أنشد أبو عثمان:
تخيّرها أخو عاناتِ دهرًا ورجا خيرها عامًا فعاما
قال الرياشي: حدثت أن بعض العرب يقول - وليس بالمعروف -: أخذت إراتهم وإرة مثل عدة، فينصب وفيها تاء الجمع.
قال الرياشي: فكأنه عندي قول من قال: هذه سنينٌ، فجعل الإعراب في النون. قال أبو علي: القول في إراتهم ونصب التاء منها، يكون على ما قدمناه من قولهم: سمعت لغاتهم وتحيزت ثباتًا.
[ ١٧٢ ]
فإن قلت: فكيف يصح هذا التقدير، وقد قال الرياشي: وأرت إرة، فالواو هنا فاء الفعل، وحرف العلة من لغات وثبات، لامه.
قلنا: ذلك يجوز أن يكون على القلب، والدليل على جوازه على ذلك، أن أبا عمرو الشيباني قال: الإرة: المكان الذي يعتلج فيه القوم، ويقتتلون وحكى: قد ائترى القوم إرة منكرة فلما جاء ائترى، كذلك تكون الإرات كعنبة، في تقدير اللام منها مقلوبة.
فأما إذا سميت رجلًا بمسلمات، على قول من قال: يبرين فإن القياس على يبرين أن تحرك التنوين، بدلالة أن التنوين كالنون في مسلمين، من حيث يثبت في تسمية الواحد، وكذلك عرفات تحرك التاء بالكسر، كما أثبت الياء في مسلمين فتقول: مسلماتن، وفي النكرة: مسلماتن، إلا أن هذا القياس وجب أن يفرض أيضًا لأنك لو قسته لجعلت علامة التأنيث في الدرج، والألف والتاء، وإن كانتا علامة الجمع فهما للتأنيث، ألا ترى أنك حذفت التاء معه من مسلمة، حيث قلت مسلمات، فإذا ثبت أنه علامة تأنيث، لم يجز أن تجعل النون حرف إعراب، فإذا لم يجز أن تجعل التنوين حرف إعراب، فالذي قبل التنوين إنما هو الحركة، والتاء التي هي بعد الألف والحركة لا تكون حرف إعراب، ولا يتأتى فيها ذلك، لأنك لو جعلتها حرف إعراب. لزمك أن تحرك الحركة وإنما الذي يتحرك للإعراب الحروف دون الحركات.
[ ١٧٣ ]
فإذا كان ذلك غير جائز، ثبت أن التاء حرف إعراب، وإذا ثبت حرف إعراب، لم يخل من أن يجري مجرى الواحد، أو مجرى الجميع، فلا يجوز أن يجري مجرى
الواحد، وفيه ما لا يصحب إلا تاء الجميع، ألا ترى أن الألف لا تلحق إلا مع الجمع، ولا تلحق مع الواحد، فإذا لزمه ما يمنه أن يجعله للواحد، ويدفعه، وهو الألف ثبت أنه للجمع، وإذا ثبت أنه للجمع ثبت أن تاء الجميع لا تنفتح في موضع النصب أبدًا، وقد نص على أن هذه التاء لا تنفتح في الجمع، سيبويه، في حد الإضافة، في باب النسب إلى التثنية والجمع بالتاء.
فإن قال قائل: فاجعل الألف غير التي تصحب التاء للجمع، لأن تاء التأنيث قد يقع قبلها الألف الزائدة لغير التأنيث، نحو أرطاةٍ، فاجعل الألف على هذا الحد لا التي تلحق مع تاء الجميع.
قيل: هذا لا يستقيم، لأن الألف لا تخلو من أن تجعلها للتأنيث، أو للإلحاق، فلا يجوز أن تجعلها للتأنيث، لأنه قد لحق بعدها التاء، فلا يدخل تأنيث على تأنيث، ولا يجوز أن تجعلها للإلحاق، لأنها تلحق في أكثر الأمر، ما لا نظير له في الأصول، وإذا لم يكن له نظير في الأصول لم يكن للإلحاق، ألا ترى إلحاقها في عرفاتٍ، وأذرعاتٍ، وعانات وكل ذلك لا يصح أن يكون للإلحاق.
فإذا لم يجز التأنيث، ولا الإلحاق، ثبت أنها التي تلحق مع تاء الجميع.
فإن قلت: فقد تلحق الألف على غير الوجهين اللذين ذكرت من التأنيث والإلحاق، وهي التي في قبعثري، ألا ترى أنها ليست للإلحاق ولا للتأنيث فإذا كان كذلك فاجعل التي في مسلمات، مثله.
[ ١٧٤ ]
قيل: هذا فذ، لا ثاني له، وما كان كذلك، فالقياس عليه غير سائغ. على أن هذا يمتنع من وجه آخر، وهو أن الذي يقول: أذرعات فلا يصرف، لتشبيهه بالواحد، لا يقف عليه بالهاء، ولو كانت الألف غير المصاحبة للجمع، لقلبت التاء هاء في الوقف فلما لم يقبلو ذلك، كما لم يقلبوا ما هو تاء جميع قبل أن ينقل إلى اسم الواحد، دل أن التاء للجميع، فكما لم يقلب التاء هاءً في الوقف، بل تركها كما
كانت في الجمع، كذلك لا يفتح التاء في موضع النصب، كما لم يفعل ذلك في الجمع، قبل أن ينقله إلى الواحد.
وإذا ثبت أن التاء للجميع، لم يجز فتحه في موضع النصب.
وليس النون في مثل سنين، ويبرين كالتنوين في مسلمات، لما قدمت ذكره، فلذلك جاز أن يكون حرف إعراب، وإن امتنع التنوين في مسلمات وعلى هذا ما أنشده أبو زيد:
دعاني من نجدٍ فإن سنينه
فأما قول الرياشي: إن من فتح التاء، في إراتهم فهو على قول من قال: سنين، فما ذكرناه يدل أن الأمر ليس كما ذهب إليه والذي قاله من العرب، إنما استهواه أنه للواحد، فجعله بمنزلة طلحة.
وهذا الشذوذ بمنزلة اليجدع لا يعرج عليه، ألا ترى أن قياسه على
[ ١٧٥ ]
ما عرفتك، وقلة استعماله، يقول الرياشي أنه قليل.
وأما استأصل الله عرقاتهم فمن فتح التاء جعلته اسمًا مفردًا، والألف فيه للإلحاق بهجرعٍ، ومثله في الإلحاق: معزى، وذفرى، فيمن نون.
ومن كسر جعله جمعًا، والألف هي المصاحبة لتاء التأنيث، وليست للإلحاق، كالقول الأول، كأنه جمع عرق ونظير هذا قولهم: هيهاة وهيهات من فتح جعله واحدًا ومن كسر جعله جمعًا ووقف عليه بالتاء.
فأما الألف في هيهاة، في قول من فتح، فيحتمل أمرين: يجوز أن تكون من باب
[ ١٧٦ ]
الحاحاة، والصيصية، فيكون إلى هذا معكوس قولهم لصوت الراعي: يهياه.
ويجوز أن تمون مثل الفيفاة، والأول أجود؛ لأن باب قلقال أكثر من باب قلقال.
فإن قلت: فهلا قطعت بسقوطها، على زيادتها، كما استدللت بالفيف على الفيفاة.
فإن ذلك لا يستقيم؛ لأنه غير متمكن؛ ألا تراهم قالوا: هاذان، واللذان، والألف
على القولين جميعًا سقت من الواحد؛ لالتقاء الساكنين.
ولو كان عِرْقاتِهم جمع عِرْقاتَهم المنصوب التاء، لأبدلت من الألف الياء في الجمع بالتاء، وإن شت قلت: هو جمعه، وحذفوا الألف في الجمع؛ لأنها وإن كانت للإلحاق فهي زائدة، فإذا حذفوا الأصل، فحذف الزائد أجدر؛ ألا تراهم قالوا: ذوات مال.
وإن شئت قلت: استغنوا بجمع عرق، عن جمع عرقات، كما استغنوا [بجمع] لجبة، عن جمع لجبة، حيث قالوا: لجبات.
[ ١٧٧ ]
باب من