باب
من الابتداء
قال الفرزدق:
يداكَ يدٌ إحداهما النَّيلُ كلُّهُ وراحتكَ الأخرى طعانٌ تغامرهْ
المراد بقوله: يد، وغن كان قد أفردها، التثنية، كأنه قال: يداك يدان، إحداهما كذا، ولو كان المراد بقوله: يد الإفراد، على ما عليه اللفظ، لم يجز، لأنك إن جعلتها خبرًا لليدين، لم يستقم أن يكون المبتدأ مثنى، والخبر مفردًا، وغن جعلتها مبتدأة، لم يجز أن تقول: يد إحداهما كذا، كما لا تقول: زيدٌ أحدهما كذا، إنما تقول: الزيدان أحدهما خارجٌ.
فإذا لم يخل إذا أفردها من أن تكون خبر ابتداء، أو مبتدأ ولم تسغ جملها على واحد منهما، علمت أن المراد بالإفراد التثنية، كأنه قال: يداك يدان، إحداهما كذا،
والأخرى كذا، فالجملة التي هي: إحداهما كذا، في موضع رفع، لأنها صفة ليد، وهي نكرة، ورجع الذكر إلى اليد من الصفة، بلفظ التثنية، لنه حمل الكلام على المعنى، دون اللفظ.
وقال: وراحتك الأخرى فوضع الراحة موضع اليد، لا يكون إلا كذلك، ألا ترى انك لو قلت، يداه تجودان، ورجله الأخرى تفعل كذا، لم يكن كلامًا، فإنما جاز هذا لوضعه الراحة موضع اليد.
ونظير وضع الراحة موضع اليد هنا، وضعهم الكف موضعها أيضًا، فيما أنشدها أبو عبيدة:
[ ٢٠٩ ]
أتوعدني وراء بني رياحٍ كذبتَ لتقصرنَّ يداكَ دوني
وأنشد أبو زيد:
قلتمْ له اهجُ تميمًا لا أبالكمُ في كفَّ عبدكمُ عن ذاكمُ قصرُ
ففي البيت الأول: لتقصرن يداك دوني، وفي هذا البيت:
في كَّف عبدكمُ عن ذاكمُ قصرُ
فكما وضع الكف موضع اليد، كذلك وضع الراحة موضعها، في قوله: وراحتك الأخرى.
[ومثل قوله: وراحتك الأخرى]، في وضعه الراحة موضع اليد، قول الشاعر:
صلَّى على عزَّةّ الرحمنُ وابنتها ليلى وصلَّى على جارتها الأخرِ
جعل ابنتها جارة لها، كما جعل الراحة يدًا، لما قال: وراحتك الأخرى.
فأما قوله: تغامره فيكون فاعله الراحة، أي تغامر الراحة الطعان، وتكون أنت أيها المخاطب تغامر الطعان.
[ ٢١٠ ]
والطعان: مصدر طاعن، وليس بجمع طعنة، كصفحة وصحاف.
ومثل ما وضع المفرد فيه موضع التثنية، قول امرئ القيس:
وعينٌ لها حدرةٌ بدرةٌ شقَّتْ مآقيهما من أخرْ
فأما قول الفرزدق:
ولكن هما ابن الأربعينَ قد التقتْ أنابيبه مردى حروبٍ على ثغرِ
فقال: هما ابن الأربعين، هكذا رواه أبو الحسن، ولم يقل: ابنا، وقد كان القياس.
فأما الأربعين فيكون لهما، ولا يحتاج إلى تثنية، كأنه قال: هما ابنا هذا الزمان، وهذه المدة، كما تقول، هما ابنا عم، وهما ابنا خالة، وهما أبوا زيدٍ، وآباء زيدٍ، فلا تثني المضاف إليه.
وقد يجوز أن يكون المراد في قوله: هما ابن الأربعين أي كلاهما ابن الأربعين، وكل واحد منهما ابن الأربعين، فحمل الكلام على هذا، ومثله قوله ﷿: (وَالّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) أي اجلدوا كل واحد من القاذفين، ألا ترى انه لا يجلد جميع القاذفين ثمانين.
[ ٢١١ ]
وكما وضع المفرد موضع التثنية، في هذا الموضع، كذلك وضع موضع الجمع، في نحو ما انشده أبو زيد:
فأصبحَ أخداني كأنَّ عليهمُ ملاَء العراق والثغامَ المنزَّعا
يبَّينهمْ ذو الَّلبَّ يراهمُ بسيماهمُ بيضًا لحاهمْ وأصلعا
راجز:
تأمَّل القرنين وانظر ما هما أحجرًا أم مدرًا تراهما
إنَّكَ لن تذلَّ أو تغشاهما وتبركَ اللَّيلَ إلى ذراهما
النصب في أحجرًا على: أزيدًا ضربته؟ ومن قال: أزيدٌ ضربته؟ فرفع، قال: احجرٌ أم مدرٌ تراه؟
وكان القياس: احجرًا أو أحجرٌ أم مدر تراه، لأنك تقول: أزيدٌ قام أم عمرو، وأزيدٌ أم عمرو قام، كما تقول: أيهما قام، ولا تقول: قاما، فيجوز أن يقال: إن هذا في
[ ٢١٢ ]
أم مثل قوله تعالى: (إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللهُ أَوْلَىَ بِهِمَا).
ويجوز أيضًا أن يكون حمل على المعنى، لما كان الحجر والمدر المذكوران هنا، هما القرنان، فثنى، وإن كان في التقدير مفردًا، لنه في المعنى للقرنين، وهما تثنية.
وقد يجوز أن يجعل قوله: أحجرٌ أم مدرٌ بدلًا من نما، فإذا جعلته كذلك، لم يجز فيهما إلا الرفع، لن ما في موضع رفع، فقد أعدت حرف الاستفهام، ويكون تراهما على هذا صفة للنكرة، وحملت تراهما على المعنى، ولم تقل: تراه، كما حملته فيما تقدم على المعنى.
لأن ما بعد الاستفهام لا يستغنى بما قبله، وإذا كان كذلك فالخبر لا بد منه؟
فالقول انك إذا قدرته بدلًا، لم تحتج إلى الخبر، وتقدير حذفه، لأنه في التقدير موضوع موضع ما تبدله منه، وغنما كررت الهمزة في الاستفهام، ليكون البدل على حسب المبدل منه، في الاستفهام، وجاز هذا في الألف، لأنك قد تحمل متا بعدها على ما قبلها، ألا ترى انك تقول إذا قال: مررتُ بزيدٍ: أزيدٍ؟ وأزيد نية، فكما حملت هنا ما بعدها على ما قبلها، كذلك يكون في البيت، وما أشبهه.
قال جرير:
وكائنْ بالأباطحِ من صديقٍ يرانى لو أصبتُ هو المصابا
[ ٢١٣ ]
موضع هو رفع، لكونه وصفًا للضمير الذي في يرانى ولا يكون هو فصلًا، لن هو للغائب، والمفعول الأول في يراني للمتكلم، والفصل إنما يكون الأول في المعنى، كقوله جل وعز: (إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا)، ألا ترى أن أنا هو المفعول الأول المعبر عنه بني.
ومعنى يراني هو المصابا: أي يراني للصداقة المصاب، لغلظ مصيبتي عليه، لصداقته، وليس كالعدو أو الأجنبي، الذي لا يكرثه ذاك.
ويجوز أن يكون التقدير في يراني: يرى مصابى أي مصيبتي وما نزل بي، المصاب، كقولك: أنت أنت، ومصيبتي المصيبة، أي ماعداه جلل وهين، فيجوز على هذا التقدير أن يكون هو فصلا.
فأما قوله تعالى: (تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ هُوَ خَيْرًا)، فيجوز في (هو) أمران، يجوز أنم يكون وصفًا للمضمر الذي هو المفعول الأول، في (تجدوهُ)، ويكون (خيرًا) المفعول الثاني، فإن جعلت (هو) فصلًا، لزم أن تقدر حذف من من الكلام،
[ ٢١٤ ]
لأن الفصل لا يكون إلا بين معرفتين، أو ما يقرب من المعرفة، وغنما يقرب من المعرفة، إذ قدر من معها، ونظير ذلك في الحذف قوله تعالى: (فَإِنّهُ يَعْلَمُ السّرّ وَأَخْفَى) أي أخفى من السر، والذي هو أخفى من السر: ما يهجس للإنسان، ويخطر له، كقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) ومن ذلك قول الآخر:
فأضحى ولو كانت خراسانُ دونهُ رآها مكانَ السُّوق أو هي أقربا
لا تخلو هي في قوله: أو هي أقربا من أن تكون مبتدأ، أو وصفًا، أو فصلًا، أو ظرفًا:
فلا يكون مبتدأ، لا نتصاب ما بعده، فبقى أن يكون وصفًا، أو فصلًا، وذلك أنت قوله: رآها مكان السوق دل على: أو رآها، فحذفها من اللفظ، لدلالة ما تقدم عليها، فصار التقدير: أو رآها أقربا، أي: أو رآها أقرب من السوق، فصارت هي فصلًا بين الهاء والخبر المنتصب.
وقد يجوز أن تجعل قوله: هي وصفًا للهاء، التي هي المفعول الأول، كما جاء ذلك في: (تجِدُوهُ عِنْدَ الله هوَ خيْرًا).
والأول أوجه: لأن المحذوف بحذفه يستغنى عن وصفه، وهذا مثل قوله: زيدٌ رأيت منطلق.
[ ٢١٥ ]
ويجوز أن يكون أقربا ظرفًا، فإذا جعلته ظرفًا، ولم تجعله وصفًا، كان هي مبتدأ، وأقرب الخبر، والتقدير: أوهي أقرب من السوق، ومثله: (وَالرّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ).
فأما خبر أضحى فمحذوف، تقديره: فأضحى مشمرًا، أو مجدا، أو نحو ذلك، مما يدل عليه ما بعده.
عدى بن زيد:
من رأيتَ المنونُ عرَّينَ أم منْ ذا عليه من أن يضامَ خفيرُ
لا يخلو قوله: رأيت من أن تعلها أو تلغيها، لأنها قد وقعت بين المبتدأ وخبره: موضع خبر المنون، والجملة بأسرها في موضع نصب، لوقوعها موقع المفعول الثاني لرأيت.
وقال: عرين فجعل المنون جمعًا، إما لأنه ذهب بها مذهب الجنس، أو لأنه وضع الواحد موضع الجميع، كما تقدم في هذا الباب.
وإن ألغيت، كان في موضع رفع بالابتداء، والجملة التي هي المنون عرين في موضع رفع، بأنه خبر المبتدأ الذي هو من.
[ ٢١٦ ]
والهاء مرادة في عرين ليعود من الخبر ذكر إلى المبتدأ ولا بد من ذلك ألا ترى أن المنون ليست بمن في المعنى، فإذا لم تكن إياه، فلا بد من ذكر يعود من الخبر إلى المبتدأ.
ومن قال: زيدًا ضربته، كان من في موضع نصب عنده، كما تقول: زيدًا أبوه يضربه، إذا أردت: أبو زيد يضرب زيدًا، فقدمت المفعول.
ولا يكون في المنون في كلا الوجهين، من إعمال رأيت وإلغائها إلا الرفع، لأنها ليست بمفعولة، في اللفظ، ولا في المعنى، غنما هي فاعلة في المعنى، ومرتفعة في اللفظ بالابتداء.
قال امرؤ القيس:
تنَّورتها من أذرعاتٍ وأهلها بيثربَ أدنى دارها نظرٌ عالِ
أدنى: ينبغي أن يرتفع بالابتداء، وإذا ارتفع به اقتضى خبرًا، ونظرٌ لا يجوز أن يكون خبره، على ما عليه ظاهر الكلام، لنه ليس به، ألا ترى أن أدنى أفعل، وأفعل هذا لا يضاف إلا إلى ما هو بعض له، وإذا كان كذلك وجب أن يكون أدنى من الدار، بعضها، وبعض الدار لا يكون النظر، فإذا كان كذلك حملناه على أحد أمرين:
[ ٢١٧ ]
إما أن يكون حذفت المضاف إلى الأدنى، وجعلته: نظر أدنى دارها نظر عال.
وإما أن تحذف المضاف من النظر، فيكون: أدنى دارها ذو نظر، ليكون الثاني الأول.
أبو كبير الهذلي:
في رأس مشرفةِ القذالِ كأنَّما أطرُ السَّحاب بها بياضُ المجدلِ
أطر السحاب: انحناؤه، والانحناء لا يكون البياض، والقول في ذلك أن الأطر العطف، فسمى المأطور أطرًا، كما سمى المخلوق خلقًا، وحذف المضاف، فتقديره: كأنما بياض أطر السحاب، أي بياض مأطور السحاب به، بياض المجدل، فيكون قد شبه اللون باللون.
أنشد بعض اصحاب الأصعمي:
وضاربتَ يومَ الجسرِ والموتُ كانعٌ وأبناؤه بينَ الذَّراعين والنَّحرِ
يحتمل انتصاب بين ضروبا، أحدها: أن يكون ظرفًا لكانع، كانه قال: كانعٌ في هذا الموضع، فإذا كان كذلك أضمرت لقوله، أبناؤه خبرًا، كأنك قلت: وأبناؤه كانعة، فدل ما تقدم من قوله: كانع عليه، كما تقول: زيدٌ منطلقٌ والعمرونَ.
[ ٢١٨ ]
ويحتمل أن يكون صفة لكانع، ويحتمل أن يكون حالًا مما فيه من الضمير، فإذا كان كذلك كان في الوجهين جميعًا متعلقًا بمحذوف.
ويحتمل أن يكون خبرًا لقوله: أبناؤه فيكون فيه ضميرٌ من الأبناء، ويتعلق بمحذوف أيضًا.
ويحتمل أن يضمر كانعة لدلالة ما تقدم عليه، فيكون متعلقًا بهذا المحذوف.
قال شاعر:
هزيمٌ كأنَّ البلقَ في حجراته تحامينَ أمهارًا فهنَّ ضوارحُ
الظرف فيه يجوز أن يتعلق بالبلق، على أن يكون ظرفًا له، كقوله: طاط عن الحق كأنه قال: بعيد عنه، فكذلك البلق، فكأنه قال: ابلاقت في حجراته.
ويجوز أن يكون حالًا، فيجوز أن يتعلق بكأن، على حد قوله:
كأنَّه خارجًا من جنبِ صفحتهِ
[ ٢١٩ ]
وعلى أنه ظرفٌ يعمل فيه معنى الفعل.
ويجوز أن يتعلق بتحامين على هذين الوجهين.
ويجوز وجه آخر، وهو أن يكون حالًا من أمهارٍ كأنه: تحامين أمهارًا في حجراته، فلما قدم انتصب على الحال، على حد:
لعزّةَ موحشًا طللُ
ومثل ذلك في المعنى قوله:
يقولُ النَّاظرون غلى سناهُ نرى بلقاشمسنَ على مهارِ
طرفة:
خيرُ حيَّ لمعدَّ علموا لكفئ ولجارٍ وابن عمّْ
إذا جعل خير خبر مبتدأ محذوف، كان علموا صفة، لن خيرحى نكرة، وعلموا: عرفوا، ولا يحتاج إلى مفعول ثان، وإن شئت كان، علموهم، فحذفت الضمير، لنه صفة، كما تقول: مررتُ برجلٍ أكرمتُ.
[ ٢٢٠ ]
وإن لم تجعله خبر مبتدأ محذوف، كان علموا على ضربين، أحدهما: عرفوا:
وخير حي حال مقدمة.
والآخر: علم القلب، فيكون خير حي مفعولًا مقدمًا، ولكفئ بدل من لمعد.
وإن شئت جعلت علموا خبرًا لمبتدأ، وتنصبت خير حي أي هم علموا خير حي.
قال الكميت، أو عيره:
وأنتَ ما أنت في غبراَء مظلمةٍ إذا دعتْ ألليها الكاعبُ الفضلُ
إن قلت: بم يتعلق الظرف؟
فالقول فيه انه في موضع حال، والعامل فيها ما في قوله: ما أنت من معنى المدح والتعظيم، كأنه قال: عظمت حالًا في غبراء، وليس في الكلام ما يصح أن يكون عاملًا في الظرف، غير ما ذكرنا، ألا ترى انه لا يتعلق بمظلمة بغبراء، من حيث لم تتقدم الصفة على الموصوف، فكذلك ما يتعلق به، ولا يصح في المعنى أيضًا.
[ ٢٢١ ]
ويدلك على كون معنى الفعل في هذا الكلام، انه استغنى به عن جواب إذا، كأنه قال، إذا دعت ألليها الكاعب الفضل، عظمت، أو أغنيت، أو كفيت، أو نحو هذا.
وإذا صح معنى الفعل من ذلك، من حيث ذكرنا، كان قول الأعشى، أيضًا:
بانتْ لطيَّتها عرارهْ يا جارتا ما أنتِ جارهْ
جارةٌ فيه، في موضع نصب بما في ما أنت مما ذكرنا.
وأنشد احمد بن يحيى لعلقمة:
وقد أصاحبُ فتيانًا شرابهم خضرُ المزادِ ولحمٌ فيه تنشيمُ
المضاف قبل خضر المزاد محذوف، لأن التقدير: شرابهم شراب خضر المزاد، ألا ترى أن خضر المزاد لا يكون الشراب.
[ ٢٢٢ ]
والمبتدأ الذي قوله: لحم فيه تنشيم خبره، محذوف تقديره: وطعامهم لحم كذا، لأنك إن لم تقدر حذف المبتدأ، كان التقدير: شرابهم شراب خضر المزاد ولحم، واللحم لا يكون شرابًا فإذا كان كذلك، فلا بد من تقدير حذف المبتدأ.
وأنشد احمد بن يحيى:
من الصُّهبِ السَّخالِ بكلَّ وهدٍ حوارٌ وهي لازمةٌ حوارا
إن قيل: ما موضع قوله: من الصهب؟
فإنه يكون ظرفًا والعامل فيه قوله: بكل وهد ألا ترى أن الظرف يتقدم إذا عمل فيه المعنى، ولا يجوز أن يكون حالًا، لأن الحال لا يتقدم إذا عمل فيه المعنى، كما يجوز تقدم الظرف.
فقولك: بكل وهدٍ على هذا، مستقر فيه ضمير، على قول من تقدم بالابتداء، ولا شيء فيه، على قول من رفع بالظرف.
وإن جعلت: من الصهب المستقر، فقولك: بكل وهدٍ يجوز أن يكون حالًا متقدمة، وفيها ذكر من حوار.
قال عنترة:
لقد كذبتكَ نفسك فاصدقنها لما منَّتكَ تغريرًا قطامِ
[ ٢٢٣ ]
يجوز أن يكون ما بمنزلة الذي، ةوةضعت موضع من وقد تأول أبو الحسن، على هذا مواضع من القرآن، فيكون التقدير: لمن منتك تغريرًا قطام، وأنث ما على المعنى، في قوله: لما منتك كقوله تعالى: (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنّ).
فإن رفعت التعرير، فقلت: لما منتك تعرير قطام، وجعلت ما بمنزلة الذي، أو المصدر، لم يسقم، لأنك تفصل بين الصلة والموصول.
فغن قلت: أضمر في قوله: منتك شيئًا، وأجعل قطام بدلًا منه، لم يجز أيضًا، لأن البدل لا يجوز إخراجه من الصلة، كما لا يجوز ذلك في المبدل منه.
ولكن غن أضمرت في منتك فاعلًا فقلت: الذي منتك، تريد: الذي منتكه، فتعود الهاء إلى الموصول، ثم كأنه قيل لك، من الممنى؟ فقلت: قطام لم يمتنع، لأنه لا فصل حينئذ في ذلك بين صلة وموصول.
ويجوز أن تجعل ما زائدة، فيكون: لمنتك تغريرًا، فعدى منت إلى مفعولين، كقوله:
. . . . . فإنَّما منَّتك نفسكَ في الخلاءِ ضلالا
[ ٢٢٤ ]
أو جعله مفعول له، كقولك: منتك التغرير.
قال الأعشى:
هذا النهارُ بدالها من همَّما ما بالها بالَّليل زالَ زوالها
رواه أبو الحسن: هذا النهار، بالنصب، وكذلك رواه أبو عمرو الشيبانى.
فأما من رفع النهار فجعله وصفًا لهذا، وحذف الراجع من خبر المبتدأ، كأنه: هذا النهارُ بدالها فيه.
فأما فاعل بدا فيكون البداء، الظاهر في قول الآخر:
لعلَّك والموعودُ حقٌ لقاءهُ بدالكَ في تلك القلوصِ بداءُ
فأضمر المصدر الذي أظهره هذا الشاعر الآخر، لدلالة الفعل عليه، ومثل ذلك قوله ﷿: (ثُمّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الاَيَاتِ).
ويجوز في قياس قول أبي الحسن، في إجازته زيادة من في الواجب: هذا النهارُ بدالها فيه من همَّها، أي همَّها.
[ ٢٢٥ ]
ومن استجار حذف الفاعل، ممن خالف سيبويه، جاز على قياس قوله: أن يكون من همها صفة للفاعل المحذوف، كأنه: بدالها بدو من همها، فتحذف الفاعل، وتقيم صفته مقامه، ولا تضمره في الفعل.
ومن أضمر في بدا الفاعل، ولم يجز زيادة من في الواجب، كما يجيزه أبو الحسن، كان قوله: من همها في موضع نصب بالحال، وفيه ضمير يعود إلى المضمر، في بدا.
ومن نصب النهار من قوله: هذا النهار جاز نصبه وجهان: أحدهما على: زيدًا
مررت به، والآخر: أن يكون ظرفًا لبدا، كأنه: بدالها البداء في هذا النهار.
ويجوز أن يكون قوله: هذا في قول من نصب النهار إشارة إلى الارتحال، كأنه لما قال: رحلت قال: هذا الارتحال بدالها النهار، فيكون في بدا ذكر يعود إلى المبتدأ الذي هو هذا وكان المعنى عليه، لأن المعنى: هذا الارتحال، والمفارقة بدالها في النهار، فما بالها في الليل يعتادنا خيالها، هلا فارقتنا بالليل، كما فارقتنا بالليل، كما فارقتنا بالنهار!
فأما فاعل زال في قول من نصب زوالها فجائز أن يكون الهم، لن ذكره قد تقدم، كأنه قال: زال الهم زوالها، فدعا عليها بأن يزول زوالها، أي زال همها معها، حيث زالت، وقد حكى هذا القول عن أبي عمرو الشيباني.
ويجوز أن يكون فاعل زال اسم الله ﷿، كأنه قال: زال الله زوالها، من قوله، زلته فلم ينزل، وعلى هذا قول ذي الرمة:
وبيضاَء لا تنحاشُ وأمُّها إذا ما رأتنا زيل منَّا زويلها
[ ٢٢٦ ]
وقال الأعشى:
وما عنده مجدٌ تليدٌ ولالهُ من الريح فضلٌ لا الجنوبُ ولا الصَّبا
تقدير هذا: ولا له من فضب الريح فضل، ولا فضل الجنوب، ولا فضل الصبا، فحذف المضاف، والمعنى أنه لم ينل أحدًا، فيكون كريح الجنوب، في مجيئها بالغيث، ولم ينفس عن أحد كربة، فيكون كريح الصبا، في طيبها وروى غيره:
وما عنده رزقٌ علمتُ زلا لهُ علىَّ من الرَّيح الجنوبُ ولا الصَّبا
وتقدير هذا أيضًا: ولا له على من فضل الريح، فضل الجنوب، ولا فضل الصبا.
وقال أمية:
له ما رأتْ عينُ البصيرِ وفوقه سماءُ الإلهِ فوقَ ستَّ سمائيا
[ ٢٢٧ ]
المعنى: فوق ما رأت عين الضمير سماء الإله.
فأما فوق ست سمائيا فمن رفع الاسم بالظرف، كان متعلقًا بمحذوف، في موضع حالٍ، والعامل فيها الظرف الأول، وذو الحال سماء الإله، والذكر الذي في قوله: فوق ست سمائيا المرفوع يعود إليها.
ومن رفع الاسم بالابتداء، كان التقدير عنده، وسماء الإله فوقه، وكان قوله: فوق ست سمائيا حالًا من الذكر المرفوع في فوقه، والذكر الذي في قوله: فوق ست سمائيا يعود إلى هذا الذكر.
ولا يجوز أن يكون فوق ست سمائيا حالًا من سماء الإله كما كان في القول الآخر، لأنه لم يعمل فيها ما يصح أن يكون عاملًا في حال، ولا تعمل السماء في حال.
فإذا كان كذلك، علمت أن الحال التي هي فوق ست سمائيا، عن الذكر العائد إلى الابتداء العامل فيها العامل في ذي الحال الرفع.
وقال أمية أيضًا:
ومن خلفه ذاك المبينُ شعارهُ له أثر على البرّية عاليا
قيل: المبين، يعني الشمس، وشعاره: ما استشعر من الضوء.
[ ٢٢٨ ]
وقوله: له أثر على البرية إن جعلت قوله: على البرية متعلقًا بالأثر، وجعلته جاريًا مجرى المصدر، كقوله:
غزاتكَ بالخيل أرض العدوَّ
وقوله:
وبعد عطائك المائة الرتاعا
فإن الحال، على قول من رفع بالظرف، عن النكرة، التي هي أثر والعامل في الحال التي هي عاليا الظرف الذي هو له، والذكر الذي في الحال يعود على أثر النكرة.
ومن رفع بالابتداء، كان الحال عن الذكر الذي في له، والحال للذكر، والعامل فيها الظرف.
وإن جعلت قوله: على البرية صفة للنكرة، وجب أن تعلقه بمحذوف، وتضمنه ضميرًا مرفوعًا، فيصلح أن يكون عاليًا حالًا عن الضمير الذي في الصفة، ولا يصح ذلك على التقدير الأول، لنه بمنزلة اسم منصوب، لا ذكر فيه فيكون عنه حالٌ.
[ ٢٢٩ ]
فأما قوله: له أثر على البرية عاليا فإن من رفع الاسم بالظرف، يجئ على قوله أن يعمل في الجملة التي هي: له إثر واحد من ثلاثة أشياء: الظرف، أو الاسم المبهم، أو المبين.
ومن رفع بالابتداء، زاد في الكلام على قوله اسم، يجوز أن يكون الحال عنه أيضًا، وهو الذكر الذي يصير في الظرف، العائد غلى الابتداء، والعامل في الحال أيضًا أحد الأشياء الثلاثة التي يجوز عمل كل واحد منها في القول الآخر فيها، والعائد من الحال إلى ذي الحال، الذكر الذي في له المجرور.
ولا يجوز أن يكون العائد إليه مرفوعًا، لأنه قد ارتفع به الظاهر، أو المضمر، على قول من رفع بالابتداء، فإذا ارتفع به شيء ظاهرٌ أو مضمر، لم يحتمل أن يرتفع به شيء آخر، فيرتفع به شيئان، ولكن العائد إلى ذي الحال، الذكر المجرور.
وقال أمية:
رجلٌ وثورٌ تحتَ رجل يمينه والنَّسرُ للأخرى وليثٌ مرصدُ
قوله: للأخرى خبر للنسر، وليث مرصد معطوف على النسر، ومرصد صفة للنكرة، والخبر محذوف، تقديره: وليث مرصد للأخرى، فحذف، مثل زيد منطلق وعمرو، كان النسر والليث، في هذه الجهة، مثل الرجل والثور، في الجهة
الأخرى.
قال أمية، يعظم الله تعالى:
الحاملُ النارَ في الرطبين يحملها حتى تجئ من اليبسين تضطرمُ
لا يخلو قوله: الحامل من أن يكون ابتداء، أو خبر مبتدأ، فغن كان خبر مبتدأ، أمكن أن يكون جميع ما في البيت من صلة الحامل.
[ ٢٣٠ ]
فأما قوله: في الرطبين فإنه يجوز تعلقه بشيئين، أحدهما: أن يكون ظرفًا للحمل، أي يحمل في الرطبين، ولا شيء فيه على هذا.
ويجوز أن يكون حالًا من النار، فيتعلق بمحذوف، ويتضمن ضميرًا من ذي الحال، التي هي النار.
فأما قوله: يحملها فيكون حالًا مؤكدة من الحمل الذي في الصلة، مثل قوله:
كفى بالنَّأىِ من أسماءَ كاف
وأبيات نحوها قد جاءت.
وإذا جعلت يحمل حالًا، أمكن أن يكون في الرطبين حالًا من ضمير النار المنصوبة، وان يكون ظرفًا للفعل، ولا يكون حالًا من ضمير الفاعل، كما لم يجعله حالًا من الضمير المرفوع في الحامل، لأن الحامل اسم الله ﷿، فلا يكون أن تجعله حالًا من الرطبين.
فإن قلت: فقد قال تعالى: (وَهُوَ اللهُ فِي السّمَاوَاتِ).
[ ٢٣١ ]
فذلك أحسن، لعموم المدح.
ولا تمتنع على واحد من المذهبين أن تجعله حالًا من الضمير، وإن كانت الحال متقدمة، لأن ذا الحال مضمر.
وأما حتى فتكون متصلة بالحامل، التقدير: حمل في الرطبين كي يجئ في اليبسين، كما تقول: كلمته حتى يأمر بشيء، أي كي يأمر لي، واليبسين ظرف
ليجئ، ويضطرم حال من الضمير الذي في يجئ.
وإن شئت جعلت من اليبسين متعلقًا بيضطرم، فجعلته ظرفًا، أو حالًا.
وإن جعلت الحامل ابتداء، وجعلت يحملها الخبر، لم يحسن أن تجعله خبرًا، كما جعلته حالًا، لأن الحال قد تجئ مؤكدة، والأخبار ينبغي أن تكون مفيدة، ألا ترى انه حمل:
إذا كان يومٌ ذو كواكب أشنعا
[ ٢٣٢ ]
على وقع، ولم يجعلها الأخرى.
فإن قال: أجعل يحملها الخبر، وأعلق حتى به، وأتأول وجهيها، فأقول: يحمل إلى أن يجيء، أو كي يجيء؛ ليكون فيه زيادة فائدة على ما كان في المبتدأ، ألا ترى أنه قد جاز: ضرب ضرب شديد، ونفخ نفخ شديد، فجاز من أجل الصفة، وحسن، ولولا الصفة لم يحسن: ضرب ضرب، ولا نفخ نفخ، فكذلك أجعل ما تعلق بيحملها محسنًا لأن يكون خبرًا، كالصفة في ضرب ضرب شديد؛ لاجتماعهما جميعًا، في زيادة الفائدة، وإذا كان كذلك، يم يكن بمنزلة قولك: الذاهبة جاريته صاحبها؛ لأن هذا الخبر لا زيادة فقيه على ما أفاد المبتدأ، وهذه المتعلقات قد جرت عنده مجرى الصفة، لما تحدثه من التخصيص، كتخصيص الصفات؛ ألا ترى أنه قد أجاز: سير عليه ملى من النهار، جعلت من النهار متعلقًا بمحذوف، أو جعلته متعلقًا بنفس ملى، فهو قول.
وقال أمية يصف الهلال:
لانقصَ فيه غيرَ أنَّ خبيَّهُ قمرٌ وساهورٌ يسلُّ ويغمدُ
يقول: إن الهلال خلقته أبدًا واحدة، وإنما يراه الرائي ناقصًا لقربه من الشمس، فعلى قدر قربه منها، وبعده عنها، يكون تمامه ونقصه، نفي مرآة العين.
[ ٢٣٣ ]
فأما قوله: وساهور فلا يخلو من أن يكون معطوفًا على قمر، أو يكون قوله: ساهور اسئنافًا، فلا يجوز أن يكون معطوفًا على قمر، على حد قولك: خيبك
درهم ودينار؛ ألا ترى أن الساهور ليس بخبى للقمر، ولا منه في شيء، إنما الساهور ظل الأرض، الذي يكسف القمر، بستره ضياء الشمس عن القمر، وضياءه عنها، والساهور، فاعول من الساهرة، التي هي الأرض، وقد قيل: إن الساهر الذي هو خلاف الراقد مأخوذ من ذلك؛ لن الساهر لايقصد الأرض، وهذا عندي على غير قياس؛ لأن الساهر ينبغي أن يكون الجانح إلى الأرض، لا المتجافي عنها، كما قال:
وصاحب نبَّهته لينهضا إذا الكرى في عينه تمضمضا
فقام عجلانَ وما تأرَّضا
أي لا يثقل ججانحًا إلى الأرض، ولكنه يخف إذا دعى، غلا أن الساهر جاء على نحو: تأثم، إذا اجتنب الإثم، وتحوب، إذا لم يرتكب الحوب، فكذلك سهر: جفا عن الأرض.
والتقدير في الإعراب: وثم ساهور، أو: في الوجود ساهور، يسل ويغمد، أي يسل القمر منه، وذلك إذا كان متجليًا غير مكسوف، ويغمد القمر فيه إذا كسف، فالتقدير: وفي الوجود ساهور، يسل منه القمر تارة، ويغمد فيه أخرى.
ويسل ويغمد في موضع رفع؛ لأنه صفة ساهور، ومنه وفيه محذوفتان، كما حذف فيه عنده، من قوله ﷿: (يَوْمًا لاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نّفْسٍ شَيْئًا)،
[ ٢٣٤ ]
أو يكون حذف الحرف، وأوصل الفعل بغير حرف، وحذف الضمير، كما حذف من قوله: الناس رجلان؛ رجل أكرمت، ورجل أهنت.
وقال:
وترى شياطينًا تروغُ مضافةً ورواغها ضمنٌ إذا ما تطردُ
ترى، تقديره: تعلم؛ لأنك لا تحس الشياطين، ولكن تعلمهم بخبر الصادقين.
فإن جعلت تروغ المفعول الثاني، كان قوله: مضافة طحالًا، وإن جعلت مضافة
المقعول الثاني، كان موضع تروغ نصبًا، بأنه حال، والأحسن أن تجعله وصفًا؛ لأن شياطينًا نكرة.
قالوا: وإنما وصف العرش والكرسي، فكأنه قال: وتعلم شياطين تجيء لتسترق السمع.
قال: والمضاف: الملجأ، قالوا: واشتقاقه من الضيف، والضيف سمي ضيفًا؛ لنه يعدل عن الطريق، فينزل بقوم، والتقدير: وذو رواغها ضمن، وكان القياس أن يقول: ضامن؛ لأن فعل إنما يكون لما ثبت، مما يكون خلقة، أو غرلايزة في لزوم الخلق، وقد علق هذا باستقبال، فكان ينبغي أن يكون مثل: بعيرك صائدًا غدًا، وعينه عاورة بعد غد؛ لتوقع عليه الجاري على الفعل، لا الذي هو لما ثبت واستقر.
ووجهه الحكاية لما يصير إليه في المستقبل، كقوله تعالى: (وَنَادَىَ أَصْحَابُ النّارِ)، وهو لم يكن بعد، ومثله من الحكاية لما مضى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلّذِيَ أَنعَمَ اللهُ
[ ٢٣٥ ]
عَلَيْهِ)، وقوله: (هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوّهِ).
وتقال أمية:
لولا وثاقُ الله ضلَّ ضلالنا ولسرَّنا أنَّا نتلُّ ونوأدُ
وثاق: في موضع توثقه؛ لأنه يتعدى في المعنى إلى الشياطين، المعنى: لولا توثقه الله الشياطين، بما علمنا من الاستعاذة منها.
ووقوع الوثاق موقع التوثقة، كوقوع السراح موقع التسريح، في قوله ﷿: (وَسَرّحُوهُنّ سَرَاحًا جَمِيلًا)، في أنه وقع موقع التسريح، كما قال ﷿: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)؛ لأن الوثاق خلاف السراح.
ويجوز على قوله:
غزاتكَ بالخيلِ أرضَ العدو وفليومَ من غزوةٍ لم تجمْ
وقوله:
باكرتُ حاجتها الدَّجاجَ بسحرةٍ لأعلَّ منها حينَ هبَّ نيامها
[ ٢٣٦ ]
أن تعمل نفس الوثاق، وكذلك قوله:
أأكفرُ بعد ردّ الموت عنِّي وبعدَ عطائك المائةَ الرَّتاعا
والوثاق: اسم اللعين، كالدهن، وليس اسم الحديث؛ ألا ترى أن قوله سبحانه: (فَشُدّواْ الْوَثَاقَ) إنما هو اسم ما يوثق به [الأسير]؛ من قيد، أو حبل.
وأما قوله: ضل ضلالنا فيكون على أن يسند ضل إلى الضلال، كما قالوا: جن جنونه، فأسند جن إلى الجنون، قال:
هبَّتْ له ريحٌ فجنَّ جنونه لمّا أتاه نسيمها يتوجَّسُ
وعلى هذا حمل بعض البغداديين قول ابن مقبل:
تخالُ ناعرها بالَّليلِ مجنونا
قال: هو على: جن جنونه، كأن ناعرًا من النعرة التي تدخل الأنف.
ويروى:
تخال باغزها بالليل مجنونا
[ ٢٣٧ ]
وقال أوس:
إذا ناقةٌ شدَّتْ بحبلٍ ونمرقٍ إلى حكمٍ بعدي فضلَّ ضلالها
وقالوا: عمى عماه، وعلى هذا قول رؤبة:
وبلد عامية أعماؤه
وقالوا: خرجت خوارجه.
ويكون ظل ضلاله على: صاحب ضلاله، وصاحب ضلاله هوهو، فيسميه الضلال؛ لكثرة ملابسته له، وشدة ذهابه فيه، فيسميه باسم الحدث؛ لكثرة ذلك منه.
وقريب من هذا: شغل شاغل، وشعر شاعر؛ كأنه يشبه الحدث بالعين، فيضيف
إليه ما يضاف إلى العين.
وعكس هذا قولهم: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة، فهذا قد نزل فيه العين تنزيل الحدث؛ ألا ترى أنه جعل ظرف الزمان خبرًا عنه، ومن ذلك قول الشاعر:
[ ٢٣٨ ]
جدَّتْ جدادِ بلاعبٍ وتقشَّعتْ غمراتُ قالبِ لبسةٍ حيرانِ
وقال أمية:
والنارُ فيها كظهرِ الرَّألِ هابيةٌ في الأرض منها إذا استوشيتها سررُ
قال الراوي: لا أدري كيف الرواية.
قوله: فيها يجوز فيه ثلاثة اضرب، أحدها: أن يكون مستقرًا، فيكون قوله: كظهر الرأل حالًا عن الضمير المرفوع الذي في فيها.
ويجوز أن يكون ظرفًا، والعامل فيه: كظهر الرأل، وإن تقدم عليه، ولا يجوز أن يكون حالًا؛ لأن العامل إذا كان معنى لايتقدم عليه الحال، وإن جاز تقدم الظرف عليه.
ويجوز ان يكون فيها متعلقة بهابية. ولايكون في قوله: فيها ذكر، على هذا، ولا إذا كانت ظرفًا للكاف.
ويجوز أن يكون فيها وكظهر الرأل على: حلو حامض، فيكون الذكر على قياس ما يكون فيهملا، فإذا جعلته كذلك، كان هابية حالًا من كل واحد من الظرفين على انفراده، في قول من جعل في كل واحد ضميرًا.
[ ٢٣٩ ]
وقيل: شبه النار بظهر الرأل؛ لأن ظهر الرأل أحمر، وهابيه: غبراء.
استوشيتها: حركتها.
وسرر: خطوط وآثار.
قال ذو الرمة:
وحتىَّ أتى يومٌ يكادُ من اللَّظى به التُّومُ في أفحوصهِ يتصيَّحُ
قوله: في أفحوصه يكون ظرفًا لشيئين، لا ذكر فيه على ذلك؛ يجوز أن يكون ظرفًا ليكاد، كأنه: يكاد التوم في أفحوصه.
ويجوز أن يكون ظرفًا ليتصيح.
ويجوز أن يكون حالًا من التوم، والعامل فيه: يكاد.
ويجوز أن يكون حالًا من الفاعل في يتصيح على المذهبين جميعًا؛ لأن ذا الحال مضمر، وفي الظرف ذكره على الوجهين.
فأما قوله: من اللظى فيجوز أن يتعلق بشيئين: بيكاد، وبيتصيح، كأنه: يكاد التوم في أفحوصه يتصيح من اللظى به.
فغن قلت: كيف جاز هذا، نهو فصل بمفعول المفعول؟ هلا امتنع، كما امتنع: كانت زيدًا الحمى تأخذ؟
فالقول أن هذا لايمتنع في الظرف، ألا ترى انه قد جاء.
فلا تلحني فيها فإنَّ بحبِّها أخاكَ مصابُ القلبِ جمٌّ بلابلهْ
[ ٢٤٠ ]
فأما يكاد فموضعه رفع؛ لأنه وصف للنكرة، والعائد إلى الموصوف من الصفة، الهاء التي في به، وبه في موضع نصب، لتعلقها باللظى.
وأنشدنا علي بن سليمان:
لسانك لي أرىٌ وغيبك علقمٌ وشرُّكَ مبسوطٌ وخيرك ملتوى
ليس يخلو اللسان من أحد معنيين: إما أن يكون الجارحة، أو الذي بمعنى الكلام، كقوله ﷿: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رّسُولٍ إِلاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)، كأن المعنى: بلغتهم، مما يقوى ذلك إفراد اللسان حيث [أ (يد به اللغة، وجمعه حيث] أريد به الجارحة، قال ﷿: (وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ)، وأنشد أبو زيد:
ندمتُ على لسانٍ كان منِّي فليتَ بأنَّه في جوف عكمِ
[ ٢٤١ ]
فذها تعلم أنه لايريد به الجارحة، لأن الندم لايقع على الأعيان، إنما يقع على معان
فيها.
فإن قلت: فقد قال:
فليت بأنه في جوف عكم
والمعنى لايكون في جوف العكم، إنما يكون العين.
قيل: هذا اتساع، وإنما أراد: فليته كان مطويًا لم ينشر، كما قال أوس:
ليس الحديثُ بنهبي بينهنَّ ولا سرٌّ يحدِّثنه في الحيِّ منشورُ
فليس المنشور هنا كقولك: نشرت الثوب، الذي هو خلاف طويته، وإنما يريد أنه لا يذاع ولا يشاع، فاتسع، وكذلك قوله:
إنِّي أتاني لسانٌ لا أسرُّ به من علو لا كذبٌ فيه ولا سخرُ
[ ٢٤٢ ]
فإن جعلته من هذا الوجه، أمكن أن يكون لي متعلقًا به، كقولك: كلامك لي جميل.
وإن جعلت اللسان الجارحة، احتمل أن تريد المضاف فتحذفه، فإذا حذفته احتمل وجهين، أحدهما: أن يكون علي: صلى المسجد، أي أهله، والآخر: أن تحذف المضاف، فتجعل اللسان الكلام، كما قالوا: اجتمعت اليمامة، فجعلهم كأنهم اليمامة، وكما قال:
إذا انتمُ باللَّيلِ سرَّا قٌ وصبحَ غدٍ صرارهْ
فجعلهم الحدث، فكذلك تجعل اللسان الحدث. فإذا جعلته كذلك، أمكن أن يتعلق به لي كما تعلق به في الوجه الأول، وكما أجاز أن تجعل اسم الزمان خبرًا عنه، كذلك يتعلق به الجار.
فعلى هذين الوجهين؛ هذا، والذي ذكر أولًا، يجوز أن يتعلق به الجار تعلقه بنفس المصدر، ويجوز في لي بعد، أن يتعلق بمحذوف، ويكون هو وقوله: أرى الخبر، مثل: حلو حامض.
ويجوز فيه أيضًا أن تجعله خبر المبتدأ، الذي هو لسانك، وتجعله الجارحة؛
[ ٢٤٣ ]
لأنك
قد تقول: فلان لطيف اللسان، تريد به الكلام وتلقى الناس بالجميل، فيكون الخبر، ويحتمل ضميرًا للمبتدأ، وتجعل أريًا بدلًا من الضمير الذي في لي.
ويجوز أن يكون لي في موضع نصب على الحال، كأنه أراد: لسانك أرى لي، فيكون صفة إذا تأخرت، فإذا تقدمت صار حالًا، كقوله:
لعزَّة موحشًا طللُ
فإن قلت: إن أريًا معناه: مثل أرى، فالعامل معنى فعل، وإذا كان معنى فعل، لم يجز تقدم الحال عليه.
فالقول في ذلك: انك تضمر فعلًا يدل عليه هذا الظاهر، فتنصب الحال عنه، كما أضمر فعلًا انتصب عنه المفعول به، في قوله:
تبدَّلْ خليلًا بي كشكلكَ شكله فإنِّي خليلًا صالحًا بك مقتوى
فكما أن خليلًا في هذا البيت، محمول على فعل مضمر، كذلك يكون الفعل المضمر المنتصبة الحال عنه، كأنه: لسانك يستحلى ثابتًا لي.
وإن شئت قلت: إن الحال لما كانت على لفظ الظرف، وكانت في المعنى تشبه الظرف، جعلها الشاعر بمنزلة الظرف، فأعمل فيها المعنى، وإن كانت متقدمة عليه،
[ ٢٤٤ ]
كما يعمله في الظرف متقدمًا، و، ن تجعل اللسان حدثًا، ولا تجعله الجارحة؛ لأنه قد عطف عليه حدثًا، وهو الغيب؛ أشبه، للتشاكل.
وعلى كل هذه الوجوه، في قولك: لي ذكر، إلا إذا علقته بالأول، على معنى الرسالة، والحدث، فإنه على ذلك لاشيء فيه، كما لاشيء في: بزيد، من قولك: مروري بزيد حسن.
أنشد أبو زيد، لحاتم الطائي:
شهدتُ ودعوانا أميمةُ أنَّنا بنو الحربِ نصلاها إذا شبَّ نورها
إذا جعل أميمة اسمًا يدعونها وينادونه، جاز أن يكون دعوانا موضعه نصب، بأنه
مفعول [معه] كأنه: شهدت مع دعوانا [أميمة] وموضع أميمة نصب بالمصدر.
وإن كان أميمة كالشعار لهم في الحرب، فإنه ينبغي أن يكون موضع الدعوى رفعًا بالابتداء، وخبره مضمر، كأنه: شهدت ودعوانا قول أميمة، والجملة في موضع نصب، بأنها حال.
[ ٢٤٥ ]
ويجوز أن تجعل الواو كالباء، كالتي في قوله: بعت الشاء؛ شاة ودرهم، أي بدرهم، فيكون المعنى: شهدت بدعوانا، أي شهدت بما نعتزي به وننتمي، وموضع دعوانا على هذا نصب على الحال، كما تقول: شهدت بسلاحي.
[ ٢٤٦ ]
باب