قال الشاعر:
وكيف أرهبُ أمرًا أو أراعُ به وقد زكأتُ إلى بشرِ بن مروانِ
فنعمَ مزكأُ من ضاقتْ مذاهبهُ ونعم من هو في سرٍّ وإعلانِ
القولُ في الظَّرف: أنّه متعلِّقٌ بنعم، وذلك أنه لا يخلو من أن يكونَ خبرَ هو في الصِّلةِ، أو يكون متعلّقًا بنعم، فلا يجوز أن يكون متعلِّقًا بمحذوف، على أن يكون في موضعِ خبر هو التي في الصِّلة، لأنَّ التقديرَ قبلَ كونِ الكلامِ صلةً، يكون: هو في سرٍّ وإعلانِ، وهذا لا معنى له، فإذًا المعنى: كرمَ الانسانُ في سرِّه ةعلانيته، أي ليس ما يفعله من الخير لتصنُّعٍ، فيفعل الخير في السرِّ، كما يفعله في العلانية.
وإذا كان كذلك احتاج هو إلى جزءٍ آخرَ، حتى تستقلَّ الصِّلةُ، وذلك الجزءُ
[ ٣٨٠ ]
ينبغي أن يكون: الذي هو مثله، ولا يكون: الذي هوَ هوَ، لتكون الصِّلةُ شائعةً، فلا تكون من مخصوصةً، لأنها فاعلُ نعم.
فإنّ قدرتَ: الذي هوَ هوَ، وأنت تريدُ: الذي هو مثله، فتحذفُ المضافَ، فيصير الذي هوَ هوَ، معناه: مثله، جازَ أيضًا.
وقد يجوزُ في القياسِ أن تجعلَ من نكرةً، فإذا جعلتْ نكرةً، احتاجت إلى صفةٍ، فتكون الجملةُ التي قدَّرتها صلةً لها، مقدَّرةً صفةً، ويكون المقصودُ بالمدح مضمرًا، لأنَّ ذكره قد جرى، كما جرى ذكرُ أيُّوبَ، قبل قوله: (نعم العبدُ)، فاستغنى بذلك عن ذكرِ ما يخصُّه بالمدحِ وإظهارهِ.
ويجوز في القياس أن تجعلَ من نكرةً، ولا تجعلَ له صفةً، كما فعلَ ذلك بما، في قوله: (فنعمَّا هيَ)، فإذا جعلتها كذلك، كان كأنّه قال: فنعم رجلًا، فيكون موضعُ من نصبًا، ويكون هو كنايةً عن المقصودِ بالمدح.
ووجه القياس في الحكم على من أنها نكرةٌ غيرُ موصوفة، أنهم جعلوا ما بمنزلة شيءٍ، وهو أشدُّ إشاعةً وإبهامًا من منْ، فإذا جاز ألاّ توصفَ، مع أنّها أشدُّ إبهامًا من
[ ٣٨١ ]
منْ، كان ألاّ توصفَ منْ أجوزَ، لأنّها أخصُّ منها، فيصير كأنه قال: نعم رجلًا هو، لأنّها تخصُّ الناسَ ومن أشبههم، كما كانت ما تعمُّ الأشياءَ، إلًا أنَّا لم نعلمهم في الاستعمال، تركوا منْ بغير صفة، كما تركوا ما غيرَ موصوفةٍ في الخبر، نحو التّعجُّب، والآية التي تلوناها.
وقال الفرزدق:
أحموا حمىً بطعانٍ ليس يمنعهُ إلاَّ رماحهمُ للموتِ من حانا
تقديره: أحموا حمىً ليس يمنعه إلاّ رماحهم بطعانِ من حانَ، ففصل بقوله: ليس يمنعه إلاَّ رماحهم، وهو صفةٌ للحمى، بين المصدرِ ومعموله، وهو أجنبيٌّ منهما.
وطعانٌ: مصدرُ طاعنَ، ومفعوله من حانَ، ويستقيم أن تجعلَ طعان جمعَ طعنٍ، أو طعنة، فتعملّه وإن جمعته، كما تعملُ الجمعَ، في نحو: مررتُ برجلٍ حسانٍ قومُه، ونحو:
مهاوينَ أبدانَ الجزورِ
[ ٣٨٢ ]
والأَّولُ أشبهُ.
فأمّا قوله: للموتِ فيجوز حمله على أمرين، أحدهما: أن يكون متعلِّقًا بمحذوف، في موضع حالٍ، لقوله: رماحهُم، كأنّه قال رماحهم لأحداث الموت.
والآخر: أن تجعله تبيينًا لمن حانا، كقوله: (إنّي لكما لمن الناصحين)، ونحوه.
[ ٣٨٣ ]
أنشد التَّوَّزيُّ، عن أبي زيد:
ماذا يغيرُ ابنتي ربعٍ عويلهما لا ترقدان ولا بؤسي لمن رقدا
القول في عويلهما أنه لا يخلو من أن يكون مرتفعًا بيغيرُ، أو يكون بدلًا، فإن ارتفع بأنه فاعلُ يغير، وجب أن ينتصبَ ماذا إذا جعلتَهما اسمًا واحدًا، بيغير، وقد
انتصبَ به ابنتا ربعٍ، فتكون قد عدَّيتَ يغيرُ إلى مفعولين.
وإن جعلت ذا بمنزلةِ الذي، والفاعل عويلهما، وجب أن يكون في يغيرُ ضميرٌ منصوبٌ، يعود إلى الذي، ويرتفع ما بالابتداء، فيتعدَّى يغيرُ إلى هذا الضَّمير، وإلى الابنتين، لابدَّ من ذلك، لأنه لا يجوز أن يتضمَّن ضميرًا مرفوعًا، لارتفاع الظَّاهرِ به، وذلك خطاٌ أيضًا، لأنه لا يتعدَّى إلى مفعولين، فإذا لم يجز ذلك، وجب أن تجعلَ العويل بدلًا، إمَّا من المضمَر في يغيرُ، وإمَّا من ما، أو من ماذا إذا جعلته مع ما اسمًا واحدًا، فلا يجوز أن يكون بدلًا من واحدٍ منهما، لأنه لو كان كذلك، لوجب أن يُذكرَ حرفُ الاستفهام، كما تقول: كم مالكَ؟ أعشرون أم ثلاثون؟ ولو لم تذكر الحرفَ، لم يجزْ.
[ ٣٨٤ ]
فإن قلت: يكون مثلَ قوله:
أتونِي فقالوا من ربيعةَ أو مضرْ
فالقول: أنه لا يكون مثله، لأنَّ ما بقيَ من حرف الاستفهام قد يدلُّ على المحذوف، وليس في البيت كذلك.
فإذا لم يجز البدلُ من هذين، وجب أن يكون َ من الضَّمير.
فإن جعلتَ ما وذا اسمًا واحدًا، صار موضعهما رفعًا بالابتداء، والضَّمير الذي في يغيرُ عائدٌ إليهما، كما يعود إلى خمسة عشرَ، ونحوه.
وإن جعلتَ ما استفهامًا، وذا بمنزلة الذي، فالضَّميرُ الذي في يغيرُ عائدٌ إلى ذا الذي بمنزلة الذي، والابنتان مفعولتا هذا الضَّمير، والعويلُ بدلٌ منه، في الوجهين جميعًا، لأنَّ ذا يقع على جميع ما يشارُ إليه، فيستقيم أن يكون العويلُ بدلًا منه، كما يبدلُ الشيءُ من الشيءُ، إذا كان إيَّاه، وكذلك إذا جعل ما وذا اسمًا واحدًا، جاز البدلُ، لأنَّ ما في جواز وقوعها على الأجناسِ المختلفة، مثلُ ذا.
قال التَّوَّزيُّ، أحسبهُ عن أبي زيد: يقال: غارَ بني فلانٍ، لينصرهم وينصروه.
قال لبيدٌ:
وهمُ العشيرةُ أن يبطِّىَء حاسدٌ أو أن يلومَ مع العدى لوَّامها
[ ٣٨٥ ]
موضع أن نصبٌ، والمعنى: كراهةَ أن يبطِّىءَ حاسدٌ، وعلى قول البغدادييِّن: لأنْ لا يبطِّىء حاسدٌ، والعاملُ فيها ما في العشيرةِ من معنى الفعل، كأنّه: وهمُ النُّصَّارُ كراهةَ، لأنّ العشيرةَ تنصرُ وتعينُ، فتكون يدًا واحدةً على من ناوأهم.
ومعنى أن يبطِّىءَ حاسدٌ: أي يبطئهم حاسدٌ، يريد أنهم ينصرون ويعينون، فلا يخذلون، كراهةَ أن ينسبهم حاسدٌ إلى البطء والتَّثاقلِ عن النُّصرةِ، فيكونوا في ذلك كمن ذمَّ بقوله:
بطئٍ عن الداعي سريعٍ إلى الخنا
وبقولِ الآخر:
يداكَ عن المولى ونصركَ عاتمُ
فحذف المفعولَ، كما يحذفُ في غير هذا، ولحذفِ المفعولِ هنا مزيَّةٌ في الحسنِ،
[ ٣٨٦ ]
لأنَّها في صلة أن، فيشبه حذفَ المفعول، في نحو: (أهذا الذي بعث اللهُ رسولا)، ومثلُ هذا قولهم: أذكرٌ أن تلدَ ناقتكَ أحبُّ إليكَ أم أنثى؟ وفي التنزيل: (وإنَّ منكمْ لمن لبيطِّئنَّ) أي يتثاقل عنكم، ويتقاعدُ ويحملُ غيره على مثل ذلك، فلا ينفرُ معكم ويثبِّطُ غيره، ألا ترى قوله: (فإن أصابتكم مصيبةٌ قال قد أنعمَ الله عليَّ إذ لم أكنْ معهمْ شهيدًا).
وقوله:
أو أن يلومَ مع العدى لوَّامها
الضميرُ في اللُّوَّام يرجع إلى العشيرة، وهذا عكسُ قوله تعالى: (الَّذي خلق. خلقَ الانسانَ)، لأن قوله: (خلقَ الانسانَ) خصوصٌ بعدَ عموم، وقوله: أو أن يلومَ عمومٌ بعد خصوص، ألا ترى أن التَّبطِّئ ضربٌ ممَّا يستحقُّ به اللَّومُ، واللَّومْ
يشمله وغيره.
وقد رأيتُ بعضَ من يتعاطى البلاغةَ يعيبُ هذا النَّحوَ، وإذا جاء في مثلِ هذا الشِّعر، هذا الذي أنكره، وفي التَّنزيل، ثبت أنه ليس بموضع عيبٍ.
[ ٣٨٧ ]
البغداديُّون ينشدون:
عدسْ ما لعبَّادٍ عليكِ إمارةٌ نجوتِ وهذا تحملينَ طليقُ
ويستدلُّون به على أنَّ ذا بمنزلة الذي، وأنه يوصلُ، كما يوصلُ الذي، فيجعلون تحملين صلةً لذا، كما يجعلونه صلةً للذي.
ويحتملُ قوله: تحملين أمرين، لا يكون في واحدٍ منهما صلةً، أحدهما: أن يكون تحملين صفةً لموصوفٍ محذوف، تقديره: وهذا رجلٌ تحملين، فتحذفُ الهاءَ من الصِّفة، كما حذفت من قولك: الناس رجلان: رجلٌ أكرمتُ، ورجلٌ أهنتُ، وكقوله:
وما شيءٌ حميتَ بمستباحِ
[ ٣٨٨ ]
أي حميته.
والآخر: أن يكون صفةً لطليق، فقدِّمتْ فصارت في موضعِ نصبٍ على الحال.
فإذا احتمل غيرَ ما تأوَّلوهمن الصِّلة، لم يكن على الحكمِ بأنَّ ذا والأسماءَ المبهمةَ توصلُ كما يوصلُ الذي، دليلٌ، وكذلك ما استشهدوا به، من قوله ﷿: وما تلك بيمينكَ يا موسى)، وتأوَّلوه على أنّ المعنى: وما التي بيمينك، في الموضعين جميعًا، ما في الاسم المبهم من معنى الفعل.
ولا يجيز سيبويه أن يكون ذا بمنزلة الذي إلاّ إذا كانت مع ما في نحو: ماذا قلت؟ فيقول: خيرٌ، كأنه قال: ما الذي قلتَ؟ فقال: خيرٌ، أي الذي قلتُه خيرٌ، وعلى هذا قولُ لبيدٍ:
ألا تسألانِ المرَء ماذا يحاولُ أنحبٌ فيقضى أم ضلالٌ وباطلُ
[ ٣٨٩ ]
كأنه قال: ما الذي يحاوله؟ الَّذي يحاوله نحبٌ أم ضلالٌ؟ ولو كان (ذا مع ما في البيت اسمًا واحدًا، كما كان كذلك في قوله: (ماذا أنزل ربُّكم قالوا خيرًا) لكان النَّحبُ نصبًا.
قال:
ولقد رأبتُ ثأي العشيرةِ كلِّها وكفيتُ جانيها اللَّتيَّا والَّتي
اللَّتيَّا والَّتي، على تأنيثِ الدَّاهية، وصغِّر كما صغِّر في قوله:
[ ٣٩٠ ]
دويهيةٌ تصفرُّ منها الأناملُ
فاصفرارُ الأناملِ يكون من أكبر الدَّواهي، لأنه يحدث عندَ الموت، وهذا يدلُّ على أنَّ التَّحقيرَ قد يعنى به تعظيمُ الأمرِ.
فإن قلتَ: ما تنكرُ أن يعنى: كفيتُ الخلَّةَ الهيِّنة، فكيفَ بما فوقها؟
فإنّض ذلك يبعد، لأنه قد قال: جانيها، والأمرُ الهيِّنُ لا يكاد يسمَّى فاعله جانيًا، ومع ذلك فإنه قد حذفت الصِّلةُ، وهذا الحذفُ إنما يكون لتفخيمِ الأمر، وأنَّ عظمه معروفٌ، ومثلُ ذلك حذفُ الأجوبة، في نحو: (ولو ترى إذِ الظَّالمون في غمراتِ الموتِ).
ويقرب من هذا التحقير والتقليل، أنه يرادُ به الكثرةُ، قوله:
قد أتركُ القرنَ مصفرًَّا أناملهُ كأنَّ أثوابه مجَّتْ بفرصادِ
[ ٣٩١ ]
وقوله:
وإنَّا لممَّا نضربُ الكبشَ ضربةً على رأسهِ تلقِي اللِّسانَ من الفمِ
هذا موضعٌ، التكثيرُ فيه أليقُ، وبه أولى. فكأنَّ اللَّفظَ على التقليل، والمرادُ التكثير، وكذلك قولُ الآخر:
ربَّما أوفيتُ في علمٍ ترفعنْ ثوبي شمالاتُ
[ ٣٩٢ ]
هذا موضعُ تكثيرٍ، ألا ترى الآخرَ يقولُ:
ربَّاءُ شمَّاَء لا يأوي لقلَّتها إلاَّ السَّحابُ وإلاَّ الأوبُ والسَّبلُ
وفعَّالٌ للكثرة.
وممَّا يجوز أن يكون على حذف الصِّلة، قول الأسودِ بن يعفر:
ليسوا بأنذالٍ ولا بأشابةٍ فيما ينوبُ القومَ لا باللاّتِ
قيل: اللاّت: الصَّنمُ، كأنّه حلف به.
ويمكن أن يكون المعنى في قوله: لا باللاَّتِ: لا بالفرقة اللاّاتي يبتغى بهم بدلٌ،
[ ٣٩٣ ]
فحذفَ الصِّلةَ، للدَّلالةِ عليها، لأنَّ قبلَ هذا البيت:
لا أبتغي عنهم ولا أشريهمُ حتَّى يلاقيني حمامُ مماتي
وقال الأسودُ:
شطَّتْ نوى تنهاةَ من أن توافقا فبانت فشاقَ البينُ من كان شائقا
فاعلُ كان البينُ، تقديره: من كان البينُ شائقه، والذِّكرُ المقدَّرُ في اسم الفاعل، المحذوفُ، عائدٌ إلى الموصول، وحذفه من اسم الفاعل، كما يحذف من الفعل، في نحو: أهذا الذي بعث الله رسولا، وليس ذلك بالكثير، ومثله ما أنشدَ ثعلبٌ:
ألمْ يأتكَ الرُّكبانُ قبلي بمجدهمْ فلم أقضِ إلاَّ بالذي أنت عالمُ
يريد: عالمه، أو: عالمٌ به.
أنشد أبو زيد:
فقلتُ له لا والّذي حجَّ حاتمٌ أخونكَ عهدًا إنَّني غيرُ خوَّانِ
قوله: لا والَّذي حجَّ حاتمٌ يحتمل الذي ضربين: إن عنى بالذي: الكعبةَ،
[ ٣٩٤ ]
فذَّكر، على إرادةِ البيتِ، كما يقولون: والكعبةِ، والبيتِ، والمسجدِ الحرام، فالضميرُ في حجَّ محذوفٌ، لأنَّ هذا الفعلَ متعدٍّ، يدلُّك على ذلك قوله ﷿: (فمن حجَّ البيتَ أو اعتمرَ)، فالمعنى: الذي حجَّه حاتمٌ.
وإن عنى بالذي، الله سبحانه، فالتقدير: لا والذي حجَّ له حاتمٌ، فحذف له من
الصِّلة، وهذا النحوُ من الحذفِ من الصِّلات، قد جاء في الشعر، من ذلك قوله:
ناديتُ باسمِ ربيعةَ بنِ مكدَّمٍ إنَّ المنوَّه باسمه الموثوقُ
فقال: الموثوقُ، وحذف به.
وقال النابغةُ:
والمؤمنِ العائذاتِ الطَّيرَ يمسحها ركبانُ مكَّةَ بينَ الغيلِ والسَّندِ
[ ٣٩٥ ]
من كانت الكسرةُ عنده جرَّةً، على: هذا الحسنُ الوجهِ، جرَّ الطَّير، لأنَّ العائذاتِ مجرورةٌ، ومن كانت الكسرة عنده في موضع نصبٍ، على قولك: الضاربُ الرجلَ، نصب الطَّيرَ.
والطَّيرُ في هذا الموضع، بدلٌ، أو عطفٌ، وإنما كان حدَّه: والمؤمنِ الطَّيرَ العائذاتِ، أو الطَّيرِ العائذاتِ، فقدَّم العائذات، وأخَّر الطَّيرَ، كقول عمرانَ:
إن أنت لم تبقِ لي لحمًا ولا لبنًا ألفيتني أعظمًا في قرقرٍ قاعِ
وكقول الآخر:
مثلُ الغمرِ القعبِ
وقولِ الآخر:
وبالقصير العمرِ عمرًا حيدرا
يريد: في قاعٍ قرقرٍ، وبالعمرِ القصير.
والمؤمنُ: هو الله ﷿، وهو اسمُ الفاعل من آمن، كما قال تعالى: (الَّذي أطعمهمْ من جوعٍ وآمنهمْ من خوفٍ أي آمنهم من الخوفِ، لكونهم في الحرم، وحلولهم فيه.
[ ٣٩٦ ]
قال ذو الرُّمَّة:
وأنت الذي اخترتُ المذاهبَ كلَّها بوهبينَ إذ ردَّتْ عليَّ الأباعرُ
العائدُ من الصِّلةِ إلى الذي محذوفٌ، وهو المفعولُ الأوَّلُ لاخترتُ، والمفعول الثاني
المذاهبَ، فحذفِ حرفُ الجرّ، فوصلِ الفعلُ، ومثله قولُ العجَّاج:
تحت التي اختار لهُ اللهُ الشَّجرْ
المعنى: التي اختارها لهُ من الشَّجر، فلمَّا حذفَ الجارَّ، وصل الفعلُ إلى الشَّجر وإلى المذاهب في بيت ذي الرُّمَّة.
أنشد أحمد بن يحيى:
مقاديمكمْ فينا وفينا دماؤنا فأدُّوا الذي استودعتُ والعِرضُ أوفرُ
تقديره: الذي استودعته إيَّاكم، فحذف المفعولَ من الصِّلة، فاتَّصل المفعولُ الثاني بالفعل الذي في الصِّلة، فحذفه، وإن لم يكن راجعًا إلى الموصول، وحقُّ المحذوف من الصِّلة أن يكون الموصولَ في المعنى، وإنما استجزتَ حذفَ المفعولِ من الصِّلة، وإن لم يكن راجعًا إلى الموصول، لأنه موضعٌ قد حذف منه المفعولُ كثيرًا، يدلُّ على جواز هذا الوجهِ
[ ٣٩٧ ]
قولُ كثيِّرٍ:
وإنَّ ابنَ ليلى فاهَ لي بمقالةٍ ولو سرتُ فيها كنت ممَّن ينيلها
ومثله من الحذف: (من يصرفْ عنهُ يومئذٍ).
وإن شئتَ قلت في البيت: إنه حذف المفعولين جميعًا، كما حذفا في قوله: (أين شركائيَ الذين كنتمْ تزعمونَ).
وأنشد بعضُ البغداديِّين لحميد بن ثور:
أأنتَ الهِلاليُّ الذي كنتَ مرَّةً سمعنا به والأرحبيُّ المعلَّفُ
قال: أراد: وهذا الأرحبيُّ المعلَّفُ، فأضمرَ، وقد يجوز أن يكون المعنى: أأنت الهلاليُّ، وصاحبُ الأرحبيِّ، فحذف المضافَ.
[ ٣٩٨ ]
وفي هذا البيت أنه قال: الذي كنتَ مرَّةً سمعنا به، فحمل بعضَ الصِّلة على الخطاب، وبعضه على الغيبة.
ويدلُّ على أنَّ الأصلَ عندهم، في أنا الذي فعلتُ: أنا الذي فعل، أنَّ قولهم: أنا
الذي فعلتُ، محمولٌ على المعنى، والمرادُ في الأصل: فعلَ، إلاَّ أنه لمَّا كان الضميرُ الذي في فعلتُ، محمولٌ على المعنى، والمرادُ في الأصل: فعل، إلاّ أنه لمّا كان الضميرُ الذي في فعلتُ، هو الذي في المعنى، كما أنَّ ضميرَ الغيبة هو هو في المعنى، وكلاهما المخاطبُ، اتَّسعَ، فوضعَ لفظَ المتكلِّم موضع لفظِ الغيبة.
وأنشد أبو عبيدة، البيتَ على غير إنشاد البغداديين، فأنشد:
أأنت الذي قال الذي قيل والذي بعيرك هذا الأرحبيُّ المعلَّفُ
فعلى هذا الإنشاد أيضًا، بعضُ الصِّلة على اللَّفظ، وبعضه على المعنى، ومثل ذلك في كونها على الوجهين، ما أنشده أبو زيدٍ وأبو عبيدة:
نحن الذين صبَّحوا صباحا فلم ندعْ لسارحٍ مراحا
فأمَّا قولُ الآخر، أنشده أبو عبيدة:
أنا الذي انتشلتها انتشالا ثمّ دعوتُ فتيةً أزوالا
[ ٣٩٩ ]
فالصِّلةُ فيه محمولةٌ على المعنى، ولا حملَ فيه على اللَّفظ، وكذلك قولُ الآخر:
وأنا الذي قتَّلتُ بكرًا بالقنا وتركتُ تغلبَ غيرَ ذاتِ سنامِ
وكذلك قول جريرٍ:
نحن الذين هزمنا جيشَ ذي نجبٍ والمنذرين اقتسرنا يومَ قابوسٍ
وكذلك قولُ الآخر:
أنا الذي فررتُ يومَ الحرَّةْ
فهذا كلُّه محمولٌ على المعنى فقط.
وقال الفرزدق:
وإنّي لرامٍ نظرةً قبلَ الَّتي لعلي وإن شطَّت نواها أزورها
[ ٤٠٠ ]
جاء الصِّلةُ غيرَ الخبر، والصِّلةُ لا تكونُ إلاَّ خبرًا، كما أنَّ الصِّفة كذلك.
فإن قلت: فقد جاء من الموصولةِ ما وصلَ بغير الخبر، نحو ما قالوه، من قولهم:
كتبتُ إليه أنْ قمْ، وبأنْ قمْ.
فإنَّ ذلك، وإن جاء في أنْ لا يستقيم في الذي، ونحوه من الأسماء، لأنَّ الذّي يقتضي الإيضاح بصلته، وليست أن كذلك، ألا ترى أنها حرفٌ، وأنَّه لا يرجعُ إليها ذكرٌ من الصِّلة. وهذا وإن جاء في هذا البيت، فإنَّ النحويِّين يجعلون لعلَّ كليتَ، في أنَّ الفاءَ لا تدخلُ على خبرها، فلا يجيزون: لعلَّ الذي في الدارِ فمنطلقٌ، كما لا يجيزون ذلك في ليت.
فإن قلت: أحملُ لعلَّ على المعنى، لأنه طمعٌ، فكأنه قال: أطمعُ في زيارتها.
قيل لك: فصلهُ أيضًا بليت، وقل: المعنى: الذي أتمنَّى، وصله بالاستفهام، والنِّداء، وجميعِ ما لم يكن خبرًا، وقل: المعنى: الذي أنادي، والذي أستفهم. فهذا لا يستقيم.
فإن قلت: أراد بأزورها التقديمَ، فكأنه قال: التي أزورها.
[ ٤٠١ ]
فإنَّ ذلك لا يستقيمُ أيضًا، لأنه واقعٌ موقع الخبر، وتقديم الخبر على لعلَّ لا يستقيم.
والوجهُ فيه: أنَّه لمَّا جرى أزورها خبرًا للعلَّ، سدَّ أزورها مسدَّ الصِّلةِ، التي يجب أن تكون خبرًا، فكأنه أراد: التي أزورها، فأغنى ذكرُ أزورها خبرًا للعلَّ، عن ذكرهِ لها قبل لعلَّ، والمعنى على التقديم، وأشبه هذا قولهم: لو أنَّ زيدًا جاءني، في أنَّ الفعلَ الجاريَ في الصِّلة، سدَّ مسدَّ الفعلِ الذي يقعُ قبل أنَّ بعد لو، ولولا هذا الفعلُ لم يجز، ألا ترى أنَّه لا يجوزُ: لو مجيئكَ، فكذلك سدَّ ذكرهُ بعد لعلِّي مسدَّ ذكره قبل لعلِّي، فهذا وجهه، ولا ينبغي أن يقاس على هذا، ولا يؤخذَ به، وكأنَّ الذي حسَّنَ هذا طولُ الكلام، وذكرُ الجزاءِ في الصِّلة، وقد رأيتَ طولَ الصِّلةِ يجوزُ فيه ما لا يجوزُ إذا لم تطلْ.
ويجوز فيه شيءٌ آخر: وهو أن تقدِّر قبلَ لعلِّي فعلًا، وتحذفه لطولِ الكلام، فتكون الصِّلةُ الفعلَ الذي هو: أقول فيها، وهو خبرٌ، لا إشكالَ فيه، وحسنَ الحذفُ لطلِ الكلامِ.
وقال الفرزدق:
فحقُّ امرئٍ بين الوليدِ قناتهُ وكندةَ فوقَ المرتقى يتصعَّدُ
تقديره: أن يتصعَّدَ، فحذف أنْ، كما قال جريرٌ:
نفاك الأغرُّ ابن عبدِ العزيزِ وحقُّكَ تنفى من المسجدِ
[ ٤٠٢ ]
أي حقُّكَ أن تنفى.
والمعنى: يتصعَّدُ فوق المرتقى، فتقدُّمُ فوق كتقدُّمِ الجارِّ، في نحو قوله:
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
أو بمنزلةِ قوله تعالى: (يومَ يرونَ الملائكةَ لا بشرى يومئذٍ للمجرمينَ)، والظَّرفُ بمنزلةِ الجارِّ والمجرور، لأنَّ الجارَّ مرادٌ معه، يدلُّك على ذلك ردُّهم له في الكناية.
والدَّليلُ على أنّ أنْ في هذا النَّحو، بمنزلةِ المثبت في اللَّفظ، ما جاء من قولهم: لأنْ تسمعَ بالمعيديّ خيرٌ من أنْ تراه، وحذفوا أنْ) من هذا الكلام، فقالوا: تسمعَ بالمعيديّ خيرٌ من أنْ تراه فلولا أنَّ أنْ في حكم المثبت، لم يجز هذا الكلامُ، ألا ترى أنّك لا تخبر عن الجمل، ويدلُّك على ذلك أيضًا قولهم: تسمعُ بالمعيديِّ لا أن تراه، فلولا أنَّ أنْ محذوفةً، مثلها مثبتةً، ما جاز أن تعطفَ على تسمعُ الذي هو فعلٌ، بالاسم.
ويدلُّ على أنها محذوفةً في هذا النحو، بمنزلتها مثبةً، أن أبا عثمان قد حكى عن ابن قطربٍ، عن أبيه، أنه سمع من العرب من يقول:
[ ٤٠٣ ]
ألا أيُّهذا الزَّاجري أحضرَ الوغى
بالنَّصب، فلولا أنّها في حكم الإثبات، لم تنصب الفعل، وقد حكى أحمدُ بن يحيى، ثعلبٌ، نحو ذلك، فقال: خذ اللصَّ قبلَ يأخذك وحكى أبو الحسن نحو ذلك.
وقد جاء حذفُ أنْ من الكلام، وما بعده مسندٌ إلى الفعل، أنشد أحمد بن يحيى، عن
ابنِ الأعرابيّ:
وما راعنا إلاَّ يسيرُ بشرطةٍ وعهدي به فينا يفشُّ بكيرِ
[ ٤٠٤ ]
وقال الفرزدق:
فإنَّ ارتداد الهمِّ عجزٌ على الفتى عليه كما ردَّ البعيرُ المقيَّدُ
تقديره: فإنَّ ارتداد الهمِّ على الفتى، عجزٌ عليه، وعجزٌ خبر الارتداد، وقد فصل به بين المصدرِ وصلتهِ، وليس هذا في الحسنِ، كما في التنزيل: (لمقتُ اللهِ أكبرُ من مقتكمْ أنفسكمْ إذ تدعونَ إلى الإيمانِ)، لأنَّ الظَّرفَ في هذه المواضعِ أسهلُ من غيره، فكأنَّه شبَّه هذا بالظَّرفِ، من حيث كان معه الجارُّ، ألا ترى أنَّك تقول: سيرَ بزيدٍ سيرٌ شديدٌ، فتقيم أيُّهما شئتَ مقامَ الفاعل، فلولا أنَّ الجارَّ والمجرور ينزَّلُ منزلة الظَّرف، دون المفعول، لم يجز أن يسندَ الفعلُ إلى المصدر، مع المفعول به.
وعليه وصفٌ للعجزِ، فهو متعلِّقٌ بمحذوف، وفيه ذكرٌ يعودُ عليه، ومثلُ هذا في المعنى ما أنشده أحمدُ بن يحيى:
إذا الهمُّ أمسى وهوَ داءٌ فأمضهِ ولستَ بممضيهِ وأنت تعادلهْ
[ ٤٠٥ ]
أنشدنا محمدُ بن السَّريّ:
من النَّفرِ اللاَّئي الذين إذا همُ يهابُ اللِّئامُ حلقةَ الباب قعقوا
اعلم أنه لا يجوز أن يكون الذين صلة اللائي، كقولك: الذي في داره زيدٌ عمروٌ، لأنه ليس في ظاهرِ صلةِ الذين ما يرجع إلى اللائي، وقد جاء في التنزيل وصلُ الموصولِ بالموصول، على ما يحمل النحويُّون عليه مسائلَ هذا الباب، زعموا أن بعض القرَّاء قرأ (فاستغاثهُ الَّذي من شيعتهُ).
فأمَّا همْ في البيت، فإنه يرتفع بمضمرٍ، يفسِّره قعقعوا، والشَّرطُ قعقعوا المتأخِّرُ، والتَّقدير، إذا أظهرتَ المضمرَ الذي ارتفع عليه الضمير: إذا قعقعوا قعقعوا، لأنَّ
الضميرَ يتَّصل بالفعلِ المضمر إذا أظهرته.
ولا يجوز أن يكون الشَّرطُ يهابُ، لأنه لا يجوزُ أن يفسِّرَ ما ارتفع عليه هم، وإنما يفسِّره قوله قعقعوا، والتقدير: إذا قعقعوا حلقةَ الباب، هابَ اللِّئامُ دقَّها، لأنهم ليسوا على ثقةٍ من الإذن لهم، كما يثق هؤلاء النَّفرُ الرؤساءُ، بأنهم يؤذنُ لهم.
[ ٤٠٦ ]
فقعقعوا وإن كان مؤخَّرًا في اللفظ، مقدَّمٌ في التَّقدير، بدلالةِ أنه لا يخلو من أن تجعلَ الشرطَ إذا يهابُ أو إذا قعقعوا، فلا يجوز أن تجعل الشَّرطَ يهابُ، لأنه لا يفسِّرُ ما ارتفع عليه هم كما يفسِّره قعقعوا، ألا ترى أنه مشتغلٌ بظاهرٍ، فإذا كان كذلك، لم يجز من جهةِ اللَّفظ، وإن لم يمتنع من جهة المعنى أن تقول: إذا هابَ اللِّئامُ دقَّ الحلقةِ، دقَّها الكرامُ.
فأمَّا وصله الموصولَ بإذا، مع أنَّ الذين يعنى بهم أعيانٌ، ولا يجوز: الذي يومَ الجمعة زيدٌ، كما يجوز: الذي يوم الجمعةِ القتالُ، فإنَّ الكلامَ محمولٌ على المعنى، كأنه قال: الذين إن قعقعوا هابَ اللِّئام، فلذلك جاز.
وهذا يدلُّ على جوازِ ما أجازه سيبويه، من قوله: زيدٌ إذا أتاني أضربُ، وأنه لا يكون بمنزلةِ: زيدٌ يومَ الجمعة، ولا زيدٌ غدًا، وعلى هذا قولُ أوسٍ:
فقومي وأعدائي يظنُّونَ أنني إذا أحدثوا أمثالهاأتكلَّمِ
مع أنه لا يجوز: علمتُ أن زيدًا يومَ الجمعة.
فأمَّا قوله: إذا يهابُ، فجاء بالمضارع بعد إذا، وأكثرُ ما يجيءُ بعده في الاستعمال، الماضي، فإنَّ الأصلَ المضارعُ، ألا ترى أنه يرادُ به الآتي، فإذا جاء به على
[ ٤٠٧ ]
الأصل، كان حسنًا، كقوله:
إذا يراحُ اقشعرَّ الكشحُ والعضدُ
أنشدنا بعضُ الرُّواة:
فلا أسألُ اليومَ عن ظاعنٍ ولا ما يقولُ غرابُ النَّوى
القولُ في ما أنه يحتملُ ضربين، أحدهما: أن يكون خبرًا، والآخر: أن يكون استفهامًا.
فإذا حملته على الخبر، كان موضعه جرًَّا بالعطفِ على ظاعنٍ.
وجازَ في ما أن تكون موصولةً، وأن تكون موصوفةً، فإذا جعلتها موصولةً احتمل ضربين، أحدهما: أن تكون حرفًا كأنْ، لا يعودُ إليها من صلتها ذكرٌ، كما لا يعودُ إلى أنْ، والتقدير: لا أسألُ عن ظاعنٍ، ولا قولِ غرابِ النَّوى.
وإذا جعلتها بمنزلة الذي عادّ إليها الهاءُ المحذوفةُ من يقولُ.
وإن جعلتها موصوفةً، قدَّرتها منكورةً، وجعلتَ الجملةَ صفةً لها، وفيها ذكرٌ يعودُ إليها، على حدِّ ما عادَ من الصِّلة، في تقديرها معرفةً.
[ ٤٠٨ ]
ومثلُ منْ في التنكير والتعريف ما، فممَّا جاء فيه ما نكرةً، قول الشاعر:
ربَّما تكرهُ النُّفوسُ من الأم رِ له فرجةٌ كحلِّ العقالِ
فما: اسمٌ منكورٌ، يدلُّك على ذلك دخولُ ربَّ عليه، ولا يجوز أن تكونَ كافَّةً، كالتي في قوله تعالى: (ربَّما يودُّ الذين كفروا)، لأنَّ الذكرَ قد عاد إليها من قوله: له فرجةٌ، فلا يجوز مع رجوعِ الذّكرِ أن تكون حرفًا، فالهاءُ في قوله: تكره مرادةٌ، التقدير: تكرهها النُّفوس.
وفرجةٌ مرتفعةٌ بالظَّرف، وموضعُ الجملةِ جرٌّ.
فأمَّا موضعُ الكافِ، من قوله: كحلِّ العقال، فيجوز فيه ضربان، أحدهما: أن يكون نصبًا، والآخرُ: أن يكون جرًَّا، كقولك: مررتُ برجلٍ معه صقرٌ صائدٍ به.
وأمَّا كون ما استفهامًا، في قوله:
ولا ما يقولُ غرابُ النَّوى
[ ٤٠٩ ]
فعلى أن تعطفه على أسألُ، فيكون: لا أسألُ عن ظاعنٍ، ولا أسألُ ما يقولُ غرابُ النَّوى، كأنّه قال: لا أسألُ أيَّ شيءٍ يقولُ غرابُ النَّوى، فما في موضعِ نصبٍ
بيقول، ولا يكون منتصبًا بالسُّؤال.
أنشد أحمدُ بن يحيى، للقنانيّ:
ولو أن عرض البحر بيني وبينها لحدَّثتُ نفسي ما إليكِ مخاضُ
المعنى: لحدَّثتُ نفسي بما إليكِ، فحذفَ الحرفَ، ووصلَ الفعلُ، وما موصولةٌ، أي لحدَّثتُ نفسي بالذي هو إليك خوضٌ، أي تأتَّيتُ لذلك، وإليكِ
[ ٤١٠ ]
للتَّبيين، ولا يكون المخاضُ مكانًا، لأنه إذا كان مكانًا، لم يتعلَّقْ به شيءٌ، من حيثُ لم يناسبِ الفعلَ، فلم يفسِّرْ ما يتعلَّقُ التَّبيينُ به.
وقد يجوز أن يكونَ المعنى: لو أنَّ عرضَ البحرِ بيني وبينها، لحدَّثت نفسي، فقلتُ: ليس إليكِ مخاضٌ، فأمَّا إذا كان شيءٌ دون عرضِ البحرِ، فإني أحدِّثُ نفسي بذلك، فتكون ما على هذا نفيًا، ويكون إليكِ متعلِّقًا بمحذوف، كقولك: ليس بك مرورٌ، ومن رأى أن يرفعَ بالظَّرف، كان الاسمُ مرتفعًا به، ولا شيءَ فيه. وقال كثيِّرٌ، أو غيره:
ألا حيِّيا ليلى أجدَّ رحيلي وآذنَ أصحابي غدًا بقفولِص
غدًا لا يكون إلاَّ على مضمر، لامتناعِ حمله على المصدر، لتقدُّمهِ عليه، ولاستحالةِ حملهِ على الفعل.
فإن قلتَ: فلم لا تقدِّر الماضيَ تقديرَ الآتي، كما أنَّ قوله:
يا حكمُ الوارثُ عن عبدِ الملكْ أوديتُ إن لم تحبُ حبوَ المعتنكْ
[ ٤١١ ]
الماضي فيه بمنزلة الآتي، بدلالة وقوعِ الشَّرطِ بعده، وأن المرادَ لو كان الماضي لم يصحّ، من حيث لم يجزْ: قمتُ إن قمتَ، وإنما تقول: أقومُ إن قمتَ، لأنَّ المجازاةَ إنما تكون بما لم يقعْ.
فإنَّ البيتَ إن حمل على هذا لم يكن بالسَّهلِ، لأنَّ هذا إنَّما يكون فيما قربَ قربًا شديدًا، ولم يكن فيه مهلةٌ ولا تراخٍ، كنحو قولهم: قد قامت الصلاةُ، فإنَّما يحسن
ذلك فيما كان على هذا النَّحو من القرب، فإذا دخله التَّراخي لم يحسن، وكذلك قولُ رؤبةَ:
أوديتُ إن لم تحبُ حبوَ المعتنكْ
كأنَّه من مقاربته الهلاكَ، في حالِ من قد غشيه ذلك، فلذلك حسن أن يسدَّ مسدَّ الجزاء.
أنشد أبو عبيدة:
فلا تحسبُ الأعداءُ إن متُّ أنَّني وخلَّفتُ بشرًا أنَّ حدِّيَ كلَّتِ
لا يستقيم أن تقدِّرَ العطفَ في قوله: وخلَّفتُ على هذا الشَّرط المظهرِ في الكلام، لأنك إن قدَّرته هذا التقديرَ قدَّمتَ الصِّلةَ على الموصول، ولكن تضمرُ بعد أنَّ شرطًا، يكون هذا المتقدِّم دالًاّ عليه، كما أضمرتَ بعد الاستفهام فعلًا، دلَّ عليه ما تقدَّمه في قوله: (وأنا منَ المسلمينَ. آلآنَ وقد عصيتَ قبلُ) ألا ترى أنّ الاستفهام مثلُ الموصولِ، في أنَّ ما تقدَّمه منقطعٌ منه، وغيرُ داخلٍ في حيِّزه، كما أنَّ الموصولَ كذلك.
[ ٤١٢ ]
وأمَّا أنَّ الثانيةَ، فإنَّما كرِّرتْ لتراخي الأولى ولا يكون على البدل، لأنَّ الأوَّلَ لم يتمّ، والبدلُ لا يكون حتى يتمَّ المبدلُ منه.
شاعر:
وقالوا لها لا تنكحيه فإنَّه لأوَّلِسيفٍ أن يلاقى مصرعا
يجوز أن ينتصب مصرعا على الحال، مما في اللام، ويكون أن يلاقى بدلًا من السَّيف، كأنَّه: لأوّلِ سيفٍ أن يلاقيه، فحذفَ الضميرَ، كما حذفَ من قولك: أذكرٌ أن تلد ناقتك أم أنثى، كأنه: هو لأوّلِ لقاءِ سيفٍ مصرعا، أي ذا مصرعٍ، أي: أوَّلُ ما يلقى يصرعُ.
ويجوز أن تجعلَ مصرعًا مفعولَ يلاقي، فيكون التقدير: لأوَّلِ لقاءِ سيفٍ، أي
يأتي عليه، كما جاء في الحديث: هو لأخيك أو للذِّئب أي يفرسه الذِّئبُ، أو يأخذُ هـ غيرك. الوجهان ممكنان.
[ ٤١٣ ]
والمصرعُ: يجوز أن يكون مصدرًا، ويجوز أن يكون اسمَ الموضِع، الذي يصرعُ فيه.
وقال بشرُ بن أبي خازم:
ونحنُ ألي ضربنا رأسَ حجرٍ بأسيافٍ مهنَّدةٍ رقاقِ
وأنشد بعضُ البغداديِّين:
فإنَّ الألاءِ يعلمونكَ منهمُ كعلمي مظَّنُّوكَ ما دمتَ أشعرا
وأنشد أيضًا:
ألا أيُّها القومُ الأُلى ينبحونني كما نبح اللَّيثَ الكلابُ الضَّوارعُ
وأنشدوا:
ألم ترني بعدَ الذين تتابعوا وكانوا الأُلى أعطي بهم وأمانعُ
ألى: اسم موصولٌ، بمنزلة اللاَّئي، والألفُ واللامُ في هذه الأسماء الموصولةِ، زائدةٌ، يدلُّك على ذلك، أنَّها لا تخلو من أن تكون
زائدةً، أو غير زائدة، فإن جعلتها غير زائدة، لم يستقم، لأنه يلزمُ من ذلك أن يجتمعَ في الاسم تعريفان، أحدهما
[ ٤١٤ ]
من جهةِ الألفِ
واللام، والآخرُ: من جهة اتصال الصِّلة بها، ألا ترى أن اتِّصالَ الصِّلة بها يوجب فيها التعريف، يدلُّك على ذلك تعرُّفُ
ما ومن بها، فكما تعرَّفَ من وما بالصِّلة، كذلك يجب أن يتعرَّفَ الذي بالصِّلة، وإذا تعرَّف بها،
ثبت زيادةُ الألفِ واللام، ويدلُّ على زيادتهما سقوطهما فيما سقط من قوله:
ونحن ألى ضربنا رأسَ حجرٍ
ويدلُّ على ذلك أيضًا قولهم: أنا ذو قال، ومررتُ بالرجل ذو قال، ونحو ما أنشده أبو زيد:
فإن لم أصدِّق بعض ما قد صنعتمُ لأنتحينْ للعظمِ ذو أنا عارقهْ
فكما جرى صفةً على المعرفة، بغير ألفٍ ولام، كذلك يكونان في الذي
[ ٤١٥ ]
وما أشبهه من الأسماء الموصولة، للجمعِ كان، أو للواحدِ، فأمّا ما أنشده بعضُ البغداديِّين، من قوله:
فإن الألاءِ يعلمونكَ منهمُ
فالألاء: لغةٌ في ألى الموصولةِ، ولا يجوز أن يكونَ ألاءِ المبهمةَ، كإنَّ في الموصولة لغتين، كما كان في المبهمة لغتان، نحو:
هؤلا ثمَّ هؤلا كلًاّ آعطيتَ نعالًا محذوَّةً بمثالِ
ونحو: (أهؤلاءِ منَّ اللهُ عليهمْ من بيننا).
ولا تكون المبهمةَ، لأنَّ المبهمةَ لم تدخلْ عليها الألفُ واللامُ، في موضعٍ، زائدًا، ولا غيرَ زائدٍ، ألا ترى أنَّ دخولها غيرَ زائدةٍ، على المبهمةِ لا يجوز، لأنَّ المبهمةَ أنفسها معارفُ، بما فيها من معنى الإشارة، ويدلُّك على ذلك بناؤها، وانتصابُ الأحوالِ عنها، فإذا كانت معارفَ لم يدخلا عليها، ولمَ تدخلْ عليها زائدةً، لأنَّها إنَّما تدخلُ زائدةً في الموضع الذي يجوز أن تكونَ فيه غيرَ زائدة.
فالأُلاءِ في البيت: اسمٌ موصولٌ، ولا يجوز أن تكون اسمًا مبهمًا، لما ذكرنا. فإن قلت: إذا كان أيٌّ مضافةً، معرفةً بالإضافة، والصِّلةُ أيضًا تعرَّفُ الموصولَ، ولا يجوز أن يجتمعَ في الاسم تعريفان، فكيف جازَ أن يوصلَ أيٌّ في حالِ إضافتها إلى المعرفة، وهلاَّ لم تضفْ موصولةً، لئلاّ يجتمعَ فيها تعريفُ الإضافةِ، وتعريفُ الصِّلة؟
[ ٤١٦ ]
فالقول في ذلك: أنّ أيًّا إذا أضيفَ إلى المعرفة، فقلتَ: أيُّهم عندك، وأيُّ القومِ
عندك؟ فهي في هذه الإضافة غير مختصَّةٍ، اختصاص َ غلامِك، وغلامهم، وغلامِ الرجلِ، ألا ترى أنها في حالِ الإضافة شائعةٌ، وليس يرادُ بها واحدٌ بعينه، من حيثُ جازَ أن يغنى به كلُّ واحدٍ من أجزاء المبعَّضِ المضافِ إليه، فلمَّا كان كذلك، كان بمنزلة مثلِك ونحوه، مما لا يختصُّ في الإضافة إلى المعارف، لقيامِ الإبهام والشِّياع فيه، وإذا كان كذلك، لم يمنتع أن يوصلَ بالصلةِ، ليختصَّ، ألا ترى أنَّ الصِّلةَ تخصِّصُ الموصولَ، كما تخصِّصُ الصِّفةُ الموصوفَ، فلمَّا كان كذلك، لم يمتنع أن توصلَ، مع كونها مضافةً، لتخصيص الصِّلةِ لها، وقصرِها على ما كانت تقعُ عليه قبلَ ذلك.
وممَّا يدلُّكَ على أنَّ الصِّلةَ توضِّح الموصولَ، كما تخصِّص الصفةُ الموصوفَ، أنه يرجِعُ منها ذكرٌ إلى الموصول، كما يرجع من الصِّفة إلى الموصوف، في أكثر الأمر.
وإنما قال النحويُّون: إن الصِّلةَ كبعضِ الاسم، ولم يقولوا ذلك في الصِّفة، لأنّ الموصولَ لا يخلو من الصِّلة المذكورة أو في حكم المذكورة وليس الموصوفُ مع الصِّفة كذلك، ولو كانت الصِّلةُ من الموصول في الحقيقة، بمنزلةِ أجزاء الاسمِ من الاسم، لم يجزْ أن يعودَ منها ذكرٌ إليه، حتى ينقضيَ الموصولُ بجميعِ أجزاء الصِّلة، وفي أنّ الأمرَ بخلافِ ذلك، ما يدلُّ على أنَّ الصِّلةَ توضيحٌ للموصول، كما أن الصِّفةَ مع الموصوفِ كذلك، ألا ترى أنّك تقول: الذي هو منطلِقٌ زيدٌ، فتكنى عن الذي، وجميع الموصولات،
[ ٤١٧ ]
والصِّلةُ لم تتمَّ بعدُ، وتثنِّيه وتجمعُه، في قولك: اللذان، والذين، أو الَّذون، والاسمُ لا يثنَّى ولا يجمع قبل تمامه، كما لا يكنى عنه إلاّ بعدَ تمامِه.
فإن قلت: فهلاَّ لم تصرِف أيٌّ إذا ألحقتها تاء التأنيث، ووصلتها لتعرِّفها بالصِّلةِ، كتعرُّفِها بالتّسمية، لو سمَّيتَ شيئًا: أيَّةَ.
فالقول في ذلك: أنَّ أهلَ النَّظرِ في العربيَّة قد اختلفوا فيه، فذهب أبو عمرَ، إلى أنَّ ذلك لا يصرفُ، فيما حكى محمد بن يزيد، عن أبي عثمان، عنه، وحكى أبو عثمان، عن أبي الحسن: أنه كان يصرفُ، وكان أبو عمر يقول: رأيتُ أيَّةَ في الدار ولا يصرف، وكان أبو الحسن ينوِّنُ ويقول: التَّنوينُ بعض الاسم، لأنه وقع في وسطِه، كقولي في امرأةٍ تسمَّى خيرًا منك، ألا ترى أنِّي أقولُ فيها: رأيتُ خيرًا منك، قال أبو عثمان: وهو قولي.
قال أبو عليّ: وجهُ قولِ أبي عمر إن أيًّا معرفةٌ، وفيه علامةُ التأنيث، وليست الصِّلةُ، وإن كان الاسمُ محتاجًا إليها، مثلَ ما يطولُ به الاسمُ، من نحو: خيرٍ منك، وضاربٍ زيدًا، ولا آمرًا بالمعروف لك، إنِّما توضِّحُ الموصولَ، فهي مضارعةٌ الصِّفةَ في ذلك، ألا ترى أنَّها لا تخلو من عائدٍ منها إلى الموصول، كما أنّ الصِّفةَ قد تكون كذلك، وليست اللَّواحقُ التي تلحقُ خيرًا وآمرًا كذلك، وإن كانت تخصُّ
[ ٤١٨ ]
الاسم بعضَ التَّخصيص. فلمَّا كان كذلك لم تصرفه، كما لم تصرفِ الموصوفَ، إذا كان ثانيًا من جهتين.
ويدلُّك على ما ذكرنا، من مشابهةِ الصِّلةِ للصِّفة، التَّثنيةُ والجمعُ اللاَّحقان الذي قبلَ الصِّلة، والاسمُ لا يثنَّى ولا يجمعُ قبل تمامهِ بأجزائه. فكما أنَّ التثنيةَ والجمعَ إنَّما يلحقانِ آخره، كذلك التَّنوينُ يلحقُ آخره، وكان يحذفُ من آخرِ ما لا ينصرف، حذفتَ من آخرِ أيَّة، كما حذفتَ من آخرِ الموصوف، إذا حصلَ فيه ما يمنع الصرفَ.
فإن قال قائلٌ، ممَّنْ يذهب قول أبي عمر: إنّ الذي شبَّه به أبو الحسن أيّةً إذا وصلت من قولهم: خيرًا منك، ونحوه، لا يشبِه الصِّلة، لأنّ هذه اللَّواحقَ التي تلحق خيرًا، وضاربًا، وعشرين درهمًا، يعملُ فيها ما قبلها، والصِّلةُ لا يعملُ فيها الموصولُ، فهذه اللَّواحقُ، لتشبُّثها بما قبلها، واقتضائِه لها، لا يتمُّ إلاّ بها، فإذا
لم يتمَّ إلاّ بها، وقع التنوينُ وسطًا، فلم يلزم حذفُه، والصلةُ ليست كذلك مع الموصول.
قيل إنّ الموصولَ يقتضي الصِّلةَ أشدَّ من اقتضاء العاملِ المعمولَ فيه، ألا ترى أنَّ الموصولَ لابدَّ له من صلةٍ، ومن ذكرٍ يعود منها إلى الموصول، إذا كان اسمًا، والعاملُ من نحو: ضاربٍ، وخيرٍ، وعشرين، قد لا يعملُ في شيءٍ، فيكون كلامًا، فإذا نوِّنَ الاسمُ مع ما اتِّصالُه به، واقتضاؤُه له دونَ اقتضاءِ الصِّلة للموصول، فأن ينوَّن مع الصِّلةِ
[ ٤١٩ ]
أجدرُ، من حيثُ تعلُّقها به أشدُّ، ومن ثمَّ خفِّفت أنَّ المفتوحة، على شريطة الإضمارِ فيها، ولم تكن المكسورةُ كذلك، لأنَّ المفتوحة موصولةٌ، والمكسورةَ عاملةٌ غيرُ موصولة، فمن حيث كان اقتضاءُ الموصولِ للصِّلة أشدَّ من اقتضاء العامل، الذي ليس بصلةٍ، خفِّفت على شريطة الإضمارِ فيها.
فالتَّنوين في أيَّةٍ على ما ذهب إليه أبو الحسن، أبينُ، إذا رددتها إلى هذا الاعتبار، من قولِ أبي عمرَ.
وأمَّا قولُ الأسودِ بن يعفر:
هما خيَّباني كلَّ يومٍ غنيمةٍ وأهلكتهمْ لو أنَّ ذلك نافعُ
وأتبعتُ أخراهمْ طريقَ ألاهمُ كما قيل نجمٌ قد خوى متتابعُ
فقيل فيه: إنه يريد: هجوتُ آخرهم، كما هجوتُ أوَّلهم، أي ألحقتُ آخرهم بأوَّلهم، في الهجاء لهم، فأراد بقوله: ألاهمْ أولاهمْ، فحذفَ الواو التي هي عينٌ، لأنَّ هذه الحروفَ، وإن كانت من أنفسِ الكلمِ، فهي تشبهِ الزيادةَ، لما يلحقها من الانقلاب والحذف، وقد جعلوه بمنزلةِ الزِّيادة، في منزلي ويبتلي وشأنهما
[ ٤٢٠ ]
يعلو، ويعرِّجني طفلو، وقد جعلوها من مرامىً بمنزلة التي في حبارى، وجعلوها في تحيَّةٍ في النسب، بمنزلة التي في عليَّة الزائدة، ومن ثمَّ جعله الخليلُ، في قولهم: أوومَ بمنزلة الواو، في سويرَ، وقوولَ، فلم يدغم، كما لم يدغما فيهما.
وقال أبو عثمان: الهمزةُ بعدها في قياسِ قوله، ينبغي أن تكون بينَ بينَ.
وممَّا يدلُّ على أنَّ المحذوفَ عينُ الفعل من ألاهمْ أنَّها معادلةٌ لأخراهمْ،
[ ٤٢١ ]
وفي التنزيل: (وقالت أخراهم لأولاهمْ)، وقال أميّةُ:
وقد علمنا لو أنَّ العلمَ ينفعنا أن سوف تلحقُ أخرانا بأولانا
ويدلُّك على ذلك أيضًا، أنَّها لا تخلو من أن تكونَ على ما ذكرنا، أو تكونَ ألى التي هي الاسمُ المبهم، الذي يمدُّ، أو ألى الموصولة، في نحو:
ونحن ألى ضربنا رأسَ حجرٍ
و:
نحن الألى فاجمعْ جموعكَ
أو ألى الذي هو جمعُ ذو من غير لفظه، نحو قولِه: (نحن أولو قوةٍ). فلا يجوز أن تكون المبهمةَ، لأنَّ تلك لا تضافُ، كما لا تدخلها الألفُ واللامُ، وكذلك سائرُ المبهمات، لا يجوز أن يضافَ شيءٌ منه، أو تدخله الألفُ واللامُ. ولا يجوز أن تكونَ الموصولةَ، لأنَّ الموصولةَ لا تضافُ، كما لا يضافُ الذي، وما، ومن.
[ ٤٢٢ ]
ولا يجوز أن يكون الذي هو جمع ذي على غير لفظه، لأنَّ ذاك لم تعلمه أضيفَ إلى المضمر.
فإن قلتَ: تضيفه كما أضيفَ ذو في قول كعبٍ:
أو ذووها
فالقولُ: أنَّ ذلك لا يستقيم، لأنها لم تجئْ مضافةً في موضعٍ علمناه، وكان القياسُ في ذو ألاَّ يضافَ، ولكنّه شبِّه بصاحبٍ، فأضيفَ، كما أضيف صاحبٌ، ولم يكن القياسَ.
ومن الأسماءِ الموصولة: اللاَّئي، واللاّتي، وهما يقعان على المؤنَّث، قال تعالى: (واللاَّئي يئسنَ منَ المحيضِ)، وقال: (واللاّتي تخافون نشوزهنَّ)، وقال: (واللاّتي
يأتين الفاحشةَ منْ نسائكمْ)، ولم نعلم اللاتي استعملتْ في المذكَّر،
[ ٤٢٣ ]
فأمَّا اللاَّئي فقد استعمل في المذكَّر أيضًا، يدلُّ على ذلك قولُ الشاعر:
ألمَّا تعجبي وترى بطيطًا من اللاّئينَ في الحقبِ الخوالي
فجمع بالواو والنون، ولو كان يختصُّ المؤنَّثَ لم يجمع بالواو والنُّون.
فإن قلتَ: فكيف جمع بالواو والنُّون، والياء والنُّون،، وهو جمعٌ؟
فإنَّ ذلك ليس بأبعدَ من جمع هم الاسمَ المجموعَ بالواوِ والنون، والألف والتاء، فقد جاء في الحديث: صواحباتُ يوسف، وأنشدوا للفرزدق:
وإذا الرِّجالُ رأوا يزيدَ رأيتهمْ خضعَ الرِّقابِ نواكسي الأبصارِ
ويدلُّ على تذكير اللاَّئي أيضًا قوله:
من النَّفرِ اللاَّئي الذين إذا همُ
[ ٤٢٤ ]
ألا ترى أنه جعله وصفًا للنَّفر، والنَّفرُ مذكَّر.
فأمَّا قوله: من النَّفر اللاَّئي الذين فإن اللاّئي وإن لم يعدْ عليه ذكرٌ من اللَّفظِ وظاهره، كما تقدَّم ذكره، فإنه يجوز أن يكونَ حذفَ الراجعَ من الصِّلة، كأنه قال: اللاّئي هم الذين، ويجوز أن يكونَ حذفَ الصِّلةَ، لأنَّ صلةَ الموصولِ التي بعده تدلُّ عليه، كقولِ الآخر:
من اللَّواتي والَّتي واللاّتي زعمنَ أنّي كبرتُ لداتي
فلم يأتِ للموصولين الأوَّلين بصلةٍ.
ويجوز فيه وجهٌ آخرُ: وهو أنّ البغداديِّين قد أجازوا في هذه الموصولة، من نحو الذي أن توصفَ، ولا توصلَ، كإجازة الجميع ذلك، في منْ وما، وقد أنشد أبو عثمان، عن الأصمعيّ:
حتى إذا كانا هما اللّذينِ مثلَ الجديلينِ المحملجينِ
وقد قالوا: هنَّ اللاَّ فعلنَ ذاك، قال:
فدومي على العهدِ الذي كان بيننا أم آنتِ من اللاَّ ما لهنَّ عهودُ
[ ٤٢٥ ]
وقال الكميت بن معروف:
وكانت من اللاَّ لا يعيَّرها ابنها إذا ما الغلامُ الأحمقُ الأمِّ عيِّرا
وقال امرؤ القيس:
كبكرِ المقاناةِ البياضُ بصفرةً غذاها نميرُ الماءِ غيرَ محلَّلِ
البياض: ينشدُ بالرفع والنَّصب والجرّ.
فالنَّصبُ على: الذي قونيتِ البياضَ، مثل: أعطيَ الدِّرهمَ، والجرُّ على: المعطى الدِّرهمِ مثل: الحسنِ الوجهِ والرَّفعُ على: التي قونيَ البياضُ منها.
وقيل فيه: إنه بيضُ النَّعامِ، وقيل: الدُّرُّ.
والضَّميرُ في غذاها يعود إلى المرأةِ.
أنشد سيبويه:
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ويغضبُ منه صاحبي بقؤولِ
[ ٤٢٦ ]
في قوله: يغضبُ ضربان: إن جعلتها داخلةً في الصِّلة، كانت مرفوعةً، لأنه لا شيءَ يحملُ عليه فينصبَ، فإذا عطفَ لم يخرجها من الصَّلة، وحمل الكلامَ على المعنى، كأنه قال: وما أنا للَّذي لا ينفعني ويغضبُ منه صاحبي بقؤولِ.
فإذا دخلَ يغضبُ في الصِّلة، عطف المضارعُ على اسم الفاعل، وكلُّ واحدٍ من المضارعِ واسم الفاعل، يعطفُ على الآخر، لتشابههما، قال:
بات يعشِّيها بعضبٍ باترِ يقصدُ في أسوقها وجائرِ
وموضع المضارعالذي هو يغضبُ في البيت، نصبٌ للعطف على خبر ليس، والضميرُ الذي هو منه يعودُ على اسم ليس، والمقولُ حينئذٍ هو الشيءُ، والقولُ يقع عليه، لعمومهِ، واحتمالهِ أن يكون القولَ وغيره، وليس كالغضب.
فإذا أخرج يغضبُ من الصِّلة، أضمرَ أنْ لعطفه إيَّاها على الشيء، كأنه قال: وما
أنا للشيء الذي ليس نافعي، ولغضبِ صاحبي بقؤولِ، فالغضبُ لا يقال، ولكن التقدير: ولقول غضبِ صاحبي، فتضيفُ القولَ الحادثَ عنه الغضبُ، إلى الغضب، كما تقول: ضربُ التَّلفِ، فتضيفُ الضَّربَ إلى ما يحدثُ عنه.
[ ٤٢٧ ]
أنشد سيبويه:
وكلُّ أخٍ مفارقهُ أخوهُ لعمرُ أبيكَ إلاَّ الفرقدانِ
قال: لا يجوز أن يكون قوله: إلاَّ الفرقدان على: إلاَّ أن يكون الفرقدان، وإنما لم يجز هذا، لأنَّك لا تحذفُ الموصولَ وتدعّ الصِّلةَ، لأنَّ الصِّلةَ تذكر للتَّخصيص والإيضاحِ للموصول، فإذا حذفتَ الموصولَ، لم يجزْ حذفه وذكرك ما يكونُ إيضاحًا له، ونظير ذلك أجمعون في التأكيد، لا يجوز أن تذكره، وتحذف المؤكَّدَ.
فإن قلت: فلم لا يكون كالصِّفة والموصوف، في جوازِ حذفِ الموصوفِ وذكرِ الصِّفة، فكذلك تحذفُ الموصولَ وتذكرُ الصِّلةَ؟
قيل: لم تكن الصِّلةُ في هذا كالوصف، إذا كان مفردًا، ألا ترى أنَّ الوصفَ إذا كان مفردًا كان كالموصوفِ، في الإفراد، وإذا كان مثل، جاز وقوعه مواقع الموصوفِ، من حيث كان مفردًا مثلّه، مع استقباحٍ لذلك، فأمَّا الصِّلةُ فلا تقعُ مواقع المفرد، من حيث كانت جملًا، كما لم يجزْ أن تبدلَ الجملُ من المفردة، من حيث كان البدلُ في تقدير تكرير العامل، والعاملُ في المفرد لا يعملُ في لفظِ الجمل، فكذلك لا يجوز أن تحذفَ الموصولَ، وتقيمَ الصِّلةَ مقامه.
[ ٤٢٨ ]
فإن قلت: فهلاَّ جاز حذفها، كما جاز حذفُ الصِّلات، وإبقاءُ الموصولة، كقوله:
بعدَ اللَّتيَّا واللَّتيَّا والَّتي
فإنَّ إبقاءَ الموصولِ، وحذفَ الصِّلةِ أشبه من عكس ذلك، لأنَّ الموصولَ مفردٌ، وليس كالصِّلة التي هي جملةٌ، فلذلك جاء في الشِّعر، ولم يمتنع، كما لم يمتنعْ أن يذكرَ المؤكَّدُ، ولا يذكرَ التأكيد، ولو ذكرت أجمعون ونحوه، ولم تذكر المؤكَّدَ، لم
يجزْ، فأمَّا قولُ من تأوَّلَ قولَه:
لعمري لأنت البيتُ أكرمُ أهلهُ وأقعدُ في أفيائه بالأصائلِ
على أنَّ التقدير: لأنت البيتُ الذي أكرمُ أهله، وحذف الموصولَ، فليس في البيت دلالةٌ على هذا الذي تأوَّله، وذلك أنه يجوزُ أن يكون أكرمُ أهله جملةً مستأنفةً معطوفةً على الأولى، ولم تحتج إلى حرفِ العطف، لما في الثانية من ذكر ما في الأولى، كقوله:
[ ٤٢٩ ]
(أولئك أصحابُ النَّارِ همْ فيها خالدونَ)، ويجوز أيضًا أن يكون قوله: لأنت البيتُ على جهة التعظيم، وأجرى عليه اسم الجنس، لهذا، كما تقول: أنت الرجلُ، تريدُ به الكمالَ والجلدَ، فكذلك يكون المرادُ بالبيت، ألا ترى أنَّهم قد يقولون: له بيتٌ وشرفٌ.
فإذا كان كذلك، جازَ أن يكون أكرمُ أهله في موضع حالٍ، ممَّا في البيت من معنى الفعل، كما أنَّ علمًا من قولك: أنت الرجلُ علمًا وفهمًا، ينتصبُ عمَّا في الرجلِ من معنى الكمال، وكما أنَّ جارةً في قوله:
يا جارةً ما أنتِ جارهْ
ينتصبُ عمَّا في ما أنتِ من معنى التَّعظيم، كأنه قال: كملتَ في حالِ علمكَ وبذِّكَ غيركَ.
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون البيتُ بدلًا من أنتَ، ويكون أكرمُ في موضعِ خبر المبتدأ، كأنه قال، إذا أبدلَ البيتَ من أنتَ: أنت أكرمُ أهلَه، أو البيتُ أكرمُ أهله.
فإنَّ قياسَ قول سيبويه عندي، ألاَّ يجوز هذا، ألا ترى أنه لم يجزْ في قولهم: بيَ المسكينِ كان الأمرُ بدلَ المسكينِ من الياء، وإنَّما لم يجز ذلك، لأنَّ البدلَ إنما يذكرُ لضربٍ من التبيين، فإذا لم يفدْ ذلك لم يستجزْ، والمتكلِّمُ في غاية التَّخصيص والتَّبيين، فلم يحتج لذلك فيه إلى بدلٍ، وإذا كان كذلك فالمخاطبُ في هذا كالمتكلِّم.
[ ٤٣٠ ]
وقال امرؤ القيس:
فأدبرنَ كالجزعِ المفصَّلِ بينه بجيدِ معمٍّ نتعلبافكاح
قوله: بجيدِ يصلحُ أن يتعلَّقَ بشيئين: يكون متعلِّقًا بقوله: فأدبرنَ، كأنه: كالجزع ثابتًا بجيد معمٍّ، ويكون متعلِّقًا بالفعلِ الذي في الصِّلة، كأنه: الذي فصِّل ثابتًا بجيدِ معمٍّ.
فإن قلت: فهل يجوزُ أن يكونَ ظرفًا لما في الصِّلة؟
فإنَّ ذلك لا تحملُه عليه، ألا ترى أن قوله: بينه ظرفٌ منه، فلا يكون منه ظرفان، ولكن يستقيم أن تجعله ظرفًا من العامل الأوَّل، الذي هو: كالجزع بذلك المكان، وأنت تجعله ظرفًا متعلِّقًا بالأول، لا حالًا متعلِّقًا بمحذوف.
فأمَّا اللامُ في المفصَّل فالعائدُ إليه الذِّكرُ الذي في بينه أي كالجزع الذي فصِّلَ بينه، وينبغي أن يكون المسندُ إليه فصِّلَ، الفصلَ.
فإن قلت: إنَّ في المفصَّل ذكرًا مرفوعًا، يعودُ إلى اللاَّم، والهاءُ أيضًا تعود إليه، كأنه قال: كالجزع الذي فصِّل بين بعضه وبعضٍ، كما تقول: كالجزع الذي فصِّل يوم الجمعة، أو في الدار.
فذلك أيضًا مستقيمٌ.
فإن قلت: إنه في قولِ أبي الحسن، يجوز أن يكون بينه في موضع رفع، كما قال
[ ٤٣١ ]
في قوله ﷿: (يومَ القيامةِ يفصلُ بينكمْ: إن (بينكم) قام مقامَ المسندِ إليه الفعلُ.
فهو أيضًا مستقيمٌ على ذلك، والمعنى أنَّ هذه البقرَ أدبرنَ، وفيها سوادٌ وبياضٌ، فأشبهت، للسَّوادِ الذي فيها والبياضِ، الجزعَ الذ فصِّلَ بينه في النُّظم في قلادة، على جيد صبيٍ معمٍّ مخول، فذلك يكونُ أحسنَ لهذا الجزع، لأنَّ الصبيَّ إذا كان كذلك، تنوَّقوا فيما يطوِّقونه، من هذه الإنظامة.
أنشد أحمد بن يحيى:
فإن أدعِ اللّواتي من أناسٍ أضاعوهنَّ لا أدعِ الَّذينا
قال: يقول: فإن أدعِ النِّساء اللَّواتي أولادهنَّ من رجالٍ قد أضاعوا هؤلاء النِّساء، أي لا أهجو النِّساء، ولكن أهجو الرجالَ الذين لم يمنعوهنّ، فعلى تفسيره، ينبغي أن يكون المبتدأ مضمرًا في الصِّلة، كأنه قال: فإن أدعِ اللَّواتي أولادهنَّ من أناسٍ أضاعوهنَّ، فلم يحموهنَّ، كما تحمي البعولةُ أزواجها، فلا أدعِ الذين، والتقدير: إن أدعْ هجوَ هؤلاء النِّساءِ المضيِّعات، لا أدعْ هجوَ الرجالِ المضيِّعين، وذمَّهم على فعلهم، فالمضاف محذوفٌ في الموضعين.
[ ٤٣٢ ]
وتقديرُ حذف المبتدأ غيرُ ممتنعٍ هنا، وقد حذف المبتدأُ في الصِّلة، في نحو قولِ عديٍ:
لم أرَ مثلَ الفتيانِ في غبنِ الأيَّام ينسونَ ما عواقبها
أي: ما هوعواقبها، فحذفَ، وكذلك يمكنُ أن يكون قولُه:
ألا ليتَ ما هذا الحمامُ لنا
وقد يستقيم أن تكونَ الًِّلةُ من أناسٍ فتكون مستقلَّةً.
وإن لم تقدِّرْ حذفَ المبتدأ، فيكون التقديرُ على أحدِ أمرين: إمَّا أن يكونَ: اللَّواتي من نساءِ أناسٍ، فحذفَ المضافَ، أو يكون: اللَّواتي من أناسٍ، على ظاهرهِ، لا تقدِّرُ فيه حذفًا، فيكون معنى قوله في النِّساء: هنَّ من أناسٍ، على معنى أنهم يقومون بهنّ، وبالإنفاق عليهنّ.
[ ٤٣٣ ]
فأمَّا صلةُ الذين فمحذوفٌ من اللفظ، للدَّلالة عليها، فيما جرى من ذكرها، تقديره: الذين أضاعوهنَّ.
وقال بعضُ الهذليِّين:
السَّالكُ الثُّغرةَ اليقظانَ كالئها مشى الهلوكِ عليها الخيعلُ الفضلُ
إن نصبتَ كالئها لم يجزْ أن تجعله حالًا من السَّالك وأنت قد وصفته باليقظان،
لأنّك حينئذٍ تفصلُ بين الصِّلةِ والموصول، ولكن يجوز أن تنصبه حالًا عمَّا في يقظان، كأنه يتيقَّظُ في حالِ حفظهِ إيَّاها.
ويجوز إذا نصبتَ كالئها أيضًا أن تجعله بدلًا من اليقظان.
فإن قلت: أفيجوزُ إذا نصبتُ كالئها أن أجعلَ الكالئَ حالًا من الموصول، الذي هو السَّالكُ، على ألاَّ أجعلَ اليقظانَ صفةً للألفِ واللاّم، ولكن أجعله صفةً للثُّغرة، فلا يلزمُ حينئذٍ إذا جعلته حالًا، أن أكون قد فصلتُ بينَ الصِّلة والموصول.
[ ٤٣٤ ]
فإنَّ وصفَ الثُّغرةِ باليقظان ليس بالسَّهلِ، لأنَّ اليقظانَ من صفة الرجل، دونَ الثُّغرة، وهو مع ذلك مذكَّرٌ، والثُّغرةُ مؤنَّث.
فإن قلتَ: فهل يجوز أن أحمله على الاتِّساع، فأقول: ثغرةٌ يقظانُ، وأنا أريد: يتيقَّظُ فيها، لشدَّةِ خوفِ السَّالكِ لها، كما أقولُ: ليلٌ نائمٌ، أريدُ أنَّه ينامُ فيه، وأحملُ التذكيرَ على المعنى، لأنَّ الثُّغرةَ، والثَّغرَ، والموضعَ واحدٌ في المعنى.
فأقول: إنَّك إن حملته على هذا، لم يمتنع أن يكونَ كالئها حالًا من اللاَّم التي في السَّالك المنتصبِ، وإن جعلتَ اليقظانَ على هذا الذي ذكرته من الاتِّساع، جاز أيضًا في الكالئ أن تجعله حالًا ممَّا في السَّالك ممَّا يعودُ إلى اللاَّم، ألا ترى أنَّك إذا جعلتَ اليقظانَ وصفًا للثُّغرة، ولم تجعله صفةً للاّمِ، لم تتمَّ الصِّلةُ، وإذا لم تتمَّ الصِّلةُ لم يكن في الكلام شيءٌ يؤذنُ بتمامها، من صفةٍ لها، أو عطفٍ عليها، أو تأكيدٍ يتبعها، لم يمتنعْ أن تجعلَ كالئها حالًا من الضَّمير، كما وصفنا.
فإن رفعتَ كالئها، ورفعت السَّالكَ جاز أن يكون السَّالكُ ابتداءً، مثل: الضَّاربُ هندًا حافظها.
فإن نصبتَ السَّالكَ، ورفعتَ كالئها، كان ارتفاعُ كالئها باليقظان، كأنه: السَّالكُ الثُّغرةَ المتيقِّظَ كالئها، كأنه ثغرٌ مخوفٌ يحتاج حافظه أن يكون متيقِّظًا حذرًا، لا يغفلُ، ولا يدعُ التَّحرُّزَ، من شدَّة الخوفِ فيها.
[ ٤٣٥ ]
ويجوز أن ترفع اليقظانَ، وتنصبَ السَّالكَ وكالئها، فيكون اليقظانُ بدلًا من الذِّكر العائدِ إلى الألفِ واللام، في السالك، فيكون كالئها حالًا من السُّلوك.
-
[ ٤٣٦ ]