باب من
التثنية
قال عنترة:
أحولي تنفضُ استكَ مذوريها لتقتلني فها أنذا عمارا
اعلم أن التثنية على ضربين: أحدهما أن يلحق الاسم فيها
حرف التثنية، ويكون في تقدير الانفصال، والآخر: أن يصاغ الاسم على التثنية، ولا يقدر فيها انفصال الواحد، كما قدر في الوجه الأول، ولكن بني على التثنية، كما بني نحو السماوة والعظاية، على التأنيث، غير مقدر فيها دخول التاء على التذكير، وهذا أحد ما يدل على أن التثنية حرف الإعراب.
فالأول كقولك: رجل ورجلان، وامرأة وامرأتان، وعصا وعصوان، ورحًا ورحيان، ومعزى ومعزيان، ونحو ذلك.
[ ١١٨ ]
والثاني كقولهم: مذروان، وعقلته بثنايين، فهذان بنيًا على التثنية، كما بنى نحو الإداوة على التأنيث، ولولا ذلك لانقلبت الواو والياء، كما انقلبتا في ردائين،
ومغزيان، فلا مفرد لكل واحد من مذروين وثنايين، كما انه لا مذكر للإداوة والنهاية.
ومما ثنى على غير واحدة قولهم: ضبعان، لذكر الضباع. زعم أبو الحسن وأبو عمر، أنهم إذا أرادوا تثنية ضبعان، قالوا في تثنيته: ضبعان، قالوا في تثنيته: ضبعان، فثنوا المذكر على اسم المؤنث، فغلب المذكر المؤنث في هذا الباب.
وقال أبو زيد: قالوا: ضبع وضبعان، وثلاث أضبع، وهي الضباع، وضبعان، وضبعانان، وثلاثة ضبعانات، وهي الضباع، الذكارة منها.
قال أبو علي: نقول: إنه لا يخلو من أن يكون قاله قياسًا او سماعًا، وإنما لم نقطع على أنه قاله سماعًا؛ لأنه لم يسند القول فيه إليهم، كما أسنده في الضبع، فقال: قالوا: ضبع. فيحتمل أن يكون قال ذلك قياسًا على الضبع، ويحتمل أن يكون سمع اللفظة كما حكاها مثناه.
فإن كان قاله قياسًا، كان قول أبي الحسن أولى؛ لأنه روى استغناءهم بتثنية المؤنث عن تثنية ضبعان، ولا يجوز القياس فيما يرد المسموع، أو المفهوم منه.
[ ١١٩ ]
وإن كان قد سمع هذه اللفطة مثناه، فلا دلالة في سماعها على دفع ما رواه الحسن وأبو عمر؛ لأنه يمكن أن يكون القائل لذلك من العرب، جمع ضبعانًا المفرد، على ضبعان؛ لأن فعلانًا من ابنية الجموع، فيجوز أن يكون جمع ضبعانًا بحذف الزيادة، كما جمعوا كروانًا وورشانًا، على ذلك، فقالوا: كروان، قال:
كأنهم الكروان أبصرن بازيا
فالكسرة فيها غير الكسرة التي كانت في الواحد، كما أن الألف والنون كذلك، وكما أن الكسرة في: قنوان، وصنوان، غير الكسرة في: قنو، وصنو، وكذلك الكسرة في سيدان، [وسيدة]، غير التي كانت في سيد، قال ابو زيد: قالوا: سيد، وهي السيدان، وسيدة. وكذلك الكسرة في: ذيخة، غير الكسرة التي في ذيخ، قال أبو
زيد: ثلاث ذيخة، وهي الضباع، الذكارة، وقال: قالوا: عجل، وثلاثة عجلة.
وكما أن الكسرة في دلاص وهجان؛ إذا أردت لبهما الجمع، إنما هي على حد ظراف، وشراف، وليست التي كانت في الواحد.
وكذلك الضمة التي في الفلك، وأنت تريد الجمع، غير التي كانت في الواحد؛
[ ١٢٠ ]
لأنها على حد رهن، ورهن، وكث، وكث، وورد، وورد، ونحو ذلك.
ويجوز أن يكون شبه الألف والنون، في ضبعان، في الواحد، بالتانء، فحذفها، وكسر الكلمة، على حذف التاء منها، كما قالوا: نعمة وأنعم، وأكمة وآكم، وامة وآم، وشدة واشد، كما شبهها الآخر بها، فيما أنشده الأصمعي:
قبِّحتمُ يا ظربًا مجحَّرهْ أو الوبارِ يبتدرنْ الحجرهْ
ألا ترى ان الواحد: ظربان، ويكون تثنية الجمع، كقولهم: جمالان، قال:
لأصبحَ القومُ أوبادًا ولم يجدوا عند التّفرُّقِ في الهيجا جمالين
[ ١٢١ ]
وقالوا: لقاحان سوداوان، وإنما لقاح جمع لقحة، حكاه سيبويه، وأنشد أبو زيد:
هما إبلانِ فيهما ما علمتمُ فعنْ أيَّها ما شئتمُ فتنكَّبوا
فإذا أمكن فيه هذا الذي وصفنا لم يكن القولان متدافعين.
ومما ثنى على غير واحده، ما حكاه بعض البغداديين، من انهم يقولون: هذه فعلت ذاك، وهاتا فعلت [ذاك]، وذه فعلت [ذا]، وذي، ويثني في اللغات كلها: هاتان.
ومن هذا الباب: تثنية الأسماء المبهمة، [الأسماء] المثناة فيها مصوغة في التثنية، وليست على حد رجل ورجلان، ولكن على حد رجل ورجلان، ولكن على حد مذروان، لأن التنكير لا يجوز أن يلحقها.
[ ١٢٢ ]
باب