الأخرى كذلك.
فأمّا فصلك بين أمّا وجوابها، وبالشرطِ، في قوله تعالى: (وأمّا إنْ كانَ من
أصحابِ اليمينِ)، أنت لا تقول: أمّا ينطلقُ فزيدُ، وأمّا مررتُ فبزيدٍ، فلأنّ الشرطَ، وإن كان على ألفاظ الجمل، فقد خرج من أحكامها، ألا ترى أنّ أبا الحسن قد ذهب إلى أنّ الجازمَ للجزاء هو فعل الشّرط، ولو كان باقيًا على أحكام الجمل، لم يجز ذلك فيه
فإن قال قائل: فهل تقول في لولا إنه متضمّنُ لمعنى الفعل، كما قلتَ في أمّا من حيث كان مقتضيًا للجواب، اقتضاءَ أمّا له؟
قيل: إنّ اقتضاء الحرفِ للجواب، لا يدّل على تضمّنه معنى الفعل، ألا ترى أنّ لمّا وإنْ ولو يقتضين أجوبةً، ولم تتضمّن واحدةُ منهنّ معنى الفعل،
[ ٦٥ ]
ولم تتضمّن أمّا معنى الفعل، لاقتضائها الجوابَ، ولكنْ لتعلّق الظّرف والحال به، وأنّ الفاء قد قامت الدّلالةُ أنّها جوابُ، ولا تكون جوابًا إلاّ لفعلٍ، أو لمعناه، فلمّا لم يوجدْ واحدُ منهما بعد أمّا علمَ أن أمّا هو المتضمن لذلك، وليس لولا كذلك.
وقد حكى عن أبي عثمان، أنّ ناسًا زعموا أن الاسمَ بعد لولا مرتفعُ به، وهذا لم يذهب إليه سيبويه.
وممّا يضعّف ذلك، أنّ الحروفَ التي ترفعُ الأسماء َالظاهرةَ، تنصب، كما ترفع، نحو ما ولات وإنّ وأخواتها، وليس فيها شئُ يرفعُ ولا ينصب، فليس هذا القولُ بالمستقيم، لدفعِ الأصولِ له.
ومن ذلك يا التي تلحقُ المنادى، في نحو، يا زيدُ، ويا عبدَ اللهِ، ويا رجلًا، وتلحقُ غير المنادى أيضًا وذلك نحو لحاقها في نحو: (ألا يا اسجدوا للهِ)، وقوله:
[ ٦٦ ]
يا دارَ سلمى يا اسلمى ثم اسلمى
فإن قلت: فلمَ لا يكون المنادى مرادًا محذوفًا هنا، كما يحذفُ المفعولُ في مواضعُ من كلامهم؟
فالذى يدُلك على أنه غير محذوف، وأنّ التّنبيهَ لحقَ مثالَ الأمر، للحاجة إلى
استعطاف المأمورِ، كالحاجة إلى استعطافِ المنادى، قولهم: هلمّ، وبناؤهم الحرفَ مع الفعل على الفتح، فكما أنذ التنبيه لحق المثالَ دونَ المأمور كذلك في قولهم: ألا يا اسلمى ونحوه.
ويدّل على تضمّنه معنى الفعل، انتصاب الحال عنه، ووصوله مرّةً بالجارّ، ومرّةً بغيره، وجواز الإمالةِ فيه، وأنّ الفعلَ لا يظهرُ معه، كما لم يظهر مع أمّا.
[ ٦٧ ]
ومثلُ يا في وصولها إلى المفعول به، بحرف الجرّ، قولهم: حىّ في قولهم: حىّ على الصلاة فوصلتْ بعلى، كما وصلتْ يا باللاّم، إلاّ أنّ هذا من الأسماءِ التي سمّيت بها الأفعالُ، وتشابتها، لتضمّنهما معنى الفعل، وقد وصلوها بهلْ، فقالوا: حىّ هلَ، وزعم أنّ بعضهم يقول: حىّ هلَ الصّلاةَ، وقال أبو زيد: حىّ هلَ، وحىّ هلٍ، وحىّ هلكَ.
والقولُ في حىّ هلٍ: أن التنوينَ دخله للتنكير، كما دخل في صهٍ، ونحوها، كأنّه قدّر فيه الإسكان، كأنّه قال: حىّ هلْ، على الوقفِ، كما قال لبيدُ:
يتمارى في الذي قلتُ له ولقد يسمعُ قولى حىّ هلْ
ولا يجوز أن تكون حركةُ اللامِ للإضافة، لأنّ هذه الأسماءَ التي سمّيتْ بها الأفعالُ، لا تضافُ، ألا ترى أنّه قال: جعلوها بمنزلة النّجاءكَ، أي لم يضيفوها إلى المفعول، كما أضافوا المصادر، وأسماءَ الفاعلين، إليه.
ويجوز أن يكون لمّا نكّرَ، حرّكَ بالكسر، ليكون على لفظ غيرهِ، في أمثالهِ من النّكرات، نحو: صهٍ، وإيهٍ، ولمّا جرى في كلامهم غير مضافٍ، لإجرائهم إيّاه مجرى
[ ٦٨ ]
الفعل، لنصبهم الأسماءَ المخصوصة بعده، لم يستجيزوا إضافتها إلى المفعول به، فيكون ما لم يجعل بمنزلة الفعل، على حدّ ما جعلَ من هذه الأسماء بمنزلته، ألا ترى أنّ الأسماءَ لم تجعلْ بمنزلة الفعل مفردةً، حتى ينضمّ إليها جزءُ آخرُ، وإن كان فيها ضميرُ، لأن الضميرَ الذي في اسم الفاعل، لمّا لم يظهر في
أكثر أحواله، صار لا حكمَ له.
فإذا لم يضيفوا هذا البابَ، لأنّ إضافته يخرج ُبها عن الحدّ الذي استعملتْ عليه: علمتَ أنّ الكافَ في: حىّ هلكَ للخطاب، لا لضمير الاسم، وإذا كان ذلك علمتَ أنّ الكافَ فيه الهاء في: هاهناهْ، وهاؤلاهْ، في أنّها لحقت الألفَ لتبينّها، لمّا لم تلتبس بالإضافة، فكذلك الكافُ في حيّهلكَ لحقتْ للخطاب، حيث لم يجز لحاقُ التي تكون اسمًا في هذا الموضع، كما لم تلحق الهاء التي لحقتْ في: هاهناهْ، أفعاهْ، ونحوها.
والضّمير الذي في: حىّ هلَ، ينبغى أن يكون في مجموع الاسمين، ولا يكون في كلّ واحدٍ منهما ضميرُ، كما كان في: حىّ على الصلاة، ضميرُ، لأنّ الاسمين جعلا بمنزلةِ اسمٍ واحدِ، كما أنّ خمسة عشر َ بمنزلة مائةٍ، فكما أنّ خمسةَ عشرَ حكمهُ حكمُ المفرد، كذلك حىّ هلَ، حكمهَ حكمُ المفرد، وإذا كان كذلك كان متضمنًا ضميرًا واحدًا.
ويدّلك على ضمّ الكلمةِ الثانية إلى الأولى، قول ابن أحمر:
أنشأت أسأله عن حالِ رفقتهِ فقال حىّ فإنّ الرّكبَ قد ذهبا
[ ٦٩ ]
باب